تأمّلات في فلسفة الحياة (2)

مقالات 🕔 2026/10/02 ✍️ سامي محمود إبراهيم
تأمّلات في فلسفة الحياة (2)

أ م.د سامي محمود إبراهيم

رئيس قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة الموصل

(1)

سفر النشأة والتكوين

لأنني أريد وصلاً آخر يناغم الإنسان والسماء، وضوحه كالماء والهواء، أحبُّ الجمال.

فحين أرى الجمال، أودّ أن أكون اثنين.. فبعض المشاهد والانفعالات والأحاسيس تجعلنا نضيق بكوننا «واحد»، إذ لا بدّ من وجود آخر يقاسمنا المشهد، يحمل عنّا شيئاً من فرح وسرور مباغت.. خاصة أن حياتنا مليئة بالمفاجآت.. هي تجربة مفعمة بالمعاناة في مسيرة عبورنا نهر الحياة «الزمان»، الذي نقطعه ونحن نحمل أثقال وجودنا على أكتافنا إلى أن نصل جزيرة الأمل المفقودة في أبدية جميلة متصلة بكل معاني الوجود. وكأن روح الحياة وجمالها قد اختزلت في حكمة تعطي الزهد أقصـى معانيه.. معاني تفجّر لدينا الإحساس بالتفاؤل، برغم التشـرّب البطيء للمأساة التي نعانيها.. وفي رحلة البحث عن الذات نقطع المسافات، فبيننا وبين السعادة صحارٍ مجهولة، وهواجس لا تنتهي.. خاصة أن الوجود المشـروط، غياب. ومساحة الصبر قليلة، تنتهي بحرف، وعلى حافة جرف.. بعدها يعلن الوداع إلى غيابٍ بنكهة الحضور.. ولا زلنا تلامذةً في مدرسة الدنيا نتعلّم أبجديّات الحياة، وأسماء الواقع، وجدول الضمير، وكيمياء السعادة، وفيزياء الوجود.

(2)

تأمّلات في كتاب الحضارة والحياة

إن أهم الكتب هي تلك التي نقرأها ونحن على حافّة الحياة، نلوذ بها بعد أن أغرقتنا الحداثة.. ونحن حين نكون على تلك الحافّة، لا نجد ما يحفّزنا إلى الاستيقاظ والعيش يوماً آخر يشبه الأمس، فنبحث عن العون في خلاص الحكمة الإلهية لنا على هيئة كتاب، والكتب التي من هذا النوع قليلة ونادرة ومحظورة، لهذا يسهل علينا عزلها ووضعها على رفٍّ قُرب أيدينا، وقريباً من الموضع الأكثر عرضة لإصابة أرواحنا؛ فبعض الكتب تصلح للقراءة في الطرقات، وهناك كتب تقرأ في الحدائق، وأخرى تقرأ في الفراش قبل النوم.. أمّا كتاب الحياة، فيجب أن يقرأ كمن يمشـي حافياً على الأرض.. يعاني الواقع على لحم الأرض وأديمها.. وهذا يشبه - إلى حدّ ما - موقف الأسطورة الأفريقية في النظر إلى الثعبان نظرةً فيها شيءٌ من إكبار، لأنّه يلامس الأرض بكل جسده، ولهذا يعرف كلّ أسـرارها.. أمّا نحن بثقافتنا الحداثوية، فلسنا إلّا خفافيش طائشة تسبح في فضاءات الكهوف.. حياتنا التشكيلية العابرة من الرمال المتحركة، شكّلتها نسمة العصـرنة، ونثرتها هبّة ريح العولمة، تتبعثر في صور حضارة اللاجدوى حتى قبل أن تتشكّل كما ينبغي.. ومعظم أعمالنا الإصلاحية النهضوية متطرّفة، وغير مكتملة، ومثيرة للسخرية.. ونحن خارج قاموس اللامعنى نصف المجهول، نحاول استعادة الماضي وأمجاده البريئة، لأننا على مفترق طرقٍ بين مستقبل نامَ في أحضان الحاضر، وماضٍ أكلَ عمرنا واندثر.. حياتنا حافلة بخيبات الأمل، في العيش والسياسة.. حياتنا رحلة مليئة باستعادة الأحلام المنسيّة داخل أعماق النفس.. وفي النهاية لا يمكننا تمزيق وحذف ولو صفحة واحدة من كتاب حياتنا، ولكن بإمكاننا كتابة فصول جديدة فيه.. نحن نترك شيئاً من أنفسنا في المكان الذي نتركه خلفنا، فنبقى هناك حتى لو رحلنا.. وهناك أشياء جديدة داخلنا وجميلة لن نعثر عليها إلّا إذا عدنا إلى المكان ذاته.. في النهاية نحن نذهب إلى أنفسنا، يحملنا صوت الحنين الموجع إلى المكان الذي احتلّ مسافة من حياتنا.. إذاً، نحن بحاجة إلى السفر روحياً وجغرافياً وزمانياً، لنتمكن من الامتداد خارجياً.. نستثمر المكان إلى زمان.. لنقرأ.. لنتضاعف إلى أكثر من واحد، فنتوسّع داخل فلك الحضارة.

(3)

أسئلة الزمن وشبكة الحياة

بين تضاريس المكان وعقارب الأزمنة الحضارية نقرأ الماضي بآليّة الذرّة والألكترون، ولا يغيّر هذا من قناعاتنا شيئاً.

أربكتنا أسئلة النهضة، وتعذّر الجواب.. فمَنْ أخطأ: مكانُنا الذي يراوحنا ونراوحه، أم الزمانُ المستلب وفق حصاد ساعة (بيك بن) بخطوط طولها الأمريكية، وعرضها الأوروبية، ودائرة كرتها الغربية؟! بُعْدنا الوجداني موهوم، والإنسانيّ ميّت.. ضمير أعمالنا لا ينبض.. وعلى طاولةٍ عريضةٍ من التفسيرات والتأويلات الحادّة، تمّ تفكيك وتشـريح جسد حضارتنا الميّت في كرنفال جنائيّ صامت.. ثمّ يكشف الستار، ليعلن أن سبب الوفاة جفاف الضمير بسبب العطش الذي لحقه وهو يجوب ويقلّب صحراء الجسد.. تلك الغيبوبة الطويلة جعلتنا نسبغ المعنى على ما لا معنى له، ونفرض النظام على الفوضى بإيقاعٍ حزين.. ويطول السباتُ وجماجمنا ملقاة في هيولى الواقع، معترفين بأننا نعيش وبكل مباهج الهزيمة، غيبوبة التبعية.. فنحن أمّة مهزومة لأننا نخضع لنمط قسـريّ فُرِض علينا، دفعنا إلى وضعية استلاب نموذجية كمقدمة ونتيجة إلى تماهٍ عدمي ممنهج، نحاول في دوامه تفعيل الخيال كي نرى في القبح الجمال.

(4)

كم نحن صغار: ذرة غبار في كون لا نهائي

التقطتْ صورةٌ كونية لكرتنا الأرضية، فظهر أنها مجرّد نقطة في بحر الوجود المخيف.. في مكان لا يذكر.. نقطةٌ لا تكاد ترى وفق مقاييس الرؤية الكونية.. في هذه النقطة: الحرية والعبودية، العدل والظلم، الحياة والموت، السعادة والحزن، كل أفراحنا ومعاناتنا، وآلاف الأديان والمذاهب الفكرية والفلسفية، كل قديس أو آثم في تاريخ البشـرية.. عاش هنا أكثر من سبعة مليار إنسان، يعيشون على ذرّة غبار في كونٍ لا ندرك نهايته، بل هو في سعة دائمة؛ كل مشاكلنا، طموحاتنا، أحلامنا، مهما كانت عظيمة تنهار خجلاً عندما نعرف هذه الحقيقة: كم نحن صِغار.

الأرض.. هذه المركبة الضئيلة التائهة في الأبعاد السحيقة في رحاب الكون، قد حملت على ظهرها الإنسان.. هذا العبء الأكبر الذي تنوء به منذ أن كان.. تحمل على ظهرها هذا الكائن العجيب، بكل طوفان أوهامه وأحلامه.. وكأن هناك قوّة تدفعنا إلى مستقبل بأفقٍ جديد.. قوّة تظهر لنا كم نحن صغار في هذا المعمار الكوني العجيب والغريب والمرعب.. لدرجة أننا نخاف أن نحلم أو نفكّر في آفاق الكون العميق.. لكن تبقى تلك الفسح من الطموح ما يحرّك فينا أملاً يتجمّع في لحظات قليلة محدودة، فيها سعادتنا وتعاستنا.. أولانا وآخرتنا.. فنحن في النهاية حكاية إنسان، ولد وعاش ومات.

هناك في النهاية وسط الظلام سندرك كم كانت الدنيا تافهةً، وكم كانت أحلامنا بالاستزادة منها سخيفة، وسنتمنى لو أمضينا أعمارنا كلها في عزائم الأمور وسعادة الناس.. طالما لا زال في العمر بقيّة..

فلنعتبرْ.. يا لها من رحلة.. تبدأ من ظهر الأب إلى بطن الأمّ، ومن بطن الأمّ إلى ظهر الأرض، ومن ظهر الأرض إلى بطن الأرض.. من بطن الأرض إلى يوم العرض.. وفي كل محطة ترى العجب العجاب.. وفي النهاية تحطّ الرحال.. اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة.

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون

مواد ذات صلة

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات. هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟