يُعدّ تطوّر المرجعية الشيعية من الموضوعات المهمة في دراسة التاريخ الفكري والمؤسسـي للتشيّع الإمامي الاثني عشـري، لما تمثّله من تحوّل تدريجي في مفهوم السلطة الدينية ودورها في المجتمع والدولة. وقد حظي هذا التطوّر باهتمام عدد من المستشـرقين والباحثين الغربيين الذين حاولوا تتبع نشأة سلطة العلماء الشيعة وتطوّرها، منذ عصـر غيبة الإمام الثاني عشـر، مرورًا بتبلور مكانة الفقيه وتوسّع صلاحياته، وصولًا إلى ظهور مؤسسة المرجعية والتقليد (المرجعية) بصورتها الأكثر تنظيمًا خلال القرن التاسع عشـر. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المرجعية لم تظهر دفعة واحدة بصورتها المعاصـرة، وإنما تبلورت تدريجيًا، ولا سيّما منذ أواخر القرن التاسع عشـر، لتصبح مؤسسة دينية ذات شبكات واسعة تتجاوز حدود الدولة، مستندة في جانب من استقلالها إلى الموارد المالية والشبكات العلمية والاجتماعية. وقد اختلف المستشرقون في تفسير هذا التطوّر؛ فمنهم من ركّز على العوامل الفقهية والعقدية المرتبطة بمفهوم النيابة عن الإمام الغائب،
تمثّل سلسلة الدراسات التي نشـرناها في مجلة (الحوار) الغرّاء قراءة فكرية منهجية في أطروحات العلامة الشهيد ناصر سبحاني التجديدية والإصلاحية. ولم يتوقّف الطرح عند حدود الترجمة والسيرة السطحية، بل تجاوزها إلى تفكيك المشـروع الفكري للأستاذ، عبر مستوياته المعرفية والعقدية والمنهجية والإصلاحية، ممّا يجعلها مدخلاً رئيساً لدراسة مدرسة سبحاني الفكرية.
في القراءة الشائعة لسيرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، يُرى الحزن غالبًا على هيئة سلسلة من المصائب: اليتم، والفقر، والتكذيب، والطرد، وعام الحزن، والهجرة، والحرب. لكن إذا لم ننظر إلى هذه الوقائع بوصفها حوادث متفرّقة فحسب، بل قرأناها من داخل القرآن ومنطق التربية النبويّة، انكشف نظام أعمق. ففي هذه القراءة، لا يكون الحزن ظلًا عارضاً على حياة النبيّ، بل طريقاً لصناعة القلب، وتوسيع المسؤولية، وإيصال الرحمة من الباطن إلى التاريخ.
يرى ابن خلدون أن انهيار الدول ليس حادثة مفاجئة في الغالب، بل نتيجة لمسارٍ اجتماعي وسياسي واقتصادي وأخلاقي يبدأ بالضعف التدريجي ثم ينتهي بالعجز عن المحافظة على الدولة. وقد بسط ذلك في المقدمة ضمن حديثه عن أطوار الدولة وأسباب فساد العمران واختلال العصبية والترف والظلم.
زل القرآن منجّماً على النبي (صلى الله عليه وسلم)، تثبيتاً له، وعلى سبعة أحرف تيسيراً لأمّته، ونزل على قومٍ أناجيلهم في صدورهم، وفي زمن كانت الإنسانية تائهة في الظلمات، لا تعرف دستوراً يعمّ كل شؤون حياتها، ويخبرها عمّا يفعل بها بعد مماتها؛ فهو أفضل منّة من الله بعد الإيجاد على الإنسان، وهو حبل الصعود إلى جنّة الخلد التي طُرد الإنسان منها بسبب المعصية.
في مسيرةِ البشريّةِ الطَّويلة، برزَ العديدُ من المفكِّرينَ والباحِثينَ الّذينَ أسهمُوا في تطويرِ تقنياتٍ وأساليبَ مُبْتكرَة، ووسائلَ ناجعةٍ تهدفُ إلى تحسينِ أداءِ الأفرادِ وتطويرِ قدراتِهم، ورفعِ مستوياتِ الكفاءةِ والإنتاجيّةِ لديهم، وقد كان لتلكَ الجهودِ أثرٌ بالغٌ في الارتقاءِ بمُستوى الأفرادِ في مختلفِ مجالاتِ حياتِهم، وتحسينِ أدائِهم، وتعزيزِ قدراتِهم، وتيسيرِ عمليّاتِ الفهمِ والاستيعابِ والإنجاز، وتنميةِ مهاراتِهم، وتقليلِ الشعورِ بالمَللِ والضّجرِ، أو الإرهاقِ والإجهادِ أثناءَ التعلّمِ والدِّراسة، أو العملِ وأداءِ المهامِّ المختلفة.
تتجلى فكرة "المسيح المنتظر" (الماشيح) أو "عودة المسيح" في أنها تحتل مكانة محورية في الفكرين اليهودي والمسيحي أيضًا. ففي اليهودية يوجد الاعتقاد بقدوم “الماشيح”، وهو الملك الموعود من نسل النبي داود (عليه السلام) الذي سيجمع اليهود من الشتات ويعيد بناء الهيكل الثالث ويؤسّس عصـر الخلاص الإلهي. وقد ارتبط هذا التصور دينيًا بفكرة “أرض الميعاد” وعودة اليهود إلى فلسطين. ورغم أن الصهيونية الحديثة بدأت في أواخر القرن التاسع عشـر (آب/اغسطس عام1897م) بوصفها حركة قومية علمانية، فإن التيارات الدينية اليهودية رأت في قيام إسرائيل في15 أيار/ مايس سنة 1948م خطوة تمهيدية لتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بالمسيح المنتظر؛ ولذلك اكتسبت القدس والمستوطنات والهيكل أبعادًا دينية عميقة تتجاوز السياسة التقليدية.
قبل ختم المطاف، أحمد الله جل جلاله على أن سهّل لي ما كنت أتمنّاه وأسعى لتحقيقه، من نشـر حلقات حول حياة العلامة الكبير الشهيد ناصر سبحاني، وجانب من نتاجاته الفكرية والثقافية وجهوده الإصلاحية، ولولا توفيق الباري سبحانه لما كنت أصل إلى مبتغاي.
الآيةُ الأساسُ في التوكّل؛ هي قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق، ٣)، فكلُّ من يتوكّل على الله، فالله كافيه، هذه الآية ترفع التوكّل من مستوى الشعار الجميل إلى مستوى النِّسبة الوجوديّة: فمن يتّكئ على الله إنّما يتعلّق بمنبعٍ يكفيه؛ لا بمعنى أنْ يترك الأسباب، بَلْ بمعنى ألّا يربط قلبه بالنتيجة، وأنْ يعلم أنّ المتَّكأ النهائي هو الله، لا الأسباب.
اقتضت حكمةُ الله تعالى وإرادتُه أنْ يجعل لكلِّ شيءٍ سبباً، وألّا يجري في هذا الكون حدثٌ ولا يقع أمرٌ إلّا بعلمه وإرادته، ووفق سننه الجارية في خلقه؛ تلك السنن الثابتة الّتي لا تتحوّل ولا تتبدّل.
لم يكن القرن العشـرون مجرّد مرحلة زمنية في تاريخ البشـر، بل كان زلزالًا حضاريًا هائلًا، اختلط فيه الدم بالنور، والعلم بالوهم، والعقل بالجنون. لقد وُلِد العالم الحديث على بنية تحتية لم تُبنَ بالحجارة وحدها، بل شُيّدت على أنقاض الشعوب، وعلى جماجم الأمم التي أُبيدت باسم التقدُّم والحضارة.
"وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ" إن إضافة البعد التاريخي أو الجغرافي أو كليهما إلى الحدث أو القصة الحقيقية يُثري مغزاها ويعمّق تأثيرها في نفس الإنسان، ولقد خصّ القرآن عدداً من الأحداث المعجزة بهذه الإضافة، مع التأكيد على أن الله جعلها آياتٍ مشهودةً ومنظورةً للناس، وأعطاها صفة الاستدامة، حيث جاء هذا التاكيد بالتعقيب عليها بتعبير: [وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ]، أو [وَجَعَلْنَاهَا وابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ]، أو [وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً]، أو [وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً]، أو [وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً]، أو [وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مسَاكِنِهِمْ]، أو [فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً]. لقد ذكر القرآن الكريم الكثير من المعجزات الكبيرة والأحداث المعجزة التي تخرق السنن الكونية بإذن الله، ولكنّنا هنا استقصينا ما ذكره القرآن من أحداثٍ إعجازية ارتبطت بتاريخ أو جغرافيا، وعقّب القرآن عليها، وخصّها بالتعبيرات التي ذكرناها، وهي ستة أحداث نذكرها ونتدبرها حسب ورود آياتها البيّنات في سُوَرِ القرآن الكريم.