قصة واقعية/ ورقة من السماء
عمر إسماعيل رحيم
كانت سنة 1976 حين ساقني القدر إلى قريةٍ لم أزرها من قبل.. كانت رحلة قصيرة في ظاهرها، لكنها غيّرت مسار حياتي كله.. هناك، بين التلال الخضـراء وبيوت الطين الهادئة، کنت أبحث عن بيت شخص، أسأل هنا وهناک لعلّ أحداً يدلّني عليه، فوقعت عيني علی غلام في مثل سنّي، کان يبدو أمتن منّي، ولونه يميل إلی السمرة، فسألته عن البيت.
قال:
- نعم، أعرف البيت.
- هل تدلّني عليه؟
- بکل سرور.
رکبنا الحمار الذي كنت جلبته معي، وسألته عن اسمه، قال: أنور، فقلت: وأنا عمر.. كنّا غلامين يافعين تلمع في أعيننا شرارة الحلم الأولى.
كان أنور مختلفًا، علی وجهه مسحة من المرح، وابتسامة تشعّ دفئًا في وجوه الناس.. مررنا على حافّة الساقية، وسط أشجار کثيفة، نتحدّث كأنّنا يعرف أحدنا الآخر منذ زمنٍ بعيد.. ومنذ ذلك اليوم، بدأ خيطٌ خفيّ يربط بيننا؛ خيط من المودّة الصافية لا تهزّه المسافات.
وبعد سنوات اکتشفنا أن والدينا أيضاً کانا صديقين.. مرّت السنوات، وتبدلّت الأوضاع، ودمرّت القری، وهاجر - أو قل: هُجّر - أهلها إلی المدينة.
وبعد أن خرج والدي من السجن، وأطلق سراحه، وکان قد اعتقل من قبل، هاجرنا نحن أيضاً إلی المدينة، وکان من نصيبنا أن صرنا جيراناً لبيت أنور، وبذلک أصبح خيط تعارفنا أقوی وأمتن، وصار عصيّاً علی الانقطاع.. ومع مرور الأيام ازداد متانة كلّما عصفت بنا الحياة.
حين انتقلنا إلى المدينة، صارت صداقتنا قدرًا واضح المعالم.. درسنا في مدرسة واحدة، وكنّا في الصف نفسه، بل کنّا نجلس علی المقعد ذاته، وفي أغلب الأحيان نعمل معًا بعد الدوام.. جمعنا الكدّ والتعب، والعمل في الأسواق، والمشـي الطويل تحت الشّمس.. كنا نقتسم الرغيف كما نقتسم الضحكة.
في أيّام الشباب الأولى، كنّا نذهب إلى السينما سويًا، ونتابع أفلامًا ومسلسلات تلفزيونية، نضحك فيها ونستمتع.. وکنت شغوفاً بالمطالعة الخارجية، فشجّعت الأخ أنور أيضاً، وتعوّد معي علی القراءة.. ثمّ جاءت لحظة التحوّل، لحظة اليقظة، كأنّ الله ألقى في قلوبنا نورًا خفيّاً، فبدّلنا مقاعد السينما بسجّادات المسجد.
صارت ليالينا في المساجد، نبيت فيها، وخاصّة ليالي رمضان، حيث نبقی إلی وقت السحور نتدارس القرآن، ونحاور الشباب، ونقنعهم بحلاوة الإيمان.. كنّا نخرج بعد صلاة الفجر، نوزّع الکتب والنشـرات الدعوية، ونعود لنكمل عملنا اليومي.. كنّا نحسّ أنّنا نحمل رسالة صغيرة في عالمٍ كبير، وأنّ الله ربط بين قلبينا لحكمةٍ لا نعلمها.
وفي النزهات، كنّا نضحك كأنّ الدُّنيا لنا.. كأنّ كل خطوةٍ من خطواتنا كانت تردِّد: "عمر وأنور.. قلبان في جسدٍ واحد".
كثيرون ظنّوا أننا إخوةٌ من أمٍّ وأب، ولم يكونوا مخطئين في الفهم، ولهم عذر في ذلک، فقد كنّا نكملُ بعضنا في الغياب والحضور.. حتّى إنّ والده - رحمه الله -، حين يُرسل في طلب أنور ويبحث عنه، کان يسأل أبي قائلاً، بابتسامةٍ ملأى بالحيوية:
- درويش سمايل، أين أنور؟
فيقول والدي - رحمه الله -، بنفس الروحية والابتسامة:
- حجي محمّد، هل أنور ابنک أم ابني؟!
فيقول: کان ابني، لکنّه الآن صار ابنک، أو صار أخاً لعمر.
لكنّ القصص الجميلة لا تُروى إلّا على حافّة الوجع..
في الصفّ الخامس، سقط بيننا أولُ حائطٍ من صخر الواقع.. حدثت في المدرسة مشكلة بين أحد الأساتذة وبين الأخ أنور وطالب آخر، وكبرت المشکلة ككرة ثلج.. وأخيراً قرّرت إدارة المدرسة فصل کل من الأخ أنور مع الطالبِ الآخر.. ورغم توسّلاتنا، وتوسّط أهل الخير، لم نستطع إلّا أن نغيّر قرار الفصل إلی نقل الطالبين إلی (شقلاوە).. شعرتُ كأنّ أحدهم انتزع نصف قلبي.
لم يكن الحظّ إلى جانب أنور تلك السنة، فأثّرت عليه المشکلة والنقل، وأدّت إلی رسوبه تلک السنة.. لم أرِد أن أُظهر حزني، قلت له يومها، وأنا أضع يدي على كتفه:
- هذه ليست نهاية الطريق يا أخي أنور، بل بدايته.. من سقط اليوم، سيقوم غدًا أقوى.
ابتسم وقال بثقةٍ هادئة:
- ما دمت أنت إلى جانبي، لا أخاف السقوط.
ولم نفترق كثيرًا.. إذ جمعنا القدر مرّة أخرى في بغداد، نكافحُ من أجل الدراسة، نعمل، ونحلم، ونضحك على الفقر بقلب صافٍ.. كان أنور قد أكمل دراسته الثانوية، فيما كنتُ قد التحقت بالجامعة قبله.. وحين أنهى هو اجتياز السادس الثانوي، قرّرنا أن يتقدّم إلى كلية الشريعة، وقلت له:
- لن أتركك وحدك، سأرافقك إلى بغداد..
وکان مريضاً.
- حتى لو كنتُ مريضًا، لن تتركني وشأني، أليس كذلك يا عمر؟
قلت، وأنا أربّت على كتفه:
- كيف أترك نصف قلبي وشقيق روحي، خلفي؟
قال مبتسمًا، رغم مرضه:
- كالعادة، أنت تفتح الأبواب قبل أن أصلها.
كانت بغداد في ذلك الصيف تضجّ بالحياة.. نزلنا في فندق أربيل الصغير، الواقع علی شارع الرشيد.. وهناك التقينا بمجموعة من الطلاب في الفندق؛ قالوا لنا:
- اذهبوا إلی الکلية، فقد قرّرت اللجنة أن تقابل الطلاب، وتستلم الاستمارات إلی ما بعد الثانية عشـرة ليلاً.. لکن الأخ أنور كان متعبًا، إذ لم تفارقه الحمّى منذ أيام، حتّی أنه كان يصلّي جالسًا، صوته خافت، لكنه يردّد الأذكار كمن يناجي ربّه في كل لحظة.
لذلک قلت له تلك الليلة، ونحن نرتّب أوراقه للتقديم:
- نؤجّل المقابلة إلى الغد، أنت تحتاج للراحة.
أجابني بعنادٍ لطيف:
- غدًا خير.. سأكون بخير بإذن الله.
في الصّباح، خرجنا مبكّرين.. كانت السّاعة تقارب الثامنة حين وصلنا إلى كلية الشـريعة.. والشّمس تلقي أوّل خيوطها على المبنى القديم للكلية، الّذي يفوح منه عبق العلم ووقاره.. صفوف من الطلبة أمام البوابة، وأصوات مختلطة بالرجاء والتوتر.
وقفنا في الطابور ننتظر، ثمّ جاءنا موظف من إدارة الکلية بوجهٍ عابس جامد، وقال:
- المقابلات انتهت أمس.. اللجنة استقبلت الطلاب لثلاثة أيام متتالية فقط؛ من السّابعة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً.
وأردف قائلاً: القرار حاسم ولا يُغيَّر..
تجمّد الكلام في فمي.. التفتت إلى أنور، كان ينظر إلى الأرض بصمتٍ موجع.. قلت له:
- كيف يعقل هذا، بعد أن قطعنا كل هذه المسافة؟
تبادلتُ النظرات مع أنور.. كانت عيناه تبوحان بألمٍ عميق.. شعرتُ تجاهه بالخذلان عندما سمعته يقول غاضبًا وبمرارة:
- يعني انتهى كل شيء؟ بعد كل هذا السفر والجهد؟
قلت بهدوءٍ أواسيه وأصبّره، وأحاول أن أزرع الأمل في قلبه:
- لا تقل انتهى، ما دام الله حيًّا.
قال، وهو يبتسم بحزن:
- ربّما كُتِب لنا غير هذا الباب.
- بَلْ نبحث عن بابٍ آخر.. لن أستسلم.
جلسنا في ظلّ شجرة أمام الكلية.. كانت بغداد تضجّ حولنا، لكنّ الصّمت كان يملؤنا.. وكنت أبحث في داخلي عن بصيص أمل.. ثمّ خطرت ببالي فكرة؛ فقلت له:
- أنور، لدي فكرة!
- قال بلهجة ثقيلة يشوبها اليأس: وما هذه الفکرة؟
قلت مستبشـراً: نذهب إلى جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني، ونحکي القصة للأستاذ الملا عبدالكريم المدرّس.. تدري هو رجلٌ صالح، لعلّ الله يجعل على يديه الفرج.
أومأ برأسه دون تردّد، وقال بضعفٍ صادق:
- نمشي على بركة الله.. لقد سُدَّت أبواب الأرض، فلنطرق أبواب السّماء.
مضينا تحت شمس بغداد الّتي كانت تتصبّب نارًا، وصلنا إلی جامع الشيخ عبدالقادر الكيلاني في قلب بغداد، كأنه قلبها النابض بالإيمان.. ما إن دخلناه حتى خيّم علينا سكونٌ عجيب ومهيب.. الجدران العتيقة تنضح بالهيبة، والنوافذ تلوّن الضّوء بألوانٍ صوفيةٍ هادئة.. في الأروقة كان طلاب العلم يجلسون على الحصـر، وأصوات التلاوة تملأ المكان بخشوعٍ عميق.
في صدر الجامع جلس الملا عبدالكريم، بلحيته البيضاء، ونظراته التي تحمل سكينة الأولياء.. انتظرنا حتى أنهى درسه، ثمّ اقتربنا منه.. قبّلنا يده، وروينا له قصتنا منذ البداية.. استمع بصمتٍ طويل، ثمّ قال بصوتٍ عميق كأنه خارج من أعماق الزمن:
- يا أبنائي، الله لا يضيّع من قصده صادقًا.. سأكتب لكما رسالة إلى أحد المسؤولين في الوزارة الفلانية، فلعلّ الله يجعل فيها فتحًا.
أخذ ورقة، وكتب بخطٍ جميلٍ عتيق:
_ إلى السيد الفاضل (...)، هذا الطالب من أهل الجِدّ والصّلاح، أرجو النظر في أمره.
شكرناه بحرارة، وخرجنا من الجامع والطمأنينة تسري في صدورنا.
قال أنور، وأنا أمسك بيده لأساعده على السير، وکان منهکاً ومريضاً.
- أتعرف يا عمر؟ لو لم يُغلق باب الكلية، لما جئنا إلى هنا، ولما تشـرّفنا بهذا اللقاء.
قلت وأنا أنظر إلى مئذنة الجامع المهيبة:
- أحيانًا يغلق الله بابًا صغيرًا، ليفتح لنا بابًا يطلّ على السماء.
رجعنا إلی الفندق واسترحنا، في صباح اليوم التالي - وکانت صحّة أنور بدأت تتحسن - ذهبنا إلى الوزارة، نحمل الرسالة كأنها آخر خيط نتمسّک به لقبول أنور في الجامعة.. بعد انتظارٍ طويل وصل المسؤول إلی مکتبه في مبنى الوزارة، وکان من حسن الحظ أن المسؤول کان رئيس لجنة المقابلة لطلاب کلية الشـريعة، وکنت أعرفه، وکان أستاذاً لنا في السنة الماضية.
وبعد أن استقرّ المسؤول في مجلسه، وأخبره السکرتير بالمسألة، أُذن لنا بالدخول.
وما إنْ رآني حتى تهلّل وجهه، وقال بدهشةٍ:
- أنت! ألم تكن من طلابي في السنة الماضية؟
ابتسمتُ، وقلت:
- نعم سيدي، كنتُ من طلابكم في مادّة مدخل القانون.
- وماذا تفعلان هنا؟
قصصنا عليه حكايتنا من أوّلها، فأنصت حتى النهاية، ثم قال متنهّدًا:
- يا سبحان الله، الدُّنيا صغيرة حقًا.. أنا رئيس لجنة المقابلة في كلية الشـريعة نفسها.
أخرست الدهشة لساني..
لكنّه تابع مبتسمًا:
- القرار صارم، ولكن.. لنبحث عن سبيلٍ، إنْ بقي في السجلات ما يعيننا.
نادى سكرتيره وقال له:
- ابحث في الملفّات القديمة، هل بقيت استمارة لم تُستخدم بعد؟
مرّت دقائق طويلة من الصمت المشدود، حتى عاد السكرتير يحمل ورقة واحدة، ممزّقة الحوافي.
قال:
- سيدي، لم تبقَ سوى هذه.
ابتسم المسؤول، ومدّ يده بها إلينا قائلاً:
- إذن هذه له.. يبدو أنّ نصيبه لم يُكتب له بعد.
وقابله في مکتبه، وطلب منه قراءة بعض الآيات الکريمة، ووجّه إليه بعض الأسئلة، ووضع له العلامة، وبشّرنا بقبوله.
خرجنا من المكتب، والفرح يغمرنا.
كان أنور يمسك بالورقة بين يديه المرتجفتين، ينظر إليها وكأنها معجزة.
قال وهو يضحك، وقطرات من الدّمع تتسلّل إلی عيونه فرحاً.
- ورقة واحدة، لكنّها نزلت من السّماء يا أخي عمر!
قلت، وأنا أحتضنه بقوة:
- هكذا يفعل الله بأحبّائه.. حين يظنّون أن الأبواب أُغلقت، يرسل لهم مفتاحًا من حيث لا يحتسبون.
ومنذ ذلك اليوم، كلّما ضاقت الدنيا، أتذكّر تلك الورقة، وتلك الابتسامة على وجه أنور، وأقول في نفسي:
ما دامتِ السَّماء مفتوحةً، فليسَ في الأرضِ ما يدعو المؤمنَ إلى اليأس.
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون