قصة واقعية/بين هبوط المروحية والقدر.. ثوانٍ من نجاة

عمر إسماعيل رحيم

لا أعرف كم كان الوقت بالضبط حين بدأت السماء تصرخ فوق رأسي.

كان مايو من عام 1988 يطوي أيامه الأخيرة، حين استيقظت كأنني نُزعت من نومي نزعًا، على هديرٍ مزلزل.

المروحية كانت أول من أخبرنا ببدء النهاية.

هبط الضوء الكثيف من نافذتي، فخرجت من غرفة النوم إلى فناء الدار، وهناك رأيت الجيران يركضون، بعضهم مذهول، وآخر يبكي، ونساء تصـرخ في الأزقة، وكأن شيئًا ما انقلب في هذا العالم فجأة.

خرجت إلى الزقاق.. كان الهواء ثقيلاً كالرصاص، والغبار يملأ كل شيء، وأصوات المروحيات لا تكفّ عن النعيق، كأنها غربان شؤم جاءت لتحوم حول جثث لم تُقتل بعد.

ثم سمعناه..

صوت جهوري عبر مكبّر الصوت من السماء:

“لن نسمح لأحد بمغادرة أيّ منزل فيه مطلوب سياسي أو فارّ من الجيش… كل بيت فيه متهم سيكون مصيره معروفًا.”

عرفت حينها أنني لم أكن مجرد شخص من الناس.

أنا كنت المطلوب، الغريب، القادم من سجن أربيل، المُثقل باتهامات السياسة والانتماء إلی تنظيم إصلاحي ديني.

منذ خمسة أشهر فقط، وبعد اعتقال تحت التعذيب دام سنة، خرجت من السجن، وعدت كطيفٍ إلى بيت خالي في (كويه)، أبحث عن ظل أمان.

واليوم.. جاء الظل يبحث عني ليبتلعني.

في ذلك الصباح، كان كل شيء واضحًا بشكلٍ مرعب.

كان اختباراً صعباً.. ومميتاً.. إنْ بقيت هنا، في بيت خالي، فستكون العاقبة وخيمة على خالي وأهله.

تسعة أولاد، زوجةٌ لا ذنب لها، وخالٌ محبٌ لا يعرف في السياسة غير كرم القلب.

ذهبت إليه، وكنت أرتجف.

قلت له:

_ خالي، يجب أن أغادر.. الآن.. فورًا.

نظر إليّ باستغراب، كأنني طلبت منه أن يُسلّم أحد أولاده.

قال:

_ إلى أين؟

قلت:

_ لا أعلم.. إلى أيّ زقاق.. إلى أيّ سور.. فقط لا يمكنني البقاء هنا.. إن أمسكوني هنا، سنُباد جميعًا.. وسأكون أنا السبب.

رفع عينيه في وجهي، بعاطفة كانت أثقل من الموت، وقال:

_ لن ترحل إلى أي مكان.. إن متنا، فسنموت معًا، وإن نجونا فسننجو معًا.

_ مستحيل، خالي.. فكّر بمن في البيت..

حاولت إقناعه بکل السبل، لکن هيهات..

_ لا فِكْرَ فوق القلب، يا ولدي..

كانت لحظة من تلك اللحظات التي يتوقف فيها الزمن، ويصبح كل شيء باهتًا، إلا صوت ضميرك، إلا نَفَسك الثقيل.

رغم أنه أغلق عليّ الأبواب.. لكنّي لم أستسلم.

 إلححتُ عليه کثيراً، دون جدوی.

برقتْ في ذهني فکرة.. واتكاءً على نغمةِ رجاءٍ عارية، قلت له:

_ فقط أوصلني إلى بيت “مام يحيى”، لا أكثر.. أريد أن أبتعد عنكم.. فلو قُبض عليّ هناك، ستبقون أنتم في أمان.

هزّ رأسه أخيرًا، كأنّ عينيه تدمعان بلا دموع.

مشينا معًا إلى بيت العمّ يحيى.. كانت قدماه ثقيلتين، كأنما يسير بي إلى المقصلة.

عبر أزقّة حي “هواوان” القديمة الضيقة وصلنا بيت “مام يحيى”، وكان مزدحمًا بالهاربين، معظمهم من المطلوبين سياسيًا أو الهاربين من الجندية القسرية.

كان البيت يغلي بالهمس والتوتر.

دقات قلوب الموجودين تتسارع..

أنفاسهم تضيق.. وكأن كل نفس يُسحب، يجرّ معه صاحبه إلی الموت..

يزداد الخوف والهلع.. ويتسلل اليأس إلی القلوب رويداً رويداً.

وبينما نحن هناك، جاء الخبر المشؤوم:

“قاسم آغا” بلّغ عنا.

کنت أعرف عن قاسم آغا الکثير، وکان قد اعتقلني مرّة.. هنا عرفت ما يكفي، وعرفت أن الأمان قد انتهی.

“قاسم آغا” هو الذي أرشد رجال الأمن إلی المکان، وفتح أبواب الجحيم علی الموجودين فيه.

بيت “مام يحيى” أصبح تحت الرقابة.

ثم جاءت اللحظة التي لا تُنسى.

كنت في غرفة الضيوف، نسمع الجدال والنقاش عند الباب، صراخ رجال الأمن، محاولة “مام يحيى” امتصاص غضبهم.

شيء ما في قلبي قال لي: “اخرج الآن.. الآن، أو لا تخرج أبدًا.”

نظرت في عيون الموجودين، كانوا ينتظرون العاصفة.

أما أنا، فكنت أبحث عن الزقاق الوحيد المتاح.

تسللت بهدوء، ثم خطوت إلى الخارج، وخرجت من الباب الرئيسي.

عشرة أمتار تفصلني عن الزقاق المقابل.

خطوة.. خطوتان.. خمسة أمتار..

وبينما أنا في وسط الشارع.. سمعت صوتًا يصمّ الآذان..

هبطت مروحية فوق سطح بيت “مام يحيى”.

اقتحم رجال الأمن المكان.

ألقي القبض على كل من في الداخل..

150 إنسانًا دفعة واحدة.

أما أنا.. فقد أصبحت خارج الدائرة.. ببضع ثوانٍ فقط.

لو تأخرت للحظة أخری، ولم أغادر المکان، لكنت الآن في عداد المفقودين وأحد ضحايا عمليات الأنفال.. في بطن إحدی الکلاب الجائعة الموجودة في صحراء عرعر.. أو في حفرة بلا اسم، بلا شاهد، بلا وداع.

أسرعت في المشي عبر الزقاق، كمن يركض داخل حلم.

وكانت قدماي لا تمسّان الأرض، وقلبي لا يصدّق.

رجعت إلى بيت خالي.

طرقت الباب كأنني أعود من قبر.

فتحوا الباب..

قالوا لي إن الأمن قد فتشوا البيت قبل قليل.

صرختْ زوجة خالي:

_ الحمد لله.. الحمد لله..

أمسكني خالي بيديه المرتجفتين.. ولم يقل شيئًا.

حينها فقط.. بكيتُ.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى