مقدمة جديدة في الديانة اليزيدية في ضوء الوثائق العثمانية
عارف خالد شيدا*

اليزيديّة في الأصل فرقة صوفية باسم العدوية، نسبة إلى عدي بن مسافر الأموي. وهكاري جاءت متأخرة، لأن زاويته الصوفية كانت تقعُ في (معبد لالش)، ضمن منطقة هكاري، التي كانت حدودها في التاريخ الإسلامي؛ تبدأ من منطقة الشيخان (عين سفني) جنوباً، وتمتد إلى مدينة (جولميرك) شمالاً، وبنهري دجلة والزاب الأعلى من الغرب والشرق. وحكمت هذه المنطقة إمارتان كورديّتان لعدّة قرون؛ الأولى باسم إمارة بهدينان، الّتي كانت عاصمتها العمادية، وقدِ استمرّتْ لغاية سنة 1842م. والثانية إمارة هكاري، وعاصمتها جولميرك، حتّى سقوطها هي الأخرى عام 1849م.
أمّا بخصوص التحوّل من الطريقة العدوية إلى اليزيدية؛ فهناك حلقتان مفقودتان، تتمثل الأولى في (الصحبتية)، والثانية في (الداسنية)، بعدها جاءت تسمية (اليزيدية). فقد شهد المشرق الإسلامي بعد سقوط الخلافة العباسية عام 656هـ/1258م، على يد المغول الوثنيين، ظهور العديد من الطرق الصوفية كردِّ فعل على ما أصاب المجتمع الإسلامي من نكبة بسقوط الخلافة، ولكن هذه الطرق الصوفية لم تتبلور أفكارها وتتحول إلى مؤسسات إلّا في العصـر الإيلخاني (1258 – 1353م)، بظهور العديد من الطرق الصوفية، حيث نشأت طرق صوفية في أطراف جبال كوردستان، كالعدوية، والبكتاشية، والصفوية وغيرها. وعلى الرّغم من استناد التصوف على الزهد، وإيثار الآخرة على الدنيا، والابتعاد عن السياسة، في المراحل الأولى لهذه الطرق؛ إلا أنها في المراحل اللاحقة دخلت في معترك السياسة، وتحول بعضها إلى بؤر سياسية، ومراكز عسكرية، على غرار الدول المغولية والتركمانية المحيطة بها؛ كالتيموريين، والقره قوينلو، والآق قوينلو، وغيرها. وقد حالف الحظ بعضها في تأسيس دول قوية، كالصفوية عام1501م، التي غيّرت عقيدة غالبية شعوب الهضبة الإيرانية.
وقد اطّلع الباحث على كتاب قيّم للأكاديمي الكوردي الدكتور (نزار أيوب كولي)، باسم [إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 – دراسة وثائقية]، الصَّادر عن الأكاديمية الكوردية في أربيل، وقد سلّط فيه الضوء – اعتماداً الوثائق العثمانية المختصّة – على موضوع (الداسنية والداسنيين)، ولا سيّما الحلقات المفقودة من تاريخ اليزيديين، وعلاقتهم مع الطريقة العدوية الصوفية؛ بقوله: “أمّا الطريقة العدوية، فلم يحالفها الحظ في تأسيس أيّ دولة، بسبب قربها من الموصل، التي كان يحكمها حاكم قوي؛ هو “بدرالدين لؤلؤ”، الذي اختار التشيّع كرد فعل على فكر وممارسات الطريقة العدوية، التي تحاول إعادة أمجاد الدولة الأموية. غير أن الأخيرة استطاعت إدخال العديد من الإمارات الكوردية إلى عقيدتها؛ كإمارات داسن وبوتان ومحمودي. ولمّا كانت الطريقة العدوية ظهرت في أرض داسن؛ لذلك فإنها أصبحت واجهة للعقيدة العدوية إلى حدّ صار أتباع الطريقة العدوية يسمّون بـ(الداسنية)”([1]).
كيفية ظهور إمارة داسن في العهد الإسلامي:
لا يُعْرف على وجه الدقّة متى تأسّست إمارة داسن، ويرجّح تأسيسها في الحقبة التي قامت فيها معظم الإمارات والزعامات الكوردية، ابتداءً من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، ويبدو أنها ظهرت إلى حيِّز الوجود في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، حيث شهدت تلك الفترة سقوط الدولة العباسية، وكان الحدث الفريد والأبرز الذي شهدته بلاد داسن؛ هو توجه الصوفي المعروف “عدي بن مسافر” إليها، في عام 505هـ/1111م، وإقامة زاوية له في وادي لالش – الواقع شمال شرق مدينة الموصل ([2]).
وقد كان للشيخ عدي بن مسافر أخاً اسمه صخر بن مسافر، وكان لصخر هذا ابن اسمه أيضاً صخر، والمكنى أبو البركات، وقد صحب عمّه عدي بن مسافر في رحلته، وهو الذي خلفه بعد موته، وذلك بناءً على وصيته التي قال فيها: “أبو البركات يخلفني”([3]).
وجديرٌ بالذكر أنّ الشيخ عدي بن مسافر لم يتزوج طوال حياته، وتوفي وهو أعزب. ويروى أنه سأل الله تعالى أن يجعل ذريته في أخيه صخر بن صخر بن مسافر، فاستجاب الله دعاءه، وهكذا كان، فإن “آل عدي الذين تناسلوا وكثروا؛ هم أولاد صخر بن مسافر، لا أولاد عدي”([4]).
وبعدها تحولت الزاوية إلى طريقة صوفية على يد ابن اخيه [أبي البركات صخر بن صخر بن مسافر]، وتوسّعتِ الطريقة في زمن ولده عدي الثاني، والتحقت بها “طوائف الأكراد”، لتتخذ طابعاً سياسياً وعسكرياً في زمن مشيخة حفيد ابن أخيه الشيخ الحسن بن عدي، ويعرف عند اليزيديين بـ(تاج العارفين) ([5]).
وفي عهد هذا الأخير تحوّلت الطريقة إلى حزب سياسي معارض للحكم العباسي، فالشيخ عدي بن مسافر – كما هو معروف – من الأمويين، بل ينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم آخر الخلفاء الأمويين، لذلك فالشيخ حسن بن عدي الثاني لم يكن يرضى بالخضوع لبني العباس، وهو من سلالة خلفاء بني أمية، ولكن لم يكن في يده أي حيلة للخروج من سيطرة خصومه وحكمهم، من أجلِ استعادةِ مجد بني أمية.. وعندما انتهت إليه مشيخة الطريقة العدوية، ورأى ما حوله من كثرة الأتباع والمريدين، الذين كانوا دوماً رهن إشارته، رأى في ذلك فرصة ذهبيّة ليقوم بالانقلاب على خصومه العباسيين، فبدأ بتقوية الصف الداخلي أولاً، وذلك من خلال إلقاء هالة من القداسة حول نفسه، فقد انعزل عن أتباعه ست سنوات، زاعماً أنه سوف يأتي بشـيء جديد للملة، فجاء لهم بكتاب (الجلوة لأهل الخلوة)، وأودع فيه عقائد باطلة خالف فيها عقائد المسلمين، ومن المرجح أن هذا الكتاب إمّا أنه قد ضاع أو أحرق أثناء حملة بدر الدين لؤلؤ على الشيخ حسن وأتباعه([6]).
ومن جهة أخرى، أفهم الشيخ حسن أتباعه بعد ذلك أنهم ليسوا كسائر البشـر، فهم من آدم فقط، أمّا بقية الطوائف الأخرى من مسلمين، ويهود، ونصارى، وغيرهم، فهم من آدم وحواء. وبعد ذلك قام بإحاطة تلك الأفكار والمعتقدات بسياجٍ منيع من السـريّة والكتمان، حيث أمر أتباعه بإخفاء تعاليم الملّة عن الطوائف الأخرى، وعدم كشفها لهم، كما أمرهم بالابتعاد عن التعلّم، والقراءة والكتابة، كل ذلك كي يسهّل انقيادهم له، والتحكّم في مصائرهم كيفما شاء. وبعد أن تأكّد الشيخ حسن أنّ أفكاره قد انتشـرت بين أتباعه، وأصبحوا يعتقدون بكل ما ينفثه فيهم، قام بمحاولة تنفيذ مخطّطه لإعادة مجد بني أمية([7]).
ويذكر أحد الباحثين المختصين باليزيدية بأن الذين أثّروا في الشيخ حسن، وغيّروا أفكاره وعقيدته؛ هو القطب الصوفي “ابن عربي” (550 – 638هـ/ 1155 – 1240م)، وذلك أثناء تردّد الشيخ حسن إلى الموصل، التي كان ابن عربي يقيم فيها آنذاك، ومنه – أو من غيره – انتقلت إليه عقيدة وحدة الوجود، فأودت به إلى القول بالرجعة والحلول، وبنى عليه مذهبه، الذي عرف به، فلاقى في نفوس أصحابه قبولاً، واعتقدوا به وأكبروه، ورفعوا به منزلته في عداد آلهتهم السبعة، وسموه دردائيل( [8]).
إلّا أن الظاهر فيه أنه لم يكن سياسياً بالمستوى المطلوب، على الرّغم من كونه قائداً بارعاً، وذا دهاء وفطنة، وذا تأثير كبير في أتباعه، لذلك فقد استطاع خصمه “بدر الدين لؤلؤ” القضاء على حركته بكل سهولة، حيث قتل الشيخ حسن شرّ قتلة، وقام بملاحقة أتباعه حتى جعلهم شذر مذر. وبدأ بالفعل بإرسال غارات إلى أطراف الموصل، ممّا أثار مخاوف أمير الموصل بدر الدين لؤلؤ من خراب الموصل “على يد العشائر الكوردية” بأدنى إشارة من الشيخ حسن، لشدّة طاعتهم له، لذلك دعا الشيخ إلى الموصل، وقتله غدراً، في سنة 544هـ/1246م ([9]).
لم يكتف بدر الدين لؤلؤ بما قام به، بل بدأ بتضييق الخناق على شيوخ الطريقة العدوية، وفي عام 1254م جرت معركة حامية بين جيش بدرالدين لؤلؤ وأتباع الطريقة العدوية، انتهت بهزيمة ساحقة للكورد العدويين، وقتل عدداً كبيراً منهم، ومن بينهم “أميرهم”، الذي أمر لؤلؤ بتقطيع جسده، وتعليقه على أبواب الموصل”. كما أرسل قوات قامت بنبش قبر الشيخ عدي الأول، في معبد لالش، وحرق عظامه. ولا يشير أي مصدر إلى اسم الأمير الداسني المقتول. على الرغم من عدم ورود أخبار أمراء داسن بعد سقوط بغداد بيد المغول عام 1258م؛ إلّا أن الأمر المؤكد هو تعرّض المنطقة؛ شأنها شأن بقية المناطق، للاجتياح المغولي، الأمر الذي أدّى إلى نزوح قسم كبير منهم إلى أماكن أخرى، فضلاً عن حملات ولاة الموصل – لا سّيما بدر الدين لؤلؤ – إذ اضطر قسم منهم إلى النزوح عن بلادهم؛ ففي سنة 1260م هرب الشيخ (عيسـى بن الشيخ حسن، ابن الشيخ عدي) ومعه أولاده وحريمه إلى مصـر، والتجأ إلى أميرها المملوكي الملك الظاهر بيبرس([10])، وهو ما أشار إليه المستشـرق الفرنسـي (توما بوا)، عندما قال بأن فرعاً من الأسرة العدوية قد التجأ إلى مصر سنة 1260م.
وفي السياق نفسه، تحدث المؤرخ السـرياني ابن العبري عن فِرار ابن الشيخ (عدي الثاني) من مدينة الموصل إلى مصـر، ومعه امرأته التترية، عام 1276م، ولم يذكر ابن العبري اسمه([11]).
في عام 1415م، وبتحريض من عالم ديني كوردي يدعى “جلال الدين محمد بن يوسف الحلواني”، شكّل كل من أمير (جزيرة بوتان)؛ الأمير “عز الدين البختي” [البوتاني]، وأمير (شرانش) السندي([12]) الأمير “توكل”، يرافقه عدد كبير من رجال عشيرة سنديان (السندي حالياً)، مع حاكم حصن كيفا، وأمير إمارة گورگل [الواقعة في سفح جبل الجودي]، تحالفاً عسكرياً دينياً، وأغاروا على معبد الشيخ عدي في لالش، وقتلوا الكثير من أتباع الطريقة، الذين باتوا يعرفون بـ(الأكراد الصحبتية)، ونبشوا قبر الشيخ عدي، وأحرقوا ما تبقى من عظامه. إلّا أن أتباعه جدّدوا عمارة معبدهم، واستمرّوا على تقاليدهم الدينية، ويرجّح أنه بعد هذه الأحداث أخذ مصطلح (داسن، والداسنية) يستخدم للإشارة إلى طريقة دينية معيّنة، وهي الديانة اليزيدية، في جغرافية (داسن) التاريخية ([13]).
تجدر الإشارة إلى أن أخبار إمارة داسن تنقطع طيلة القرن الخامس عشـر الميلادي، لكن المعروف هو أن منطقتهم كانت تحت حكم الأمراء التركمان لدولتي: القره قوينلو، ومن ثم الآق قوينلو.. ففي عام 850هـ/1446م أغار الأمير (جيهانشاه) القرة قوينلو على بلدة “دهوك، وجميع الأماكن الواقعة إلى جنوبها، وصولاً إلى مدينة الموصل، – وهي منطقة داسن – ونهبها كلياً”. وقد ورد في كتاب (تاريخ الكنيسة السـريانية الشـرقية) أنه في عام 1464م “أطلق [أمير الآق قوينلو] “حسن الطويل” يد مملوكه “خليل الأعور” – ربما يقصد قائده [خليل بك موصلو] – ليعمل السيف في رقاب سكان المنطقة، وكان من سوء حظ الكورد اليزيديين أن يكونوا ضحايا شرّه، فقتل منهم خلقاً كثيراً، حتى أنه أباد قرى بكاملها دون رحمة ([14]).
البداية الفعلية لظهور الديانة اليزيدية:
لقد مرّت اليزيدية بأربعة تسميات مختلفة، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن:
التسمية الأولى: الطريقة الصوفية العدوية، ظهرت سنة 1111م([15]).
التسمية الثانية: الصحبتية، التي ظهرت حوالي سنة 1415م([16]).
التسمية الثالثة: الداسنية، التي ظهرت بعد سنة 1508م([17]).
التسمية الرابعة: اليزيدية، وهذه هي آخر التسميات التي يتسمّون بها حالياً، حيث ابتعدوا عن الإسلام كلياً حوالي سنة 1566م، وما بعدها([18]). وفي رواية أخرى عام1591م([19])، وَفْقاً لما ورد في الوثائق العثمانية، استناداً إلى ردود فعل علماء المسلمين الكورد تجاه هذه الطائفة، صدرتْ بعضُ الفتاوى بشأن ارتدادِهم، وخروجهم عن الإسلام.
اعتداءات الطائفة الداسنية، حسب الوثائق العثمانية:
نظراً لما قامت به هذه الطائفة من قطع الطرق، والاعتداء على المارّة، والقوافل، ونهب الممتلكات، في العديد من المناطق التي تحت حكم هذه الإمارة أو الطائفة، أو المناطق القريبة من ديارها؛ لذا صدرت الأوامر من السلاطين العثمانيين إلى الأمراء العثمانيين في ولايات الموصل وديار بكر وشهرزور ونصيبين وحلب، وإلى الأمراء الكورد في العمادية وسوران وبوتان، وغيرها، بوضع حدّ لهذه الانتهاكات التي كان يقوم بها عصابات من الطائفة الداسنية، أو من زعمائهم، بل حتى من العديد من ولاتهم، الذين كانوا تابعين للدولة العثمانية نفسها. لذلك توالت عليهم الحملات العسكرية من قبل الإمارات والقبائل الكوردية، أو من قبل عساكر الدولة العثمانية.. حيث أرسلت عليهم العديد من الحملات العسكرية إلى مناطق الموصل، وضواحيها: أسكي الموصل وبعشيقة وبحزان وقرقوش والشيخان وسنجار، وأربيل وضواحيها: حزة، وكشاف، والزاب، وشهرزور، والسوران؛ بسبب عبثهم واعتداءاتهم المستمرة على السابلة والقوافل، بل حتى على كبار موظفي الدولة العثمانية نفسها([20]).
وفيما يأتي بعض هذه الحوادث، حسب التسلسل التاريخي:
1- أمر السلطان في 11 أيلول 1568م، أمير إمارة بهدينان، بضـرورة التعاون مع (قضاة الأرض) لإلقاء القبض على الذين “يقومون بالسـرقة وقطع السبيل والإغارة على القرى، سواء أكانوا من (الداسنية)، أو السباهية، وتطهير تلك الولايات المتحدة والممالك من لوث شناعاتهم”([21]).
2- كما أرسل السلطان أمراً إلى والي (ديار بكر)، في 21 تشـرين الأول 1568، يذكر فيه أن أمير سنجق أسكي موصل (جانبولاد بك) أخبره بأن شخصاً يدعى (صوفي الداسني)، وأخيه (كلابي)، يمتلكان تيماراً([22]) في سنجقه، ومقداره ١٠ آلاف آقجة، “إلّا أنهما يتماديان، ولا يعرفان حدودهما، وكلما سنحت لهم الفرصة يقطعون الطريق، ويزعجون المارة، وينهبون الممتلكات.. وطلب السلطان مجدداً بالتحقيق في هذا الأمر، وحبس الشخص المذكور، إذا تبيّن صدق الاتهامات.
3- نتيجة لكثرة الشكاوى من الداسنية، أمر السلطان العثماني السناجق القريبة بتوجيه حملة مشتركة إلى بلاد داسن، وقد ذكر السلطان في رسالته إلى أمير سنجق الموصل أن “طائفتي شيخان وداسن” تقطنان المناطق الواقعة بين الموصل وأرسياب([23]) والعمادية وجزيرة (بوتان)، وأنه سبق أن أرسل أمراً بتفتيش أحوالهم، وأن (آلاي بك) [سنجق الموصل]، وباشبوغات، والإنكشارية، والسباهية، وأمناء الأموال الأميرية، وجميع أهل الوقف [أي المطلعين على الأمر]، والثقاة، ذكروا أن الطائفتين منذ القدم أهل للفساد والسـرقة والنهب وقطع الطريق، كما أنهم لا دين لهم، ولا مذهب، وأنهم تركوا الصلاة، ومعروفون بجميع الأفعال القبيحة، وأن الجميع شهدوا على هذا الأمر.. واقترح السلطان توزيع مناطقهم كخواص على الأمراء المحليين، ليتمكنوا من السيطرة عليهم.. واستفسـر السلطان عن جدوى هذا الاقتراح ([24]).
4- في 8 آذار 1571 أصدر السلطان أمراً إلى أمير بهدينان بخصوص معلومات حول بعض الإجراءات التي سبق للأمير البهديناني أن اتّخذها تجاه الداسنية؛ فقد ذكر أن الأخير – بناءً على أوامر والي ديار بكر – التقى بسنجق بك الموصل (سنان بك) “لتفتيش أحوال الداسنية وتفحصها، وقد تبيّن أن مقرّ الداسنية هي “قرية بحزان”، التي سبق أن وجه حكمها إلى بهرام بك ابن سلطان حسين بك، وأن زعيم الأشرار والأشقياء؛ هو الشيخ عز الدين، وابنه بركات، والشيخ پيري. وتتبيّن من معلومات الوثيقة أن السناجق كانت قد أعدت نفسها للحملة المشتركة، ولكن بعد وصول أخبار توجيه الحملة، هرب الشيخ عز الدين وأتباعه إلى مكان مجهول، كما قتل من طائفة الداسنية كل من بير قاسم (والد صوفي بك المقتول)، وأخيه محمد كلابي بك، بير بك، زينل وأخيه الشيخ حيدر. وقد أعاد السلطان أوامره المشدّدة إلى أمير العمادية بضـرورة تنفيذ الأوامر الموجهة إليه، “والتركيز على القتلة والمجرمين فقط! و”لا تتدخل في هذا الأمر وحدك، ولا تنخدع بأقوال أهل الغرض، والمتعصبين، ولا تفعل شيئاً خلاف الشـرع والقانون. فقط اقبضوا على من لهم صلة مباشرة بالأمر، ولا تظلموا، ولا تتعدوا على الآخرين. خذوا حيطتكم في هذا الشأن، واعدلوا، ولا تنحرفوا عن جادة الحق…”([25]). ويبدو أنّ السلطات العثمانية قد فشلت في العثور على زعماء الداسنية والشيخان، وتمكّن هؤلاء من التحصّن في بعض المناطق المجاورة.
5- في 18 حزيران 1571 كتب السلطان إلى أمير بهدينان سلطان حسين بك، وذكر بأنه كان قد أصدر أوامره بضـرورة ملاحقة زعماء الداسنية والشيخان، إلا أنهم هربوا وانتشروا في سناجق جزيرة بوتان والموصل والعمادية وأربيل، وتحصّنوا فيها. كما أرسل السلطان أوامره إلى أمير هكاري (زينل بك)، وأمير جزيرة بوتان (بدر بك)، وأمراء الموصل وأربيل، ذكر فيها أن زعماء الداسنية قد التجؤوا إلى السناجق المجاورة لبلادهم، وطلب منهم التفتيش عنهم، وإنزال العقاب بمن يثبت مشاركته في التمرُّد على الدولة([26]). تمكن الأمير سلطان حسين، والقوات المتحالفة معه، من السيطرة بالفعل على منطقة داسن، والقضاء على حكم الزعماء فيها.
6- في 8 أيلول 1572 أرسل السلطان العثماني رسالة إلى والي بغداد، ذكر فيها معلومات حصل عليها من أمير بهدينان، مفادها أنه تمكّن من السيطرة على بلدة (بحزان)؛ مقر “زعيم الأشرار الشيخ عزالدين، وابنه بركات”، وقرية “باشيكا” القريبة منها، وأنه أنهى الشقاوة والفساد فيها، إلّا أنّ الزعماء وأتباعهم المقربون تمكّنوا من الهروب إلى أماكن مجهولة. وبالتزامن مع محاولات العثور على زعماء الداسنية والشيخان، وتقسيم مناطقهم على السناجق المجاورة، والعمل على منع إعادة لمّ شملهم، قامت السلطات المحلية؛ بتحريض عدد من رجال الدين، بمحاولة القضاء على الديانة اليزيدية (الإيزدية) أيضاً، إلّا أنّ العامّة من اليزيديين (الإيزديين)، وبشكل يثير الإعجاب، أصرّوا على البقاء على ديانتهم، والتمسّك بشعائرها([27]).
7- في رسالة مؤرّخة في 23 أيلول 1572، من السلطان العثماني إلى والي بغداد، ذكر أن أمير بهدينان سلطان حسين، ووالي شهرزور السابق أحمد بك، وقاضي آمد (دياربكر) مولانا حسين، بعثوا برسائل ذكروا فيها نجاحهم في القضاء على حكم الداسنية، وقتل قسم من أتباع زعيمهم المدعو عز الدين، بينما فرَّ الآخرون إلى السناجق المجاورة، و”التجؤوا إلى أمراء الموصل والجزيرة وأربيل. وقد ذكرت إحدى الرسائل – يرجّح أنها تعود إلى قاضي آمد مولانا حسين([28]) – الإجراءات التي اتّخذوها للقضاء نهائياً على الديانة الإيزدية في (داسن)، فقد ذكرت الرِّسالة: “أنّ الطائفة المذكورة لا دين لها، ولا يؤدون الصلاة، وأنّ معبدهم هو مزار الشيخ عدي، يقصدونه أثناء (عيد الحجاج) من جميع الأطراف، وكأنها الكعبة الشريفة. وقد سبق أن صدرت فتوى شرعية بكفر تلك الطائفة، وهدم ذلك المعبد، وبالفعل هدم المعبد، وسويّ مع الأرض! ولكن على الرّغم من ذلك فإن [أتباع الديانة] يقصدون ذلك المكان، ولم يتركوا هذه الفعلة، وقد أرسلنا من العلماء من بقوا فيهم 3 – 4 أيام ليرشدوهم، ويمنعوهم من سجدتهم الباطلة، لكنهم لم يتمكّنوا من دفعهم، لأن أتباع [الديانة الإيزدية] يتوجّهون ليلاً من الشام وحلب، وسائر النواحي، وجزيرة [بوتان]، والموصل، وحزو [حزة]، وأربيل، إلى ذلك المكان، ويقيمون شعائرهم…”([29]).
كذلك، شدّد السلطان في ردّه على الرِّسالة، على متابعة أتباع الطائفة، و”تفتيش قضاة الأرض”، والتعامل معهم بمقتضـى الشـرع الحنيف”، إذا “ثبت فسادهم. يبدو أن هزيمة الداسنية في عقر دارهم، قد دفع بأمراء ورجال الـدين في أماكن أخرى لانتهاز الفرصة والقضاء على الداسنية والديانة الإيزدية في الأماكن البعيدة أيضاً.
8- في 23 تشـرين الأول 1572 كتب السلطان إلى والي شهرزور، ذكر فيه أن قاضي شهرزور قد أعلمه أنه على طرفي نهر الزاب الكبير، الذي يمرّ بين الموصل وأربيل، يعيش سكان من الطائفة الداسنية، وأنهم “قد تحوّلوا إلى الديانة الإيزدية، فهم لا يؤدون الصّلاة، ولا يصومون، ولا يدفعون الزكاة، ونبذوا الحج إلى بيت الله، وأصبحوا قطاع الطرق ينهبون أبناء السبيل”. وقد أشار القاضي إلى حادثة بسيطة، ليتخذها حجة لكلامه، وهو قيام بعض الداسنية بالإغارة على إحدى الطواحين في أربيل، وسرقة ما فيها. وأضاف القاضي: “إذا لم يتدارك الوضع، فإنه سيتفاقم”. وقد أجاب السلطان بأنه أمر السلطات فى ولاية شهرزور بضـرورة متابعة الموضوع، وإذا ثبت أنهم أغاروا على السكان، وقطعوا الطريق، و(صاروا يزيديين)، فخذوهم، ونفّذوا القصاص الشرعي بحقّهم”([30]).
وعلى الرّغم من تباهي السلطات العثمانية والسناجق المحلية بالقضاء على الداسنية، إلّا أنّهم – في حقيقة الأمر – لم يستطيعوا أن ينهوا الديانة الإيزدية، ومعتنقيها، وفشلوا في القضاء على زعمائهم. ففي الوثائق العائدة إلى عام 1573م، نرى استمرار تمرُّد الشيخ عز الدين، وفشل السلطات في إلقاء القبض عليه. فقد أرسل قاضي الموصل سلسلة من الرسائل إلى السلطات، يخبره بأنّ الشيخ “عز الدين، وابنه بركات”، من “الطائفة الداسنية”، صاروا سييء المذهب، يقتلون وينهبون المارة، ويغيرون على القرى، كما أنهم يتدخلون في شؤون أرباب التيمار والزعامات، وقد رفضوا الحضور بناءً على الدعوة الشـرعية المقامة ضدهم. ورداً عليه ذكر السلطان بأنه أرسل أوامره المشدّدة إلى أمراء العمادية وجزيرة بوتان، بضرورة القصاص من رؤوس الفتنة، وتطهير تلك الممالك من لوث وجودهم ([31]).
9- في سنة 1573م، وبينما كان الأمير خان إسماعيل ابن سلطان حسين، وأبناء إخوته، متواجدون في منطقة (نمرود)، التي هي منطقة الصيد [البهديناني] للعشائر المهرانية والداسنية والبهادينانية [بهدينانية]، أغار عليهم عدد كبير من أتباع الشيخ عز الدين، يقودهم كل من ميرزا وسليمان، وبالكاد تمكّن خان إسماعيل من النجاة”([32]).
10- في رسالة إلى والي ديار بكر، ألقى السلطان العثماني المزيد من الضوء على هذا الموضوع، فقد استند السلطان على المعلومات التي حصل عليها من الأمير سلطان حسين بك؛ وقال: “لقد ازداد فساد زعيم الداسنية سعيد ابن حسين اليزيدي، وطائفة شيخان، لا سيّما زعيمهم الشيخ عزّ الدين، وأصبحوا قطاع الطرق، وحرامية… إن سعيد المذكور، كما كان مستمراً في فساده، وللكفّ عن العصيان، وجهنا سنجقي القرنة والغراف إليه، لكنه لم يتقيّد بالأوامر مطلقاً، ويسكن الآن في قرية كرمليس، ويشترط أن تصبح الداسنية تابعة له، وأن يوجه سنجق تكريت إليه… وقد انتشـر فساده في الموصل وأربيل ونصيبين، وما زال يُرهق أبناء السبيل. وإذا ما وجهنا سنجق تكريت إليه، وألحقت طائفة الداسنية إلى سنجقه، فسيزداد فساده كلياً ([33]).
11- في 7 آب 1575م كتب السلطان العثماني إلى أمير أربيل، يأمره بضـرورة التيقظ والعمل على إخماد عصيان طائفة الداسنية التي تقطن في سنجقه، وفي أطراف نهر (صاري صو)([34]).
12- في عام 1577، شهد تصعيداً كبيراً في مسألة “تمردات” الداسنية، ومنها قيام أفراد من الطائفة بقتل أمير سنجق باجوانلو، المدعو دلاور بك. ففي 16 كانون الثاني 1577 أرسل كل من أمير الموصل، وقاضيه (مولانا محمد)، كتاباً تحدثا فيه عن تحول سكان قرية (زطرا؟)، “التي هي من موقوفات الحرمين الشـريفين إلى الديانة الإيزدية، وقد تجرأوا وقتلوا أمير سنجق باجوانلو السابق دلاور بك. وذكر القاضي أنّ القتلة يتزعّمهم شخصانِ؛ هما: علي خان، وعيسـى. وأمر السلطان بضـرورة متابعة القضية، وتسليم القتلة والعصاة والأشقياء، والقصاص منهم، ليكونوا عبرة للآخرين ([35]).
13- أرسل السلطان رسالة إلى والي بغداد، وقاضيها، في 18 تموز 1577، ذكر فيها أن أمير العمادية (قباد بك) أخبره بأن أهل الفساد في ولايته، هم “الشيخان، والداسنية”. وذكر حادثة مفادها أن “ثمانية أشخاص من أهل العلم، مع عدد من البغال المحمّلة بـ”مازو” [العفص] وأشياء أخرى، كانوا في طريقهم إلى الموصل، وعند وصولهم إلى [باشيكا = قرية بعشيقة حالياً]، خرج إليهم عدد من أهل الفساد، منهم: عبدال، وعماد الدين، وقطعوا رؤوس أربعة منهم، ونهبوا أموالهم”. وعلى الرّغم من تأكيد السلطان ضرورة القصاص من القتلة، إلّا أنّه استطرد؛ قائلاً: آمركم بعدم الإغواء بالأقوال المزورة وشهود الزور، ممّا يُوحي بعدم قناعة السلطان نفسه بكل هذه الاتهامات تجاه الداسنية، والإيزيدية حصـراً، في حين كان الإيزديون يقطنون أماكن أخرى من ولايات الشام وحلب وديار بكر ووان ([36]).
14- في 2 تشرين الثاني 1578، وفي أمر آخر إلى أمير العمادية، تحدّث السلطان عن شكوى أهالي الموصل من قيام “أكراد الداسنية” بقطع الطرق. كما ذكر بأنهم أضرّوا بالأموال الأميرية في سنجق الموصل. وطلب من أمير العمادية التدخل، وإلقاء القبض على “الذين يديمون الفساد في المنطقة”. وقد أرسل السلطان نسخة من هذا الأمر إلى أمير جزيرة بوتان أيضاً([37]).
15- في أوائل عام 1579م، أصدر السلطان أمراً إلى سنجق بك الموصل، وقاضيه، ذكر فيه أن طائفة داسني الكورديّة، في حالة فساد دائم، وقد سبق أن أصدرت أوامري الشـريفة “بمنع توجيه أي حمل([38])، أو قليج([39])، أو آقجة، أو حتى حبة واحدة، إلى صوباشياتهم([40]). كما ذكر السلطان المعلومات التي حصل عليها من قاضي الموصل؛ وقال: “إنهم يجتمعون في جماعات من (50 – 60) رجلاً، ويقطعون الطرق المؤدية إلى ولايات بغداد، وشهرزور، وديار بكر، وحلب، وينهبون أبناء السبيل، وإنهم اتفقوا مع [طائفة] (الدنبلي)، فقطعوا طريق الموصل مرة، وطريق نصيبين مرة أخرى. وجرّاء أعمالهم هذه عطلت أعمال ضربخانة [أي دار سك النقود]، وطمغخانة [أي دائرة الرسوم] الموصل… وقد تفشـى الفساد في سنجق الموصل([41]).
16- كذلك، أرسل أمير العمادية معلومات أخرى حول تحركات الداسنية؛ فقد ذكر الأمير أنّ “طائفتي داسن، وشيخان، القاطنتين بين الموصل الجديد والعتيق([42]) وأربيل، صارتا قطاعين للطرق، لا سيّما زعيم عشيرة (بالقوس؟)، المدعو ميرزا، الذي يقطع الطريق، ويقتل المسلمين. إنّ أغلبَ أفراد الطائفتين مشغولون بالفساد، وإنهم احتقروا زعيم إحدى العشائر (يدعى عبدو بك)، كما أغاروا على قرية (قره قوش)([43])، ونهبوها، وقتلوا كتخدا القرية. كما تجرأوا وأغاروا على قافلة تابعة لسنجق بك أربيل (محمد بك)، وقتلوا عدداً من رجاله([44]).
17- كتب السلطان رسالة أخرى إلى والي بغداد، في 25 تشـرين الثاني 1579م، وورد فيها معلومات مهمّة حول الانتشار الجغرافي للداسنية وقوتهم. فقد ذكر السلطان أن “طائفتي الشيخان وداسني، القاطنتين بين الموصل الجديد والعتيق وأربيل، قد أعلنوا التمرُّد والشقاوة، ويقطعون الطريق، وينهبون أبناء السبل؛ وقد سبق أن أرسلت أوامري إلى أمير العمادية [قباد بك] بأن ينسّق مع قضاة الأرض، ويقبض على رؤوس الفتنة، ويتعامل معهم بمقتضـى الشـرع الحنيف… إن طائفة داسني تتألف من أكثر من (2000) أسرة، والآن أصبحت متمكنة في سناجق الموصل وأربيل وأسكي موصل والعمادية وسنجار وباجوان ونهر الزاب [الأعلى]، وقرى (آوخوش) وسلطان عبدالله، وجميع توابع ولايات بغداد وشهرزور. إن الداسنية طائفة متمرِّدة منذ القدم، ويبغضون الصحابة الكرام، وإنهم مشغولون ليلاً ونهاراً بالنهب وقطع الطرق على التجار والزوّار بين الولايات الثلاثة. وقد سبق أن قام بكوات السناجق بتأديبهم، إلّا أنّهم تمكّنوا من الهروب، وانتشـروا في الأرجاء، والآن يرسلون جماعات من (40 و60 و100 و200) مسلح، ويقتلون وينهبون ويصادرون الأموال الأميرية، وبسبب أفعالهم اضطرب الناس، وتركوا أوطانهم([45]).
18- في 18 شباط 1580 أرسل عدد من وجهاء مدينة الموصل محضـراً إلى السلطان العثماني، اشتكوا فيه من أعمال أمراء الكورد التابعين لعشيرة داسني، “وهم كل من سيف الدين، وإخوته، وأقرباؤه. وقد أرسل السلطان نصّ شكوى هؤلاء إلى والي بغداد، وذكر في أمره بأن هؤلاء المتهمين “شغلهم الشاغل في الليل والنهار؛ هو السَّلب والنّهب، وقطع الطرق، وقتل الأنفس”، لذا يجب تسجيل أسماء العصاة، والقصاص منهم، إذا ثبتت تهمهم، بحضور الشهود. كما شدّد السلطان في أمره على عدم التعرّض إلى من لا دخل له في “هذا الفساد”([46]).
19- في سنة 1583 أمر السلطان والي شهرزور بأنه حصل على معلومات تفيد بأنّ “طائفة (حرا؟)، التي تسكن على طرفي نهر الزاب [الكبير]، بين سنجقي الموصل وأربيل، أصبحت “يزيدية”، ومنذ ذلك الوقت خرجت عن الطاعة والقانون، وتقوم بقطع الطريق، والإضرار بأبناء السبيل، كما أنهم “خرجوا عن الدين، وقطعوا الأذان، وتركوا الصّلاة، وينكرون الحشــر ونكير ومنكر”. وقد أمر السلطان بالتفتيش في حقيقة هذه الأمور، وشدّد على الحذر من “التزوير والتلبيس والشهود الزور وأصحاب الغرض والتعصّب والافتراء، والابتعاد عن كل ما هو مخالف للشـرع الشـريف…”. وفي حال ثبتت التهم عليهم، لقنوهم درساً حتى يصبحوا عبرة للآخرين ([47]).
20- في 19 كانون الثاني 1583م، وردت أوامر إلى عدد من الإمارات الكوردية حول إظهارِ أمير تيمورخان، وأولاده، الولاء للدولة العثمانية. وفي 25 تشـرين الأول 1583 بتدبير هذا الأمر. بينما كان رجال الأمير في طريقهم إلى (إستانبول)، وقعوا في كمين لرجال من الداسنية، ونهبت أموالهم. وقد اتّهم السلطان (في أمر إلى أمير كشاف سيف الدين بك) الداسنية، بتدبير هذا الأمر([48]).
21- في سنة 1584، في حادثة أخرى مشابهة، قام عدد من رجال الداسنية بقطع طريق قافلة عائدة إلى أمير سنجق زنكاباد([49]) علي بك، وقتلوا عدداً من رجاله، ونهبوا أمواله. وقد ذكر السلطان هذه المعلومات في محضـر رسالته إلى أمير العمادية قباد بك، وأشار بأنّ اشقياء الداسنية قد توزّعوا على عدة سرايا، ويقطعون الطرق، وينهبون الأموال الأميرية”. ويفهم من معلومات هذه الوثيقة أنّ الدولة العثمانية قد عيّنت الزعيم الداسني، وأمير الشيخان (الشيخ بركات)، أميراً على (أسكي موصل)، بوصفه (سنجق بك عثماني). وذكر السلطان بأنّ الأخير يرافقه ابن عمه (زينال)، و(160) مسلحاً، دخلوا مدينة الموصل ذاتها، وأجبروا التجار على غلق محلاتهم لمدة 10 أيام. ولم يشـر السلطان إلى السبب الذي دفع بالشيخ بركات إلى هذا العمل ([50]).
22- لذلك ورد أمر في 8 حزيران 1591م، إلى أمير العمادية (سيّد خان)، وقضاة العمادية والموصل، تحدث فيها السلطان عن معلومات سبق أن حصل عليها من والي الموصل (أحمد بك)، تفيد بأنّ أحد الأمراء الداسنية – وهو سيف الدين بك -، يرافقه عدد من الأشقياء الداسنية، “قطعوا الطريق على ولي بك، ابن أمير جبل حمرين فرهاد بك، الذي كان في طريق العودة من العمادية إلى بيته، وقتلوه مع أربعة من رجاله، واستولوا على ما يحملون معهم من الأموال والأشياء. وردّاً على ذلك أصدر السلطان مراد الثالث، في 30 تموز 1591، أوامره إلى ولاة شهرزور والموصل وأمراء بهدينان وسوران وقره داغ، ذكر فيها بأنه سبق أن أرسل كل من والي شهرزور السابق حسن باشا، وسنجق بك شهرزور أحمد بك، وأمير جبل حمرين فرهاد بك، وأمير صارو [؟] السابق أبوبكر بكر، وأمير معدان نجف [بك]، وأمير أبو غربة أويس بك، وقاضي الموصل مولانا أحمد، وقاضي درتنك مولانا خليل، وآغا عزبان سنجق مهربان خداوردي، وآلاي بكات أربيل والحلّة، إلى سدّة سعادتي، وذكروا أن طائفة الداسني – التي تقطن على ضفتي النهر المسمّى بـ(زاب)، بين أربيل والموصل – قد تحوّلت إلى اليزيدية! ولم تعد تؤمن بالأحكام الشـرعية ونبوّة الرسول، وأصبح أفرادها مشركون لا دين لهم ولا مذهب! وأنهم حرّموا ما أحلّه الشـّرع، وأحلّوا ما حرّمه، وحاشا حتى أنهم أباحوا الزنا… وأنهم يقتلون أبناء السبيل، وينهبون الأموال والأرزاق، كما أنهم يُغيرون على القرى، ويخطفون النساء والبنات، بخلاف الشـرع، وبسبب هذه الأعمال الشنيعة، سبق أن صدرت الأوامر بإبادتهم، إلّا أنّ الأوامر قد أهملت، لذلك فقد عُسـر الطريق على أبناء السبل.. وبما أن هناك فتوى شريفة بضـرورة قتلهم وقمعهم، وأنكم الآن ترجون الإذن بقتلهم وقمعهم ونهبهم، وأنّك الوالي سبق أنْ عُيّنت قائداً لهذه المهمة، لذا تجمّعوا في مكان محدد، ووحّدوا قواتكم، ونفّذوا بحقّهم ما يستحقون، أمرت أنه: عندما يصلكم هذا الأمر، قوموا بالتجسس والتفتيش عن العارفين والواقفين بشأن الداسنية، وإذا ما تحقّق لكم بأنهم مستمرون على كفرهم، وقطعهم للطريق، وتيّقنتم من فسادهم وشناعتهم، عندئذ تجمّعوا في مكان تتفقون عليه، ووحّدوا قواكم، واقتلوهم، واسبوا نساءهم، وانهبوا أموالهم وأرزاقهم، ولقّنوهم درساً، حتى لا يفلت شخص واحد من الطائفة المذكورة، ولا تهملوا في مسألة قلع فسادهم، وشناعته وكفرهم وإلحادهم، ويجب تطهير صفحة الزمان من وجودهم النجسة.. وبناءً على أوامري السابقة والحالية أعيدوا الأمن والأمان إلى الطرق، وارفعوا العبء من على عاتق الرعايا والزوار، وإيّاكم أن تحموا هؤلاء المفسدين، وبعد [الآن] لا أريد أن تأتيني أيّ شكوى منك حول الطائفة المذكورة…”([51]).
وعلى أيّ حال، بعد فشل العثمانيين، وحلفائهم من علماء الكورد، في إعادة هؤلاءِ إلى حضن الإسلام من جديد، أضحوا أصحاب ديانة مستقلة، لم يعترف بهم العثمانيون كملّة مستقلة إلّا في بعض الأمور الهامشيّة المتعلِّقة بالتجنيد والشؤون العسكريّة.
ولكن مع نشأة العراق كدولة مستقلة عن الدولة العثمانية عام 1920م، تم الاعتراف بهم كإحدى الديانات الرئيسة في العراق، بجانب الإسلام والمسيحية والصابئة المندائية، فضلاً عن المجتمع الدولي.
وعلى الرّغم من كل ما تقدّم، كان القرن التاسع الهجري/ الخامس عشـر الميلادي، يعدّ العصـر الذهبي للديانة اليزيدية، حسب ما دوّنه المؤرّخ الكوردي “شرفخان البدليسـي” (1543 – 1599م)، التي انبثقت من جبال داسن، حيث كانت – بحسب وصف البدليسـي – الديانة الرسمية للعديد من الإمارات الكوردية؛ مثل: بوتان، محمودي، سليماني (كليس وأعزاز)، ودنبلي، كما كانت الديانة المنتشـرة بين القبائل الكوردية والعربية في أنحاء حلب وحمص وحماة والشام ([52]).
أمّا بخصوص الطريقة العدوية، فقد انقسمت العدوية إلى فرعين: الفرع الأوّل استقر في القاهرة عام 658هـ/1260م، لا سيّما بعد قتل بدر الدين لؤلؤ للشيخ حسن، والكثير من أتباعه. ولم يذكره اليزيديون في كتابهم، كما ذكروا الشيخ حسن، ولم نقف له على ترجمة في كتب التراجم، ولم نعلم من خبره إلّا ما رواه ابن العبريِّ في (تاريخ مختصـر الدول)، فقد ذكره فيها عرضاً باسم “شرف الدين محمد بن الشيخ عدي”، ففي حوادث سنة 655هـ/1257م، قال: “… وفيها سيَّر السلطان عز الدين([53]) رسولًا إلى خدمة هولاكو، شاكياً على (بايجو نوين) أنـّه أزاحه عن ملكه، فأمر هولاكو أن يتقاسما الممالك هو وأخوه ركن الدين. فظهر عز الدين، فأتى إلى (قونية)، ومضـى ركن الدين مع (بايجو نوين) إلى مخيَّمه. ولخوف عز الدين من بايجو نوين، وجَّه مملوكاً له إلى نواحي (ملطية) و(خَرْتَبِرْت) (= خربوت) ليستخدم له عسكراً من الكورد والتركمان والعرب، فوصل هذا المملوك، وسيَّر في طلب شرف الدين أحمد بن بلاس، من بلد الهكَّار، وشرف الدين محمد بن الشيخ عدي، من بلد الموصل، الكوردَّيين، فأتياه، فأقطع ابن بلاس ملطية، وابن الشيخ خرتبرت (…). وأمّا ابن الشيخ عدي، فرحل من (خرتبرت) ليتصل بالسلطان عز الدين، فأدركه (أنكورك نوين)، وقتله ومن معه…”([54]).
فقد هاجر من منطقة الموصل [شمس الدين بن محمد بن الشيخ حسن]، ملتحقاً بالسلطان عز الدين كيكاوس، في الشام، إلى (بيت فار) [بعلبك]، فترة من الزمن، ثمّ رحل إلى مصر، حيث أسّس الزاوية العدوية بالقاهرة. وقد سجن ثلاث سنوات لمخاوف السلطات المملوكية المصـرية من طمعه في الملك آنذاك، وتوفي في القاهرة، ودفن بزاويته. وحصل ابنه عز الدين أميران على إمارات متعدِّدة في منطقة الشام، ثمّ انعزل في منطقة المِزة في دمشق، إلى أن سجن ومات في حبسه. أمّا الشيخ مند، الذي لا بد وأن يكون من أقرباء الشيخ حسن الأقربين؛ فقد استقرّ في منطقة حلب، ونشر مبادئ اليزيدية بين الكورد هناك، وعلى الأخصِّ بين كورد القصير – قرب انطاكية -، وبالجومة، والكلس. وقويت شوكة اليزيدية أيام الشـراكسة في حلب، حتّى تقلّد أحد أحفاد الشيخ [مند] هذا، حكم منطقة حلب، في أوائل عهد الدولة العثمانية ([55]). وهناك عدة تكايا لشيوخ الطريقة العدوية المصـرية متمركزة في مقبرة القاهرة (الجبانة) إلى الوقت الحاضر ([56]).
أمّا الفرع الثاني، فقد بقي في كوردستان، فالشيخ عدي بن مسافر الأموي الهكاري (توفي سنة 556هـ/1161م)، ولم يتزوج، وحلّ محلّه في إدارة الزاوية ابن أخيه الشيخ حسن([57]). وبعدها حدث التقديس والغلو في ذرية الشيخ حسن، وفيما بعد في شيوخ العدوية. بعدها قام والي الموصل الأتابك الأرمني (بدرالدين لؤلؤ) – المتشيّع – بقتل زعيم اليزيدية (الشيخ حسن)، و(100) رجل من أتباعه، في الطريق ما بين معبد لالش والموصل، بسبب غلوّهم في يزيد بن معاوية([58]).
هناك اختلاف بين الباحثين حول أصول الديانة اليزيدية – يطلق عليها عند الكورد اسم: الإيزدية -، فقد ذهب علماء المسلمين إلى القول بأن: “… اليزيدية ظهرت كرد فعل للرافضة، ثم تحوّلت إلى فرقة صوفية حيناً من الزمن، تجمع بين السنة والبدعة، ثم ما لبث أن استفحل أمرها، وزاد انحرافها، حتى مرقت من الدين كما يمرق السهم من الرِمية، فأتى عليها حين من الدهر تحوّلت فيه إلى ديانة مستقلة لا تمت إلى الإسلام بأدنى صلة، تلك هي فرقة العدوية، كما كانت تعرف حين ظهورها، وسميت فيما بعد – ولا تزال – باليزيدية”([59]).
بينما يذهب الباحثون اليزيديون، ومعهم غالبية الباحثين الكورد العَلمانيين، إلى أن اليزيدية مشتقة من الكلمة الكوردية (يزدان)، والتي تعني الإله، أو أن كلمة (إيزدي) تعود إلى الأديان السومرية والبابلية القديمة! وعلى الرَّغمِ من ذلك، هناك الكثير من الآراء بخصوص الديانة اليزيدية، أو الايزيدية كما يحلو للباحثيين الإيزيديين التلفظ بها، أو أن التسمية جاءت من مدينة (يزد)، الواقعة في وسط إيران، باعتبارها منبع الديانة الزرادشتية. وذهب بعض الباحثين إلى أنهم من المجوس الداسنيين، هجروا حاضرتهم القديمة (يَزْد)، وسكنوا (داسن)، فقيل لهم اليَزْدِيُّون، ثم حرّفته العامة، وقالت: يزيديون، وهو زعم باطل لا يقوم عليه دليل([60]). والردّ على ذلك يمكن إجماله بما يأتي:
1- إن منطقة يزد هي مسقط رأس الديانة الزرادشتية، وترجع إلى القرن السادس أو السابع قبل الميلاد، بحسب الباحثين الغربيين المختصِّين. أمّا اليزيدية، فترجع إلى ما بعدها بأكثر من خمسة عشـر قرناً أو أكثر، فلو كان صحيحاً نسبة هؤلاء القوم إلى تلك المدينة، لكان الأجدر أن يطلق عليهم اسم اليزديين([61]). ثمّ إنّ القول بأن هذه النحلة ظهرت في مدينة (يزد)، لا تؤيّده الأدلة التاريخية، إذ إن جميع المؤرخين والباحثين الذين يعتد برأيهم، والذين تحدثوا عن أصل اليزيدية، يقولون إنها ظهرت في منطقة الشيخان، الواقعة على بعد حوالي 50 كم شـرق مدينة الموصل العراقية (محافظة نينوى)([62]).
2- الزرادشتية لا يدفنون موتاهم، بل يضعونهم في التوخمه (قمم الجبال)، وحالياً يضعونهم في قمم الأبراج، حيث تقوم الطيور الجارحة بأكل لحومهم وعظامهم، وترمى بقية مخلّفات الجثة إلى البحر، عن طريق الثقوب الموجودة في قاعدة البرج. وفي أوروبا لا توجد التوخمة، أو الأماكن المخصصة لدفن موتاهم، فيضعون جثث موتاهم في توابيت من الفولاذ، ويحفرون لهم قبراً بعمق مترين إلى ثلاثة أمتار، حتى لا يؤثر فيها التراب.
3- الزرادشتية تقدِّس عناصر الطبيعة الأربع: التراب، والماء، والنار، والهواء. بينما اليزيديون لا يقدّسون التراب؛ لأنهم يدفنون موتاهم في الأرض – التراب.
4- الديانة الزرادشتية ديانة شـرقية قديمة، ورد ذكرها في الألف الأول قبل الميلاد. بينما اليزيدية ديانة محلية، انبثقت من الطريقة الصوفية العدوية بعد ظهور الإسلام بحوالي ستة قرون.
5- الزرادشتية مسقط رأسها وتواجدها الحقيقي في إيران، كما تتواجد في العراق وتركيا وسوريا، في حين لا وجود لليزيدية في إيران على الإطلاق.
ولكن الأبحاث الحديثة أثبتت عدم وجود صلة بين اليزيديين والزرادشتيين؛ لأن اليزيديين يدفنون موتاهم مثل بقية الأديان السماوية والأرضية في قبور خاصّة بهم، فقط يُوجِّهونهم نحو مشرق الشمس، بعكس المسلمين الذي يوجهونهم نحو القبلة في مكّة المكرّمة.
والحقيقة أنّ اليزيدية فرقة صوفية إسلامية كانت في بداية أمرها تسمّى بالعدوية، نسبة إلى الشيخ عدي بن مسافر الأموي، (توفي سنة 556هـ/1161م)، ولدينا نصوص تؤكد ذلك من خلال الرسائل المتبادلة بين شيخ الإسلام ابن تيمية (توفي سنة 728هـ/1328م)، وشيوخ الطّريقة العدوية، لكنها بعد ذلك تطرّفت، وحدث لها غلوٌّ في تقديس الشيوخ الّذين جاءوا من بعد الشيخ عدي.. وأسباب ذلك هي:
1- تواجدها في منطقة جبلية وعرة، في منطقة لالش، وباعدرى، وجبل سنجار.
2- انعزلت عن المجتمع الإسلامي، وخاصة المجتمع الكوردي، حيث القرى اليزيدية خاصة بهم، ولا يشاركون السكن مع الكورد المسلمين.
وفي الأخير، فإن هناك أسباباً سياسية وجغرافية وديموغرافية (= سكانية)، جعلت بعض الكتاب الكورد العلمانيين؛ من ليبراليين وماركسيين ويساريين، يميلون إلى القول “بأن اليزيدية هي ديانة قديمة ترجع بأصولها إلى الزرادشتية، أو المانوية، لذا حرّفوا التسمية الأصلية لليزيدية من (اليزيدية) إلى (الإيزيدية أو الإيزدية)، حوالي سنة 1996م، أي بعد عدة سنوات من انتفاضة عام 1991م؛ لأنّها تتناسب مع أفكارهم، ولأنها تلبّي رغباتهم وطموحاتهم.. لذا سار غالبية الكتاب والباحثين الكورد والعراقيين على هذه التسمية”؛ دون الاستناد على أيِّ أدلة علمية، بل تكهنات واستنتاجات مبنية على أقاويل المستشـرقين والمنصـّرين، على الرّغم من أنّ غالبية الكتاب الكورد القدماء من كتاب ومحرري مجلة (هاوار)، التي كان يصدرها الأخوان جلادت أمين عالي بن بدرخان باشا، وشقيقه كاميران، بالإضافة إلى ملا أنور مايي، في كتابه (تاريخ بهدينان)، ومحمد جميل بندي الروزبياني، في تعليقاته على الشرفنامه، وغيرهم، كانوا يسمونهم بـ(اليزيدية).
واليزيديون هم كورد أقحاح، بينما أمراؤهم، وبعض شيوخهم، يرجعون في أصولهم إلى الأمويين العرب، ويتواجدون في منطقة الشيخان شمال شرق الموصل، حيث معبدهم الديني المقدس في (لالش)، ومقر أميرهم في قرية “باعدرى” (حالياً مركز ناحية)، ولهم تواجد في بعض القرى في جنوب دهوك، خلف (جبل زاوه)، و(جبل دكا) (مجمع شاريا)، وفي غرب دهوك، وجنوب غرب سميل (مجمع خانك)، وفي مجمع ديربون في منطقة زاخو [عشاير الهه ويرى]، فضلاً عن تواجدهم الكبير في غرب الموصل في سنجار (إيزيد خانه)، وشمالها في منطقة (سنونو)، قرب الحدود السورية، ويعود تواجدهم في جبل سنجار إلى القرن الثامن الهجري/ الرابع عشـر الميلادي، إبّان هروبهم من جبال (درسيم)، بعد هجمات تيمورلنك القاسية، ويبلغ تعدادهم في العراق حوالي 600 ألف نسمة، ولكن عددهم قلّ في الوقت الحاضر، بعد هجمات تنظيم داعش الإرهابي عليهم في شهر آب سنة 2014م؛ لأن المئات بل الآلاف منهم غادروا كوردستان العراق إلى أوروبا، وخاصةً ألمانيا، طلباً للحماية والاستقرار.
رؤية المستشرقين لأصول الديانة اليزيدية:
اهتمّ العديد من المستشـرقين بدراسة الأديان في الشـرق، وحظيت الديانة اليزيدية باهتمامٍ ملحوظ، وقد صدر العديد من أبحاثهم ومذكراتهم، وبلغاتٍ متعدّدة عن اليزيدية، إلّا أنها تناولت جانباً بسيطاً جداً، دون التوصل إلى الهدف الحقيقي من البحث.. ومن أبرز هؤلاء: المستشـرق البريطاني (جيمس سلك بكنغهام) (1786-1855م)، في كتابه (رحلة إلى وادي الرافدين)، والآثاري البريطاني (أوستن هنري لايارد) ( 1817 – 1894م)، في كتابيه: (آثار نينوى)، و(البحث عن نينوى)، والمبشّـِران الأسكتلنديّان (دبليو، أي، ويكرام) (1872- 1953م) وشقيقه: (أدكار، تي، أي، ويكرام)، في كتابيهما (الحياة في شرق كوردستان)، والضابطان البريطانيّان: (ميجر سون)، في كتابه (رحلة متنكر إلى بلاد ما بين النهرين وكردستان)، و(سيسل جون أدموندز) (1889 – 1979م)، في كتابيه: (كرد وترك وعرب)، و(الحج إلى لالش)، وغيرهم.
وكان المستشرق الألماني (كارل بروكلمان) (المتوفى سنة 1956م)، قد عرّف اليزيدية: بـ”أنها البقيّة الباقية من الفرق الموالية للأمويين، هذه الفرقة التي تجمع الأماني السياسية إلى الآمال الدينية، فتتمثل اليوم في اليزيدية الأكراد، الـذين يعيشون في جبل سنجار، حول الموصل، وينتشرون شمالاً حتى بلاد القبق (القوقاز) الداخلية”([63]).
ومن جهته، صرح العالم البريطاني المختص بالأديان (جون راسل هينليس) (1941 – ؟)، عن اليزيدية؛ قائلاً: “هم طائفة كوردية، أنشأها شيخ الإسلام الصوفي عدي بن مسافر (ت1162م)، ثم أنشأ أتباعه بعده طريقة أصبح لها نفوذ في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، وأصبحت الأساطير المحلية والتعاليم القديمة الإيرانية تشكل مصدراً وجزءاً من معتقدات الجماعة. ومنذ القرن الخامس عشـر كان اليزيديون موضع عداوة شديدة واضطهادات، من جانب جيرانهم الذين اعتبروهم عبدة الشيطان. وفي ثمانينيات القرن العشـرين أجبر معظم السكان الكورد في تركيا على الهجرة إلى ألمانيا بسبب ضغينة المسلمين، ويوجد حالياً مائتا ألف يزيدي تقريباً في شمال العراق، وأربعون ألفاً في أمريكا وأذربيجان وجورجيا، وخمسة آلاف في سورية. ولا يلعب اللاهوت دوراً رئيساً في اليزيدية، وتعتبر الطاعة لأهل الثقة في الدين، ونظام الشعائر والطقوس، من العناصر الأساسية. والأعياد هي الجزء المهم من الحياة الدينية، وأكثر الأعياد أهمية هو عيد الاجتماع، وهو عيد خريفي يحتفل به في (لالش)؛ المركز العالمي الديني لليزيدية، ويضم مقدسات عظيمة، وضريح الشيخ عدي، وعدد من الأضرحة الأقل شأناً”([64]).
وعرفت موسوعة غربية عريقة “اليزيديين”؛ بقولها: “مجموعة إسلامية بدأوا كرسل للصوفي القديس شيخ عادي بن مسافر، ومعتقدات أعضائها تمزج تقاليد فلاحية مع الإسلام، كما تدمجها مع بعض التقاليد اليهودية والمسيحية؛ يمارسون التطهير والعمادة، كما تشمل عبادة الملاك الساقط (طاووس ملك)، الذي تصالح مع الله. ومركزهم الأساسي في مدينة الموصل، في العراق”([65]).
وكان المستشـرق الدومنيكي الفرنسـي (توماس بوا) (1900 – 1975م)، المختص بالشؤون الكوردية، والمقرب منهم – بسبب عمله في مدينة (القامشلي) السورية كمرسل دومنيكي – من أبرز المستشـرقين الذين اهتموا بالمسألة الكوردية. وأشار في بحوثه إلى الديانة اليزيدية كإحدى الديـانات التي لها تركيز كبير في المجتمع الكوردي. وعلى الرّغم من ذلك؛ فإنه ينتقد ضمناً الكتّاب القوميين الكورد حول تشبثهم الزائد باليزيدية، على أساس هم من بقايا الدين الزرادشتي، حيث يقول ما نصّه: “ولكن أولئك الكتاب جميعاً قوميون من الكورد، يعتقدون أن اليزيديين هم بقايا سلالة الدين الزرادشتي، والذي جميع الكورد يؤمنون به قديماً، ونتيجةً لذلك فلا علاقة لهم بالإسلام. وهي موضوعة من الصعب تأييدها في أيامنا هذه”([66]). ويدعم وجهة نظره، بهذا الصدد، في الفقرة التي دوّنها في أحد كتبه، بعنوان (الأكراد الهاربون من الإسلام)، حيث يقول ما نصّه: “هذه الانحرافات للتطبيقات وللأفكار الصوفية، هي أساس بعض المذاهب المنحرفة، التي تنتهي بتهرّبها من الإسلام، من نفس النقطة التي يمكن التردّد فيها بشأن هيأتهم الحقيقية، وارتباطهم الصحيح. أكثر هذه المذاهب المتناقضة أصلاً هي مذهب اليزيدية، أو (عبدة الشيطان)، كما يسمونهم أحياناً، الذين أغلبهم من الأكراد… وبما أن المذهب سريّ، فقد تراكمت حوله كافة أنواع الحَدْس والتخمين: عبدة الشمس، الثنائيّة الزردشتيّة، الوثنية الكوردية الأصليّة، فرع من المذاهب المسيحيّة، والميثرائيّة Mithraism))”([67]). ويحاول المستشـرق (توماس بوا) التأكيد أنّ اليزيدية فرقة صوفية خرجت من الإسلام؛ بقوله: “وفي الحقيقة، فقد خرج اليزيديون من الإسلام لأجل إثباته، إذ يكفي تأمّل السلوك الخارجي لليزيدية، قبل التوغّل في أفكارهم الدينية. ويظهر المحيط الإسلامي في مبحث أسماء العلم، والتاريخ، وعدم رسم صورة بشـرية، والختان… وغيرها. ونضيف إليها: التضحية بالحيوانات، وعبادة القديسين، مع صور للحج إلى مكة المكرمة، عند قبر الشيخ عدي، حيث توجد الطقوس الإسلامية للحجاج، واصطلاحات عربية غريبة جداً عند الكورد. فالجو كلّه صوفيّ: القدّيسون المكرّمون هم من الصوفيين المعروفين، والمراتب الدينية هي صوفيّة، الصّلاة والنصوص الدينية الأخرى، لها صلة قوية؛ بمفرداتها وفكرها، مع الصوفية الغامضة”([68]).
وبشأن التطوّر الّذي حدث في اليزيدية، وانفصالها التام عن الإسلام، يقول بالنصّ: “ولكن كيف وصل اليزيديون إلى ضَلال اليوم، ابتداءً بقدّيس مسلم صحيح؛ كالشيخ عدي (1073 – 1162م)؟ لقد حدث التطوّر تدريجياً، إذ فتح شمس الدين حسن (1197 – 1246م) الطريق لبدعة دينية.. ثم بعد ذلك تجزّأ المشايعون إلى فرعين: الأوّل هاجر إلى سورية ومصـر (وتحديداً: القاهرة، في (Qarafa) (القرافة) [مقبرة القاهرة]، واستقرّ هناك سنة 1260م لمدة طويلة، بإيمان قويم، تحت اسم (عدوية).
أمّا الفرع الثاني، فقد ظلّ في بلاد ما بين النهرين، في شرق دجلة، ولم يقطع كل اتصال عقلي مع أتباع محمد – صلّى الله عليه وسلّم – فحسب، بل وأبعد نفسه من وجهة العقيدة، ليُصْبِح خصمه نهائياً”([69]).
وبخصوص المذابح التي ارتكبت بحقّهم، ابتداءً من القرن السابع عشـر الميلادي؛ يقول: “وفي القرن السّابع عشـر، لم تفد المذابح المكرّرة إلّا في تعمّق اليزيديين في ممارساتٍ واعتقاداتٍ أكثر غرابة، وأكثر سريّة، بحيث إنَّ اليزيديين لم يعودوا مسلمين، ولكنّه من الصعب إنكار كونهم مسلمين في الأصل”([70]).
ويخلص المستشـرق (توما بوا) في النهاية إلى القول: “إن كان اليزيديون ينحدرون من الصوفيين السنيين، أنصار الخليفة “يزيد الأول” (680 – 683م)، فإن طائفة كوردية أخرى هي (أهل الحق)، قد دفعت بالدعوات الشيعية إلى أقصـى حد. وقد ولدت هذه الطائفة في لورستان [إيران]، ودخلت في منطقة شهرزور- هارامان [هاورمان]، حوالي القرن الحادي عشر الميلادي…”([71]).
أمّا رؤية المستشـرق الإيطالي (ميكال انجلو جويدي) (1886-1940م) حول اليزيدية وجذورهم الدينية؛ فيوضحها باحث أوروبي يوناني؛ بالقول: “إنّ الأطروحة الأحدث والأعمق عمليّاً، حول الأصول التاريخية لليزيديين، هي التي نشـر بخصوصها (المستشـرق جويدي) بحثين: الأول بعنوان (نشأة اليزيدية)، والثاني بعنوان: (أبحاث جديدة عن اليزيدية)، نشرها في مجلة (الدراسات الشـرقية = RSO)، ج13، عام1932م، ص286- 300، ثم ص377- 427. وحسب هذه الأطروحة، فإنّ اليزيدية نشأت كردّ فعل سياسية دينية موالية للأمويين، شبيهة بالحركة الموالية لعلي بن أبي طالب، الّتي هي أساس الشيعة. انتقل اليزيديون إلى (سنجار)، ثم أبعدوا إلى الشمال بعد ذلك، وتركّزت اليزيدية، وابتعدت عن الإسلام الأرثوذكسـي [أهل السنة]، إلى درجة فقدت معها أيّ قرب منه. لذلك اعتبرت اليزيدية كوثنية تدّعي الإسلام، وذلك استفزاز حقيقي، سبّب فعلاً هجمات نارية من العلماء المسلمين السنة والشيعة، ما برّر طويلاً القمع الذي عانى منه اليزيديون على يد العثمانيين والقبائل الكوردية. وهذا ما يفسـِّر الحظر المتبادل منذ بداية القرن العشـرين، بين الكورد اليزيديين والكورد المسلمين([72]). وعندما رأى المثقفون العلمانيون الكورد أن توجيهاتهم وأفكارهم لا تستطيع النفاذ والتسـرّب إلى المجتمع الكوردي، في تلك الحقبة المبكرة (عقد الثلاثينيات من القرن العشـرين)؛ لكون الغالبية السَّاحقة منهم مسلمون، ومن أتباع مذهب أهل السنة والجماعة، ولأنّ هذه الافكار لا تتناسب وتلك المرحلة، حيث لم تكن الأحزاب الكوردية من اليساريين والليبراليين والماركسيين قد تشكّلت بعد.
أمّا المستشـرق الهولندي (مارتن فان بروينسن)، صاحب الكتاب المشهور: (الآغا والشيخ والدولة)، فيشير إلى هذه النقطة بالتحديد: “ولكن هؤلاء القوميون يُشكِّلون أقليّةً صغيرة، وأتباع الطوائف المهرطقة (= المبتدعة) تتكوّن فقط من نسبة صغيرة من الكورد، لكن الغالبيَّة السَّاحقة من الكورد مسلمون، والكثيرين منهم يأخذون الدِّين على محمّل الجد. لقد اكتشف محررو مجلة (هاوار)، الّتي كان (الأخوان جلادت وكاميران؛ أبناء عالي بن بدرخان باشا، يصدرانها في دمشق سنة 1932م)، بأنّه ينبغي عليهم أن يغيّروا من نبرتها، إذا ما أرادوا أن يجدوا حلقة أكبر من القرّاء؛ لذلك – وبدءاً من سنة 1941م، فصاعداً – كان كلّ عدد يُفتتح بترجمة كوردية للقرآن والأحاديث النبوية، والكثير من الكورد العلمانيين الآخرين، قبل ذلك وبعده، اكتشفوا الشـيء ذاته، لكي يُحدثوا التأثير بين الكورد، وكان ينبغي عليهم أن يكيّفوا أنفسهم مع الإسلام. ولكن ذلك ليس بالأمر السهل، إذ كان معظم هؤلاء القوميين يعتبرون الإسلام كأحد القوى الرئيسة التي تضطهد شعبهم”([73]).
ولمّا كان العَلَم، أو الرَّاية، من أهم خصائص الأقوام والأمم، فإنّه يرمز إلى الطابع المقدّس للأمّة، ويحظى بإجلال المواطنين المخلصين، ويُرفع في المناسبات الاحتفالية، ويختصـر العلَم القومي على طريقته في التاريخ المجيد أو الأليم للوطن، أمّا بالنسبة للأفراد الذين يعتزّون به، فهو يصهرهم في حاضرهم، ويشدُّهم بتاريخهم؛ لأنّه يرتبط بالذين دافعوا عنه ومجّدوه، فينشأ بذلك حلفٌ مقدّس بين الأحياء، ووجوه الماضي البارزة، ممتدّاً إلى المستقبل. ويشكل علَم كوردستان، مثله مثل خريطة (كوردستان الكبرى)، جواباً رمزياً على منطق تقسيم كوردستان، وعلاجاً مؤقتاً في غياب دولة ذات حدود مرسومة معترف بها في المجتمع الدولي. يرمز العلم إلى وحدة الكورد، على الرّغم من الانقسامات الداخلية ([74]).
ويضيف أحد الباحثين الأوروبيين: إنّ إضافة الشمس إلى العلم الكوردي ما هو إلّا تعبير عن الهروب من الرموز المتمثلة للإسلام كالهلال: “إن اضافة الشمس في الحالـة الكوردية، يمكن أن يكون تعبيراً عن الرغبة في إدخال رمز ديني، فبدلاً من اعتماد الهلال؛ المرتبط بالإسلام، فضّل القوميون الكورد – على ما يبدو – رمزاً لديانات سابقة على الإسلام؛ مثل الزرادشتية، فالشّمس على غرار ألوان العلم، تُقَرِّب كذلك الكُورد من الشعوب الإيرانية، مع إبعادهم – أيضاً – عن الترك والعرب”([75]). ومن جانب آخر، فإن الشاعر القومي الكوردي السوري (جَگَرْ خويْن) (1903-1984م) – الّذي كان ينتمي إلى الحلقة المحيطة بمجلة (هاوار)، فضلاً عن عضويته في جمعية خويبون (= الاستقلال)، الّتي تأسّست عام1927م، في مصيف (بحمدون) في لبنان – كان يعبر عن خيبة أمله إلى نهاية حياته؛ لتمسُّك الكورد الدائم بالإسلام، جگرخوين نفسه كان في شبابه قد قام بالدراسة الدينية التقليدية في المدارس في أجزاء مختلفة من كوردستان، فيما بعد أفسح تقواه الإسلامي المجال تدريجياً لشعور قومي قوي للأمّة الكوردية، واهتماماً زائداً بالزرادشتية. يحتوي المجلد الأول من كتابه (تاريخ كردستان)، الذي نشـر بعد وفاته، والذي يتطرّق إلى فترة الجاهلية (ما قبل الإسلام)، على فصل قصير عن دين الكورد في الوقت الحاضر (= الإسلام). فيما يُخصِّص صفحاتٍ طويلةً عن الزرادشتية وانقساماتها. وبدلاً من الملاحظة الدالّة على الرِّضا، التي أبداها بعضاً من بني جلدته، قبل نصف قرن، من أنّ الكورد مسلمون فقط بمقارنتهم مع الكفار، فإنّ جگر خوين يُصوِّر الكورد كمسلمين أتقياء، ولكنهم جهلاء، ويتم استغلالهم من قبل الملالي والشيوخ الجشعين! وله عدة دواوين شعريّة، اسم إحداها: ديوان (زند آفستا)، كدليل على اعتزازه بهذه الديانة الزرادشتية، حيث يقول بهذا الصدد: “… وحسب هذا الرأي فإنّ زرادشت هو من كورد ميديا، ولد في منطقة أذربيجان (أتروباتين) الحالية، بالقرب من بحيرة أورمية…”، ويُكرِّر القول مرّةً أخرى؛ بالقول: “فإن زرادشت هو كوردي من ميديا، على أساس أنه يعد زرادشت كوردياً من إقليم ميديا”([76]).
الباحثون الكورد، والعراقيون، واليزيدية:
لقد تناولَ المؤرّخون الكُورد اليزيدية في كتبهم، أمثال: الوزير محمد أمين زكي (1880 – 1948م)، الّذي اعتمد في كتابه على (تاريخ الموصل) للمطران يوسف الصايغ؛ بقوله: “يقول صاحب كتاب (تاريخ الموصل)، يظهر أنّ سببَ تسمية أصحاب هذه النحلة باسم (اليزيدية) أو (اليزيديين)، يرجع إلى اعتقادهم وجود إِله يدعى (يزد) أو (يزدان)، ولكن العلاقة الّتي يدَّعيها بعض المؤلفين بين (يزيد السلمي)، أو (يزيد) الخليفة الأموي، بعيدة كل البعد عن العقل والنقل”([77]).
وكان بإمكانه، وهو الرائد في دراسة التاريخ الكوردي، أن يعتمد على المصادر الأصلية لهذه النِّحلة أو الدِّيانة، دون النقل من المراجع المسيحيّة، أو من بعض المراجع الأوروبيّة المنحازة.
ويذكر رواية أخرى، “هذا، وإن أصل النِّحلة اليزيدية يرجع إلى مذهب (المانوية)، وعلى رواية أخرى، يرجع إلى الديانة الزرادشتية، حيث إن اليزيدية أيضاً تقول بوجود إلهين، لأنهم يرون وجوب العبادة للشمس وللشيطان، كالزرادشتيين الذين يرون وجوب العبادة لإلَهَيْ النور والظّلام: (هرمز)، و(أهريمن)”([78]).
لـذا، سار على نهجه غالبية الباحثين والمؤرخين الكورد؛ أمثال: صالح قفطان في كتابه (تاريخ الشعب الكُردي)، أنور مائي (1913 – 1963م)، في كتابه (الأكراد في بهدينان)، شاكر فتاح (1914 – 1988م)، في كتابه (اليزيديون والديانة اليزيدية)، محمد جميل بندي الروزبياني (1913 – 2001م)، في ترجمته وتعليقاته على كتاب (الشـرفنامه)، وغالبية هؤلاء يذهبون للاعتقاد بأنّ الديانة اليزيدية هي من بقايا الديانة الزرادشتية والمانوية والميثرائية، دون الاستناد على أيّ حقائق علميّة، ما عدا العاطفة والانحياز القومي والاعتبارات الأيديولوجية، على الرّغم من أنّ المؤرخ الكوردي الأوّل “شرفخان البدليسـي” (1543 – 1603م) يذكر في تاريخه الرائع حول اليزيدية ما نصّه: “… بيد أنّ هنالك طوائف وجماعات والوسات (ulus) قبائل تابعة لولايتي الموصل والشام، أمثال (الطاسنية – داسني)، و(الخالدية)، و(البسيانية – البهسينية)، وقسم من عشائر (بختي)، و(محمودي)، و(دنبلي)، ينتحلون النحلة (اليزيدية). وهم من جملة مريدي الشيخ عدي بن مسافر، من أشياع الخلفاء (المروانية)، فينتسبون إليه، ولهم فيه اعتقاد زائغ، هو أن الشيخ عدياً – الذي دفن في جبل (لالش)، من أعمال (الموصل) – قد تحمّل صومنا، وصلاتنا، وسيذهب بنا يوم القيامة إلى الجنة، من دون أن يعرض علينا عتاباً أو عقاباً، ولهم عداء وبغض غير متناهٍ لعلماء الظاهر”([79]).
أمّا المترجم الثاني (محمّد جميل بندي الروزبياني)، فيعلِّق على اليزيدية؛ بقوله: “الّذي تنصّ عليه المصادر العلميّة الحديثة؛ هو أنّ النِّحلة (اليزيديّة) ترجع – في أصل مذهبها – إلى الديانتين (المانوية والزرادشتية)، وأن لفظة (اليزيدية) إنْ هي إلّا مُحرّفة من كلمة (إيزدية) نسبة إلى (ايزد) إله الخير، أو إلى مرادفِهِ: (يزدان). أمّا العلاقة بين لفظة (اليزيدية)، وبين (يزيد بن معاوية)، أو (يزيد السلمي)، أو يزيد بن أنيسة الخارجي، فليست علاقة منطقيّة، وإنّما جاءت العَلاقة من اضطهاد الكثرة للقلّة، ولا سيّما في عهد الدولتين الأمويّة والعباسيّة، حينما كانت الدولة تحمل روحية شوفينية كريهة، تعتبر أبناء الشعوب الإسلاميّة غير العربيّة مواليَ لا تجوز مناكحاتهم مع العربيّة إلّا برضى الأولياء”([80]).
أمّا القسمُ الثاني من الدِّراسات؛ فجاءت عن طريق مجموعة أخرى من المؤرِّخين والباحثين المسلمين من الكورد والعرب؛ مثل: شرفخان البدليسـي (1543 – 1603م)، في كتابه الرائد (الشـرفنامه)، الّذي يعدّ أقدم مؤرِّخ كوردي إسلامي كتب عنهم، وأحمد تيمور باشا (1871 – 1930م)، الّذي يعدّ أقدم باحث كوردي إسلامي كتب عنهم في التاريخ المعاصر، في كتابه (اليزيدية ومنشأ نحلتهم)، الصَّادر عام 1928م في مصـر، ثم يليه المؤرخ العراقي عباس العزاوي (1890 – 1971م)، في كتابه (تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم)، الصادر عام 1935م، والمؤرخ الموصلي صديق الدملوجي (1880 – 1958م)، في كتابه (اليزيدية)، الصادر عام 1949م، والذي عايشهم لفترة طويلة، وكان مصدر ثقة لهم. والمؤرخ العراقي الآخر عبد الرزاق الحسني (1903 – 1997م)، في كتابه (اليزيديون في ماضيهم وحاضرهم)، في عدّة طبعات متتالية، أقدمها طبعة عام1951م عن مطبعة العرفان في صيدا – لبنان، والدكتور سامي سعيد الأحمد (1930 – 2006م)، في كتابه (اليزيدية أحوالهم ومعتقداتهم)، الصَّادر عام 1971م عن جامعة بغداد، ومؤرخ الموصل سعيد الديوه جي (1912 – 2000م)، في كتابه (اليزيدية)، الصادر عام 1973م، وملا حمدي عبدالمجيد السّلفي (1931 – 2012م)، وتحسين إبراهيم الدوسكي، في تحقيقهم لكتاب (اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام عدي بن مسافر الأموي)، الصَّادر في المدينة المنورة عام 1998م، وكذلك تحقيقهما لكتاب (الرد على الرافضة واليزيدية المخالفة للملة الإسلامية المحمدية، لعبيدالله بن شبل بن أبي فراس الجبي التغلبي)، الصادر في دهوك – كوردستان، عام 2010م، والدكتور آزاد سعيد سمو، في كتابه (اليزيدية من خلال نصوصها المقدَّسة)، الصَّادر عن المكتب الإسلامي عام 2001م، والملا أنس محمد شريف الدوسكي، في كتابه (أتباع الشيخ عدي بن مسافر الهكاري من العدوية إلى اليزيدية؛ دراسة تاريخية تحليلية)، الصادر عن مكتبة الأصالة في الشارقة – الإمارات العربية المتحدة، عام 2010م. ويذهبُ هؤلاءِ إلى أنّ اليزيديَّة جناحٌ ارتدَّ عنِ الإسلام، في عهدِ الشّيخ حسن، حفيد شقيق الشّيخ عديّ بن مسافر الأمويّ الهكاري، ويرون أنّه في ذلك العهدِ؛ بدأ أتباعُها ينفصِلون تدريجيَّاً عنِ الإسلام، إلى أنِ انتهوا إلى عقيدتهم الحاليّة، وبناءً على ذلك؛ يربطون ظهور العقيدة اليزيديَّة بالطّريقة الصوفيّة العدوية زمنَ الشّيخ عديّ بن مسافر الأمويّ.
* ماجستير في مقارنة الأديان.
[1] – نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 دراسة وثائقية، مراجعة: خليل علي مراد وعبدالفتاح علي بوتاني، أربيل، الأكاديمية الكوردية، 2023م، ص5.
[2] – سوادي عبد محمد الرويشدي، إمارة الموصل في عهد بدرالدين لؤلؤ، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1971، ص31 – 36.
[3] – آزاد سعيد سمو، اليزيدية من خلال نصوصها المقدسة، بيروت، المكتب الإسلامي، 1422هـ – 2001م، ص48.
[4] – صديق الدملوجي، اليزيدية، ص81.
[5] – سعيد الديوه جي، اليزيدية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003م، ص75.
[6] – آزاد سعيد سمو، اليزيدية من خلال نصوصها المقدسة، ص49.
[7] – سعيد الديوه جي، اليزيدية، ص79 – 87.
[8] – صديق الدملوجي، اليزيدية، ص84.
[9]– سعيد الديوه جي، اليزيدية، ص81 – 82.
[10] – ابن شداد، تاريخ الملك الظاهر، تحقيق: أحمد حطيط، فيسبادن، 1983، ص333.
[11]– تاريخ الزمان، ترجمة: إسحق أرملة السرياني، بيروت، المكتبة الشرقية،1991م، ص335.
[12]– شرانش: قرية تقع شمال شرق مدينة زاخو، في سفح جبل خانتير، كانت مقراً لإمارة سنديان حتى منتصف القرن السادس عشر. بعدها كانت ناحية لعشيرة السندي، قبل أن ينتقل المقر إلى قرية تقع جنوبها تدعى (دركار سندي).
[13] – نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 دراسة وثائقية، ص31.
[14]– الأب البير أبونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، بيروت، دار المشرق، ۱۹۹۳م، ج ۳، ص ۱۱۱.
[15] – سنة تأسيس الشيخ عدي بن مسافر الأموي الهكاري، لهذه الطريقة المنسوبة إليه. في لالش…
[16] – المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1997م/ ج6، ص370.
[17] – شرفخان البدليسي، الشرفنامه، ص261.
[18] – الشيخ عبدالله بن أحمد الربتكي، المنهاج في بيان أحكام العشر والخراج، تحقيق: جاسم عبد شلال النعيمي، بيروت، دار الكتب العلمية، 2012م، ص81؛ نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 دراسة وثائقية، ص31.
[19]– نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 دراسة وثائقية، ص41 – 42.
[20] – نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني، ص80 – 102. نقلاً عن الوثائق العثمانية…
[22] – التيمار: وهو نوع من الإقطاع العسكري تتراوح إيرادتها السنوية بين 2000 أو 3000 و19,999 آقجة (= درهم عثماني). ينظر: تاريخ العراق الإداري والاقتصادي، ص297.
[23] – أرسياب: لم يستطع الباحث تحديد موقعها، ينظر: نزار الكولي، المرجع السابق، ص81 الهامش (3).
[24]– نزار الكولي، المرجع السابق، ص81، نقلاً عن: أمر الى أمير الموصل في15 شوال 978هـ دفتر مهمة: 12، حكم: 142.
[25]– المرجع السابق، ص82، نقلاً عن أمر إلى حاكم العمادية في 12 شوال 978هـ. دفتر مهمة: 12، حكم:150.
[26]– نزار كولي، المرجع السابق، ص 82 -83، نقلاً عن رسالة السلطان العثماني إلى أمير هكاري زينل بك، في 25محرم 979هـ / 18 حزيران 1571م. دفتر مهمة: 17 حكم: 4. نسخة منه إلى أمير جزيرة بدر بك وأمراء الموصل وأربيل.
[27]– نزار الكولي، المرجع السابق، ص83 – 84.
[28]– عماد عبد السلام رؤوف، دراسات وثائقية في تاريخ الكورد الحديث وحضارتهم، أربیل، 2008م، ص195.
[29] – نزار كولي، المرجع السابق، ص83 – 84، نقلاً عن أمر إلى والي بغداد في 16 ربيع الأول 980هـ، دفتر مهمة: 19، حكم: 446.
[30] – نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 دراسة وثائقية، ص84 – 85، نقلاً عن أمر إلى والي شهرزور في16 جمادي الثاني 980هـ، دفتر مهمة: 19، حكم: 595.
[31]– نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 دراسة وثائقية، ص85، نقلاً عن أمر إلى والي ديار بكر في 14 صفر 981هـ /13حزيران 1573م، دفتر مهمة :22 حكم: 132.
[32] – نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني، ص86، نقلاً عن أمر إلى والي بغداد وقاضي الموصل في 5 جمادي الأولى 981هـ/أيلول 1573م. دفتر مهمة: 22. حكم: 645.
[33] – نزار أيوب كولي، المرجع السابق، ص87، نقلاً عن أمر إلى والي ديار بكر في 22 جمادي الآخر 981هـ/ 18 تشرين الأول 1573م. دفتر مهمة: 23، حكم: 193.
[34]– نزار أيوب كولي، المرجع السابق، ص87 – 88، نقلاً عن أمر إلى والي بغداد وقاضي بغداد في 3 جمادي الأولى 985هـ/1575م، دفتر مهمة: 31، حكم: 237. وبخصوص نهر صاري صو، فإن الباحث لم يعرف موقعها. ويعتقد أنه نهر الزاب الأعلى – الكبير، لعدم وجود نهر آخر قريب من مركز أربيل غيره.
[35]– المرجع السابق، ص88، نقلاً عن أمر إلى والي بغداد في 27 شوال 984هـ دفتر مهمة: 29، حكم: 230.
[36]– نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني 1515 – 1750 دراسة وثائقية، ص88، نقلاً عن، أمر إلى والي بغداد جمادي الآخر 985هـ/1577م، دفتر مهمة: 31، حكم: 438
[37]– المرجع السابق، ص90، نقلاً عن، أمر إلى حاكم العمادية في 3 رمضان 986هـ، دفتر مهمة: 35، أحكام: 856.
[38]– حمل: تعبير يستخدم لكل 100 ألف آقجة.
[39]– قليج: بمعنى السيف، ويقصد به نواة الإقطاع العسكري، أو الإيراد السنوي الأساسي عند منحه لشخص ما. ينظر: خليل علي مراد، دفتر تحرير مفصل …. ص ٣٦.
[40]– صوباشي: رئيس الشرطة أو رئيس البلدة أو رئيس القلعة.
[41]– نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني، ص91، نقلاً عن أمر إلى امير وقاضي الموصل في أواخر 968هـ، دفتر مهمة: 36، حكم: 261.
[42]– العتيق: ربما القصد منه بلدة أسكي الموصل، الواقعة شمال الموصل الحالية، أو الجانب الأيسر من مدينة الموصل (نينوى). ينظر: نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني، ص92، هامش (1).
[43]– قرقوش: تقع قرقوش أو بغديدا بالسريانية شرق مدينة الموصل على بعد 30 كم تقريباً.
[44]– المرجع السابق، ص92، نقلاً عن، أمر إلى أمير الموصل في25 صفر987هـ دفتر مهمة: 36، حكم:543.
[45]– المرجع السابق، ص92 – 93، نقلاً عن، أمر إلى والي بغداد فى 6 شوال 987هـ. دفتر مهمة: 39 حكم : 6.
[46]– نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني، ص93 – 94، نقلاً عن، أمر إلى والي بغداد في 3 شوال 988هـ دفتر مهمة : 39، حكم : 367.
[47]– المرجع السابق، ص95، نقلاً عن، أمر إلى والي شهرزور، فى 23 جمادی الأول 991هـ. دفتر مهمة: 49، حكم: 341 أمر إلى أمير أربيل في 9 شوال 991هـ، دفتر مهمة: 52، حكم: 225.
[48]– المرجع السابق، ص95 – 96، نقلاً عن، أمر إلى أمير كشاف سيف الدين بك، في 991هـ، دفتر مهمة:52، حكم: 315.
[49]– زنكاباد: كانت من السناجق الكوردية التابعة لولاية بغداد، وهي الآن قرية تابعة لناحية (قره تبة) في قضاء كفري، في محافظة ديالى. أطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى قبيلة (زند) الكوردية الشهيرة، التي ينتمي إليها شاه إیران کریم خان الزند.
[50]– نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني، ص96، نقلاً عن، أمر إلى أمير العمادية قباد بك، في 27 رجب 992هـ / 2 آب 1584م، دفتر: مهمة: 53، حكم: 319.
[51]– نزار أيوب كولي، إمارتا داسن والشيخان في العهد العثماني، ص97 – 98. نقلاً عن، أمر إلى ولاة شهرزور والموصل وأمراء بهدینان وسوران وقرة داغ، في 10 شوال 999هـ، ذيل دفتر مهمة: 5، حكم: 281.
[52]– المرجع السابق، ص20.
[53]– عزالدين: هو عز الدين كيكاوس بن غياث الدين، من ملوك سلاجقة الروم، وكانت عاصمتهم قونية، وأخوه ركن الدين، اسمه قليج أرسلان. وانظر خبر دولتهم في تاريخ ابن خلدون ج 5.
[54]– تاريخ مختصر الدول، وقف على تصحيحه وفهرسه: الأب أنطوان صالحاني اليسوعي، بيروت، دار الرائد اللبناني، 1403هـ – 1983م، ص466.
[55]– سامي سعيد الأحمد، اليزيدية أحوالهم ومعتقداتهم، بغداد، مطبعة الجامعة، 1971م، ص155 – 156.
[56]– أحمد تيمور باشا، اليزيدية ومنشأ نحلتهم، ص34 – 37.
[57]– الشيخ حسن: الحسن بن عدي بن أبي البركات بن صخر بن مسافر، الملقب بتاج العارفين شمس الدين أبو محمد شيخ الكورد، وجدّه أبو البركات هو أخو الشيخ عدي رحمه الله؛ وكان شمس الدين من رجال العلم رأياً ودهاءً، وله فضل وأدب وشعر وتصانيف في التصوف، وله أتباع ومريدون يبالغون فيه. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وبينه وبين الشيخ عدي من الفرق، كما بين القدم والفرق. وقد بلغ من تعظيم العدوية له أنه قدم عليه واعظ، فوعظه حتى رق قلبه، وبكى وغشي عليه، فوثب الكورد على الواعظ فذبحوه، ثم أفاق الشيخ حسن فرآه يخبط في دمه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: وإلا إيش هذا من الكلاب حتى يبكي سيدنا الشيخ؟ فسكت حفظاً لدسته وحرمته. وخاف منه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فقبض عليه وحبسه، ثم خنقه بوتر، بقلعة الموصل، خوفاً من الكورد؛ لأنهم كانوا يشنّون الغارات على بلاده، فخشي أن يأمرهم بأدنى إشارة فيخربون بلاد الموصل. وفي الكورد طوائف إلى الآن يعتقدون أن الشيخ لا بد أن يرجع، وقد تجمعت عندهم زكوات ونذور ينتظرون خروجه، ولا يعتقدون أنه قتل. وكانت قتلته سنة أربع وأربعين وستمائة، وله من العمر ثلاث وخمسون سنة. ومن تصانيفه: كتاب محك الإيمان، والجلوة لأرباب الخلوة، وهداية الأصحاب. وله ديوان شعر فيه شيء من الاتحاد، وكان يلوح في نظمه بالإلحاد، ويزعم أنه رأى رب العزة عياناً، واعتقاده ضلالة. قتل سنة أربع وأربعين وستمائة، وله ثلاث وخمسون سنة. ينظر: الهبي، سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج23، 223؛ ابن شاكر: فوات الوفيات، ابن عدي، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، الطبعة الأولى، 1973، ج1، ص335.
[58] – سوادي عبد محمد الرويشدي، إمارة الموصل في عهد بدرالدين لؤلؤ، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1971م، ص33.
[59]– التغلبي، عبيدالله بن شبل بن أبي فراس الجبي، الرد على الرافضة واليزيدية المخالفة للملة الإسلامية المحمدية، تحقيق وتعليق: حمدي عبدالمجيد السلفي وتحسين إبراهيم الدوسكي، دهوك، 1431هـ/2010م، ص4
[60]– أحمد تيمور باشا، اليزيدية ومنشأ نحلتهم، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012م، ص15.
[61]– خلف الجراد، اليزيدية واليزيديون، دمشق، دار الحوار، 1995م، ص15؛ آزاد سعيد سمو، اليزيدية، ص25 – 26.
[62]– عبدالرزاق الحسني، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم، ط11، بغداد، مكتبة اليقظة العربيّة، د.ت، ص 11. كذلك راجع محمد علي بن السيد الشيخ عبد الحميد، تذكرة الخلاّن في بيان فضل ذكر الرحمن التي هي من مواهب الرحمن، ص9، مخطوط.
[63]– تاريخ الشعوب الإسلامية،، بيروت، 1960، ج1، ص206-207.
[64]– معجم الأديان، ترجمة: هاشم أحمد محمد، القاهرة، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص805.
[65]– هتشنسون، معجم الأفكار والأعلام، ترجمة: عبدالرحمن الشيخ، بيروت، دار الفارابي، الطبعة الأولى، 2007، ص559.
[66]– توما بوا، اليزيديون وأصولهم الدينية ومعابدهم والأديرة المسيحية في كردستان العراق، السليمانية، مؤسسة زين، ص20.
[67]– توما بوا، مع الأكراد، ترجمة: آواز زنكنه، بغداد، مديرية الثقافة الكوردية، 1395هـ – 1975م، ص114؛ توماس بوا، معرفة الأكراد، ترجمة: بافي آرام، بيروت، منشورات آسو، ص104 – 105.
[68]– توما بوا، مع الأكراد، المرجع السابق، ص114 – 115.
[69]– توما بوا، اليزيديون وأصولهم الدينية ومعابدهم والأديرة المسيحية في كوردستان العراق، ص115.
[70]– توما بوا، مع الأكراد، المرجع السابق، ص115 ؛ توماس بوا، معرفة الأكراد، المرجع السابق، ص105 – 106.
[71]– توما بوا، معرفة الأكراد، المرجع السابق، ص106؛ توماس بوا، مع الأكراد، المرجع السابق، ص115 – 116.
[72]– جوردي غورغاس، الحركة الكوردية التركية في المنفى، ص247، الهامش (2)؛ عبدالرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الرابعة،2003م، ص220.
[73] – مارتن فان بروينسن، الكورد والإسلام (القسم الثاني)، الترجمة عن الإنكليزية : راج آل محمد، موقع مدارات كورد، في1/5/2013م.
[74] – جوردي غورغاس، الحركة الكوردية التركية في المنفى، ص240.
[75]– جوردي غورغاس، الحركة الكوردية التركية في المنفى، ص241.
[76]– جكر خوين، تاريخ كوردستان، ترجمة: خالد مسور، بيروت، مطبعة أميرال، 1996م، ص28 – 30، 39.
[77]– خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن، نقله إلى العربية وعلق عليه: محمد علي عوني، محافظة مصر المحروسة، 1939م، ص310.
[78]– المرجع نفسه، ص311.
[79] – شرفنامة، ترجمة: محمد جميل بندي الروزبياني، أربيل، مؤسسة موكرياني للطباعة والنشر، 2001م، ص52 – 53.
[80]– ينظر: تعليقات محمد جميل بندي الروزبياني على كتاب الشرفنامه، ص52، الهامش (28).
العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون