كتاب الحوار/ حاجي قادر كويي: العالم والأديب والمفكر الإصلاحي.. آلام (حاجي قادر كويي) ومآسيه (القسم الرابع)
نقله إلى العربية: سرهد أحمد
كان (حاجي قادر كويي) يعيش مأساة تراجيدية متكاملة، نسجت خيوطها من الألم والمرض والفقدان ومختلف صنوف المعاناة. فقد كانت حياته أشبه بلوحة واسعة رسمتها الجراحات والأحزان؛ حزن اليتم بفقدان الأب والأمّ، ومرارة الحرمان من الحنان الأبوي، والعيش من دون موجّه أو معين يستمد منه خبرة الآباء وتجاربهم.
ولم تقتصر مآسيه على حياته الشخصية، بل حمل في ذاكرته أيضاً مرارة الأحداث التاريخية التي عصفت بقومه، وما رافقها من نزوح قسري لعشيرته، واضطراره إلى ترك الوطن والممتلكات، ثم خوض تجربة الغربة بما حملته من ضياع ومعاناة خلال رحلاته الدراسية، حتى هجرته إلى إسطنبول.
وكانت غربته تتجاوز المكان والجغرافيا؛ فقد كانت في جانب كبير منها غربة فكرية ونفسية وروحية، إذ لم يجد في مجتمعه ومحيطه من يستطيع أن يفهم عالمه الداخلي وأفكاره وهواجسه على النحو الذي كان يتطلع إليه.. ولعلّ هذا الشعور العميق بالغربة يتجلّى بوضوح في قوله منشداً:
ملحمة هجرتي لا يمكن شرحها بالكتابة
سأخبرك بها حين تلتقي عيناي بعينيك
وفي بيت آخر، يخاطب صديقه (الملا عبد الله جلي زادة)، موضحاً أنّ حكاية التشرّد والغربة وما تركته من آثار نفسية، إلى جانب شغفه وتجاربه، أكبر من أن تختصرها الكتابة أو تستوعبها الكلمات.. وكأنه يقول له: إن تفاصيل هذه الملحمة لن تستطيع الأقلام أن تنقلها كاملة، وإنما سأرويها لك حين تجمعني بك لحظة لقاء، وحينها ستدرك أبعادها وتفاصيلها كما عاشتها، لا كما يمكن للكلمات أن تصفها.
ويقول في موضع آخر منشداً:
لِمَ يُوجع أحبابُ الوطن الفؤادَ؛ يا حاجي
أنت لن تعودَ، فلا تشكو غربتك
وفي بيتٍ آخر، يبدو (حاجي) وكأنه يتحدّث من قلب مثقل بالخذلان، بعدما شعر أن من حوله لم يعودوا قادرين على فهمه، واستيعاب ما يختلج في أعماقه.. فيتحوّل الحوار إلى حديث مع الذات، وكأنه يخاطب نفسه قائلاً: ما داموا لا يفهمونك، فاترك الأمر وشأنه.
وهكذا تتحوّل الغربة في شعر (حاجي قادر) من مجرّد ابتعاد عن الوطن إلى حالة وجودية عميقة؛ غربةً في المكان، وغربة بين الناس، وغربة في الفكر والشعور، حتى بات الشعر بالنسبة إليه الوسيلة الأصدق للتعبير عن عالمه الداخلي.
حاجي، كفى! قلت لك مائة ألف مرّة
هذا الكلام لا جدوى منه
ومنذ ذلك الحين، أخذت الهموم تثقل كاهله، وأصبحت مجريات الحياة أكثر وطأة عليه.. ومع تقدّمه في السن، ازدادت آلامه وتفاقمت مآسيه، حتى غدت معاناته أثقل من أن تحتملها الكلمات.
وكلما ازداد (حاجي) وعياً وإدراكاً لما يدور حوله، وتعاظم شعوره بالمسؤولية تجاه محيطه، ازدحم قلبه بالهموم والمنغّصات.. فقد كانت مرارة الغربة، وآلام الفراق، وقسوة الحرمان الّتي عاشها في طفولته، حين ذاق اليتم وعاش بلا معيل، أوجاعاً عميقة يصعب على القلم أن يحيط بها أو أن ينقل قسوتها.
وفي جانبٍ آخر من تَجْرِبته، والقيمة الشعريّة الرفيعة لقصائده؛ يقارن أشعاره بأشعار نالي وكوردي، فیری أنها لیست أقلّ قيمة أو شأناً من حيث الإبداع والجزالة الشعرية.. غير أن شعره لم ينل ما يستحقّه من الاهتمام والمكانة، وهو ما كان يعزوه إلى سوء طالعه وقلّة حظّه، قائلاً:
أشعاري ليست أقلّ شأناً من شعر نالي وكوردي
لكن طالعي يعاندني وحظي لم يحالفني
وفي بيت آخر، يصوّر (حاجي) سوء حظه وما تركه السّهر من أثر في حياته، فيقول منشداً:
أصابني السّهر بعلّة في مقلتي
كحال حظي لم يزل عليلاً نائماً
أمّا في بيت آخر، فيكشف عن عمق مأساته، وما تركته من أثر في حياته وسمعته، قائلاً:
قصّة حالي معلومة عند الروم والعجم
فلا مثيل لحال حاجي في الفقد والفضيحة
وهكذا يبدو شعر (حاجي) انعكاساً صادقاً لحياة مثقلة بالحرمان والغربة والفقد، حيث امتزجت في قصائده مرارة التجربة الشخصية بعمق الإحساس، فتحوّلت معاناته إلى شعر يحمل حزناً إنسانياً يتجاوز حدود زمانه ومكانه.
وإذا كانت المصائب والآلام التي رافقت المراحل الأولى من حياة (حاجي قادر كويي) قدراً فرضته ظروف تلك المرحلة، أو ارتبطت بأوضاعه الشخصية، فإن جانباً كبيراً من أحزانه وآلامه في مراحل لاحقة كان مرتبطاً بالمجتمع والشعب والأمّة، وبالظروف الإنسانية وأحوال الكورد على وجه الخصوص.
ولم تكن طبيعة (حاجي)، ولا طريقته في التعامل مع الأحداث ومواجهتها؛ تسمح له بالوقوف موقف المتفرّج أو الصمت أمام ما كان يراه من تعنّت وفساد وتعسّف؛ بل إن شعوره العميق بالمسؤولية الاجتماعية والدينية دفعه إلى اتّخاذ موقف فاعل، حتى أصبح - في بعض الأحيان - جزءاً من الأحداث، وصانعاً لمواقفٍ كان يدرك مسبقاً ما قد تجرّه عليه من متاعب وآلام.
ومن هنا يمكن فهم جانب من المرارات والتعاسات الّتي رافقت سنواته الأخيرة؛ إذ ربما كان بإمكانه أن يتجنّب كثيراً من تلك المعاناة لو اختار المهادنة، وآثر الصمت، وأظهر قدراً من اللين تجاه أصحاب النفوذ والمتنفّذين في عصـره؛ لكنه اختار طريقاً مختلفاً، ودفع ثمن موقفه من راحته وحياته.
ولذلك لم يكن (حاجي قادر كويي) غافلاً عن أن جانباً من الشقاء وسوء الحظ الذي لازم مسيرته كان - بحسب تعبيره - نتيجة اختياره ومواقفه.. فقد جعل من نفسه أداة لمواجهة فساد المجتمع واستبداد أصحاب النفوذ، ولو أنه اختار الصمت - كما فعل كثيرون من أبناء عصـره - لربما لم يتعرّض للمضايقات، ولما أصبح عرضة للاضطهاد والأذى.
وفي هذا السياق يقول منشداً:
كل ما أصابني كان بسببي أنا
حاجي يشتكي ممّا اقترفت يداه
وكأنّ (حاجي) هنا يحمّل نفسه مسؤولية ما صنعته يداه، لا بمعنى الندم على موقفه، وإنّما باعتراف منه بأن اختياره مواجهة الواقع ورفض الخضوع له، كان سبباً مباشراً في كثير من مآسيه.
ولا شكّ أن هذه الآلام والمصائب تركت أثراً عميقاً في شخصية (حاجي قادر كويي)، وفي بنيته النفسية وطريقة تعامله مع الأحداث، كما انعكست بصورة واضحة على فكره ومخياله ونتاجه الأدبي.. فقد تحوّلت التجارب القاسية الّتي عاشها إلى مادة أساسية في رؤيته للإنسان والمجتمع، وإلى مصدر لكثير من تأمّلاته وانتقاداته ومواقفه.
وفي الصفحات الآتية سنتوقف بإيجاز عند أبرز المصائب والآلام الّتي رافقت حياته، ونحاول الوقوف على أثرها في تكوين شخصيته وفكره.
أولاً: اليتم وفقدان الأبوين:
كما أشرنا في اللمحة الموجزة عن حياة (حاجي قادر كويي)، فقد مات والده في سنّ مبكّرة، ولم يكد ينسـى حزن فقد والده، حتى لحقت به والدته، ليجد حاجي نفسه أمام فقدان مزدوج ترك في نفسه جرحاً عميقاً.
وهكذا وجد (حاجي) نفسه يواجه اليتم في مرحلة مبكّرة من حياته، محروماً من سند الأب وحنان الأمّ، الأمر الذي ترك أثراً بالغاً في تكوينه النفسـي والوجداني، وانعكس لاحقاً في شعره وذكرياته وصورته عن الحياة.
وفي هذا الصّدد أنشد:
والدي (أحمد)، أتذكّر اسمه
قروية كانت أمِّي (فاتي)
عندما يشير (حاجي) إلى أن اسم والده قد غاب عن ذاكرته، فإن ذلك يدلّ - على الأرجح - على أنه كان في سنّ مبكرة جداً حين فقده.. وفقدان الأب في تلك المرحلة من العمر لا يمثّل مجرّد غيابِ شخص، بل يعني فقدان السند والحماية والتوجيه في وقت يكون فيه الطفل في أمسّ الحاجة إلى من يرعاه ويقوده.
كما أن انتقال الطفل القروي إلى المدينة، وما يرافق ذلك من شعور بالغربة والوحدة، كان كفيلاً بتعميق هذا الإحساس بالفقد.. فقد وجد (حاجي) نفسه بعيداً عن دفء الأسرة وحنان الوالدين، يواجه المستقبل المجهول ومصاعب الحياة وتقلّباتها من دون معين أو سند، ومن دون أب يؤدّي دور المعلّم والمربّي الذي يستمدّ منه الخبرة والدروس والعبر.. فكانت تلك التجربة، بما حملته من حرمان وقلق وحسـرة، عبئاً ثقيلاً على نفسه وقلبه.
ومع ذلك، فإن الحياة في مثل هذه الظروف القاسية، على الرغم من مرارتها وآلامها، تركت في شخصية حاجي جانباً آخر لا يقلّ أهمية؛ فقد أسهمت في نضجه المبكر، وعمّقت وعيه وإدراكه للحياة، ومنحته خصائص ربما لم تكن لتظهر فيه لو نشأ في ظروف أكثر استقراراً.
فاليتم دفعه إلى الاعتماد على نفسه، ورسّخ فيه روح الاستقلال والاعتداد بالذات، وهي صفات انعكست لاحقاً في عناده وتمرّده وأنفته ورفضه للخضوع.
وفي المقابل، فإن فقدان الأمّ، بما تمثّله من مصدر للحب والحنان والعاطفة، ربما ترك فراغاً وجدانياً في شخصيته، انعكس في علاقاته الاجتماعية وطريقة تعبيره عن مشاعره، حتى أمسـى في بعض مواقفه أكثر جفافاً وأقل ميلاً إلى إظهار عاطفته.
ثانياً: الفقر وضيق ذات اليد:
لم يكن الفقر بعيداً عن حياة (حاجي قادر كويي)، فقد ترك في قريته أراضٍ وممتلكات آلت إليه بالوراثة، وكان امتلاك الأرض الزراعية في ذلك العصـر يعدّ من أبرز مظاهر الثراء والاستقرار المعيشـي.. غير أن (حاجي) كان لا يزال طفلاً، ولم يكن بمقدوره إدارة تلك الأراضي أو زراعتها واستثمارها بنفسه، الأمر الذي جعله يعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، ولا سيّما في مرحلة شبابه وطلبه للعلم.
وكانت سنوات الدراسة والفتوّة مرحلة يتطلّع فيها الشاب إلى الظهور بمظهر لائق، وارتداء الملابس الجيِّدة، ومجاراة أقرانه، غير أن حاجي كان يفتقر حتى إلى أبسط مستلزمات الحياة.. فلم يكن يمتلك حذاءً أو حتى زوجاً من (الكلاش - الخفّ الكوردي التقليدي)، وهو ما عبّر عنه في إحدى قصائده الّتي وجّهها إلى (الملا عبد الله جلي زاده) قائلاً:
أتذكُرُ أوقات ذهابنا إلى (بَالَكْ)
حافياً لا خفّ لديّ ولا حِذاء
وعلى قدميّ الشوك والحجر
كان كالمخمل ناعماً أو كالسجّاد؟
إنّ هذه الأبيات تكشف بوضوح عن حجم المعاناة الّتي عاشها؛ فطريق الحياة بالنسبة إليه لم يكن مفروشاً بالورود، بل كان الشوك والحجر رفيقيه، حتى أصبح ما يؤلم القدم جزءاً من تفاصيل حياته اليومية.
ولم تقتصـر معاناته على الفقر وحده، بل كانت تتجلى بصورة أكثر وضوحاً حين يقارن نفسه بأقرانه وزملائه في الدراسة.. ففي الوقت الذي كانوا يخرجون للتنزه والترفيه على صهوات الخيول المسـرّجة والمزيّنة، كان حاجي يقطع الطريق سيراً على قدميه، محاولاً اللحاق بهم. ويصوّر هذا التفاوت في أحد أبياته منشداً:
أنتَ تسرحُ بفرسك الأبيض المسرّج ذي الزينة
وأنا لا ألحق بك، لأنّ فرسي المسرّج قدماي
وهذا البيت الشعري يحتوي على جناس تام وجميل بين الكلمتين (بهزینت پێیه - بالسـرج المزيّن) و(بهزینم پێیه - بالسير على الأقدام مهزوماً)؛ إذ يمكن قراءة التعبير الثاني بطريقتين: الأولى (به + زين) كلمة واحدة (بهزين) فيكون المعنى (الانكسار والهزيمة)، وكأنّ لسانَ حاله يقول: لم ألحق بفرسك الأبيض المسـرّج، فأعترف أنا بالهزيمة والفشل، لأن حصاني الذي أسابق به هو قدماي.
أما المعنى الثاني، فيمكن قراءة (به) و(زين) ككلمتين منفصلتين؛ ويكون المعنى حينها أن (حاجي) يقول لصاحبه: كيف ألحق بك وأنت تمتطي حصاناً أبيض مزيناً بالسـرج، بينما أنا أسير مشياً على الأقدام، لأن حصاني المسـرّج هو قدماي.
إذا أخذنا بأي من هذين المعنيين، فإنه يعكس واقعية الموقف؛ إذ إن أي شخص مكان (حاجي قادر) كان طبيعياً جداً أن يعاني من انكسار نفسـي وروحي، وشعور بالنقص والدونية.
لكن يبدو أن (حاجي) - بفضل الخطّة الواضحة والهدف الكبير الّذي حدّده لنفسه - لم يستسلم، بل جعل من كل هذه الهزائم والمصائب دافعاً للوصول، حتى أصبح في النهاية ذلك الشخص الذي نلتقي به بعد نحو قرن ونصف من الزمن لندرس ونحلّل أشعاره، ويعتبر واحداً من النخب التي يجب أن نفخر بها.
إن إحدى المرارات والأحزان الأخرى للفقر؛ هي اضطرار (حاجي) للعمل مبكراً لتأمين قوت يومه، كما يروي الأستاذ (مسعود محمد) عن رجل ديني طاعن في السن ناهز (110) عاماً يدعى (الشيخ رحيم)، إذ يذكر أنه و(حاجي قادر كويي) عملا كصبيين متدربين لدى إسكافي في كويسنجق.
هذا العمل المبكِّر، فضلاً عن آلامه الجسديّة، له أثر نفسـي كبير على الطفل والشاب في بداية عمره؛ فعندما كان يرى أقرانه وهم يلعبون، وهو يرزح تحت ثقل العمل ويتصبّب عرقاً، يجد حسـرة في داخله. ولا جرم أنّ عمله كان سبباً في انقطاعه وتأخّره عن الدراسة، والتخلّف عن زملائه الطلاب في الكتاتيب.. إضافة إلى مراحل دراسته في سن متأخّرة، ويبدو أن هذا التأخّر لم يكن بسببه هو، بل بسبب الآلام الجسيمة التي كان يعاني منها.
هذا الفقر والحاجة لم يقتصـرا على مرحلة شبابه وحسب، بل استمرا معه حتى أواخر عمره، لدرجة أنه لم تكن لديه شمعة لإضاءة غرفته في اسطنبول، وكان يكتب رسائله في الظلام.
وفي رسالةٍ شعريّة بعثها إلى صديقه (الملا عبد الله جلي زاده) يقول:
كنت جالساً في الليل بلا شمعة ومصباح
فذكّرني ذلك بك، يا (كاكه فتاح)
وهكذا، فإن الفقر لم يكن مجرّد محطّة مؤلمة في حياة (حاجي قادر كويي)، بل كان من العوامل الأساسية التي أسهمت في تشكيل شخصيته العصامية، وتعزيز استقلاله وصقل وعيه، وترسيخ نزعة التمرّد والاعتداد بالذات لديه.
ومن رحم تلك المعاناة تشكّلت - إلى حدّ كبير - الشخصية التي ستصبح لاحقاً صوتاً ناقداً لمجتمعها وعصرها، وشاعراً يحمل هموم الإنسان والشعب والأمّة.
ثالثاً: النزوح والغربة:
إن الهجرة والنزوح عن الوطن والديار - مهما كانت أسبابهما ودوافعهما - يتركان في نفس الإنسان أثراً عميقاً وثقلاً نفسياً واجتماعياً لا تزول آثاره بسهولة، فالغربة لا ترتبط بمكانة الإنسان أو منزلته؛ إذ قد يبلغ أعلى المراتب والمناصب، ومع ذلك يظلّ شعور الاغتراب والوحشة ملازماً له، بل قد يصبح مَلِكاً في أرض الغربة، دون أن يفقد إحساسه بأنه بعيد عن وطنه وأرضه وأهله.
ومن هنا، يمكن النظر إلى حياة (حاجي قادر الكويي) بوصفها تجربة إنسانية عميقة في الغربة والوحشة والاقتلاع من المكان.
وتشير الروايات إلى أن عشيرة (حاجي) وأسرته تعرّضتا لنزوح جماعي واضطراري من منطقة (زهاو) إلى سهل كويسنجق، ولا شك أن تجربة الرحيل القسـري، وما رافقها من ألم وفقدان واستقرار في بيئة جديدة، قد تركت آثاراً عميقة في وجدان أفراد العشيرة.
كما أن النزوح لم يكن مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل أفرز كماً من المشاعر والسلوكيات التي فرضتها ظروف الغربة والحاجة إلى حماية الجماعة والحفاظ على هويتها.
ومن أبرز تلك الآثار؛ توثيق الروابط الداخلية بين أبناء العشيرة، والتمسّك الصارم بعاداتها وتقاليدها، والحذر في منح الثقة للآخرين من خارج محيطها، فضلاً عن مظاهر أخرى فرضتها ظروف العيش في بيئة جديدة.
وبطبيعة الحال، انعكست هذه التجربة على تكوين شخصية أفراد العشيرة، وكان (حاجي) - شأنه شأن غيره - متأثّراً بهذه البيئة النفسية والاجتماعية.
فالإنسان لا يرتبط بالمكان الذي ولد ونشأ فيه ارتباطاً جغرافياً فحسب، وإنما تنشأ بينه وبين بيئته الأولى علاقة وجدانية عميقة، تتداخل فيها الذكريات والطفولة والعَلاقات الإنسانية والشعور بالأمان والانتماء، ويصبح المكان، مع مرور الزمن، جزءاً من تكوينه النفسي والوجداني.
ولذلك، فإن اقتلاع الإنسان من بيئته الأولى، أو انفصاله عنها، في أي مرحلة من مراحل حياته، قد يولد في داخله شعوراً عميقاً بالغربة والوحشة والحنين.
و(حاجي قادر) لم يكن بعيداً عن هذه التجربة؛ فسواء كان قد ولد في موطن العشيرة الأصلي أم لم يولد فيه، فإن اضطرار عشيرته إلى مغادرة موطنها (كورهقهرهج)، بسبب نزاع اجتماعي، والاستقرار في منطقة أخرى، لا بد أنه ترك أثراً بالغاً في وعي أفرادها، ورسّخ لديهم إحساساً عميقاً بالانفصال عن الجذور والموطن الأول.
وقد يتولّد لدى الإنسان، في مثل هذه الظروف، شعور دائم بأنه اقتلع من أرضه الأصلية، وأصبح يعيش في منطقة تنتمي إلى جماعة أخرى؛ فيشعر بأنه غريب، أو على أقل تقدير ضيف في مكان لا يملك فيه الإحساس ذاته بالانتماء والحقوق التي يتمتع بها في وطنه. فالضيف، مهما طال مقامه، لا يتصـرّف كصاحب بيت، ولا يشعر بالأمان والحرية نفسيهما اللذين يشعر بهما في موطنه.
ومن المرجّح أن مثل هذا الشعور قد لازم (حاجي) حين غادر في رحلة طويلة لطلب العلم، ثم امتدت غربته ولم يعد إلى موطنه قريباً.
ومع وفاة والديه، وفقدانه السند الأسري المباشر، وما رافق ذلك من تغيّر في وضعه الاجتماعي وغياب الأقارب المقرّبين، ازدادت وطأة الاغتراب لديه، وأصبحت الغربة عاملاً إضافياً دفعه إلى الهجرة نحو إسطنبول والإقامة فيها حتى وفاته.
ولذلك، لم تكن الغربة في تجربة (حاجي) مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل تحولت إلى تجربة نفسية ووجدانية كاملة، انعكست بوضوح في شعره. فقد أدرك - بعد الابتعاد عن الوطن - قيمة المكان الّذي كان قد ضاق به ذرعاً في السابق، وأصبح الحنين إليه أكثر حضوراً وإيلاماً.. ويتجلّى ذلك في قوله:
لا تسأل عن داءِ الغربة ولذة الوطن
فما بكيت عليه بالأمس، أبكي لأجله اليوم
وتعكس هذه الأبيات تحوّلاً عميقاً في موقف الشاعر من الوطن؛ ففي مرحلة سابقة دفعته المضايقات والعراقيل الّتي واجهها من (الشيخ نبي) وخصومه إلى الضيق بالوطن والديار، حتى صار الرحيل خلاصاً له من واقع مؤلم. غير أن الابتعاد وتذوق مرارة الغربة في أرض بعيدة أعادا تشكيل نظرته إلى الوطن، فأصبح المكان الذي كان يضيق به بالأمس موضع حنين وبكاء في الحاضر.
ويعبر (حاجي) عن هذا التحوّل بصورة أكثر وضوحاً، حين يقول:
جعلتني الغربة غريباً عن الوطن
وحوّلت الأرض كُلَّها إلى سجن
فالغربة في وعي الشاعر لا تعني مجرّد البعد المكاني، وإنما تفقد الإنسان إحساسه بالحرية والانتماء، حتى تتحوّل الأرض التي يفترض أن تكون موطناً وأماناً إلى فضاء ضيّق يشبه المعتقل، ويزداد هذا الإحساس حدّة لدى الإنسان الّذي يحمل رسالة أو مشـروعاً فكرياً ويجد نفسه مضطراً إلى الارتحال والعيش بعيداً عن جذوره.
ومن هنا نفهم شكواه من أهل كويسنجق حين يقول:
رفاقي في كويسنجق لا يعرفون
ولا يدركون حالنا العصيب
فهو لا يتحدّث هنا عن اختلاف المكان فحسب، بل عن فجوة وجدانية بين الإنسان ومحيطه الجديد؛ فمن لم يعش تجربة النزوح والغربة قد يصعب عليه أن يدرك عمق آلامها، أو أن يفهم ما يتركه الاقتلاع من الوطن في النفس من جراح لا ترى بالعين.
وفي موضع آخر، يختصـر (حاجي) مأساة الغربة في صورة شعرية بالغة الدَّلالة حيث يقول:
في الغربة حتى عيشة الملوك
لا تنسي أيّام الصبا وذكرى الوطن
وهنا تتجلّى إحدى أكثر حقائق الغربة رسوخاً: أن الإنسان، مهما علا شأنه في أرض الغربة، وعاش عيشة الملوك، تظلّ ذاكرته مشدودة إلى أيام شبابه وإلى المكان الّذي تشكّلت فيه ملامح حياته الأولى.
إنّ جراحات الغربة النفسية، ليست جراحاً عابرة، بل هي من أعمق الجراح التي يمكن أن يحملها الإنسان. فالابتعاد عن الوطن يترك وراءه ذاكرة مثقلة بالماضي، ويجعل صور المكان والأهل والطفولة حاضرة في الوعي والخيال، حتى تتحوّل الذكريات نفسها إلى مصدر دائم للحنين والحزن. وقد تبقى هذه الصور حيّة في الوجدان، تستعيد حضورها في لحظات التأمّل والوحدة، بل وحتى في الأحلام؛ وكأنّ المسافة - مهما اتّسعت - لا تستطيع أن تفصل الإنسان تماماً عن وطنه الأول.
وهو يشبّه غربته ونزوحه؛ بغربة (مولانا خالد النقشبندي) في بيت شعري ويقول منشداً:
كان قطب الزمان (خالد) غريباً مثلي
بلا قدر ومنزلة، ولا مقام ولا زاد
وكما أسلفنا القول، بأن الغربة والنزوح تركت أثراً عميقاً في وجدان (حاجي) ونفسيته، بدرجة لا توصف، ولهذا يقول في بيت شعري آخر:
لا علاج لداء الغربة بألفِ قيدٍ وحاشية،
ولا يتحمّل، إلّا بالصّبر
و(القيد) و(الحاشية) مصطلحان في منهج الدراسة الدينية (الكتاتيب)؛ فالقيد هو الحاشية أو التعليق المكتوب لربط كلمتين منفصلتين من حيث المعنى، ولكن بينهما صلة من حيث الإعراب (كالمبتدأ والخبر). وأمّا الحاشية، فهي الشـرح والتوضيح لبيت شعري أو جملة أو فكرة أو مصطلح.
ومن الواضح أنّ كليهما يتم استخدامهما للتوضيح والشـرح؛ و(حاجي) يريد أن يصور عمق حسـراته وآثارها النفسية في الغربة؛ فيقول: حتى مع مائة قيد وحاشية، فإن ألم الغربة لا يمكن شرحه، ولا عزاء لقلب الغريب المترع بالآلام إلّا بالصبر والسُّلوان.
إن حسـرات الغربة والنزوح هذه تجعل البعد عن (كويسنجق) لدى (حاجي) كأنه الجحيم، والقرب منها كأنه الجنّة. هذا الشعور لدى (حاجي)، فضلاً عن كونه مرآة تعكس الأثر الحقيقي للاغتراب والانقطاع عن الوطن، فإنه يظهر عمق انتماء حاجي لوطنه وأصالته. وهذا الانتماء العميق وحب الوطن والديار هما اللذان أنتجا تلك الأشعار والقصائد الرّصينة، وصنعا هذا الشعور والعاطفة الأصيلة الرّقيقة.
نعم، إنّ التشـرُّد والبعد عن الوطن والديار، والترحال وحياة الغربة؛ شاقّةٌ، ولها أثر بالغ في نفسية الإنسان وعاطفته، إلا أن ذلك في الوقت نفسه يصبح سبباً لمزيد من التعرّف على الناس، والاستفادة من تجارب الآخرين، والتعرّف على ثقافات أخرى، والإلمام بكيفية التعامل معها. ولدى (حاجي) أيضاً أصبحت الغربة مصدراً لتوطين المعرفة وزيادة المعلومات.
رابعاً: العزوبية وفقدان المنزل والأسرة:
عندما لا تكون للإنسان أسرة، فإنه بالتأكيد لن يكون لديه أطفال، وحين لا يكون لديه أطفال، تقلّ حاجته إلى المنزل بمعناه الأسري. فغياب الزوجة والأطفال والأسرة يترك فراغاً روحياً واجتماعياً في داخله، فيُصبح أكثر قلقاً واضطراباً، ويفقد الشعور بالانتماء إلى مكان محدّد، ويعيش إحساساً دائماً بالغربة والعزلة والوحدة.
إن الزواج وتكوين الأسرة يمثلان مصدراً للطمأنينة والسكينة الروحية، وسنداً مهماً للإنسان وقدرته على الصمود أمام عواصف الحياة وأحداثها، وملاذاً يستريح فيه حين ينهكه التعب من أعباء الحياة ومشكلاتها.
وكما يذكر (حاجي قادر كويي) نفسه في أحد أبياته، فإنه لم يتزوج، ومن خلال تشبيه نفسه بعيسى ابن مريم - عليه السّلام -، يرسم هذه الصورة ويجسّدها قائلاً:
أنا مَن قطع أواصري غدر الزمان
وأبعدني عن قومي وأهلي وعشيرتي
فأصبحتُ اليوم وريثاً لعيسى
بلا زوجة ومال ولا ولد ومأوى
إنّ تشبيه (حاجي قادر) نفسه بالنبي عيسـى - عليه السّلام - من حيث عدم الزواج؛ لا يخلو من دلالة وهدف ديني، ولا سيّما إذا أمعنّا النظر في مقارناته، إذ يتّضح أنه يختار وجه الشبه والمشبّه به بدقة فائقة؛ فعندما يقصد قوّة الشعر وجماله، يشبّه نفسه بـ(نالي) و(كوردي)، وعندما يتحدّث عن كثرة الخدمة والتضحية، يشبّه نفسه بـ(حافظ الشيرازي)، وفي المواضع التي يتجلّى فيها معنى التضحية من أجل تحرير الشعب والأمّة، يشبّه نفسه بـ(المهدي المنتظر). أمّا حين يتحدّث عن عدم الزواج، فيشبّه نفسه بـ(عيسى).
ويبدو لي أنّ (حاجي) - بصـرف النظر عن مسألة الفقر وضيق ذات اليد - لم تتح له الظروف الزمنية فرصة الإقدام على الزواج. ولا تتوفر لدينا معلومات موثّقة أو أدلّة صريحة تحدّد سبب عدم زواج (حاجي)، إلّا أنه يمكن إرجاع ذلك إلى عدّة أسباب؛ منها أنه ربما لم يكن قادراً مادياً في بداية حياته، أو أنه لم يجد الشخص المناسب، أو بسبب انشغاله الشديد بالدراسة، ولا سيّما أن هناك أدلّة تشير إلى أنه أولى الدراسة اهتماماً بالغاً، وكرّس وقته لتحصيل العلم.. ثمّ جاءت الغربة والانشغال بالهموم الكبرى، كالإصلاح والصـراع مع الخصوم وقضايا الأمّة والواجبات المرتبطة بمشروعه السياسي، وهي أمور استغرقت وقته، وربما حالت دون تفكيره في الزواج.
وعلى أيّ حال، فإنّ فقدان الزوجة والبيت والولد يترك آثاراً سلبية على الإنسان من الناحيتين النفسية والاجتماعية، فضلاً عن تأثيره في نظرة المجتمع المحيط به، ولا شكّ أنّ لذلك أثره في شخصية (حاجي). وأنا لا أشك أنّ (حاجي) كتب بيته الشعري أعلاه تحت ضغط وتأثير ظرف نفسي واجتماعي مماثل.
وقد كان (حاجي) من المعجبين بشخصية (جمال الدين الأفغاني)، الّذي لم يتزوج هو الآخر.. ويبدو أن حياة أمثال هذه الشخصيات العامّة التي تحمل هموماً كبرى، وشعوراً عالياً بالمسؤولية تجاه قضاياها، لم تترك لهم متسعاً كبيراً لحياتهم الخاصّة، فقد نذروا أنفسهم لما آمنوا به من قضايا، ولم يعيشوا لأنفسهم!
وأرى أن اختزال أسباب عدم زواج (حاجي) وضيق ذات يده في العوز المادي وضيق الحال، تفسير قاصر للغاية، فضلاً عن أنه يقلّل من شأنه ومكانته، وكأنّنا نقول: إن شخصاً بقامة حاجي، الّذي كان معروفاً ومحترماً حتّى لدى الخليفة العثماني، لم يكن قادراً على تأسيس أسرة وتوفير متطلباتها.. فأين العظمة في هذا؟!
غير أن هذا التفسير لا يقودنا إلى الحقيقة، فعدم تكوين الأسرة، ترك بلا شك آثاراً في حياة (حاجي)، ولا سيّما في سنوات كبره وأواخر عمره. وإلى جانب عدم زواجه وتأسيسه أسرة، أصبحت الغربة بالنسبة إليه وسيلة اكتسب من خلالها المعرفة والتجارب والعلوم، وتحوّلت إلى مصدر ثر يستقي منه المعارف.
ومع ذلك، فإنّ غياب الزوجة والمنزل والأطفال قد يمنح الإنسان، في بعض الأحيان، قَدْراً أكبر من الجرأة؛ لأنه يخفّف عنه ثقل المسؤوليات الاجتماعية والالتزامات الأسرية، فيشعر بأنه إذا وقع مكروه أو تعرّض لمشكلة أو حتى للهلاك والضياع، فلن يترك وراءه أسرة تعاني الألم وتتحمّل تبعات ما حدث.
خامساً: العزلة والوحدة وغياب النصير أمام الخصوم:
بسبب الفكر الإصلاحي الّذي تبنّاه (حاجي قادر كويي)، ولا سيّما في مجال الإصلاح الديني والاجتماعي، ومحاربة بعض الظواهر غير اللائقة والخاطئة لدى رجال الدين وطلبة الكتاتيب وغير المتعلّمين، واجه موجات عاتية من الانتقادات والأذى، وشعر بالعزلة والوحدة، رغم أنه - كما أشرنا سابقاً - لم يكن بلا أقارب أو أهل.
ولكن يبدو أن أقارب (حاجي) والأشخاص المحيطين به لم يؤدّوا دورهم في تقديم الدعم له كما ينبغي، لأيّ سبب كان، عندما كانت الصـراعات تشتدّ، وينتقد الشيوخ غير الصالحين وتجّار الدين، ولا سيّما (الشيخ نبي)، وحين كانت المواجهات تصل - أحياناً - إلى مستويات حادّة من التهديد واستخدام القوّة، أو أن (حاجي) لم يرغب في توسيع دائرة الصراع، ولم يرض بتدخلهم.
كما أن أقارب (حاجي) وأهله - بوصفهم جزءاً من المجتمع الكوردي في ذلك العصـر - يمكن النظر إليهم كغيرهم من عامّة الناس الذين لم يفهموا أفكاره وتطلّعاته، ولهذا وجد نفسه وحيداً في هذا الميدان.
ورغم أن أغلب الباحثين عزا الأبيات الشعرية الّتي عبر فيها (حاجي) عن شعوره بالوحدة وانعدام الأنصار إلى أسباب عاطفية، فإن الأمرين مختلفان؛ فوجود الأقارب والأهل شيء، والشعور بالوحدة والعزلة شيء آخر ومناقض له تماماً.
وقد جسّد (حاجي) هذا الشعور في عدّة أبيات شعرية؛ منها:
بوم الخراب بالنَّهار ، وكلبُ (كويه) باللّيل
كلاهما أقارب لبعضهما، و(حاجي) من دون أقارب
يقول (حاجي): حتى البوم رمز الخراب والشؤم، الّذي يحطّ على الخرائب ليلاً، وذلك الكلب الذي يطوف في الأزقة وأمام الأبواب، هما أكثر قرباً ودعماً لبعضهما، بينما بقي حاجي وحيداً بلا سند ولا ناصر.
وهنا أعود لأؤكّد مرّة أخرى أنّ (حاجي) لم يكن بلا أقارب أو سند، بل إن النزوح والغربة هي ما أبعدته عنهم، إذ يقول في موضع آخر من ديوانه:
أنا مَن قطع أواصري غدر الزمان
وأبعدني عن قومي وأهلي وعشيرتي
فأصبحتُ اليوم وريثاً لعيسى
بلا زوجة ومال ولا ولد ومأوى
وفي المحصّلة، لم تكن وحدة (حاجي قادر كويي) وعزلته ناتجة عن غياب الأهل والأقارب، بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لمواقفه الإصلاحية وصدامه مع الواقع الاجتماعي السائد، الأمر الذي جعله يشعر بأنه وحيد في مواجهة خصومه، رغم إيمانه بأفكاره وتمسّكه بها.
سادساً: ضحالة وعي المجتمع الكوردي:
كان تأخّر المجتمع الكوردي، وضعف وعيه، من أكبر هموم (حاجي قادر كويي) ومصدر معاناته المستمرة؛ فالجهل، والأمّيّة، والتبعيّة للشعوب الأخرى، فضلاً عن الأنانية والفرقة وغيرها، كانت آفات تنخر جسد الشعب الكوردي باستمرار. وقد شكّلت هذه العوامل سبباً رئيساً في حرمانه تاريخياً من كثير من حقوقه، كما أسهمت في تعطيل طاقاته وقدراته المتميزة وهدر مكتسباته القومية.
وكان هذا الواقع مصدراً دائماً للألم النفسـي والعذاب الروحي لدى (حاجي قادر) الّذي ظلّ يبحث جاهداً عن حلول لهذه المعضلات. وقد شغلته هذه القضية وأثارت لديه الكثير من التساؤلات، فكانت سبباً في ظهور العديد من نصوصه الشعرية الرفيعة. ومع ذلك، واجه صعوبة في إيصال أفكاره إلى أبناء شعبه؛ الذين لم يتمكنوا من فهمه والتجاوب معه، فضلاً عن تقديم العون له.
وقد انعكست هذه الهموم بوضوح على حياته وأسلوبه الشعري، إذ يقول في أحد نصوصه:
ولكن ما جدوی كل هذا الهرج والمرج
وفي كل قضية بعضكم لبعض بالمرصاد؟
وأنتم وإن كنتم أسوداً، ولكنّكم في غفلة
لا تجديكم معها قوّتكم،كالأرانب العمياء!
أعلاكم زعيم للصيّادين
وأدناكم أسير ضفائر الحبيبة
فهنا يخاطب شعبه وأمّته؛ قائلاً: أنتم كرام وشجعان، وسيوفكم بتّارة، وأنتم أجواد كحاتم الطائي، وفي صمودكم كـ(جبل جودي)، لكنّكم لا تفسحون لأنفسكم مجالاً بسبب تشتتكم؛ أنتم أمّة كبيرة يبلغ عددها الملايين، ولكن ما فائدة هذه الصفات والخصائص المتميزة إذا كنتم لا تعينون بعضكم بعضاً، وغير مبالين وغير واعين، بعضكم أسير في يد السلطة، والبعض الآخر أسير لضفائر الحبيبة، والنتيجة أنكم لا تحقّقون شيئاً. لذلك أنشد:
أيّ تراب أحثوه على رأسي في الغربة
لا يزورني النوم حسرةً على الديار والأمّة
لو كنتم تحملون مثلي همّ الدولة
لشنقتم أنفسكم بلا حبل، حزناً وأسًى
ويكشف هذا البيت الأخير عن إدراك (حاجي قادر) العميق لأهمية الدولة ودورها في استقرار المجتمع، ومشاركته في بناء حياة وحضارة لائقتين، كما يعكس وعيه بالمخطّطات الاستعمارية للقوى العظمى تجاه الكورد، وسعيها إلى تجريدهم من حقوقهم واستنزاف أرض كوردستان لتحقيق مصالحها. ولهذا يقول: لو كنتم تدركون ما أدركه من أهمية الدولة، لمتم حزناً على غيابها عنكم.
سابعاً: المرض والعجز في أواخر العمر:
عاش (حاجي قادر كويي) عمراً مديداً ناهز الـ(80) عاماً، وهذه الأعوام الثمانين بالنسبة إلى إنسان عاش مشـرّداً، وقاسى مرارة النزوح والغربة وما رافقها من آلام وهموم ومآسٍ، ليست بالعمر القليل. ومن الطبيعي أن يصاب الإنسان مع تقدّمه في السن بالمرض والعجز، ويشعر بالضعف والوهن؛ فكيف إذا كان ألم الشيخوخة والغربة أشدّ وطأة، وكان الإنسان المسنّ والضعيف بعيداً عن أهله وأقاربه. وكيف يكون حال (حاجي) وهو يعيش غريباً وحيداً في غرفة مظلمة وباردة في أسفل مدينة (إسطنبول)، ولا يجد حتى شمعة واحدة يكتب على ضوئها رسالة شعرية إلى صديق عزيز.
ويجسّد (حاجي قادر) كبر سنّه وعجزه في عدد من أبياته الشعرية، إذ يقول في أحدها:
بسبب الشيخوخة لم يعد لدي إدراك
وصرت كالإناث في أركانِ البيعة
شعر رأسي ولحيتي أصبحا أبيض كالقطن
أقضي الليل كلّه في عطاس وسعال
لم يدرج الأستاذ (مسعود محمد) هذين البيتين في كتابه؛ بالترتيب نفسه الوارد في الديوان، بل قدم أحدهما وأخّر الآخر، لكنه قدّم شرحاً جميلاً لهما، ولما يحملانه من قيمة بلاغية. إذ صحّح - بذكائه وفطنته - ذلك الخطأ الشائع في قراءة شطر البيت، موضّحاً التباين بين الإملاء القديم والحديث في كتابة الكلمات، ومبيناً أنّ الصواب هو (ئيناسم).
ويصحح قائلاً: إذا كانت الكلمة (ناناسم)، فلا بلاغة ولا جمالية بلاغية في البيت؛ أمّا إذا كانت (ئيناسم)، فإن ذلك يمنح البيت جناساً وجمالية عالية جداً، ومن الناحية المعنوية يجسّد عجز حاجي وضعفه بأسلوبٍ أجمل وأعمق؛ لأنه يظهر مدى عجز نفسه، ذلك لأن أركان البيعة للنساء (ئيناس - الإناث)، الّتي وردت في القرآن، ليس فيها ذكر للجهاد وما شابهه، فكأن (حاجي) يقول: أنا أيضاً بسبب العجز والضعف أصبحت في مصاف النساء.
وأؤيّد هذا التفسير للأستاذ (مسعود محمد)؛ لأنه لو كانت الكلمة (ناناسم)، لكان ذلك منافياً للواقع والحقيقة؛ إذ لا يعقل لعالم جليل كـ(حاجي قادر) ألّا يعرف أركان الإسلام.
وفي بيت شعري آخر، يردّ على شخص سأله عن سبب عجزه وضعفه، قائلاً:
عزيزي أنت أيضاً ستشيخ ويحدودب ظهرك
حتى تقول: هذا أنا، فيقولون: بحقّ الله أهذا أنت؟
وفي موضع آخر ينشد قائلاً:
أنا أيضاً ستتعثر قدماي
فإن الأجل كريح صرصر، ونحن كريشة في مهبها
إنّ الموت ونهاية حياة كلّ إنسانٍ مرهونانِ بالأجل المكتوب، ولهذا ستعلم ذات يوم أن أجلي قد حان -مثل أي إنسان آخر-، فالموتُ كريحٍ صرصر، وأنا كريشةٍ محمولة إلى العالَم الآخر.
ولا شكّ أنّ مرض (حاجي قادر كويي) وعجزه في أواخر عمره لم يكونا مجرّد أثرٍ طبيعي للشيخوخة، بل كانا امتداداً لمعاناة طويلة عاشها في الغربة والوحدة والنزوح، حتّى غدا الجسد الضعيف مرآة لما حمله قلبه من آلامٍ وأحزان.
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون