مسارات/ حين نقارع العنصرية بعنصرية أخرى
سرهد أحمد
من المؤلم أن نتحدّث عن العنصرية في مجتمع عانى أبناؤه على مدى عقودٍ من سياسات التمييز والإنكار والإقصاء، ثم نغضّ الطرف عن مظاهر مشابهة قد يمارسها بعض أفراده تجاه الأقوام والمكوّنات الأخرى.
إنّ الاعتزاز بالهُويّة الكوردية حقّ طبيعي، كما أنّ الحفاظ على اللغة والثقافة والتاريخ حقّ مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل ذلك الاعتزاز إلى انتقاص من الآخرين، أو عندما تُصبح الهُويّة مبرّراً للنظر إلى قومية أخرى باعتبارها أقلّ شأناً أو أقلّ استحقاقاً للحقوق والاحترام.
ففي مجتمعنا الكوردي، كما في غيره من المجتمعات، توجد أحياناً خطابات ومواقف تحمل تعميمات سلبية تجاه مكوّن بعينه، وقد تظهر هذه المواقف في حديث يومي، أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تعليق سياسي، أو حتى في التعامل مع الجيران والموظفين والطلاب. والخطر هنا أن يتحوّل موقف فرد أو مجموعة إلى صورة نمطية عن شعب بأكمله.
وهنا، لا يمكن أن نطالب الآخرين باحترام الكورد وحقوقهم، ثم نقبل في الوقت نفسه إهانة قومية أخرى أو التشكيك في انتمائها وحقوقها، فالعدالة لا تتجزّأ، والكرامة الإنسانية ليست حكراً على قومية دون أخرى. كما أنّ نقد سياسات حكومة أو حزب أو شخصية سياسية من قومية معيّنة لا ينبغي أنْ يتحوّل إلى كراهية للقومية بأكملها. فالحكومات والأحزاب تتغيّر، أمّا الشعوب فتبقى جيراناً وشركاء في التاريخ والجغرافيا والمصير.
إنّ قوّة المجتمع الكوردي لا تقاس بقدرته على رفع صوته في مواجهة الآخرين، بل بقدرته على احترام المختلف عنه. فالهُويّة الّتي تحتاج إلى إهانة الآخرين كي تثبت وجودها هي هُويّة ضعيفة، أمّا الهُويّة الواثقة من نفسها فلا تخشى التنوّع، ولا ترى في الآخر تهديداً.
إنّ مواجهة العنصرية لا تكون بالشعارات وحدها، بَلْ تبدأ من اللغة الّتي نستخدمها، ومن الطريقة الّتي نربّي بها أبناءنا، ومن قدرتنا على رفض الخطاب الّذي يسخر من قومية أو يقلّل من شأنها. وعلى الإعلام، والمثقفين، ورجال الدين، والمؤسّسات التعليمية، مسؤولية كبيرة في ترسيخ ثقافة الاحترام، وكسر الصور النمطيّة الّتي تغذّي الكراهية والانقسام.
وعليه، فنحن بحاجة إلى ثقافةٍ ترسِّخ الاعتزاز بهُويّتنا الكوردية، وتحترم في الوقت نفسه هُويّات الآخرين. فالتعايش المشترك ليس تنازلاً عن الهُويّة؛ بَلْ هو أحد أرقى أشكال الثقة بها، وهو الطّريق الأصحّ لبناء مجتمع يحترم الإنسان قبل انتمائه القومي أو اللغوي أو الديني.
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون