المثقف ورسالته

بقلم: رئيس التحرير

لا ريب أنّ المثقف هو ابن بيئته ومجتمعه، ولكنه – من جانب آخر – رائد له، وموجّه، معلّم لا يستكين إلى ماجريات الحياة، ومألوفها، وعاداتها، بل كثيراً ما يسبق زمانه، ومجتمعه، في طرز تفكيره، وتوجّهاته، يرمي إلى التغيير والتجديد..

ومن هنا، فإنّ المجتمعات لها انتظاراتها من مثقفيها، كما أنّ السلطات الحاكمة تدرك ثقل حضورهم وتأثيرهم، ذلك أنّ المثقف هو متمرّد بطبيعته، لا يستكين إلى المألوف، ولا يرضخ للتدجين..

ولطالما سعت السلطات الحاكمة إلى تطويع المثقف، وجعله أداة لتزيين سياساتها، وتبرير قراراتها، مدركةً أنّ الكلمة قادرة على أن تصنع وعياً جديداً، وأنّ الفكرة يمكن أنْ تقود إلى حركة اجتماعية واسعة. بيد أنّ المثقف الحقيقي يظلّ عصيّاً على الاحتواء، حاملاً رسالته النقدية، مواجهاً انحرافات السلطة ومظالمها. ومن هنا كانت علاقة المثقف بالسلطة – على مرّ العصور – حافلة بالإشكاليات والتعقيد، وكثيراً ما قوبل بالتهميش، أو الإقصاء، أو حتى القمع.

ولا ينحصـر دور المثقف في مواجهة السلطة فحسب، بل يتجاوزها إلى المجتمع ذاته. فالمثقف هو من يثير الأسئلة الكبرى، ويعطي للناس أدوات التفكير النقدي، ويجدّد منظومة القيم، كلما أصابها الجمود. وهو بذلك يمثّل حلقة وصل بين الفكر والواقع، وبين الماضي والحاضـر، ويسهم في فتح آفاق المستقبل.. ومن خلال كتاباته وخطابه العام، يزرع الأمل في الإصلاح، ويعزّز الوعي الجمعي، ويسهم في التغيير.

إنّ المثقف، بما يحمله من وعي ومسؤولية، يظل عنصراً فاعلاً في معادلات التغيير الاجتماعي والسياسي. فهو ابن بيئته، نعم، لكنه أيضاً طليعة لها، يتجاوز حدود المألوف، ويضـيء الدروب أمام الأجيال.. وإذا خضع المثقف للسلطة فقدَ رسالته، وإذا انغلق على ذاته تلاشى أثره؛ أمّا حين يحافظ على استقلاله وصدقه، فإنّه يغدو ضمير المجتمع، وحارس القيم، وصوت الإصلاح والتجديد.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى