ثقافة الحوار والمواجهة

مقالات 🕔 2026/10/02 ✍️ مزاحم إدريس عاشور الحمداني
ثقافة الحوار والمواجهة

مزاحم إدريس عاشور الحمداني

رغم أنّ الكثيرين من المتعلّمين والمثقفين المسلمين يدركون تماماً ما تعرّض له الإسلام كمعتقد وأسلوب حياة من هجمات مادية وفكرية خلال القرون والعقود الأخيرة، ورغم أنّهم يدركون أيضاً ما تعرّض له المسلمون أنفسهم عبر هذه القرون الطويلة من ضروب الاستعمار والإذلال المادي والنفسـي، فيبدو أنّ الكثيرين من مفكّري هذه الأمّة الإسلامية في عصـرنا الحديث قد شغلتهم عموميات أبحاثهم عن إدراك مدى الهجمة الفكرية المضادّة، التي تريد أن تقتلع من عقول المسلمين في مختلف بلادهم فكرة الإسلام اقتلاعاً تاماً، وبأسلوب يغلّفه المنطق والجدل العلمي، تمهيداً للوصول إلى عقول أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم المتعلّم بطريقة ذكية لا تخلو من الدهاء والخديعة، ولا تخلو من الاستشهاد بحقائق الواقع الذي تمرّ به الدول العربية والإسلامية هنا وهناك، وصولاً إلى تحقيق أهداف غير معلنة، ولكن قراءتها واضحة لكل ذي بصيرة.

إنّ الهجوم الفكري المباشر على الإسلام والشـريعة الإسلامية، الذي كان يقوده مفكرو الشـرق والغرب بصورة واضحةٍ جليّة، قد تراجع إلى حدّه الأدنى، ليترك المجال أمام بعض كتّاب هذه الأمة ليقوموا بهذا الدور نيابة عنهم، بطرق مباشرة وغير مباشرة. ولا يستطيع المرء - في نهاية ما يطالعه من أفكار مطروحة - سوى الوصول إلى نتيجة مؤدّاها أن النفر من الكتاب قد قاموا بمهمتهم خير قيام، وأدّوا الواجب الموكل لهم بفاعلية أكبر من أيّ كتابة أو أيّ رأي يطرحه أيّ مفكر أجنبي، ونحن في هذا المقام لا نلوم أحداً منهم، وليس قصدنا من وراء عرض هذا الموضوع توجيه الاتهام لهم، إن ما نقصده حقيقةً هو توعية المسلمين بالأساليب الفكرية المتقدمة التي اتّبعها هؤلاء، ليعرفوا حجم قوّة الإقناع التي يريدون من خلالها التأثير على الإسلام وعلى الشـريعة الإسلامية.. في الوقت الذي لا ترتقي فيه كتابات المسلمين إلى المستوى المطلوب.

إن كشف الاتّجاهات الفكرية لخصوم الفكر الإسلامي، وكشف بواعثهم وفضح أساليبهم، ليس إلّا خطوة على طريق التوعية الصحيحة، ولكنها خطوة غير كافية، فلا بدّ من أن تليها خطوات في إنتاج الفكر الإسلامي الأصيل في المواطن التي ما زالت بحاجة إلى اجتهاد فكري، وفي تقديم البديل الإسلامي للفكرين الشـرقي والغربي.. وبداهةً، فإنّ المطلوب لإعادة صياغة العقل الإسلامي بشكل يكون فيه قادراً على دفع التحديات التي تحيط به من كل جانب - والذي لا زال كثيراً من الناحية الواقعية - وترك النّاس ليقوموا بعملية تقييمٍ للأفكار المطروحة كافة والمقارنة بينها، مسألة مهمة لتنمية قدرات الأفراد الفكرية بدون تشنّج أو ضغوط، من ناحية، وبدون مجاملة في قضايا الفكر، من ناحية أخرى.. فكلٌّ من التشنّج والضغط والحماس والمجاملة تقود في النهاية إلى عدم صدق الكلمة، وتؤدّي إلى تشويه الفكرة؛ سواءً أكان الباعث سوء النيّة، أم كان حُسن النيّة، فلم يَعُد هنالك ثمة حواجز حقيقيّة بين دول العالم في أمور التبادل الثقافي والفكري والحضاري، فقد أصبحت الأفكار تُعْرَض ببساطة وتنتقل بسـرعة بين شعوب العالم من خلال وسائل النشـر ومنصّات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الفعّالة.. ومن البدهي أن البقاء سيكون للفكر الأكثر إقناعاً وتلبيةً لحاجات الإنسان المتكاملة فكرياً وواقعياً، وفي شتى مناحي الحياة، ولا يتحقّق ذلك على نحوٍ متكامِل إلّا من خلال الإسلام.

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون

مواد ذات صلة

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات. هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟