العَلمانية المزيفة

إسماعيل طه شاهين

قبل كل شيء، إن سبب تصاعد حملة العلمانيين، وتحت عباءة القومية، ومعاداتهم للكثير من الرموز الإسلامية التي يتمسك بها شعبنا الكوردي، ليس لأنهم يرفضون الإسلام السياسي فقط كما يقولون، بل لأنهم وفي قرارة أنفسهم يرفضون الإسلام نفسه جملة وتفصيلاً. هؤلاء اليوم، وفي هذه المرحلة بالذات، يتخذون معاداة الإسلام السياسي كأداة وتكتيك مؤقت لتحقيق أهدافهم، ويختبئون خلف شعارات فارغة يزعمون من خلالها الدفاع عن الكورد والإسلام في آن واحد.

هذه المجموعة من النخب الأيديولوجية الماركسية، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عادوا يبحثون عن مشـروع بديل، ووجدوا ضالتهم في القومية المتطرفة، وبدأوا في تمجيد أنفسهم ضمن هذا الإطار.

اليوم نراهم، يتغطون بلباس القومية، ويخفون أفكارهم المسمومة خلف واجهات ثقافية وفكرية وعاطفية، يحاولون من خلالها تفتيت المجتمع، وإقصاء الناس الذين يختلفون معهم في الرؤى، وفي بعض الأحيان، يسعون لتحويل المجتمع إلى شلّة تابعة لهم تحت شعار “الدفاع عن الشعب والوطن”.

لا أبالغ حين أقول: هؤلاء الإسلاموفوبيون ليسوا أعداء الإسلام السياسي فقط، بل أعداء الإسلام نفسه، خاصة أن الإسلام هو دين غالبية الكُورد. حينما يمس أو ينال أحد من أي دين – ما عدا الإسلام – نجدهم متربعين على كرسي الأستاذية، يلقوننا دروساً في الأخلاق والتعايش. أما حين يُعتدى على الإسلام والمسلمين، يصبح صمت القبور هو سيد الموقف. وهذه صورة واضحة لنفاقهم العلني.

نعم، وحتى وبدون مناسبة نجد بعضاً من هؤلاء يتحدثون عن العلمانية، لكنهم حتى الآن لا يعرفون بشكل صحيح ما هي العلمانية، وعلى أي أساس تأسست. واضح من سلوكهم وتصـرفاتهم أنهم لا يتبعون العلمانية بالمفهوم الغربي، بل يستغلونها فقط كواجهة لمحاربة كل ما هو ديني، وخصوصاً المتعلّق منها بالإسلام. ما مرّ، يثبت وبجدارة أن علمانيتهم شبيهة بتلك التي تبناها كمال أتاتورك في بداية إعلان الجمهورية التركية، والتي كان من أهدافها الرئيسة طمس كل ما هو إسلامي تمهيداً للقضاء على ما تبقى من الدين. علمانية كهذه ليس بمقدورها أن تنصف أحداً من الكورد، وستحوّل كوردستان إلى ساحة صراعات طويلة ومديدة في قابل الأيام، ولا نجني منها سوى شوك التفرقة.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى