أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

مقالات 🕔 2026/10/02 ✍️ سهام ريكاني
أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

سهام ريكاني - مدرّب تربوي – دهوك

يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟

أوّلاً: من التلقين إلى التمكين الفكري (المعلّم الميسّر والمصمّم):

يمثّل التحوّل من "التلقين إلى التمكين الفكري" الثورة الحقيقية في الفكر التربوي المعاصر، حيث أعيد تعريف دور المعلّم ليكون "ميسّـراً ومصمّماً تعليمياً" بدلاً من كونه مصدراً وحيداً للمعلومة. في هذا النموذج، لا يكتفي المعلّم بنقل المعارف الجاهزة، بل يعمل كمهندس للخبرات التعليمية، حيث يصمّم بيئات تفاعلية تحفّز الطلاب على التساؤل والبحث، ممّا يحوّل الطالب من متلقٍ سلبي إلى مشارك نشط يبني معرفته بنفسه من خلال الاستقصاء والتجربة.

كميسـّر (Facilitator)، يتخلّى المعلّم عن دور "المحاضر" ليتخذ دور "المرشد"؛ فهو لا يعطي الإجابات بل يطرح الأسئلة السابرة التي تثير الفضول الفكري، ويوجّه الطلاب نحو مصادر المعرفة المتنوّعة في الفضاء الرقمي، معلّماً إيّاهم كيفيّة نقد المعلومة وتمحيصها. أمّا كونه مصمّماً تعليمياً (Instructional Designer)، فإنه يتجاوز حدود الكتاب المدرسي ليصيغ أنشطةً تراعي الفروق الفردية والذكاءات المتعددة، مستخدماً استراتيجيات مثل "التعلّم القائم على المشكلات"، حيث يُصبح الخطأ في فصله الدراسي فرصة للتعلّم وليس سبباً للعقاب.

إن التمكين الفكري الذي يقوده المعلّم يهدف إلى صناعة عقول قادرة على الابتكار واتّخاذ القرار، هذا الدور يتطلّب من المعلّم مهارة عالية في الدمج بين التكنولوجيا والإنسانية، لضمان أن تظلّ العملية التعليمية رحلة تمكين ذاتي تمنح الطالب "مفتاح المعرفة" بدلاً من إعطائه "المعرفة" ذاتها. وبذلك، يصبح المعلّم هو الجسـر الذي يعبر من خلاله الطلاب من ضفاف التلقين الجامد إلى آفاق التفكير الحرّ والمبدع.

ثانياً: المعلّم كقائد وجداني ومرشد اجتماعي:

يعتبر المعلّم في جوهره "قائداً وجدانياً ومرشداً اجتماعياً"، وهو الدور الذي يتجاوز في أهميته نقل المعارف الأكاديمية؛ فالتعلّم الحقيقي لا يمكن أن يحدث بمعزل عن الاستقرار النفسـي والشعور بالأمان. إن المعلّم كقائد وجداني يمتلك القدرة على قراءة ملامح طلابه، فيدرك من نظراتهم لحظات القلق أو الانكسار، ويكون هو "صمّام الأمان" الذي يمتصّ ضغوط الحياة عن كاهلهم، محوّلاً الفصل الدراسي من مجرّد قاعة للمحاضرات إلى بيئة حاضنة للنمو النفسي المتزن.

ويتجلّى دوره كمرشد اجتماعي في كونه المهندس الذي يصيغ علاقات الطلاب ببعضهم البعض، حيث يغرس في نفوسهم قيم التسامح والعدالة وقبول الاختلاف. إن المعلّم الذي يدير الخلافات الصفّية بحكمة، ويستوعب الطالب المتعثر أو المنعزل، يقدّم نموذجاً حيّاً للذكاء الاجتماعي؛ فهو لا يصحّح أخطاءً علمية فحسب، بل يقوّم سلوكيات اجتماعية، ويبني في الطالب شخصية واثقة قادرة على التواصل الفعّال مع المجتمع.

إن هذا التأثير الوجداني هو ما يبقى في ذاكرة الطلاب طويلاً بعد نسيان المعادلات والقوانين؛ فالمعلّم القائد هو من يلمس القلوب قبل العقول، وهو من يصنع بكلمة تشجيعٍ واحدة مستقبلاً جديداً للإنسان.

ثالثاً: القدوة الأخلاقية:

تتجلّى قيمة المعلّم كقدوة حسنة في كونه المرآة الصادقة التي يرى فيها الطلاب تجسيداً حيّاً للقيم والمبادئ، حيث يتجاوز تأثيره حدود التلقين ليصل إلى عمق التكوين الشخصـي. فعندما يلتزم المعلّم بالأمانة والصدق والانضباط في الوقت، فإنه يزرع هذه القيم في نفوس طلابه من خلال "التربية بالنموذج" دون الحاجة إلى وعظ مباشر، إذ إن اتّساق أقواله مع أفعاله هو ما يمنحه المصداقية والهيبة التربوية الحقيقية.

ويمتدّ هذا التأثير ليشمل مهارات التفكير والنقد، فحين يُظهر المعلّم مرونة في التفكير، ويعترف بخطئه بشجاعة، ويتقبل الرأي الآخر بصدر رحب، فهو يرسّخ لدى طلابه أدب الحوار وأسس التفكير النقدي، كما أن بحثه عن المعلومة ومشاركته لرحلة الاستقصاء أمامهم يجسّد معنى "التعلّم مدى الحياة"، محوّلاً إيّاهم من متلّقين سلبيين إلى باحثين شغوفين.

ولا يكتمل هذا الدور إلّا بالذكاء الاجتماعي والتعامل الإنساني الراقي، حيث تعكس الطريقة التي يحتضن بها المعلّم الطالب المتعثّر، أو أسلوبه في إدارة الخلافات داخل الفصل، نموذجاً عملياً للعدالة والتسامح؛ فالمعلّم الذي يمنح الاحترام للجميع على حد سواء - بغضّ النظر عن مستوياتهم الدراسية - يغرس في نفوسهم قيم المساواة والتعاطف، وهي المهارات الاجتماعية الجوهرية التي تضمن لهم النجاح والاستقامة في معترك الحياة.

رابعاً: الباحث والمطوّر المستمر (فلسفة التعلّم مدى الحياة):

تتجلّى صورة المعلّم في العصـر الحديث بوصفه "باحثاً ومطوّراً مستمراً"، حيث لم يعد الاكتفاء بالمعارف الجامدة التي اكتسبها قديماً كافياً لمواجهة طوفان المعرفة المتسارع. إن هذا الدور يفرض عليه أن يكون "متعلّماً مدى الحياة"، يمتلك شغف التقصـّي والبحث لتجديد أدواته المعرفية والتربوية. فالبحث بالنسبة للمعلّم المعاصر ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة مهنية لفكّ رموز التحديات الصفيّة.

يظهر هذا التطوّر في قدرة المعلّم على تطويع استراتيجيات التدريس الحديثة، مثل "التعلّم القائم على المشاريع" و"الفصول المقلوبة"، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتخصيص التعليم بما يناسب قدرات كل طالب. إن المعلّم الباحث هو من يمارس "التأمّل الذاتي" في ممارساته اليومية، فيحلّل مواطن القوّة والضعف في حصّته الدراسية، ويحوّل المشكلات السلوكية أو الأكاديمية إلى أسئلة بحثية يبحث لها عن حلول مبتكرة ومبنية على أسس علمية.

هذا الحراك الدائم لا يرفع من كفاءة المعلّم المهنية فحسب، بل يجعله "نموذجاً ملهماً" لطلابه؛ فحين يرى الطلاب معلّمهم مطّلعاً على أحدث الاكتشافات، ومستخدماً لأدوات تقنية متطوّرة، ينتقل إليهم شغف المعرفة تلقائياً. إن المعلّم الذي لا يتوقّف عن النمو يضمن ألّا تذبل عقول طلابه، وبذلك تظلّ المدرسة حيّة، متجدّدة، وقادرة على تخريج أجيال تتقن مهارات المستقبل، ممّا يحوّل العملية التعليمية من مجرّد وظيفة روتينية إلى رسالة إبداعية متطوّرة تخدم نهضة المجتمع بأسره.

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون

مواد ذات صلة

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات. هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟

ثقافة الحوار والمواجهة

ثقافة الحوار والمواجهة

رغم أنّ الكثيرين من المتعلّمين والمثقفين المسلمين يدركون تماماً ما تعرّض له الإسلام كمعتقد وأسلوب حياة من هجمات مادية وفكرية خلال القرون والعقود الأخيرة، ورغم أنّهم يدركون أيضاً ما تعرّض له المسلمون أنفسهم عبر هذه القرون الطويلة من ضروب الاستعمار والإذلال المادي والنفسـي، فيبدو أنّ الكثيرين من مفكّري هذه الأمّة الإسلامية في عصـرنا الحديث قد شغلتهم عموميات أبحاثهم عن إدراك مدى الهجمة الفكرية المضادّة، التي تريد أن تقتلع من عقول المسلمين في مختلف بلادهم فكرة الإسلام اقتلاعاً تاماً، وبأسلوب يغلّفه المنطق والجدل العلمي، تمهيداً للوصول إلى عقول أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم المتعلّم بطريقة ذكية لا تخلو من الدهاء والخديعة، ولا تخلو من الاستشهاد بحقائق الواقع الذي تمرّ به الدول العربية والإسلامية هنا وهناك، وصولاً إلى تحقيق أهداف غير معلنة، ولكن قراءتها واضحة لكل ذي بصيرة.