مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

مقالات 🕔 2026/10/02 ✍️ سركان كامل
مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

سركان كامل*

صفقة القرن التي لم يوقّع عليها أحد:

ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات.

هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟

كيف تُدار اللعبة؟ خمس خطوات لا أكثر:

1- الدولة تخصّص الأرض لمشـروعٍ سكني بعد تعويض أصحابها من المال العام - أي من جيبك أنت.

2- الأرض تُمنح بلا مقابل لشخصٍ أو شركةٍ محظوظة، تحت لافتة «حلّ أزمة السكن».

3- المطوّر يبيع الوحدات على الورق - قبل أن يُصَبّ أساسٌ واحد - ويقبض أقساطك الأولى، فيتحوّل مالُك أنت إلى رأس المال التشغيلي للمشروع.

4- ثم تأتي اللمسة الأدهى: الأرض التي استلمها مجانًا من هيئة الاستثمار، يبيعك إيّاها بسعر السوق، مدسوسةً بهدوءٍ في ثمن الوحدة. تدفع أنت ثمن أرضٍ لم يدفع هو فيها فلسًا واحدًا.

5- وفي النهاية تستلم - إن استلمت - بيتًا بجودةٍ لا يعلمها إلّا الله، بسعرٍ يجمع: ثمن أرضٍ مجانيّة، وكلفة بناءٍ موّلتَها بنفسك، وهامش ربحٍ خيالي.

معادلة واحدة تختصر المشهد كلّه: المخاطر عليك، والأرباح لغيرك.

جردة الحساب: الكلّ دفع.. إلّا واحدًا:

المواطن خسـر: دفع أضعاف الكلفة الحقيقية، وانتظر سنوات، وأحيانًا استلم مشروعًا متعثّراً.. أو لم يستلم شيئًا.

الدولة خسـرت: تنازلت عن أرضها - أثمن أصولها -، فخرج قسمٌ من المشاريع متعثّراً، مخلّفًا وراءه فساداً ومشاكل قانونية معقّدة ما زالت عالقةً حتى اليوم.

الرابح الوحيد: فئةٌ صغيرة جداً، تحوّل أفرادُها - بجرّة قلمٍ إداري - إلى مليونيرات ومليارديرات. لم يُنشئوا صناعة، ولم يبتكروا منتَجًا؛ ولكنّهم حصلوا على امتياز!

حين صارت البيوت أوراق قمار:

ولم يقف النزيف عند حدود المشاريع. أنجب هذا النموذج «مهنةً» كاملة قوامها المضاربة: آلاف المكاتب والوسطاء، وشريحةٌ صار شغلها الشاغل شراء الوحدة وبيعها بأغلى، ثم شراء غيرها وبيعها بأغلى، في دوّامةٍ رفعت الأسعار إلى أضعاف الكلفة الحقيقية.

هكذا تحوّل السكن - الحاجة الإنسانية الأولى - إلى ورقة رهان. وحين تصبح البيوت أوراق قمار، لا تعود الفقاعة احتمالًا.. بل موعدًا مؤجّلًا.

الوصفة المضادّة: أرضٌ للمواطن، وإيرادٌ للدولة، ونهايةٌ للقمار:

هذا ليس نقدًا بلا بديل. الطريق الآخر كان ممكنًا يوم صدر القانون، وما زال ممكنًا اليوم - نموذجٌ تعرفه الدول المتقدمة جيدًا، يسير فيه البناء بترتيبه الطبيعي:

أولًا - التخطيط قبل الإسمنت: مخططات حضـرية احترافية بمعايير عالمية: رحابة، وانسيابية، ومساحات عامة تليق بالناس.

ثانيًا - البنية التحتية أولًا: طرق وماء ومجارٍ وكهرباء وحدائق، كاملةً وجاهزة قبل أيّ بيعٍ أو توزيع.

ثالثًا - الأرض للمواطن مباشرة: قطعٌ مخدومة تُتاح للمستحقّين بعقود إيجارٍ شهري رمزي، يبني عليها المواطن منزله تدريجيًا وَفْق قدرته، بتصاميم هندسية معتمدة وقابلة للتوسّع، وتحت رقابة بلدية صارمة على السّلامة والجودة والمظهر الحضري.

رابعًا - إقفال باب المضاربة: قطعة واحدة فقط لكل مواطن في المدن الجديدة، ويُحظر بيعها أو التخارج منها قبل سنةٍ كاملة من السكن الفعلي.

بهذا النموذج نضـرب عصفورين بحجرٍ واحد: الدولة والبلدية تحتفظان بملكية الأرض وقيمتها، وتحصلان على إيرادٍ ثابتٍ ومستدام، والمواطن يوجّه كلّ ما يملك إلى بناءٍ فعلي بدل إهداره في مضاربات سعر الأرض. هذه هي المساعدة الحقيقية - عمليًا، لا شعاراتيًا -، وليست صناعة مليارديرات بقرارٍ إداري.

عشرون عامًا تكفي لبدء المحاسبة:

النجاح لا يُقاس بعدد الأبراج واللافتات، بل بثلاثة أسئلة لا رابع لها:

- كم عائلة حصلت على بيتٍ آمن بسعرٍ يمكن تحمّله؟

- كم حيًّا تحوّل إلى مدينةٍ صالحة للحياة فعلًا؟

- وكم من القيمة عادت إلى الناس مقابل ما قُدّم من أرضٍ ومالٍ عام؟

لذلك، فإن النداء واضحٌ ومحدَّد: على رئيس مجلس الوزراء الاتحادي الموقّر، وعلى رئيس حكومة إقليم كوردستان الموقّر - كلٌّ في نطاق ولايته - فتحُ مراجعةٍ عاجلة وشاملة لهذا الملف، من نصّ القانون إلى آخر إجازةٍ استثمارية.

وهو نداءٌ يتجاوز حدودنا: أيّ دولةٍ تطبّق قوانين مماثلة، تمنح فيها الأرضُ مجانًا ويموّل فيها المواطنُ البناء، معنيّةٌ بالمراجعة نفسها قبل أن تنفجر الفقاعة عندها. ليس بحثًا عن خصومة مع أحد، بل إنقاذًا لما تبقّى، وتصحيحًا لمسارٍ كلّ يومِ تأخيرٍ فيه يدفع ثمنَه جيلٌ كامل يبحث عن سقفٍ يحميه.

الخلاصة: ثلاث حقائق لا مفرّ منها:

1- الأرض العامة ليست هدية.

2- قسط المواطن ليس رأس مالٍ مجانيًا لغيره.

3- كلمة «استثمار» ليست غطاءً لنقل المخاطر إلى الناس وحصـر الأرباح في الأعلى.

4- الدعم يجب أن يتبع المواطن، لا المطوّر.

وللقصة بقية...

* سركان كامل - كاتب ورائد أعمال، حاصل على ماجستير إدارة الأعمال، ومؤلف كتاب «خطوات دراسات الجدوى الاقتصادية» (2006).

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون

مواد ذات صلة

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟

ثقافة الحوار والمواجهة

ثقافة الحوار والمواجهة

رغم أنّ الكثيرين من المتعلّمين والمثقفين المسلمين يدركون تماماً ما تعرّض له الإسلام كمعتقد وأسلوب حياة من هجمات مادية وفكرية خلال القرون والعقود الأخيرة، ورغم أنّهم يدركون أيضاً ما تعرّض له المسلمون أنفسهم عبر هذه القرون الطويلة من ضروب الاستعمار والإذلال المادي والنفسـي، فيبدو أنّ الكثيرين من مفكّري هذه الأمّة الإسلامية في عصـرنا الحديث قد شغلتهم عموميات أبحاثهم عن إدراك مدى الهجمة الفكرية المضادّة، التي تريد أن تقتلع من عقول المسلمين في مختلف بلادهم فكرة الإسلام اقتلاعاً تاماً، وبأسلوب يغلّفه المنطق والجدل العلمي، تمهيداً للوصول إلى عقول أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم المتعلّم بطريقة ذكية لا تخلو من الدهاء والخديعة، ولا تخلو من الاستشهاد بحقائق الواقع الذي تمرّ به الدول العربية والإسلامية هنا وهناك، وصولاً إلى تحقيق أهداف غير معلنة، ولكن قراءتها واضحة لكل ذي بصيرة.