أنظمة العالم في الميزان

مقالات 🕔 2026/10/02 ✍️ روان شقورة
أنظمة العالم في الميزان

أ. روان شقورة

في خضمّ الصـراع التاريخي المتكرر بين السلطات من جهة، وبين الشعوب والسلطات من جهة أخرى، يتجدد سؤال جوهري ظلّ حاضرًا في الفكر السياسي: هل يعود هذا الصـراع إلى قصورٍ في النظريات التي حلّقت خارج واقع الإنسان، أم إلى واقعٍ مثقلٍ بقيودٍ تعجز عن استيعاب أحلام الفكر؟

وقبل الخوض في إشكالية “الميزان”، لا بد من التوقف عند أبرز النظريات التي شكّلت بنية الأنظمة السياسية الحديثة، حتى غدت أشبه بمسلّمات دستورية. فقد تبلورت جذورها في الفلسفات اليونانية والرومانية، ثم أعاد (مونتسكيو) صياغتها في كتابه الشهير "روح القوانين"، حيث رسّخ مبدأ فصل السلطات إلى ثلاث: تشـريعية وتنفيذية وقضائية، مع التأكيد على “الفصل المرن” الذي يضمن التعاون والتوازن بين هذه السلطات.

وقد تبنّى (النظام النيابي) هذا التصوّر، فكان البرلمان سلطة رقابية وتشـريعية في آنٍ واحد، يمارس أدواته في المساءلة والاستجواب وحجب الثقة عن الحكومة عند الانحراف أو الفساد. وفي المقابل، تمتلك السلطة التنفيذية أدوات تدخّل محدّدة في المجال التشـريعي؛ كإصدار قرارات الطوارئ، واقتراح مشاريع القوانين عبر الحكومة، إضافة إلى تصديق بعض الأحكام السيادية، بما فيها عقوبة الإعدام في بعض الأنظمة. كما تمارس السلطة القضائية دورها في الرقابة الدستورية، لتشكّل جميعها شبكة تداخل تهدف إلى تحقيق التوازن لا الانفصال.

في المقابل، يقدّم النظام الرئاسي نموذجًا مختلفًا في فهم الفصل بين السلطات، إذ يتبنى “الفصل الجامد” بينها. حيث يُنتخب الرئيس بوصفه رأس السلطة التنفيذية، ثم يعيّن حكومته وفق اعتبارات سياسية وإدارية، بينما تبقى السلطات الأخرى مستقلة نسبيًا عنه، مع استثناءات محدودة للمساءلة، كحالات الخيانة العظمى أو انتهاك الدستور عبر مجلس الشيوخ. وهو استثناء يؤكد القاعدة أكثر مما ينقضها، ويكرّس فكرة الانفصال بين السلطات لا تداخلها.

أما النظام المجلسـي، فيتجه إلى نموذج مختلف كليًا، حيث تنبع السلطتان التنفيذية والقضائية من رحم السلطة التشـريعية المنتخبة، فتتحوّل الحكومة إلى امتداد للإرادة البرلمانية، وتصبح السلطة التشـريعية مركز الثقل الحقيقي في إدارة الدولة.

وعلى اختلاف هذه النماذج، فإنها تلتقي جميعًا عند فكرة “السيادة الشعبية”، حيث يُفترض أن الشعب هو مصدر السلطات، سواء عبر انتخاب البرلمان، أو الرئيس، أو كليهما معًا.

غير أن الإشكالية التي تفرض نفسها بقوة تبقى قائمة: لماذا انفجرت الثورات في دول تتبنى هذه النماذج الديمقراطية؟ هل كانت الدساتير مجرد نصوص شكلية، أم شعارات سياسية لتجميل واقع السلطة؟ وهل تحولت الإرادة الشعبية بعد الانتخابات إلى سلطة منفصلة عن الشعب ذاته؟

وهل كان مونتسكيو -كما وصفه بعض النقاد- مفكرًا أحمقاً حالمًا، أقرب إلى المثالية منه إلى الواقعية، أم أن الخلل لم يكن في النظرية، بل في التطبيق؟

وأخيرًا، يبقى السؤال مفتوحًا: إذا كانت السلطة تستمدّ شرعيتها من الشعب، فكيف تنقلب أحيانًا إلى عبءٍ على الشعب نفسه؟.

* كاتبة و أديبة فلسطينية

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون

مواد ذات صلة

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات. هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟