مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

مقالات 🕔 2026/10/02 ✍️ هاوين أنور عبد الله
مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

المهندسة: هاوين أنور عبد الله

ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.

ومن هنا تتجلّى مأساةُ الاغترابِ حين تتحوّلُ الغربةُ من ظرفٍ عابرٍ إلى منظومةِ حياة، ثم تمتدُّ آثارُها من جيلٍ إلى جيل؛ فيغدو الأبُ مشدودًا إلى وطنٍ يسكنُه في الذّاكرة، بينما ينشأ الابنُ في وطنٍ آخر يراهُ بعينيه، ويمشـي في شوارعه، ويتعلّم لغته، ويكوّن صداقاته، ويصوغ تصوّراته عن الحياة فيه.. وهنا تبدأُ المعضلةُ الكبرى.

فالوطنُ عند الآباءِ قد يكونُ رائحةَ التراب، ودفءَ البيوت، ووجوهَ الأهل، ولهجةَ الطفولة، وذكرياتِ الأزقّة، ومآذنَ الحيّ، وأيامًا لا تزالُ نابضةً في الذاكرة؛ بينما لا يكونُ عند الأبناءِ أكثرَ من اسمٍ يتردّدُ في أحاديث الأسـرة، أو صورٍ قديمةٍ في ألبومٍ، أو حكاياتٍ سمعوها ولم يعيشوها.

ولهذا فإنّ ما يراهُ الأبُ عودةً إلى الجذور، قد يراهُ الابنُ اقتلاعًا من جذوره هو.. وهنا لا يعودُ الخلافُ مجرّدَ اختلافٍ في الرأي حول مكانِ السّكن، بل يُصْبح اختلافًا في تعريفِ الوطنِ والانتماءِ والهُوية.

فالآباءُ يحملونَ وطنًا عاشوه، والأبناءُ يحملونَ وطنًا نشؤوا فيه؛ وبين الوطنينِ مسافةٌ لا تُردمُ بالأوامر، ولا تُختصرُ بالشِّعارات، ولا تُحلُّ بالتوبيخ.

شرخٌ يبدأُ صغيرًا ثم يكبر، ومع توالي السّنوات، يبدأُ الشـرخُ بالتسلّلِ إلى داخلِ البيتِ الواحد؛ اختلافًا في اللغة، والعادات، والمرجعيّات، ونمطِ التفكير، والنظرةِ إلى الأسرة، والعمل، والعَلاقات، والحرية، وحتى معنى النجاحِ والسّعادة.

وقد يكونُ الأبناءُ قريبينَ من آبائهم جسدًا، لكنّهم بعيدونَ عنهم في طريقةِ التفكير؛ فينشأُ صراعٌ صامتٌ لا تُسمَعُ أصواتُه، لكنّ آثارهُ تُرى في برودِ العَلاقة، وقلّةِ الحوار، وتراجعِ الثقة، وتباعدِ القلوب.. ويعيشُ الأبُ أحيانًا مرارةً لا يعبّرُ عنها؛ فهو يرى أبناءه أمامه، لكنه يشعرُ أنّ شيئًا من عالمه لا يصلُ إليهم.

وفي المقابل، قد يعيشُ الابنُ مأساةً أخرى؛ إذ يُطالَبُ بأن ينتمي إلى ماضٍ لم يعشه، وأن يتعلّقَ بمكانٍ لم تتشكّل فيه ذكرياته، وأن يحملَ تصوّراتٍ لم تُبنَ في وجدانه بالطّريقةِ ذاتها التي بُنيت في وجدانِ آبائه.

وهكذا يتحوّلُ الاغترابُ من جغرافيا إلى سيكولوجيا، ومن بُعدٍ عن المكان إلى بُعدٍ بين القلوب.

وقد يكونُ أخطرُ أنواعِ الاغترابِ أن يعيشَ المرءُ بين قومٍ لا يشعرُ أنّه منهم، وبين قومٍ ينتمي إليهم أصلًا ولا يشعرُ أنّهم يفهمونه.

حين تتصدّعُ الهوية:

إنّ أزمةَ الهُويّةِ عند أبناءِ المهاجرين ليست دائمًا نتيجةَ رفضٍ للدين أو الأصل، كما أنّها ليست بالضـرورةِ نتيجةَ فسادٍ أخلاقي؛ بل قد تكونُ ثمرةً طبيعيةً لسنواتٍ طويلةٍ من العيشِ بين منظومتينِ ثقافيتين، إذا لم تُحسن الأسـرةُ إدارةَ هذا التداخل.

فالطفلُ الذي يسمعُ في البيتِ لغةً، وفي المدرسةِ لغةً أخرى، ويرى في أسـرتهِ منظومةً من القيم، وفي محيطه منظومةً مختلفة، يحتاجُ إلى من يساعدُه على الفهم، لا إلى من يكتفي بمطالبتهِ بالطاعة.

إنّ الهُويةَ لا تُبنى بالخوفِ وحده، ولا تُحمى بالمنعِ وحده؛ وإنّما تُبنى بالمعرفة، والقدوة، والحوار، والمحبّة، والشعورِ بالكرامة، وربطِ القيمِ بالمعنى.

فالابنُ لا يحتاجُ فقط إلى أن يُقالَ له: «أنت مسلم»، بل يحتاجُ إلى أن يَفهمَ: ماذا يعني أن يكون مسلمًا؟ ولماذا يعتزُّ بإسلامه؟ وكيف يستطيعُ أن يكونَ مسلمًا صالحًا ونافعًا في المجتمع الذي يعيشُ فيه؟.. وهنا يكمُن الفرقُ بين هُويةٍ تُورَّثُ بالاسم، وهُويةٍ تُبْنى بالوعي.

الجذورُ لا تُفرضُ قسرًا:

إنّ صيانةَ الهويةِ وحمايةَ الأجيالِ لا تكونانِ بفرضِ الجذورِ على الأبناءِ فرضًا، فالجذورُ لا تُغرسُ في القلبِ بالعنف، ولا تُسقى بالشعارات؛ وإنّما تُروى بالمحبّة، والقدوة، والتَّجْرِبة، والحِوار، والعيشِ الكريم.

ولا يعني ذلك أن نتنازلَ عن الثوابتِ إرضاءً للواقع، بَلْ يعني أن نُحْسنَ عرضَ الثوابتِ وحملَها وتربيةَ الأبناءِ عليها، حتّى يشعروا أنّ دينهم ليس قيدًا على حياتهم، وإنّما هو بوصلةٌ تمنحُها المعنى والاتّزان.

فالخطرُ الحقيقيُّ ليس في أن يعيشَ الإنسانُ خارجَ وطنه الأصلي؛ إذ قد تحملُ الحياةُ الإنسانَ إلى أرضٍ لم يخترها، وقد تفرضُ عليه ظروفُها ما لم يكن يتوقّعه. وإنّما الخطرُ حين تنقطعُ الجسورُ بين الأجيال، ويغدو الأبُ غريبًا عن أبنائه، ويغدو الأبناءُ غرباءَ عن أنفسهم.

الاغترابُ بين الضرورة والاختيار:

ولا ينبغي أن تُقرأَ تَجْرِبةُ الهجرةِ قراءةً واحِدة؛ فثمة فرقٌ بين اغترابٍ تفرضهُ الضـرورةُ، وآخرَ تختارهُ الأسـرةُ طلبًا للرزقِ أو الأمنِ أو العلمِ أو فرصِ الحياة.. وقد تكونُ الهجرةُ بابًا من أبوابِ الخيرِ إذا صحّتِ النيّةُ، وحُفِظَ الدينُ، وأُدّيتِ الأمانةُ، ورُعيتِ الذرية، وكان الإنسانُ قادرًا على أن يعيشَ في بيئته الجديدة دون أن يَفقِدَ أصوله وقيمه.

وقد تكونُ في المقابلِ بابًا للنّدمِ إذا تحوّلَ جمعُ المالِ إلى غايةٍ تستنزفُ العمر، وصارت الدّنيا ميزانَ الاختيارِ الوحيد، وغاب عن الحسابِ سؤالٌ أخطر: ماذا سيبقى منّا في أبنائنا بعد أن تنتهي رحلةُ جمعِ ما أردناه من الدنيا؟

فليس النجاحُ أن نتركَ لأبنائنا بيتًا واسعًا وحسابًا ممتلئًا، ثم نكتشفُ بعد أعوامٍ أنّنا تركنا في قلوبهم فراغًا لا يملؤه مال.. وليس أعظمَ الخسائرِ أن يخسـرَ الإنسانُ شيئًا من متاعِ الدّنيا، وإنّما أن يخسـرَ جيلًا كاملًا من بعده؛ جيلًا يحملُ اسمه، ولا يحملُ قيمه، ويعرفُ نسبه، ولا يعرفُ رسالته.

حين تكونُ النيّةُ جسرًا:

وحين تملي الحياةُ أحكامَها، وتغدو الهجرةُ ضرورةً أو خيارًا لا بدّ منه، تبقى النيّةُ الصّالحةُ والعملُ المسؤولُ من أهمِّ ما يوجّهُ التَّجْرِبة.. فالإنسانُ لا يملكُ دائمًا أن يختارَ الأرضَ التي يعيشُ عليها، لكنه يستطيعُ أن يختارَ ما الذي يحملهُ معه إليها.. يحملُ دينه، وقيمه، ولغته، وكرامته، وصلتهُ بأهله، ومسؤوليتهُ عن أبنائه؛ ثم ينفتحُ على مجتمعه الجديد انفتاحَ الواثقِ لا الذائب، والمتفاعلِ لا المنعزل، والنافعِ لا المستهلك.

فالمطلوبُ ليس أن يعيشَ المسلمُ في جزيرةٍ معزولةٍ عن المجتمع، ولا أن يذوبَ فيه حتى يَفقِدَ ملامحه؛ وإنّما أن يكونَ حاضرًا فيه بقيمه، نافعًا لأهله، أمينًا في معاملاته، حسنَ الخلق، واضحَ الهُوية.

من «تراثِ الآباء» إلى «رسالةِ الأبناء»:

ومن أهمِّ مفاتيحِ العلاجِ أنْ يتحوّلَ الدينُ في وعيِ الأبناءِ من كونه تراثًا عائليًا إلى كونه اختيارًا واعيًا ورسالةً حيّة.. وهذا لا يتحقّقُ بالمواعظِ وَحْدها.. بَلْ لا بدّ من أن نمنحَ أبناءَنا مساحةً حقيقيةً للمشاركةِ والبناء في العملِ الخيري، والمبادراتِ الإنسانية، والبحثِ العلمي، والحوارِ الثقافي، وحمايةِ البيئة، والرعايةِ الاجتماعية، والأنشطةِ الشبابية، والرياضة، والإعلام، والتقنية، وسائرِ المجالاتِ التي تصنعُ حضورَ الإنسانِ في مجتمعه.

فإذا شاركَ الشابُّ المسلمُ في مشـروعٍ يُطعمُ جائعًا، أو يعينُ محتاجًا، أو يحمي بيئةً، أو يعلّمُ طفلًا، أو يخدمُ مجتمعًا، فإنّ الإسلامَ في وجدانهِ ينتقلُ من كلماتٍ يسمعُها إلى قيمةٍ يعيشُها.

وهنا يبدأُ التحوّلُ الحقيقي: من الدفاعِ عن الهوية إلى تمثيلِها، ومن الحديثِ عن القيم إلى تجسيدِها، ومن الخوفِ على الإسلام إلى الإسهامِ في إظهارِ جمالِه.

العملُ المؤسسيُّ ضرورةٌ لا ترف:

ومن هنا تبرزُ أهميةُ بناءِ مؤسساتٍ ومبادراتٍ إسلاميةٍ واجتماعيةٍ حديثة، يقودُها أبناءُ الجيلِ الجديد، ويشاركونَ في صياغةِ خطابها وأدواتها.. مؤسساتٌ لا تعيشُ على هامشِ المجتمع، ولا تنغلقُ داخلَ دوائرَها الخاصّة، وإنّما تفهمُ لغةَ العصـر، وتُحسنُ مخاطبةَ الإنسانِ بلغته، وتدخلُ ميادينَ التأثيرِ بأدواتٍ احترافيّة؛ منصّاتٌ للإغاثةِ الإنسانيّة، ومراكزُ للبحثِ والحوار، ومبادراتٌ بيئية، وبرامجُ للرعايةِ الاجتماعية، وأنديةٌ شبابيةٌ ورياضية، ومشاريعُ تعليميةٌ وإعلامية، ومؤسّساتٌ تُعنى بالأسرةِ والطفولةِ والاندماجِ المجتمعي.

والغايةُ ليست كثرةَ الأسماءِ ولا تضخّمَ الهياكل، وإنّما صناعةُ إنسانٍ مسلمٍ واثقٍ بنفسه، متجذّرٍ في قيمه، واسعِ الأفق، نافعٍ لمجتمعه.

وحين يتصدّرُ أبناءُ الجيلِ الثاني والثالثُ هذه المشاريع، فإنهم لا يعودونَ مجرّدَ متلقّينَ لهُويّةِ آبائهم، بَلْ يُصبحونَ صُنّاعًا لها، ومجدّدينَ في وسائلِ التّعبيرِ عنها.

لا نريدُ أبناءً يعيشونَ بين عالمين؛ بَلْ أبناءً يصلونَ بين عالمين..

إنّ المطلوبَ ليس أنْ نُعيدَ أبناءَنا قسـرًا إلى حياةِ آبائهم، ولا أن نتركهم ينسلخونَ عن أصولهم حتّى يُصبحوا غرباءَ عنها.. المطلوبُ أنْ نُنشـّئَ جيلًا يستطيعُ أن يحملَ جذورهُ دون أن يخشـى الانفتاح، وأنْ ينفتحَ على العالم دون أنْ يَفقِدَ نفسه.. جيلًا يعرفُ دينهُ دون تعصُّب، ويحفظُ هُويّتهُ دون انغلاق، ويحترمُ مجتمعهُ دون ذوبان، ويعتزُّ بأصلهِ دون احتقارٍ للآخر.. جيلًا يستطيعُ أن يقول: أنا ابنُ هذه الأرضِ التي نشأتُ فيها، وأنا امتدادُ تلك الجذورِ التي جاءَ منها آبائي؛ ولستُ مضطرًا إلى أن أمحوَ أحدَ الانتماءينِ لأثبتَ الآخر.. وهنا فقط يتحوّلُ التعدّدُ من أزمةٍ إلى ثراء، ومن صراعٍ إلى تكامل.

والأسرةُ هي خطُّ الدفاعِ الأول، غيرَ أنّ كلَّ مشـروعٍ مؤسسـيٍّ مهما بلغَ من القوة، لن يعوّضَ بيتًا غابَ عنه الحوار. فالأسرةُ هي المدرسةُ الأولى، والقدوةُ الأولى، والمرآةُ التي يرى فيها الطفلُ معنى الدينِ والوطنِ والانتماءِ. وحين يرى الابنُ أباهُ صادقًا، رحيمًا، عادلًا، وفيًّا، محافظًا على صلاته، بارًّا بأهله، حسنَ المعاملةِ لجيرانه، نافعًا لمجتمعه؛ فإنّه يتعلّمُ الإسلامَ قبل أن يقرأَ عنه.

أما حين يسمعُ الطفلُ خطبًا طويلةً عن الأخلاقِ، ثم يرى في البيتِ خصامًا وقسوةً واحتقارًا للآخرين، فإنّ السلوكَ يهدمُ في لحظاتٍ ما تبنيهُ الكلماتُ في سنوات.

ولهذا فإنّ أعظمَ مشـروعٍ لحمايةِ الأجيالِ يبدأُ من أبٍ صالح، وأمٍّ واعية، وبيتٍ يتّسعُ للحوار، وأبناءٍ يشعرونَ أنّهم محبوبونَ ومسموعونَ ومحمّلونَ بالمسؤولية.

العودةُ ليست دائمًا عودةً إلى المكان:

وقد تكونُ العودةُ التي نحلمُ بها أعمقَ من أن تكونَ عودةً جغرافية.. فقد يعودُ الابنُ إلى بلدِ آبائه، ولا يعودُ قلبُه.. وقد يبقى بعيدًا عن موطنِ والديه، لكنه يحملُ قيمهم، ويصلُ رحمهم، ويعتزُّ بأصلهم، ويخدمُ الناسَ باسمِ ما تعلّمه منهم.

ولهذا فإنّ السؤالَ الأهمَّ ليس: متى يعودُ أبناؤنا؟

بَلْ: بماذا يعودونَ، وأيُّ شيءٍ سيحملونهُ معهم إنْ عادوا؟

إنّ الوطنَ الأولَ قد يسكنُ في الذّاكرة، والوطنَ الذي نشأ فيه الأبناءُ قد يسكنُ في الوجدان؛ لكنّ أعمقَ من الاثنينِ جميعًا ما يسكنُ في الإنسانِ من إيمانٍ وقيمٍ وضمير.

ومن هنا فإنّ الغايةَ ليست صناعةَ جيلٍ يحنُّ إلى الماضي فحسب، بَلْ صناعةُ جيلٍ يفهمُ ماضيه، ويعيشُ حاضره، ويصنعُ مستقبله.

من مأساةِ الاغتراب إلى رسالةِ الحضور:

ولئن كان الاغترابُ قد حملَ في طيّاتهِ كثيرًا من الألم، فإنّه لا ينبغي أن يكونَ حكمًا أبديًا على الأجيال.. فالاستدراكُ ممكن، والجسورُ التي انقطعت يمكنُ إعادةُ بنائها، وما ذبلَ في النفوسِ يمكنُ أن يستعيدَ نضارتهُ إذا صدقتِ الإرادة، وحسنتِ التربية، وعاد الحوارُ إلى البيت، وعادتِ القدوةُ إلى موقعها.

إنّ أبناءَنا لا يحتاجونَ إلى آباءٍ يلومونهم على عالمٍ لم يختاروه، بقدرِ حاجتهم إلى آباءٍ يساعدونهم على فهمِ عالمهم دون أن يفقدوا أنفسهم فيه.

ويحتاجُ الآباءُ كذلك إلى أبناءٍ يدركونَ أنّ وراءَ تشبّثِ آبائهم بالماضي خوفًا عليهم، وحنينًا إلى ما فقدوه، ومحاولةً لحمايةِ شيءٍ عزيزٍ يخشونَ أن يضيعَ في زحامِ الزمن.

فإذا فهمَ كلُّ جيلٍ ألمَ الآخر، بدأَ الصدعُ يلتئم.

وإذا تحوّلَ الخوفُ إلى حوار، والحنينُ إلى معرفة، والهويةُ إلى عمل، والاغترابُ إلى رسالة؛ أمكنَ للأسرةِ أن تستعيدَ توازنها، وللأبناءِ أن يستعيدوا ثقتهم بجذورهم، وللآباءِ أن يطمئنوا إلى أنّ ما غرسوهُ لم يذهبْ سدى.

خاتمة: أن نتركَ في أبنائنا وطنًا لا يُهاجر:

إنّ أعظمَ ما يمكنُ أن يتركَه المهاجرُ لأبنائه ليس بيتًا في بلدٍ ما، ولا حسابًا مصـرفيًا، ولا أوراقَ إقامةٍ وجوازاتٍ متعدِّدة؛ وإنّما أنْ يتركَ في نفوسهم وطنًا من القِيم لا تهدمهُ الحدود، وجذورًا من الإيمان لا تقتلعها الرِّياح، وضميرًا حيًّا يستطيعُ أنْ يعيشَ كريمًا أينما حلّ.

فالأرضُ قد تتغيّر، واللّغاتُ قد تتبدّل، والمدنُ قد تتّسعُ وتضيق، والأجيالُ قد تحملُ أسماءً مختلفةً للأماكن؛ لكنّ الإنسانَ إذا حفِظَ صلتهُ بالله، وبرّهُ بوالديه، ووفاءهُ لأهله، وصدقَه في معاملاته، ونفعَه للنّاس، فقد حملَ معه أثمنَ ما في وطنه.

وحينئذٍ لا تكونُ الغربةُ نهايةَ الحكاية، بَلْ قد تُصْبح فصلًا جديدًا منها؛ ولا يكونُ المهاجرُ مجرّدَ إنسانٍ اقتلعتهُ الظروفُ من أرضه، بَلْ إنسانًا استطاعَ أن يحملَ جذورهُ إلى أرضٍ جديدة، وأنْ يجعلَ من وجوده فيها جسـرًا بين حضارتين، ورحمةً في مجتمعه، وأمانةً في ذريته، ورسالةً تمتدُّ بعده.

فليست القضيةُ في النهاية: أين يعيشُ أبناؤنا؟ وإنّما القضيةُ الأعمق: ماذا يعيشُ في أبنائنا؟

فإذا عاشَ فيهم الإيمانُ، والخلقُ، والوعيُ، والرّحمةُ، والاعتزازُ بالحق، وحبُّ الخير؛ فلن تكونَ الغربةُ قادرةً على ابتلاعِ هُويّتهم.

أما إذا خلتِ القلوبُ من المعنى، فلن تنقذَها عودةٌ إلى وطنٍ ولا إقامةٌ في وطنٍ آخر.

إنّ الأوطانَ تُفْقدُ حين تُفْقدُ معانيها، وتُستعادُ حينَ تستعيدُ الأجيالُ ما يستحقُّ أن يُورث.

ولعلّ أصدقَ ما نختمُ به أن نقول: لا نريدُ أنْ نُورّثَ أبناءَنا وطنًا فحسب؛ بَلْ نريدُ أنْ نُورّثَهم الإنسانَ الّذي يجعلُ من كلِّ أرضٍ موطنًا للخير، ومن كلِّ غربةٍ طريقًا إلى العطاء، ومن كلِّ اختلافٍ فرصةً للتعارف، ومن كلِّ جيلٍ جسـرًا يصلُ الماضي بالمستقبل.

وهنا تتحوّلُ مأساةُ الاغترابِ من جرحٍ يتوارثُه الأبناء، إلى رسالةٍ تُعيدُ بناءَ الإنسانِ، وتجمعُ ما فرّقتهُ المسافات، وتمنحُ الأجيالَ حقَّها في أنْ تنتميَ إلى جذورها دُونَ أنْ تُحْرمَ من حقِّها في أنْ تصنعَ مستقبلَها.

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون

مواد ذات صلة

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات. هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟

ثقافة الحوار والمواجهة

ثقافة الحوار والمواجهة

رغم أنّ الكثيرين من المتعلّمين والمثقفين المسلمين يدركون تماماً ما تعرّض له الإسلام كمعتقد وأسلوب حياة من هجمات مادية وفكرية خلال القرون والعقود الأخيرة، ورغم أنّهم يدركون أيضاً ما تعرّض له المسلمون أنفسهم عبر هذه القرون الطويلة من ضروب الاستعمار والإذلال المادي والنفسـي، فيبدو أنّ الكثيرين من مفكّري هذه الأمّة الإسلامية في عصـرنا الحديث قد شغلتهم عموميات أبحاثهم عن إدراك مدى الهجمة الفكرية المضادّة، التي تريد أن تقتلع من عقول المسلمين في مختلف بلادهم فكرة الإسلام اقتلاعاً تاماً، وبأسلوب يغلّفه المنطق والجدل العلمي، تمهيداً للوصول إلى عقول أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم المتعلّم بطريقة ذكية لا تخلو من الدهاء والخديعة، ولا تخلو من الاستشهاد بحقائق الواقع الذي تمرّ به الدول العربية والإسلامية هنا وهناك، وصولاً إلى تحقيق أهداف غير معلنة، ولكن قراءتها واضحة لكل ذي بصيرة.