أنظمة العالم في الميزان
أ. روان شقورة
في خضمّ الصـراع التاريخي المتكرر بين السلطات من جهة، وبين الشعوب والسلطات من جهة أخرى، يتجدد سؤال جوهري ظلّ حاضرًا في الفكر السياسي: هل يعود هذا الصـراع إلى قصورٍ في النظريات التي حلّقت خارج واقع الإنسان، أم إلى واقعٍ مثقلٍ بقيودٍ تعجز عن استيعاب أحلام الفكر؟
وقبل الخوض في إشكالية “الميزان”، لا بد من التوقف عند أبرز النظريات التي شكّلت بنية الأنظمة السياسية الحديثة، حتى غدت أشبه بمسلّمات دستورية. فقد تبلورت جذورها في الفلسفات اليونانية والرومانية، ثم أعاد (مونتسكيو) صياغتها في كتابه الشهير "روح القوانين"، حيث رسّخ مبدأ فصل السلطات إلى ثلاث: تشـريعية وتنفيذية وقضائية، مع التأكيد على “الفصل المرن” الذي يضمن التعاون والتوازن بين هذه السلطات.
وقد تبنّى (النظام النيابي) هذا التصوّر، فكان البرلمان سلطة رقابية وتشـريعية في آنٍ واحد، يمارس أدواته في المساءلة والاستجواب وحجب الثقة عن الحكومة عند الانحراف أو الفساد. وفي المقابل، تمتلك السلطة التنفيذية أدوات تدخّل محدّدة في المجال التشـريعي؛ كإصدار قرارات الطوارئ، واقتراح مشاريع القوانين عبر الحكومة، إضافة إلى تصديق بعض الأحكام السيادية، بما فيها عقوبة الإعدام في بعض الأنظمة. كما تمارس السلطة القضائية دورها في الرقابة الدستورية، لتشكّل جميعها شبكة تداخل تهدف إلى تحقيق التوازن لا الانفصال.
في المقابل، يقدّم النظام الرئاسي نموذجًا مختلفًا في فهم الفصل بين السلطات، إذ يتبنى “الفصل الجامد” بينها. حيث يُنتخب الرئيس بوصفه رأس السلطة التنفيذية، ثم يعيّن حكومته وفق اعتبارات سياسية وإدارية، بينما تبقى السلطات الأخرى مستقلة نسبيًا عنه، مع استثناءات محدودة للمساءلة، كحالات الخيانة العظمى أو انتهاك الدستور عبر مجلس الشيوخ. وهو استثناء يؤكد القاعدة أكثر مما ينقضها، ويكرّس فكرة الانفصال بين السلطات لا تداخلها.
أما النظام المجلسـي، فيتجه إلى نموذج مختلف كليًا، حيث تنبع السلطتان التنفيذية والقضائية من رحم السلطة التشـريعية المنتخبة، فتتحوّل الحكومة إلى امتداد للإرادة البرلمانية، وتصبح السلطة التشـريعية مركز الثقل الحقيقي في إدارة الدولة.
وعلى اختلاف هذه النماذج، فإنها تلتقي جميعًا عند فكرة “السيادة الشعبية”، حيث يُفترض أن الشعب هو مصدر السلطات، سواء عبر انتخاب البرلمان، أو الرئيس، أو كليهما معًا.
غير أن الإشكالية التي تفرض نفسها بقوة تبقى قائمة: لماذا انفجرت الثورات في دول تتبنى هذه النماذج الديمقراطية؟ هل كانت الدساتير مجرد نصوص شكلية، أم شعارات سياسية لتجميل واقع السلطة؟ وهل تحولت الإرادة الشعبية بعد الانتخابات إلى سلطة منفصلة عن الشعب ذاته؟
وهل كان مونتسكيو -كما وصفه بعض النقاد- مفكرًا أحمقاً حالمًا، أقرب إلى المثالية منه إلى الواقعية، أم أن الخلل لم يكن في النظرية، بل في التطبيق؟
وأخيرًا، يبقى السؤال مفتوحًا: إذا كانت السلطة تستمدّ شرعيتها من الشعب، فكيف تنقلب أحيانًا إلى عبءٍ على الشعب نفسه؟.
* كاتبة و أديبة فلسطينية
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون