جبهة إيرانية تركية في مواجهة التمدد الإسرائيلي وتطلعات الشعب الكوردي
د. شوان زنگنه

برزت جملة من الأحداث والتصريحات والزيارات، في الأشهر الماضية، لتُلقي بظلالها كمؤشّرات حقيقية تشير إلى تحالفات جديدة، وتحركات سياسية واقتصادية وأمنية في غاية الحساسية، وتخندقات استراتيجية، تمتد من أذربيجان ولغاية قبرص واليونان، مروراً بتركيا وإيران، وسوريا، والعراق، وإسرائيل. وقد تمَّ رصدُ تلك التطورات بإيجاز كما يلي:
* منصة (نورث برس سوريا): ظهرت في الآونة الأخيرة مدارس شـرعية ومعسكرات تدريبية لأطفال عناصر جهاديين، وفي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بينهم أجانب في سوريا وتركيا، وتدريبهم على الدروس الدينية والعسكرية، والعشرات من هؤلاء قد تمّ تهريبُهم من مخيّم (الهول) باتجاه (رأس العين) و(تل أبيض) الواقعتين تحت سيطرة تركيا وفصائل المعارضة المسلحة الموالية لها.
* الجزيرة عاجل: (فيدان) في طهران.. تنسيق تركي إيراني لمواجهة التوترات الإقليمية، ففي زيارة تحمل طابعاً دبلوماسياً استثنائياً، وصل وزير الخارجية التركي (هاكان فيدان) إلى إيران، حاملاً ملفاً ثقيلاً من القضايا الثنائية والإقليمية التي تتصدر الاهتمام في المنطقة.
* منصة أخبار تركيا: جهاز الاستخبارات التركية يتمكن من إحضار (محمد غوران) إلى تركيا، بعد إلقاء القبض عليه على الحدود بين أفغانستان وباكستان، حيث كان يشغل موقعاً إدارياً ضمن ما يعرف بـ”ولاية خراسان” التابعة لتنظيم داعش، وكان مكلفاً بتنفيذ هجوم انتحاري لصالح التنظيم.
ar.haberler.com *: في عملية مشتركة بين جهاز المخابرات التركي (MIT)، وجهاز المخابرات الباكستاني (ISI)، تم القبض على (أوزغور ألتون)، أحد المسؤولين المزعومين في داعش، المطلوب في الفئة البرتقالية، على الحدود الباكستانية الأفغانية.
* موقع ترك ميديا: وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: أطماع إسرائيل التوسعية هي التهديد الأمني الأول في المنطقة.
* قناة العالم: (نتنياهو) يتحدث عن أحداث “غير عادية” سيشهدها الشرق الأوسط، إذ قال: “الأشهر المقبلة ستشهد بالشرق الأوسط أحداثاً غير عادية، ما يتطلب استعدادات هائلة، وجهوداً دبلوماسية وأمنية على مدار الساعة”.
* صحيفة “آرمان امروز” الإصلاحية: إسرائيل نجحت في كبح طموحات تركيا للهيمنة على سوريا، في وقتٍ تتفاقم فيه التحديات الأمنية هناك، سواء عبر التفجيرات أو الصدامات مع الكورد، مما يعرقل الاستثمارات العربية التي كانت أنقرة تراهن عليها. وأكد الكاتب (فرجي راد) في افتتاحية الصحيفة: أن الاتفاقات الأمنية بين إسرائيل وكلٍّ من اليونان وقبرص زادت من قلق أنقرة، فيما يرجح توقيع اتفاق أمني سوري – إسرائيلي بضغط أميركي، يمنع سيطرة تركية كاملة على الساحة السورية، معتبرًا دفاع مسؤولين أتراك أخيرًا عن إيران، وزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المرتقبة إلى طهران، باعتبارهما محاولة لإعادة التموضع الإقليمي.
Arab-Military * على X: زار الفريق (إيلكاي ألتينداغ)، المدير العام للدفاع والأمن بوزارة الدفاع التركية، طهران.. حيث أكد أن أمن إيران هو أمن تركيا، مشدداً على أن تركيا تعتبر إيران جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. وخلال الزيارة، أجرى الفريق (ألتينداغ) محادثات مع مسؤولين عسكريين إيرانيين حول التطورات الإقليمية.
من خلال ما سبق، تولّدتْ لدى تركيا قناعةٌ راسخة، بأن النظام الإيراني سيتعرّضُ لهجوم إسرائيلي قاتل، وسيتمخّضُ عن ذلك، حتمًا، فراغٌ كبير في المنطقة الكوردية من إيران، وستستغلُّ الأحزابُ الكوردية الإيرانية المسلحة، وبالأخص حزب الحياة الحرّة الكوردستاني، هذا الوضعَ لتُعزّزَ وجودَها على الأرض الإيرانية، وتملأ فراغَ السلطة فيها.
بالمقابل، حذّرتْ تركيا من مَساعي إسرائيل التوسعية في المنطقة بعد أحداث 7 أكتوبر في غزة، وتوقّعتْ أن يطالَ التوسّعُ الإسرائيلي كلًّا من إيران وتركيا، لذلك هَرعتْ تركيا إلى تَبنِّي استراتيجية جديدة لمواجهة المدِّ الإسرائيلي من جهةٍ، وتعزيزِ الجبهة الداخلية من خلال تحشيد التيارَينِ الإسلامي والقومي حول الائتلاف الحاكم، من جهةٍ أخرى.
استراتيجية تركيا الجديدة تتشكّلُ من تأسيسِ تحالف سياسي وأمني واقتصادي مع إيران، والتنسيقِ المشترك في المنطقة، لمواجهة إسرائيل في سوريا ولبنان وغزة، وإحكامِ القبضة على الفصائل المسلحة الكوردية المنتشرة على حدود البلدين.
ففي سوريا، تتحالفُ تركيا وإيران، بالتنسيق مع قوات حكومة الشرع والفصائل المسلحة الأخرى، وكذلك، بقايا تنظيم داعش، التي تسعى تركيا إلى تجميعها وتوجيهها، بالتعاون مع عناصر داخل قوات حكومة الشرع، بهدف بسطِ النفوذ وإرباك النشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا ولبنان وغزة، وتشديدِ الطَّوقِ على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وتَحيُّنِ فرصة الانقضاض عليها، في حال قيام إسرائيل بهجوم شامل على (حزب الله) في لبنان.
وعلى الحدود العراقية الإيرانية، بإقليم كوردستان العراق، تحالفتْ تركيا وإيران لفرض السيطرة على العناصر الكوردية المسلحة المعارضة، من خلال تنشيطِ عناصر داعش، وإعادةِ تشكيلها تحت إمرة قيادات داعش خراسان، الذين جَلبتْهم تركيا من باكستان، وزرعِ بُؤَرٍ داعشية بهدف الحيلولة دون تغلغُل العناصر الكوردية المسلحة المعارضة إلى المدن الإيرانية من إقليم كوردستان، ومنعِ مشاركتها في الثورة الشعبية إذا اندلعتْ، مع تفاقم الأزمات الداخلية، والمساعي الخارجية الداعمة لأنشطة المعارضة الإيرانية.
تركيا تسعى من خلال هذا التحالف الاستراتيجي إلى منعِ سقوطِ النظام الإيراني، وتعزيزِ تواجده في سوريا ولبنان، والتنسيقِ معه لنزع سلاح الأحزاب الكوردية المعارِضة لهما، وتصفيتِها عسكرياً، وسياسياً؛ فسقوطُ النظام الإيراني سيُبْقِي تركيا وحيدةً، منفردةً، في مواجهة إسرائيل وتحالفِها الجديد مع قبرص واليونان، والأحزاب الكوردية المسلحة في المنطقة. شكلُ النظام السياسي في العراق ستُحَدّدُهُ مآلاتُ هذا التحالف الاستراتيجي، فإذا طرأَ خَللٌ في طبيعة النظام الحاكم في إيران، ولم تتمكّنْ تركيا من تصفية العناصر الكوردية المسلحة، فإن الخريطة السياسية في العراق ستتغيّرُ، وستكونُ طاولةُ الحوار – التي ستضمُّ أمريكا وإسرائيل وتركيا، كفواعل أساسية – هي الموضع الوحيد الذي سيرسمُ مستقبلَ العراق السياسي، وكلُّ ما جرى من تَموضُعِ الأحزابِ العراقية، والانتخاباتِ الأخيرة، وما رافقَها، أو ما سيرافقُها، سيكونُ هباءً منثورًا.