سياحةٌ في مملكة الله
د. عبد الباري رؤوف

[وكذلك نري إبرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ] الأنعام/ 75.
هذه البصيرة:
تأتي هذا البصيرة ضمن سلسلة (بصائر قرآنية) تحت مظلة (مفاهيم في كتاب الله، وآيات ٌ في ملكوت الله). في هذه البصيرة نحاولُ تحفيزَ الفكرِ والنظَرِ والقلبِ للسياحةِ في مملكةِ الله وملكوتِه. فلنفكِّرَ في هذه المملكةِ على قَدر استيعاب عقولنا، ولننظرَ في جمالها وعظمتها على قَدر ما تراه أبصارنا، ولنستشعرَ أبعادَها المطلقةَ على قَدر ما يتلوه علينا كتابُ ربِّنا وتتحسَسُهُ قلوبُنا، بعدها عسى أن تسمو نفوسُنا وترتقي درجةً بالقربِ من الله. نعم لدينا كتابُ الله المقروءِ، وهو القرآن الكريم، ولدينا كتابُ الله المنظورِ، وهو هذا الكون الفسيح، وكلا الكتابين يتكلّمان بموضوع واحد، هو وحدانية وعظمة الخالق، وكل منهما يُدلُّ الإنسان على الآخر، وهما كفيلان بتعريف الإنسان بخالقه، حيث إنهما زاخران بالآيات المقروءةِ والمنظورةِ، لعظمةِ هذا الكون وعظمةِ خالقه سبحانه وتعالى.
المُلكُ والمَلَكُوت:
جاءت كلمة (مُلك) في القرآن الكريم في كثير من الآيات، وجاءت كلمة (مَلَكوت) أربع مرات فقط؛ في اثنتين منها ارتبطت الكلمةُ بالسمواتِ والأرضِ، وفي اثنتين ارتبطت بعبارةِ [كُلِّ شَيْءٍ]. الآية الأولى هي الآية 75 من (سورة الأنعام) المذكورة في العنوان، والآيات الثلاث الأخرى هي:
[أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ] (الأعراف/ 185).
[قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] (المؤمنون/ 88).
[فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (يس/ 83).
وزِيدَت الواو والتاء في ملكوت للمبالغة في الصفة، حيث الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، ومثله الرغبوت والرهبوت والجبروت. ونستطيع أن نستخلص من معظم التفاسير وأقوال العلماء أن مفهوم الملك يشمل المنظور والمحسوس والموجود في عالم الشهادة، بينما بتوسع مفهومُ كلمة (ملكوت) ليشمل غير المنظور وغير المحسوس من عوالم المخلوقات والآيات في عالم الغيب مع القدرة والسلطان. وضمن هذا المفهوم ذكر القرآن الكريم أن أبا الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- كان يتوق الى ملكوت الله تعالى؛ مرةً عندما أراه الله تعالى ملكوت السّماوات والأرض، وتجلّى له من الآيات فيهما ما لا يستطيع الإنسان رؤيته في عالم الشهادة، ليصل إلى درجة اليقين، ومرةً أخرى عندما طلب من الله تعالى أن يُرِيه كيف يُحيى الموتى، فأراه الله ذلك في إحياء الأربعة من الطير.
[وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (البقرة/ 260).
كذلك، وضمن هذا السياق، فإن إبراهيم – عليه السَّلام – كانت له تجربة أخرى، حيث شهد حدثاً خارقاً للعادة وللسُنَن الأرضية، عندما أمر الله تعالى النارَ أن تكون برداً وسلاماً عليه، فدعونا نستشعر أحاسيسَه وتفكيرَه، ونعيش مشهدَ الميقاتِ الرباني حيث يكلمه الله تعالى بجلاله.
[وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ] (الأعراف – 143)، وهكذا تجتمع رهبةُ ميقاتِ الله، وجلالةُ تكليمِ الله، لِتُلقِي في قلب موسى – عليه السلام – الاشتياقَ الى رؤيةِ الله، فيقولُ [رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ].
إننا بوصفنا بَشَراً، أحد العوالم التي تعيشُ في مملكةِ الله، نستطيع إدراك عالَمَين هما عالمَ الشهادةِ وعالمَ الغيب، والأول عالمٌ مشهودٌ ندركه بحواسنا وعقولنا، أما عالم الغيب فنستشعره بمشاعرنا وقلوبنا ونعيشه بأرواحنا. لقد آتانا الله تعالى مفاتيحَ عالم الشهادة، وهي الحواس والعقل، ولكننا لا نملك مفاتيح الغيب، وهي عنده سبحانه وتعالى وحده، لا يعلمها إلا هو، إلا ما أطلَعنا اللهُ عليه في الكتبِ المقدسة التي أنزلها على الأنبياء والمرسلين.
إن الإيمانَ بالغيب هي الصفةُ الأولى للمؤمنين التي ذكرها القرآن الكريم في مطلع (سورة البقرة)، وقد أصبحَ الإيمان بالغيب حقيقة ًعلميةً ومسلَّمةً منطقيةً وعقلية، حتَّى أصبح عالَمُ الشهادةِ هو الشاهد على عالَمِ الغَيب. إن الإيمانَ بالغيب يرتقي بالانسان ليعرفَ الله، وليعيشَ في مملكة الله بكل أبعادها، ويتعايشَ مع العوالمِ الغيبية حَسَبَ صفاتها.
[وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ] (الأنعام/ 59).
[الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا وَرزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (البقرة/ 1-3).
السياحةُ في مملكةِ الله:
ليس ثمَّ أكثر متعةً من السياحةِ في مملكةِ الله؛ نَستلهمُ فيها معاني الجمالِ والقدرةِ والسلطانِ، ونتعرضُ فيها الى نفحاتِ الإيمانِ، ونستشعرُ فيها عظمةَ الخَلقِ والإتقان. لقد تهيأَ للبشرِ في القرن العشـرين، وفي قرننا هذا، وبفضل ما آتى الله تعالى الإنسانَ من العلم والسلطان، تهيأ لهم من الأدوات والامكانيات ما يستطيعون به النفوذَ في الفضاء والغورَ في الأرض. لقد تهيأ لنا أن نرى بأعيننا مشاهدَ رهيبةً وصوراً مهيبةً للمجراتِ والكواكبِ والنجومِ، وهي تسبحُ في السماء الدنيا، ممَّا تقشًعرُ منه الأبدانُ رهبةً، وتعجبُ منه الالبابُ عظمةً وقدرة، وتلينُ منه القلوبُ محبةً وخشية، وتنطق منه الألسنةُ تسبيحاً وحمداً. هذا فضلاً عن المشاهدِ العجيبةِ والمدهشةِ للعوالم المتنوعةِ في البحارِ والمحيطات، وهكذا يصبحُ الكونُ محراباً واسعاً للتوحيدِ والتسبيحِ والتكبيرِ والحمِد والشُكر.
وقد خلق الله تعالى في سماء الأرض، وعليها من مظاهر البهجة والزينة للناس ما يثير فيهم مشاعر الروحانية والجمال والأنس بهذه الأرض الممهدة لهم. [ولَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ] (الحجر/ 16).
والبروج هي منازل الشمس والقمر، أو هي الكواكب، وهي من آيات الله سبحانه، وقد ارتَدَت وِشاحاً ربانياً زينةً للناظرين، لتبعث في نفوس الخلائق جلالةَ القُدرة، وبهاءَ المنظر.
وتذكر الآية 6 من (سورة الصافات) تزيينَ السماء: [إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ].
وتأتي الآية 5 من (سورة الملك) لتُشيعَ مرةً أخرى مشاعر الزينة في النفوس بمشهدٍ آخر، مشهد السماء مزركشةً بالمصابيح الربانية المتلألأة: [وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ].
وتثير آياتٌ أُخرى مشاعر البهجة عند الانسان بما أنزل الله سبحانه تعالى من السماء ماءً فأنبت به حدائق ذات بهجةٍ:
[أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ] (النمل/ 60).
إذن، هي السماء الدنيا تطل علينا من كل مكان على الأرض بمظاهر الزينة؛ زينة البروج، زينة الكواكب، زينة المصابيح، لكي تكتحل عيون البشـر بها، وتسرُّ قلوبنا، وتأنس أرواحنا. إنها السماء التي تحمل المُعصـرات تُنزلُ علينا بإذن الله ماءً ثجاجاً، لتُخرِج به حباً ونباتاً، وجناتٍ ألفافاً. والأرض هي كذلك – بخزائنها المكنونة، وبجناتها، وجبالها التي تجري من تحتها الأنهار، وحدائقها ذات الورود والثمار، وينابيعها ومائها المدرار- تجعل العلاقة بين الإنسان والطبيعة في الحضارة الإسلامية علاقةَ تسخيرٍ وتكريمٍ، وليس علاقة قهرٍ وعداء، كما تصوّره الحضارة الغربية.
مملكةُ اللهِ مملكةُ العالمين:
إن أوّل آيةٍ في كتاب الله، وفي أوّل سورة منه، هي [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]، وهي بهذا تكون أول آية يقرؤها الانسان للتعريف بالله تعالى أنه هو (ربُّ العالمين)، مما يُلقي في قلوب جميع العوالم العاقلة في مملكة الله معاني الانتماء الواحد، ومعاني الرعاية والرحمة الالهية للجميع. وبهذا فقد كانت الآيةُ الثانية في السورة الأولى هي [الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ]. ولقد أكد القرآنٌ الكريم مفاهيمَ العالمية في كثير من آياته، منها [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ]، وذُكرت كلمةُ [العالمين] في 61 موضعاً في القرآن الكريم. وضمن مفهوم الانتماء الإنساني في هذه المملكة، نجدُ الكثيرَ من الآيات المحكمات تُذَكِّر الانسانَ وتربطه بهذا الانتماء. وليس أوضح وأروع من الآية التاليةِ في خطاب الله تعالى للناس، والتي تحدد “التعارف” كعلاقة وهدف من جعل الناس شعوباً ومجتمعاتٍ في مملكةِ الله:
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] (الحجرات/ 13).
إن الحقيقة الأولى، والحقيقة الكبرى، في هذه المملكة هي (اللهُ) سبحانه وتعالى، ومن ثم تأتي بعدها ومنها كل الحقائق الأخرى. لقد نادى الله تعالى العالمين مراتٍ عديدةً، وبأساليب متعددةٍ، منها بصيغة المفرد: (يا أيّها الإنسان)، ومنها بصيغة الجمع (يا أيّها الناس)، ومنها بصيغة الجمع المنتسب إلى آدم (يا بني آدم)، ثم يأتي بعدها كلامٌ طيبٌ ودودٌ من النصحِ والدعوةِ الى الله. وهناك حاجة لِأَن يَصِلَ هذا النداءُ إلى الناس في مملكة الله بأسلوب الحكمةِ والموعظةِ الحسنة:
[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (البقرة/ 21). [يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] (البقرة/168). [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا] (النساء/ 174).
دعواتٌ ربانيةٌ للعالمين:
لقد تلقَّينا نحن البشـر – مؤمنين وغير مؤمنين – دعواتٍ مباركاتٍ من الله تعالى للتفكر في خلق السّماوات والأرض، والنظر ماذا فيهما، ممَّا يجعلُ الإنسانَ يعيشُ في مساحةٍ بقَدر السماوات والأرض، ويتسعُ تفكيرُه وتفكره ليصلَ آفاقَ السمواتِ والأرضِ، وتكبرُ اهتماماتُه بحجمِ السمواتِ والأرض:
[وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ] (الروم/ 22).
[وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ] (الشورى/ 29).
[خلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ] (التغابن/ 3).
ومن باب استثارة العقول للتفكّر، فقد جاءت – في أكثر من آية في القرآن الكريم – دعوةٌ من الله تعالى للمقارنة بين خلق السماء والأرض، وخلق الناس، بصيغة الإخبار، وبصيغة الاستفهام:
[لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] (غافر/ 57). [أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، والْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، َمتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ] (النازعات/27).
عندما نستشعرُ أنَّ في كلِّ نظرةِ تفكُّرٍ في السّماوات آيةٌ، وفي كلِّ نظرةِ تفكُّرٍ في الأرضِ آيةٌ، وفي كل نظرةِ تفكّرٍ في النفسِ آيةٌ، عندها نخرجُ من سيطرةِ المألوف، وتصبح كلُّ المألوفات في هذه الأبعاد ِالثلاثة (السمواتِ والأرضِ والنفسِ) آياتٍ ودلائلَ قدرةِ الله تعالى، تلينُ بها قلوبُنا، وتسبِّحُ بها ألسنتُنا، وتسمو بها أرواحُنا، ويزدادُ بها إيمانُنا.
كوكبُ الأرضِ هو المَهد:
لقد أصبحَ واضحاً أن الأرضَ هي الكوكبُ الوحيدُ المُمَهَّد لحياةِ الإنسان وسكنهِ، بأن جَعلَ اللهُ تعالى مكانَها دقيقاً محسوباً في مجرتِها ومجموعتِها الشمسيةِ، بما يُوفّرُ عاملَ الزمانِ وعاملَ المكان، اللَّذَين يحتاجُهما الإنسانُ للحياة عليها، وبما أودع وسخَّر اللهُ تعالى فيها، وفي سمائها، من الطاقاتِ والمواردِ ما يُديم الحياةَ عليها. لقد تعرَّف الإنسانُ على عددٍ من الكواكبِ القريبةِ من الأرضِ، وحطَّت رجلُه على القمرِ، ودارت مركباتُه في مدارِ الكوكبِ الأحمر (كوكبِ المريخ)، ونزلت بعض من مركباته على سطحه، بحثاً عن آثارٍ للحياة. لقد تفرَّدَ كوكبُ الأرضِ بأنـّه المَهد المسخَّر لحياة الإنسان، منذ أن أمرَ الله تعالى آدمَ – عليه السلام – والشيطانَ أن يهبطوا إلى الأرض، حيث فيها المستقرُ والمتاعُ إلى حين.
[الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ] (طه/ 53).
[قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ] (الأعراف/ 24).
على كوكبِ الأرضِ استطعنا أن نرى الأنواع الهائلةَ من الكائناتَ التي تعيشُ على يابسِها، وفي بحارِها ومحيطاتِها، وفي سمائِها وأجوائِها، فضلاً عن الأحياءِ الدقيقةِ والأحياءِ المجهريةِ، واستطاع الإنسان دراستَها وتصنيفَها والتعرفَ على طبيعتِها وطريقةِ حياتها. إن التنوعَ في الحياة ِوالأشكالِ والوظائفِ في كلِّ شيء، هو واحدُ من أبرزِ الصفاتِ للعوالمِ على هذا الكوكب، وهو دليلُ القدرةِ الالهيةِ في هذه المملكة. ومع هذا التنوعِ، فإن هذه العوالمَ تجمعُها صفتانِ جميلتانِ؛ هما: الأمميةُ، والتسبيح:
[وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ] (الأنعام/ 38).
[تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا] (الإسراء/ 44).
لقد أودعَ الله تعالى في مَملكتِه، ومنها في الأرض، من خزائنِ كلِّ شيءٍ، ما يكفي لأهلِ هذه المملكةِ. وقد جعلَ هذه الخزائنَ عنده،ُ مما يبعثُ الاطمئنانَ وعدمَ الخوفِ من نقصٍ فيها، مادام الله تعالى هو المتحكمُ في إنزالها. وقد ذكر القرآنُ هذه الحقيقة بأسلوبٍ بليغ ٍجميل: [إِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ] (الحجر/ 21).
لقد كَشفت علومُ الفلكِ والفيزياءِ والكيمياءِ وغيرها عظمةَ هذا الكونِ، والذي يدلُّ على عظمةِ خالقه، وقد توافقت الحقائقُ العلميةُ الثابتةُ، مع الحقائقِ القرآنيةِ، ونتجَ عن ذلك إعجازٌ علميٌ قرآنيٌ في كثير من الآياتِ المحكماتِ، كالآياتِ التي تقررُ أن الماءَ أصلُ كلِّ حياةٍ، والآياتِ التي تتكلمُ عن نشوءِ الكونِ، والتي تخبرُنا بأنَّ السمواتِ والأرضَ كانتا كتلةً واحدةً، فانفجرت، وتكوّنت المجراتُ والكواكبُ والنجومُ والنيازكُ، وانتظمت في نظامٍ كوني مُتوازن. وقد اقترنت هاتان الحقيقتان في آيةٍ واحدةٍ في القرآن الكريم:
[أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ] (الأنبياء/ 30).
إنّ الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ قادرٌ على أن يَخلُقَ مثلَهم، أو غيرَهم، وإن الذي أنشأ الخلقَ أوَّلَ مرةٍ قادرٌ على أن يعيدَه. ولِنَتمَعَّن هذه الآيةَ المعجزةَ (الأنبياء 104)، في المعلومةِ التي تُقرِّرُها، وفي وصفِها وبلاغتِها لِمَا سَيؤول إليه أمرُ هذا الكون: [يوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ].
هكذا إذن ستكونُ نهايةُ هذه المملكةِ العظيمةِ، وبهذا الوصفِ المعجزِ، وبهذا البيانِ البليغِ، سوف تنطوي السماءُ كالسِجِلِّ ضاغطةً كلَّ ما في السماء مع بعضها، كما يضغَطُ السِّجلُ كلَّ الكتبِ تحت جَنبَيه، ويعودُ الكونُ كما بدأ أوّلَ مرَّة.
إن اللهَ تعالى الذي خلقَ الحياةَ الدنيا، بهذا الشكلِ والنَمَطِ الذي نعيشُه في هذه المملكةِ، لهو قادرٌ على خلقِ حياةٍ أخرى بشكلٍ آخرَ وبنمطٍ مختلف. إننا نعيش في الدنيا حياةً قائمةً على الإمتحان ِوالإختبارِ، وهي بهذا مهيأةٌ لتحقيقِ هذا الهدف، والآخرةُ هي حياةٌ أخرى مُكملةٌ للحياةِ الدنيا، ويكون فيها الجزاءُ للعملِ والاختبارِ، فلا يمكن أن يكونَ هذا الخلقُ العظيمُ عبثاً أو لَعِباً.
[وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ] (الدخان/ 38).
[قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (العنكبوت/ 20).
مملكةُ الله عوالمٌ وآياتٌ ومعجزاتٌ:
يعيشُ في هذه المملكةِ أربعةُ عوالمٍ، هي عالمُ الإنسِ وعالمُ الجنِّ وعالمُ الملائكةِ وعالمُ الشياطين، فضلاً عن أممٍ هائلةٍ من الكائناتِ الحيةِ؛ من المخلوقاتِ التي تعيشُ على سطحِ الأرضِ، وفي مياهِها، وفي باطنِها، وفي سمائِها. وقد خَلَق الله تعالى الإنسَ من طينٍ، وخَلَق الجنَّ والشياطينَ من نارٍ، وخَلَق الملائكةَ من نور. وقد عرَّفَنا اللهُ تعالى على هذه العوالمِ والأممِ، وحدَّد وظائفَها وعلاقاتِها مع بعضها، ومملكة الله تَزخَرُ بأنواعِ الحياةِ والحركةِ والنشاطِ لهذه العوالم، فالبشـرُ في مناكبِ أرضها ينتشـرون، والملائكةُ يَنزِلون من سمائها ويصعدون، والجنُّ في أركانِها يجوبون، والشياطينُ يترَبَّصون بالبشرِ ويُوسوِسون، وأممُ الطيرِ والنحلِ والنملِ، وكائنات البرِ والبحرِ، أممٌ أمثالُنا يعيشون.
إن لكلٍ من هذه العوالمِ سنَنُه وقوانينُه الخاصة، وكلٌ محكومٌ بها، حسبَ طبيعةِ خلقهِ، وبما يحققُ غايةَ وجوده في هذه المملكة. لكن هذه السننُ والقوانينُ، وعواملُ الزمانِ والمكانِ، هي نسبيةٌ ومؤقتةٌ، والله تعالى – صاحبُ عرشِ هذه المملكةِ – هو الذي خلقها، وهو الذي يغيُّرها أو يُزيلها، وتبقى مملكةُ الله مطلقةً في كلِّ أبعادها: [فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]. إن مشيئةَ الله وإرادتَه سبحانه وتعالى تتحققان عن طريق نفاذِ سُنَنِه وقوانينِه ونواميسِه التي أودعها في هذا الكون، فهي تجري بأمره. كما تتحققُ كذلك عن طريقِ الإعجاز، حيث تُخرَقُ السُنَنُ والقوانينُ الكونية بإذنه. وفي هذا السياق يَزخرُ القرآنُ الكريمُ بالآياتِ التي ترسمُ مشاهدَ إعجازيةً وقعت للأنبياءِ والمرسلين.
مشاهدٌ معجزةٌ في الأرضِ وفي السماء:
ونختمُ بصيرتَنا هذه بمشهَدَين، حيث نسمعُ إلى ما قَصَّتُه علينا آياتُ القرآنِ الكريمِ في مَشهدينِ عَجيبَينِ مُعجِزَين، ونستمتعُ بهما. المَشهدُ الأولُ يعرضُ قصةَ النبيِّ سليمان – عليه السلام -، ومُلكَه العظيمَ، الذي لا ينبغي لأحدٍ من بعده.
المشهدُ الثاني يعرضُ معجزةَ الإسراءِ والمعراجِ التي وقعت لخاتمِ الأنبياءِ والرُسُل محمدٍ – صلّى الله عليه وسلّم -.
هذان المشهدان يأخذان العقولَ والقلوبَ والأرواحَ إلى أجواءٍ مفتوحةٍ مطلقةٍ تتغيرُ فيهما قوانينُ وسُنَنُ الأرضِ والسماءِ الدنيا بيدِ سليمان – عليه السلام -، وتتجلى آياتُ اللهِ الكبرى في السمواتِ السبعِ لرسولِنا محمدٍ – عليه الصَّلاةُ والسَّلام -.
آيات المشهد الأول:
[وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ] (النمل/ 16).
[وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ] (النمل/ 17).
[وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ] (سبأ/ 12).
حيثيات وإعجازات المشهد الأول:
1- [عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ]..
2- [حُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ]..
3- [لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ]..
4- [وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ]..
5- [وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ]..
6- فهم منطق النمل..
7- المُلك الكبير الذي لا ينبغي لأحد من بعد النبي سليمان..
آيات المشهد الثاني:
[وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ، ذو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىَ، وهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىَٰ، ثم دَنَا فَتَدَلَّىٰ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أَدنى، فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ، إِذْ يَغْشَـى السِّدْرَةَ ما يَغْشَىٰ، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ] (النجم/ الآيات1- 18).
حيثيات وإعجازات المشهد الثاني:
1- الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
2- المعراج من المسجد الأقصى إلى السّماوات السبع.
3- ما رآه في كلِّ سماءٍ من آيات.
4- لقد رأى من آياتهِ الكبرى، ومنها سدرةِ المنتهى، ورؤيتِه – صلّى الله عليه وسلّم – لجبريلَ – عليه السَّلام – على هيأتهِ التي خلقَه الله عليها.
5- رحلةٌ إعجازيةٌ في كل تفاصيلها، حيث الوجهةُ غيرُ الوجهةِ، لم يقصدها أحد قبلَه – صلى الله عليه وسلم -، وحيث الزمانُ غيرُ الزمانِ، وحيث المكانُ غيرُ المكانِ، وحيث الصاحبُ غيرُ الصاحب.
هذان المشهدان الفريدان يَستثيرانِ كلَّ أحاسيسِ الإعجابِ والانبهارِ لعظيمِ الإعجازِ الإلهي في الأرضِ وفي السماء، ويفجِّران كلًّ ينابيعِ الحُبِّ والشوقِ للهِ تعالى، وللرسُلِ والأنبياءِ جميعاً، ولرسولِ الله محمد – صلى الله عليه وسلم -، ولصاحبه جبريلَ – عليه السلام -، وهما يجوبان السمواتِ السبعِ سماءً تلو السماءِ، حتى يَصِلان سدرةَ المنتهى، والتي عندها جنةُ المأوى، حيث يغشـى السدرةَ ما يغشى. وبين مشهدِ الإعجازِ في الأرضِ، ومشهدِ الإعجازِ في السمواتِ السبعِ، فكم من الأشواقِ الربانيةِ تغشانا، وكم من النَسَماتِ الروحانيةِ تلقانا، وكم من دموعِ الرهبة تُبكينا.
هذه مملكة الله في أرضه، وهي دار ابتلاء.. فكيف ستكون مملكة الله في جنته، وهي دار جزاء؟
نعم.. هذه مملكةُ الله.. وهذا خلقُ الله.. وهذا كتابُ الله.. فسُبحانَ الله وبحمده.. سُبحان الله العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون