ثقافة الحوار والمواجهة
مزاحم إدريس عاشور الحمداني
رغم أنّ الكثيرين من المتعلّمين والمثقفين المسلمين يدركون تماماً ما تعرّض له الإسلام كمعتقد وأسلوب حياة من هجمات مادية وفكرية خلال القرون والعقود الأخيرة، ورغم أنّهم يدركون أيضاً ما تعرّض له المسلمون أنفسهم عبر هذه القرون الطويلة من ضروب الاستعمار والإذلال المادي والنفسـي، فيبدو أنّ الكثيرين من مفكّري هذه الأمّة الإسلامية في عصـرنا الحديث قد شغلتهم عموميات أبحاثهم عن إدراك مدى الهجمة الفكرية المضادّة، التي تريد أن تقتلع من عقول المسلمين في مختلف بلادهم فكرة الإسلام اقتلاعاً تاماً، وبأسلوب يغلّفه المنطق والجدل العلمي، تمهيداً للوصول إلى عقول أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم المتعلّم بطريقة ذكية لا تخلو من الدهاء والخديعة، ولا تخلو من الاستشهاد بحقائق الواقع الذي تمرّ به الدول العربية والإسلامية هنا وهناك، وصولاً إلى تحقيق أهداف غير معلنة، ولكن قراءتها واضحة لكل ذي بصيرة.
إنّ الهجوم الفكري المباشر على الإسلام والشـريعة الإسلامية، الذي كان يقوده مفكرو الشـرق والغرب بصورة واضحةٍ جليّة، قد تراجع إلى حدّه الأدنى، ليترك المجال أمام بعض كتّاب هذه الأمة ليقوموا بهذا الدور نيابة عنهم، بطرق مباشرة وغير مباشرة. ولا يستطيع المرء - في نهاية ما يطالعه من أفكار مطروحة - سوى الوصول إلى نتيجة مؤدّاها أن النفر من الكتاب قد قاموا بمهمتهم خير قيام، وأدّوا الواجب الموكل لهم بفاعلية أكبر من أيّ كتابة أو أيّ رأي يطرحه أيّ مفكر أجنبي، ونحن في هذا المقام لا نلوم أحداً منهم، وليس قصدنا من وراء عرض هذا الموضوع توجيه الاتهام لهم، إن ما نقصده حقيقةً هو توعية المسلمين بالأساليب الفكرية المتقدمة التي اتّبعها هؤلاء، ليعرفوا حجم قوّة الإقناع التي يريدون من خلالها التأثير على الإسلام وعلى الشـريعة الإسلامية.. في الوقت الذي لا ترتقي فيه كتابات المسلمين إلى المستوى المطلوب.
إن كشف الاتّجاهات الفكرية لخصوم الفكر الإسلامي، وكشف بواعثهم وفضح أساليبهم، ليس إلّا خطوة على طريق التوعية الصحيحة، ولكنها خطوة غير كافية، فلا بدّ من أن تليها خطوات في إنتاج الفكر الإسلامي الأصيل في المواطن التي ما زالت بحاجة إلى اجتهاد فكري، وفي تقديم البديل الإسلامي للفكرين الشـرقي والغربي.. وبداهةً، فإنّ المطلوب لإعادة صياغة العقل الإسلامي بشكل يكون فيه قادراً على دفع التحديات التي تحيط به من كل جانب - والذي لا زال كثيراً من الناحية الواقعية - وترك النّاس ليقوموا بعملية تقييمٍ للأفكار المطروحة كافة والمقارنة بينها، مسألة مهمة لتنمية قدرات الأفراد الفكرية بدون تشنّج أو ضغوط، من ناحية، وبدون مجاملة في قضايا الفكر، من ناحية أخرى.. فكلٌّ من التشنّج والضغط والحماس والمجاملة تقود في النهاية إلى عدم صدق الكلمة، وتؤدّي إلى تشويه الفكرة؛ سواءً أكان الباعث سوء النيّة، أم كان حُسن النيّة، فلم يَعُد هنالك ثمة حواجز حقيقيّة بين دول العالم في أمور التبادل الثقافي والفكري والحضاري، فقد أصبحت الأفكار تُعْرَض ببساطة وتنتقل بسـرعة بين شعوب العالم من خلال وسائل النشـر ومنصّات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الفعّالة.. ومن البدهي أن البقاء سيكون للفكر الأكثر إقناعاً وتلبيةً لحاجات الإنسان المتكاملة فكرياً وواقعياً، وفي شتى مناحي الحياة، ولا يتحقّق ذلك على نحوٍ متكامِل إلّا من خلال الإسلام.
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون