ألاعيب الأبالسة، وحروب بلا جيوش… حين تُدار مصائر البشر بالخوف

هاوين الكردية - بنت أربيل

نحن لا نعيش فوضى عشوائية كما يُراد لنا أن نصدّق، بل نقف داخل مشهد عالمي مُدار بعناية شيطانية، تتحكّم بخيوطه نُخَبٌ مريضة بالاستكبار، ترى البشر أرقامًا، والإنسان مشروعًا قابلًا للكسر والتجربة والإخضاع.
كبار الأبالسة في هذا العصر لا يحتاجون إلى عروش ظاهرة ولا جيوش جرّارة؛ هم يُديرون العالم من خلف ستار، كآلهة صغار يتوهمون امتلاك مصائر البشر، ويتعاملون مع الأرض وكأنها ملكية خاصّة لا ربّ لها.

هؤلاء لا يكتفون بالسيطرة على الموارد والثروات، بل يذهبون إلى ما هو أخطر:
السيطرة على الوعي، وصناعة الخوف، وتفكيك الداخل الإنساني. فهم يدركون أن الإنسان إذا خاف، تعطّل عقله، وإذا اضطرب، سلّم قراره بيد جلّاده طواعية.

نياتهم لا تأتي صريحة، بل مغموسة بالضباب ؛
تُغلَّف بشعارات «الإنسانية»، و«العلوم»، و«الإنقاذ العالمي»، بينما جوهرها واحد: نهبٌ، وإذلال، وهيمنة شاملة. إنهم ينازعون الله في ملكه بلا خجل، متناسين أن كل ما في الكون خاضع لسنن لا تخترقها مؤامراتهم مهما تعقّدت.

حروب غير تقليدية… بلا جيوش ولا مدافع

لم تعد الحروب في عصرنا تُعلَن بصفارات الإنذار، ولا تُخاض في الخنادق وحدها. لقد انتقل الطغيان من ميادين القتال إلى مختبرات الظل وغرف التخطيط النفسي، حيث تُدار أخطر الحروب:
حروب بلا جيوش… حروب الخوف.

هنا لا تُقصف المدن بالقنابل، بل تُقصف العقول بالرعب.
لا يُحتلّ الأرض، بل يُحتلّ الوعي.
ولا يُقتل الإنسان مباشرة، بل يُكسر من الداخل.

في هذا السياق، لا يمكن عزل الأوبئة والجوائح عن المشهد السياسي العالمي. فحين يظهر فيروس جديد، أو مرض غامض، أو وباء يُدار إعلاميًا على مدار الساعة، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في المرض وحده، بل في الهالة النفسية المصنوعة حوله:
الخوف الجماعي، العزل، الشلل العقلي، تعليق الحياة، وتعطيل السؤال.

هكذا يُحوَّل البشر إلى رهائن قلق دائم، وتُشلّ قدرتهم على التفكير النقدي، ويُدفعون للتنازل عن حرياتهم وحقوقهم وكرامتهم، مقابل وهم الأمان.
الخوف هنا ليس نتيجة… بل أداة حكم.

وليس هذا جديدًا في تاريخ السيطرة؛ فقد عرفت البشرية من قبل موجاتٍ متكررة من الرعب المصنّع:
أمراض تُضخَّم، أوبئة تُدار، كوارث يُبالغ فيها، وأخطار تُساق إعلاميًا بما يخدم أجندات لا علاقة لها بسلامة الإنسان. بل القاسم المشترك بينها جميعًا واحد:
صناعة الفزع لا إنقاذ البشر.

منظومة واحدة… وغاية واحدة

اللعبة الدولية لا تُدار بالصدفة. نحن أمام منظومة مترابطة في كفرها واستكبارها، وإن اختلفت الوجوه واللغات. منظومة تتقن الخداع، وتُجيد المراوغة، وتعرف أن أقصر طريق للهيمنة ليس القهر العسكري، بل كسر الداخل الإنساني.

هؤلاء – كما يصفهم القرآن بدقة – مِلّة واحدة في المكر، يتبادلون الأدوار، ويتقاسمون الغايات، ويخدم بعضهم بعضًا في مشروع واحد:
إنسانٌ خائف…
إنسانٌ مرتبك…
إنسانٌ منزوع الإرادة.
إنسان بلا عقيدة= إنسان هش معرض للسقوط الفوري

لكنّ أخطر ما في هذه الحروب غير التقليدية، ليس شدّتها، بل غفلة الشعوب عنها. فحين لا نُدرك طبيعة المعركة، نُهزم قبل أن تبدأ. وحين نُسلّم عقولنا للخوف، نُسلّم مصائرنا دون طلقة واحدة.

اليقظة… لا اليأس

ومع كل هذا السواد، تبقى الحقيقة الكبرى ثابتة لا تتزحزح:
أن هذه المنظومة – مهما بدت محكمة – قائمة على الوهم.
وأن الخوف هو سلاحهم الأشد…
وأن الوعي هو نقطة انهيارهم الحقيقية.

إدراك آليات الهيمنة ليس دعوة لليأس، بل إعلان يقظة.
الفهم ليس خوفًا، بل استعداد.
وربط الأحداث بسنن الله، لا بدعاية الطغاة، هو أول طريق التحرر.

فحين يستعيد الإنسان وعيه،
وحين يفهم كيف تُدار الحرب عليه،
وحين يكفّ عن تسليم عقله للرعب المصنّع،
تسقط الهيبة الزائفة،
وينكشف الزيف،
ويبدأ العدّ التنازلي لانهيار هذا النظام العالمي المختل.

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى