مرافئ/ نحت الآخر على صورة الأنا!
د. يحيى عمر ريشاوي
يميل الطبع الإنساني إلى الاختلاط بالآخرين والعيش معهم؛ فالأصل في الحياة البشرية المشاركة الاجتماعية لا العزلة، التعايش لا التباعد. فالإنسان - بعبارة علم الاجتماع - كائن اجتماعي بطبعه، منذ أن خلق الله الإنسان، وإلى أن يشاء الله أن يبقى على وجه هذه البسيطة إنسانٌ يتحرك وكائنٌ يتنفس! وتدوم هذه العلاقة وتتعمّق حين يتقبّل أحدنا الآخر باختلاف طباعه ومزاجه، وباختلاف رؤاه وتصوراته.
لكن هذه القاعدة الاجتماعية تنحرف عن مسارها الطبيعي حين يحاول أحدنا - عن حسن نيّة أحياناً - تغيير طباع شخص آخر وسلوكه، حين أحاول (أنا) أن أجعل (الآخر) نسخةً طبق الأصل منّي؛ يشتهي ما آكل، ويلبس ما أرغب، ويفكّر بالطريقة التي أفكّر بها! وبالطبع، فإن الآخر - بطبعه الإنساني - قد تكون لديه الرغبة نفسها في أن يجعل منّي «هو»، وأن أكون في قرارة نفسه نسخةً منه في كل شيء، لا «أنا» كما أنا، بمزاجي وطباعي ورغباتي.
ولعلّ هذه الطبيعة البشرية تنبع من اعتقاد الإنسان الدائم بأن طريقته في الحياة هي الأفضل، وقد تنبع أيضاً من نزعة حبّ السيطرة الراسخة في النفس البشرية، أو ربما تكون نابعةً من حبّنا وحرصنا على الآخرين. باختصار، قد تكون نابعة من أننا نرى «الآخر» امتداداً لنا، لا شخصيةً مستقلّةً لها خصوصيتها واختلافها.
وتتجسّد هذه الإشكالية الاجتماعية بوضوح في العلاقات الزوجية، حين يحاول الزوج (مثلاً) أن يجعل من الزوجة نسخةً طبق الأصل منه، أو حين تحاول الأمّ أن تجعل من ابنتها نسخةً طبق الأصل منها، أو حين يحاول مدير مؤسسةٍ أن يجعل من موظفيه نسخاً مكرّرة منه، أو حين يحاول صديق أن يجعل من أصدقائه صورةً مطابقة له، وهكذا.
عندها تصطدم هذه المحاولات المتكرّرة، باختلاف الطباع والبيئات الاجتماعية، واختلاف الرؤى والتصورّات للأمور. وحينها قد تنقلب أجواء المحبّة والمودّة والتعايش إلى أجواء من الحساسية الزائدة، وعدم تقبّل الآخر، وصولاً إلى عدم الرغبة في رؤية الآخر أو حتى العيش معه.
ما قلناه لا يعني الكفّ عن نصح الآخرين، ولا السكوت عن كلّ شيء، فـ«الدين النصيحة»، و«المؤمن مرآة المؤمن»، والاهتمام بأمور الآخرين من القيم التي تحثّ عليها الشريعة والحياة الاجتماعية السليمة.
لكن الإشكالية تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين تغيير سلوك الآخر حين يكون التغيير مطلوباً، وبين الإصرار على جعله (أنت) لا (هو)؛ بين أن أنصحه ليكون أفضل، وبين أن أريده أن يكون مثلي؛ بين أن أساعده على تجاوز أخطائه، وبين أن ألغي شخصيته وخصوصيته.
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون