ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.
ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.
ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات. هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟
يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟
رغم أنّ الكثيرين من المتعلّمين والمثقفين المسلمين يدركون تماماً ما تعرّض له الإسلام كمعتقد وأسلوب حياة من هجمات مادية وفكرية خلال القرون والعقود الأخيرة، ورغم أنّهم يدركون أيضاً ما تعرّض له المسلمون أنفسهم عبر هذه القرون الطويلة من ضروب الاستعمار والإذلال المادي والنفسـي، فيبدو أنّ الكثيرين من مفكّري هذه الأمّة الإسلامية في عصـرنا الحديث قد شغلتهم عموميات أبحاثهم عن إدراك مدى الهجمة الفكرية المضادّة، التي تريد أن تقتلع من عقول المسلمين في مختلف بلادهم فكرة الإسلام اقتلاعاً تاماً، وبأسلوب يغلّفه المنطق والجدل العلمي، تمهيداً للوصول إلى عقول أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم المتعلّم بطريقة ذكية لا تخلو من الدهاء والخديعة، ولا تخلو من الاستشهاد بحقائق الواقع الذي تمرّ به الدول العربية والإسلامية هنا وهناك، وصولاً إلى تحقيق أهداف غير معلنة، ولكن قراءتها واضحة لكل ذي بصيرة.
لأنني أريد وصلاً آخر يناغم الإنسان والسماء، وضوحه كالماء والهواء، أحبُّ الجمال. فحين أرى الجمال، أودّ أن أكون اثنين.. فبعض المشاهد والانفعالات والأحاسيس تجعلنا نضيق بكوننا «واحد»، إذ لا بدّ من وجود آخر يقاسمنا المشهد، يحمل عنّا شيئاً من فرح وسرور مباغت.. خاصة أن حياتنا مليئة بالمفاجآت.. هي تجربة مفعمة بالمعاناة في مسيرة عبورنا نهر الحياة «الزمان»، الذي نقطعه ونحن نحمل أثقال وجودنا على أكتافنا إلى أن نصل جزيرة الأمل المفقودة في أبدية جميلة متصلة بكل معاني الوجود. وكأن روح الحياة وجمالها قد اختزلت في حكمة تعطي الزهد أقصـى معانيه.. معاني تفجّر لدينا الإحساس بالتفاؤل، برغم التشـرّب البطيء للمأساة التي نعانيها.. وفي رحلة البحث عن الذات نقطع المسافات، فبيننا وبين السعادة صحارٍ مجهولة، وهواجس لا تنتهي.. خاصة أن الوجود المشـروط، غياب. ومساحة الصبر قليلة، تنتهي بحرف، وعلى حافة جرف.. بعدها يعلن الوداع إلى غيابٍ بنكهة الحضور.. ولا زلنا تلامذةً في مدرسة الدنيا نتعلّم أبجديّات الحياة، وأسماء الواقع، وجدول الضمير، وكيمياء السعادة، وفيزياء الوجود.
في خضمّ الصـراع التاريخي المتكرر بين السلطات من جهة، وبين الشعوب والسلطات من جهة أخرى، يتجدد سؤال جوهري ظلّ حاضرًا في الفكر السياسي: هل يعود هذا الصـراع إلى قصورٍ في النظريات التي حلّقت خارج واقع الإنسان، أم إلى واقعٍ مثقلٍ بقيودٍ تعجز عن استيعاب أحلام الفكر؟
في عالمٍ تتلاطم فيه أمواج الدعاية السياسية والتضليل الإعلامي، يصبح التمحيص والوعي أمرًا ضروريًا عند قراءة التاريخ والحكم على الزعامات. فما أكثر ما سُطِّر من أكاذيب وتزييف، وما أكثر الشخصيات التي تم تصويرها كأبطال، بينما تثبت الحقائق أنهم لم يكونوا سوى طغاة ومستبدين أهلكوا أوطانهم وشعوبهم.
أودُّ أنْ أشير إلى بعض مواطن الخلل عند المسلمين اليوم؛ في النفس، وفي العقل، وفي القلب. فأزمة المسلمين في هذا العصـر ليست أزمة نقصٍ في الدِّين ذاته، وإنما هي - في جانبٍ كبير منها - أزمة فكرٍ ومنهج، وأزمة فهمٍ للدِّين، وكيفيّة التّعامل مع نصُوصه، واستيعاب مقاصدها، وتنزيلها على واقع الحياة تنزيلاً صحيحاً (أي: أزمة في فقه التديُّن).
بعد فتح نهاوند على يد المسلمين، بقيادة الصّحابي الجليل النعمان بن المقرن - رضي الله عنه -، في عام 21 للهجرة، وصل البشير إلى الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، فسأل الخليفة البشير: ماذا فعل النعمان بن المقرن؟ وكان يحبّه، قال: استشهد يا أمير المؤمنين. فبكى عمر. وقال: من أيضاً؟ قال: فلان، وفلان، وفلان، وذكر عدداً من الصحابة الّذين يعرفهم عمر، والخليفة يبكي على فراق الأحبّة والصّالحين. ثمّ قال: وآخرون من أفناد الناس، ممّن لا يعرفهم أمير المؤمنين. فجعل عمر ينتحب من البكاء، وارتفع صوته، وهو يقول: وما ضرّهم ألّا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشّهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر.
ممّا لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي يشكّل خلاصة ذكاءات البشـرية في مواضيع مختلفة، خاصة تلك المرتبطة بنمط التفكير الرأسي المنطقي، ولربما يتخذ هذا الذكاء سماتٍ من ذكاءات أخرى؛ مثل الذكاء المكاني، أو الجانبي أو العاطفي، نسـجًا على ما يقلّب من خلاله الشابكة (الانترنت) فيفاجئك بما لم تعلم.
كان يُنظر إلى الفصل الدراسيّ دائِماً على أنّه مساحةٌ ساكنة، سبورةٌ بيضاء، مقاعِدُ منتظمة، ومعلّم يُلْقي المعلومات على طلبتِه. لكن في الحقيقة، التعليم الحقيقي يبدأ حين نتجاوز حدود هذه الصورة النمطية؛ فما يحدث "وراء السبورة" ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو مختبر حي لصناعة الإنسان وتطوير مهارات الحياة. حيث تُبنى العقول لا مجرد الدفاتر، ويتحوّل الاهتمام من الأدوات الجامدة (كالسبورة) إلى الإنسان النابض بالحياة (الطالب).