وحدة النص القرآني وتعدد المعاني والدلالات .. دراسة في الأثر العقدي للقراءات العشر
محمد عزيز لوتري
تمهيد تاريخي لعلوم القرآن:
نزل القرآن منجّماً على النبي (صلى الله عليه وسلم)، تثبيتاً له، وعلى سبعة أحرف تيسيراً لأمّته، ونزل على قومٍ أناجيلهم في صدورهم، وفي زمن كانت الإنسانية تائهة في الظلمات، لا تعرف دستوراً يعمّ كل شؤون حياتها، ويخبرها عمّا يفعل بها بعد مماتها؛ فهو أفضل منّة من الله بعد الإيجاد على الإنسان، وهو حبل الصعود إلى جنّة الخلد التي طُرد الإنسان منها بسبب المعصية.
توطئة تاريخية:
الفرق بين جمع المصحف في عهد أبي بكر، وجمعه في عهد عثمان:
نزلت خاتمة الرسالات ومعها ضمانٌ إلهي بأن يعود الأمر إليه سبحانه، على عكس الرِّسالات السّابقة. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. وتحقيقاً لهذا الوعد؛ فقد نزل القرآن منجّماً في اثنتين وعشـرين سنة، جنباً إلى جنب مع بناء الدولة المثالية في المدينة. قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106].
قال القسطلاني (ت: 923هـ) في (لطائف الإشارات): «وفي إنزال القرآن الكريم منجّماً وجوهٌ من الحكمة؛ منها: تسهيل حفظه وتكرير لفظه؛ لأنه لو نزل جملة واحدة على أمّة أمّية لا يقرأ غالبها ولا يكتب، لشقّ عليهم حفظه وثقل لفظه، كما يقول تعالى جواباً للكفار: ﴿كَذَٰلِكَ﴾ [الفرقان: 32] - أي أنزلناه مفرّقاً - ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾؛ أي سنقوّي بتفريقه فؤادك حتّى تعيه وتحفظه؛ لأنّ المتلقّن إنّما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً فشيئاً، ولو أُلقي إليه جملة واحدة لعجز عن حفظه»(1).
ولهذا نجد أن الصحابة «تلقّوه من النبي (صلى الله عليه وسلم) حرفاً حرفاً، ولم يهملوا منه حركة ولا سكوناً ولا إثباتاً ولا حذفاً، ولا دخل عليهم شكّ في شيء منه ولا وهم»(2). وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) من أجل توثيقه: (من كتب عني شيئاً سوى القرآن، فليمحه) [رواه مسلم]. ولكنهم ما جمعوه في شيء واحد، لما كانوا يترقّبونه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضـى نزوله بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)؛ ألهم الله الخلفاء الراشدين بذلك، وفاءً بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمّة(3).
وكتابة القرآن بدأت في مرحلة مبكّرة بمكة؛ فهذا عمر - رضي الله عنه - يقرأ (سورة طه) مكتوبة، وتكون سبباً في هدايته. ومع هذه الدقّة في الكتابة كان الصحابة يتنافسون فيما بينهم لحفظه، فقد روى البخاري قوله (صلى الله عليه وسلم): (خذوا القرآن من أربعة: ابن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبيّ)(4). قال الكرماني (ت: 786هـ) في شرحه: «إعلامٌ بأنهم ينفردون بحفظ القرآن، ويطول عمرهم». وقال الذهبي (ت: 748هـ): «وأمّا من جمعه ولم يصل إلينا فكثير، وهؤلاء قرّاء بئر معونة، وعددهم سبعون صحابياً»(5).
وفي عهد أبي بكر - رضي الله عنه - استشار عمرُ أبا بكر بعد معركة اليمامة بجمع القرآن في مصحف واحد خشية ضياع شيء منه، ومع أنهم أيقنوا بأن وعد الله بحفظه حقّ، لكنهم رأوا وجوبية الشـروع في أسبابه، وكلّف أبو بكر زيدَ بن ثابت بذلك(6)؛ «لأنه شابٌ أقدر على العمل، ولشبابه أقلّ تعصّباً لرأيه، وذلك يدعوه إلى الاستماع لكبار الصحابة»(7).
وقال الجاحظ (ت: 255هـ): «رأوا أن قراءة زيد أحقّ بذلك؛ إذ كانت آخر العرضة، ولأن الجمع الذين سمعوا آخر العرضة أكثر ممّن سمع أوّله، فحملوا الناس على قراءة زيد دون أُبيّ وعبد الله، وإنْ كان الكلّ حقّاً؛ إذ كان رُبَّ حقٍّ في بعض الزمان أقطع للقيل والقال، وأجدر أن يُميت الخلاف ويحسم الطمع، فتركوا حقّاً إلى حقٍ العملُ به أحقّ»(8).
وقال أبو بكر لعمر وزيد - رضي الله عنهم -: «اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه»(9).
والتقى المكتوب بالمحفوظ، لأنه لا قيمة لأحدهما من دون الآخر، وقال ابن حجر (ت: 852هـ): «المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة». ولا شكّ أنها خطة علمية دقيقة لم يصل إلى دقّتها منهج علمي حتى تاريخنا المعاصر(10).
ومصحف أبي بكر لم يشتمل على جميع الأحرف السبعة، وإن كان فيه شيء لم يُكتب بحرف قريش؛ لأن عثمان - رضي الله عنه - أثناء الجمع الثاني للقرآن قال لزيد والقرشيين الثلاثة: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم»(11).
ولهذا تنازل زيد لأصحابه الثلاثة في لفظ ﴿التَّابُوتِ﴾ [البقرة: 248]، وكان بلغته: (التابوه). وهذا يدلّ على أن في مصحف أبي بكر شيئاً لم يُكتب بحرف قريش، ولكنه لم يشتمل على كلّ الأحرف السبعة؛ لأن [صيحة] لم تُكتب (زقية)، و[أقوم] لم تُكتب (أصوب).
أمّا في الإمالة، والإشمام، والترقيق، والتفخيم، وتغيير الحركات، وتغيير الكلمات بالنقط، مثل: ﴿تَبْلُو﴾، ﴿تَتْلُو﴾، و﴿تَبَيَّنُوا﴾، ﴿تَثَبَّتُوا﴾؛ فإن مصحف أبي بكر كان فيه مثل مصحف عثمان؛ مجرّداً عن النقط والتشكيل الإعرابي، وصاحبُ كلّ حرف يقرأ حسب ما أخذه من النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمصحف يحتمل هذه الأشياء تقديراً. ورسالة عثمان إلى حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - جاء فيها: «نستنسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك»(12). والنسخ معناه واضح.
وعدم اشتمال مصحف أبي بكر على الأحرف السبعة منطقي لسببين:
1- أنّ الصحابة في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكتبوا القرآن بسبعة أحرف، بل كتبوه بلغة قريش - أفصح اللغات، أمّا الأحرف، فرخصةٌ في القراءة لا في الكتابة، وهذا لا يدلّ على حرمة كتابتها، بل - كما نجد فيما بعد في عصـر التدوين - كتبت القراءات التي هي جزء من الأحرف السبعة، لكنها لم تشمل جميع القراءات، فبقي الإمالة، والتفخيم، والترقيق، والإشمام، والإدغام، وما هو رخصة في الأحرف - للتيسير على قبائل العرب - لم يكتب بل نُقل حفظاً، وبعضها اندثر. وأمّا الأحرف التي يتنوّع بها المعنى، ويؤخذ منها حكمان متنوّعان، فهذه بقاؤها واجب، مثل: ﴿أُحْصِنَّ﴾ و﴿أَحْصَنَّ﴾ [النساء: 24]، و﴿لَامَسْتُمُ﴾ و﴿لَمَسْتُمُ﴾ [النساء: 43]، و﴿تَثَبَّتُوا﴾ و﴿تَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94]؛ لأن معرفة هذه الأحكام منوط ببقائها، وكل هذا يحتمله مصحف أبي بكر وعثمان؛ لأنّهما متجرّدان عن النقط والإعراب.
2- أن زيداً هو الذي ترّأس كلا الجمعين، وكلاهما في حجم واحد، ولو كان مصحف أبي بكر على الأحرف السبعة، لكان أضعاف مصحف عثمان(13).
لكن الفرق بين مصحف أبي بكر ومصحف عثمان؛ أن الأحرف والقراءات المختلفة لم تسبّب في زمن أبي بكر إثارةً للفتنة والمراء فيها، ولذا لم يأمر بتوحيد المصحف، وإحراق المصاحف الأخرى، كما أمر عثمان. لأنّه بسبب تعدّد المصاحف إلى جانب مصحف أبي بكر، وانتشار القراءات في الأمصار؛ تعدّدت الوجوه، وأُثير الجدل، واحتدم النزاع، واتّسعت الفروق بين القراءات، وأطلّت الفتنة برأسها على كتاب هذه الأمّة، فهيّأ الله الخليفة الورع - عثمان - ليقضـي على فتنة تحاول أن تمسّ القرآن(14).
والراجح أن مصاحف عثمان خمسة:
مصحف الإمام، ومصحف مكة، ومصحف الكوفة، ومصحف البصـرة، ومصحف الشام. ويُنقل في "المعجم" أن هناك (13) اختلافاً بين مصحف الإمام والمصحف العراقي (البصـري والكوفي)، و(38) اختلافاً بين مصحف الشام والعراق، و(6) اختلافات بين مصحف الكوفة والبصـرة، ولم ننقلها خوف الإطالة(15).
«وهذه الأحرف التي اختلفت فيها المصاحف كلّها صحيحة المعنى، لا مطعن للطاعن فيها، والدليل على أنها كتبت على الصحة والإتقان والقصد والإيثار لحفظ القراءتين على المسلمين؛ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قرأهما كلتيهما في وقتين من الأوقات المختلفة، وأن الذي وقع من النقص والزيادة لم يكن عن سهو ناقلٍ ولا إسقاطِ ناسخٍ غافلٍ»(16).
وأمّا الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها -كما روي عن (21) صحابياً تواتراً، تيسيراً على الأمّة(17)؛ فإنّ القراءة على الأحرف لم تكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة، ويدلّ له قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسـَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمّل: 20]. وأن «الذي جُمع في المصحف هو المتّفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم)»(18).
أشهر التوجيهات لحديث الأحرف السبعة:
هناك أكثر من (40) رأياً لتوجيه أحاديث الأحرف السبعة، ولكن الّذين لهم دليل هم أصحاب هذه الآراء:
ا - أن الأحرف السبعة سبعة أوجه من اللغات والقراءات، وعليه ابن أبي حاتم (ت: 327هـ)، ويقول: هي لغات سبع من قبائل العرب، ومثّل للأحرف السبعة بـ:
إبدال لفظ بلفظ، مثل: (سكين: مُدية).
تغيّر المبنى، مثل: ﴿ظَالِمُونَ﴾: ﴿ظَالِمِينَ﴾.
إبدال حرف بحرف، مثل: ﴿نُنشِرُهَا﴾: ﴿نُنشِزُهَا﴾.
الحذف، مثل: ﴿تَكُن﴾: ﴿تَكُ﴾، ﴿لَمْ تَكُن﴾: ﴿لَمْ تَكُ﴾.
اختلاف الحركات، مثل: ﴿نَعَمْ﴾، ﴿نَعِمَ﴾(19).
التفخيم، والترقيق، وما شابه ذلك.
ب- ويوجّه ابن قتيبة (ت: 276هـ) بأنها سبعة بطون من قريش، لا سبع قبائل من العرب، ويستدلّ بقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، وقول عثمان: «إنما نزل بلسانهم». قال ابن حجر (ت: 852هـ): «قرآنٌ نزل بلغة قريش، ثم أُبيح للعرب أن تقرأه بلغاتهم الّتي جرت عادتهم باستعمالها، على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولكن لا بالتشهّي، بَلْ بالسّماع من النبي (صلى الله عليه وسلم)»(20).
ويقول أبو شامة (ت: 665هـ): «نزل بلغة قريش، ثمّ أبيح للعرب من غير قريش أن تقرٲه بلغاتهم، لأنّ جبريل لقي النبي (صلى الله عليه وسلم) عند أضاة بني غفار - موضع بالمدينة - فقال: (إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف)، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (أسأل الله معافاته ومغفرته، فإنّ أمّتي لا تطيق ذلك)، حتّى وصل إلى سبعة أحرف»(21).
ويظهر من سياق هذه الآراء أنّ القرآن نزل بلغة قريش، وأنّ بداية الرخصة كانت في المدينة، ولم تكن من مكّة؛ وعليه فإنّ السور التي اختلف الصحابة فيها - مثل سورتي الفرقان والأعراف - وهي مكيّة، إنّما نزلت بحرف قريش، وأثناء العرضات بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وجبريل في المدينة، طلب النبيّ (صلى الله عليه وسلم) من جبريل - لمّا رأى الحالة الماسّة من عرب غير قريش - أنْ يقرأوا القرآن على لغاتهم، أو لأنّ الحاجة الماسّة من الأحكام تطلّب تنوّع القراءات، ليدلّ كل وجه على حكم منها؛ تيسيراً على الأمّة الأمّية.
وأمّا اختلاف عمر وهشام بن حكيم - وكلاهما قرشيّ - فيُجاب عنه، بأنّ الفصحاء يتعلّمون أكثر من لغة، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) لقّنهما بوجهين. ومعلوم أنّ عمر - رضي الله عنه - لم يُنكر عليه أنّه قرأه بلغة قريش أو بغيرها، وإنّما أنكر عليه أنّه قرأ ما لم يقرأه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على عمر، ومن هنا يظهر ضعف قول ابن قتيبة (ت: 276هـ)(22).
ج- توجيه الرازي (ت: 606هـ) للحديث على أنّه:
اختلاف أوزان: مثل ﴿أَمَانَتِهِمْ﴾ و﴿أَمَانَاتِهِمْ﴾ [المؤمنون: 8].
وجوه الإعراب: مثل ﴿لَا تُضَارَّ﴾ (بالفتح والضم) [البقرة: ].
تصريف الأفعال: مثل ﴿بَاعَدَ﴾ و﴿بَاعِدْ﴾ [سبأ: 19].
الزيادة والنقص: مثل ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ و﴿وَمَا عَمِلَتْ﴾ [يس: 3].
التقديم والتأخير: مثل قراءة ابن مسعود: (وجاءت سكرة الحقّ بالموت)، بدلاً من: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19].
القلب (الإبدال): مثل ﴿نُنشرُهَا﴾ و﴿نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: 259].
اختلاف اللغات: من الإمالة والتفخيم وغيرهما. ولم يذكر المترادفات مثل "هلمّ" و"تعال"(23).
د- توجيه ابن الجزري (ت: 833هـ) للحديث على أنّه:
تغيّر الحركات دون الصورة والمعنى: مثل ﴿يَحْسَبُ﴾ و﴿يَحْسِبُ﴾.
تغيّرها مع المعنى: مثل ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ و﴿آدَمَ .. كَلِمَاتٌ﴾ [البقرة: 37].
تغيّر الحرف ومعناه لا صورته: مثل ﴿تَبْلُو﴾ و﴿تَتْلُو﴾ [يونس: 30].
تغيّر الحرف والصورة لا المعنى: مثل ﴿صِرَاطَ﴾ و﴿سِرَاطَ﴾.
تغيّر الحرف والصورة والمعنى: مثل قراءة ابن مسعود: ﴿فَامْضُوا﴾، بدلاً من ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: 9].
التقديم والتأخير: نحو (سكرة الحقّ، وسكرة الموت).
الزيادة والنقصان: مثل ﴿وَأَوْصَىٰ﴾ و﴿وَصَّىٰ﴾ [البقرة: 132].
ولم يذكر اختلاف اللّغات، مثل (صيحة واحدة، وزقية واحدة)(24).
و- وجّه بعض العلماء الحديث على أنّه: وجود هذه الخلافات اللغوية في القراءات العشـر المتواترة يبيّن صدق القول بأن هذه الاختلافات جزءٌ من الأحرف السّبعة، إنْ لم نقل إنها غالب الأحرف السّبعة.
وجّه بعض العلماء الحديث على أنّه:
أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، أو لغة من لغات العرب في المعنى الواحد، مثل: (هلمّ، وأقبل، وأسرع، وانظر، وتعال)، وهذا رأي ابن عيينة (ت: 198هـ)، وابن عبد البر (ت: 463هـ)، والطحاوي، والقرطبي (ت: 671هـ)، والزركشي (ت: 794هـ)، والسيوطي (ت: 911هـ)، والطبري (ت: 310هـ)(25).
ويُرَدُّ هذا القول بعدّة نقاط:
1- أنّ علة وجود الأحرف هي التيسير على الأمّة الأمّية، وأنّ أكثر اختلافاتهم كانت في الإمالة والإشمام والإدغام والتفخيم والترقيق، وأُبيح لهم التلفّظ بهذه الاختلافات مراعاةً لهم.
ووجود هذه الخلافات اللغوية في القراءات العشـر المتواترة يبيّن صدق القول بأن هذه الاختلافات جزءٌ من الأحرف السّبعة، إنْ لم نقل إنها غالب الأحرف السبعة(26).
2- هناك بعض القراءات يترتّب عليها اختلاف التنوّع والتغاير في التفسير، واختلاف التغاير جائز؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: 45]؛ أي بعد حين، وفي قراءة أخرى: (بعد أَمَهٍ) أي نسيان، والمعنيان صحيحان وإن اختلفا؛ لأنّ يوسف - عليه السلام - ذُكر بعد مدّة وبعد نسيان، فأنزل الله على لسان نبيّه المعنيين جميعاً في عَرْضَتين.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء: 102]، وفي قراءة: (عَلِمْتُ)؛ فقد قال موسى مرّة لفرعون: (عَلِمْتُ) أنا، ومرّة: (عَلِمْتَ) أنت يا فرعون، فأنزل الله كلا القولين في عَرْضَتين، وكذلك قوله تعالى: ﴿بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: 24]، وفي قراءة: ﴿بِضَنِينٍ﴾؛ أي: بمتّهم وببخيل، والكفّار قالوا عنه (صلى الله عليه وسلم): متّهم وبخيل [بما أوحي إليه]، فأنزل الله القراءتين على لسان نبيّه في عَرْضَتين.
ونقصد بالعرضتين ما رواه البخاري عن أبي هريرة وفاطمة - رضي الله عنهما -: «كان يُعرض على النبيّ (صلى الله عليه وسلم) القرآن كل عام مرّة، فعرض عليه مرّتين في العام الّذي قُبض فيه، وكان يعتكف في كلًّ عشـرة، فاعتكف عشـرين في العام الّذي قُبض فيه»(27). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): «كل قراءة مع قراءة كآيةٍ مع آية، كلّها حقّ، وسلف الأمّة كلّهم متّفقون على أنّ الأحرف لا يخالف بعضها بعضاً خلافَ تضادّ وتناقض، بَلْ يصدّق بعضها بعضاً»(28).
واختلافات المصاحف العثمانية أيضاً داخلة في الأحرف السّبعة، كما يوجّهه القسطلاني (ت: 923هـ) بأنّه نزل في عَرْضَتين مختلفتين. وأمّا توجيه محمّد حسنين مخلوف (ت: 1355هـ/1936م)(29) بأنّ هذه الاختلافات "حرف واحد"، فليس بجواب؛ لأنّ حرف قريش لا يقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ﴾، و﴿الَّذِينَ هُمْ عِندَ الرَّحْمَنِ﴾(30)، فهي إحدى الاختلافات بين المصحف العراقي ومصحف الإمام في (سورة الزخرف) [الآية: 19]، وإذا كانا قد نزلا في وقتين مختلفين، فهما حرفان ممّا نزل به القرآن.
3- لم يرو في جميع القرآن في كلمة واحدة سبعة مترادفات متّفقة المعنى متقاربة اللفظ يستعمل كلّ مترادف منها أحد قبائل العرب - كأنّ تقول قريش: "تعال"، وهذيل: "هلم"، وهوازن: "أقبل"... إلخ - لم يثبت مثل هذا [على الدّوام في كل الكلمات].
4- يترتّب على القول بحصـر الأحرف في المترادفات آثار سلبية؛ فنحن إذا حصـرناها في المترادفات فقط، فماذا نقول في تلك الاختلافات اللغوية، والحذف، والتقديم والتأخير، وتبديل الحركات والحروف؟ وماذا نقول لقراءات الصحابة ومصاحفهم؟ هل نقول إنّهم قالوا من عند أنفسهم دون سند؟ - سبحانك - هذا بهتان عظيم.
5- يظهر جليّاً في قوله (صلى الله عليه وسلم): (أسأل الله معافاته، وإن أمّتي لا تطيق ذلك)(31)؛ أنّ الأحرف السّبعة لم تنزل للتيسير في جانب اللغة فقط. نعم، كان التيسير في لغات قبائل العرب هو الغالب، لكنه ليس كلّ المراد، وليست القبائل وحدها هي أمّة محمّد (صلى الله عليه وسلم) المشمولة بهذه الرّحمة الميسـّرة، بَلْ تشمل غيرهم من الأمّة أيضاً؛ وذلك أنهم حين يقرؤونه يجدون معاني متغايرة بلفظ واحد، وبفصاحة واحدة، ويستنبطون من اللفظ الواحد - ذات القراءات - أحكاماً عدّة. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «هي لغات متفرّقة في القرآن، ومعانٍ في ألفاظ مختلف في السمع، متّفقة في المعنى أو مختلفة في كلاهما»(32)، و«قصـر التيسير فيما اختلفت فيه لغاتهم لا دليل عليه، بَلْ فيه التيسير على العرب الأميين في حفظ القرآن ونقله وتبليغه، ومن جملة ما يحقّق هذا: تغيّر حركات الإعراب على نحو يتبدّل به المعنى؛ فيغني ذلك عن إنزال آيات أخرى تنصّ على المعنى الجديد المراد تشـريعه للناس. ومن ثَمَّ يُحْفظ هذا الحكم الجديد بمجرّد حفظ تبدّل الحركات الإعرابية، وبهذا تسقط حجّة من قال: إن هذا يكلّف المسلمين مزيداً من الشغل في حفظ القرآن وضبطه»(33)؛ لأنّه لو نزل حكم جديد لزم إنزال آية أخرى، وهذا [التعدّد في المعنى] أقوى من ناحية الفصاحة، وأقصـر من ناحية الإيجاز والحِفظ، إذ يُعرف الحكمان بالفصاحة نفسها.
وأودّ هنا أن أشير إشارة عابرة إلى الرأي الثالث الّذي يقول: المراد بالأحرف سبع لغات من لغات العرب؛ يعني بمجموعه لا تخرج كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل... إلخ. وهذا الرأي يختلف عمّا سبقه؛ لأن معناه: سبعة أحرف متفرّقة في سور القرآن، وليس أنّها لغات مختلفة في كلمة واحدة مترادفة. وقال به ابن عطيّة، ومكي بن أبي طالب، وأبو عبيدة (ت: 210هـ)(34)، وهذا القول لا يصحّ على إطلاقه كما بيّناه، وإنْ كان أحسن ممّا سبقه.
6 - وبناءً على قولهم - بحصـر الأحرف في المترادفات - قال الطبري (ت: 310هـ)، وابن عبد البر، والقرطبي (ت: 671هـ)، والطحاوي (ت: 321هـ)، وابن حبان: «إنّ مصحف عثمان مكتوب بحرف واحد، وترك ما سواه من الأحرف»(35). وعلى قولهم هذا؛ لم يصل إلينا حرف واحد، ولا كلمة واحدة، من الأحرف السبعة [غير حرف قريش]، وهذا يعني تبدّل الرخصة إلى عزيمة (أو حرمة). ويقول منّاع القطّان - الّذي يرجّح هذا الرأي -: «والقراءات غير الأحرف السبعة؛ لأن القراءات مذاهب أئمّة، وهي باقية إجماعاً يقرأ بها الناس، ومنشؤها اختلاف في اللهجات وكيفية النطق وطرق الأداء، من تفخيم وترقيق، وإمالة وإدغام، وإظهار وإشباع، ومدّ وقصـر، وتشديد وتخفيف... إلخ، وجميعها في حرف واحد، هو حرف قريش»(36).
يظهر جلياً في كلام الكاتب (منّاع القطان) أنّ القراءاتِ السّبع منشؤها ليس النقل عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، بل منشؤها اختلاف في اللهجات، وكيفيّة النطق، وطرق الأداء... إلخ، وهذا هو نفس ما قاله المستشـرقون للطعن في القراءات والتشكيك في تواترها. بينما ذهب الرازي (ت: 606هـ)، والجُويني (ت: 478هـ)، وآخرون، إلى أن مصحف عثمان اشتمل على كلّ الأحرف السبعة، وأن الصحابة لا يتركون صواباً مُنزلاً من عند الله، وكلهم شافٍ كافٍ، والمُراء فيه كفر، فكيف بتركهم لها تماماً؟(37). أمّا الشاطبي (ت: 590هـ)، وابن تيمية (ت: 728هـ)، ومكي بن أبي طالب (ت: 437هـ)، والمهدوي (ت: 430هـ)، وابن الجزري (ت: 833هـ)، فقالوا: كُتب المصحف على "العرضة الأخيرة" بلغة قريش، مشتملاً على ما يحتمله الرسم من الأحرف السبعة(38). قال ابن الجزري: «إن المصاحف العثمانية لم تكن محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أُبيحت بها قراءة القرآن، بل أجمع الصحابة على كتابته على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي (صلى الله عليه وسلم) على جبريل؛ لأن الأحرف السبعة ليست واجبة على الأمّة، وقد جُعل إليهم الاختيار في أيّ حرف اختاروه، لذا أجمعوا على كتابته بلغة قريش التي كانت من العرضة الأخيرة، واجتماعهم معصوم من الضلالة، وجرّدوا المصاحف من النقط والشكل لتحتمل ما بقي من الأحرف السبعة غير لغة قريش». وقال أيضاً: «الّذي لا شكَّ فيه أنّ قراءة الأئمة السبعة، والعشـرة، والثلاثة عشـر، وما وراء ذلك؛ هي بعض الأحرف السّبعة، من غير يقين [أي بغير حصر]»(39).
أقول: إنّ في قوله: "ليست واجبة"، وقوله: "وقد جُعل إليهم الاختيار"، نظراً؛ لأنّ الإمام ابن الجزري نفسه لا يقول إنّ القراءات العشـر والأخذ بها ليس واجباً، وهي بعض الأحرف. ويُفْهم من قوله أنّ الّتي لها تأثير على الأحكام، من حلالٍ وحرامٍ وأحكامِ العقيدة، مضمونة بالحفظ مثل القرآن، فإذا لم يكن هناك نصّ غيرها، فإنّ الأخذ بها واجب. وقوله "الاختيار في كلّ الحروف" أيضاً ليس على إطلاقه؛ لأنّ القرآن قبلَ الهجرة نزل كلّه بلغة قريش، وبعدَ الهجرة نزل غالبه بلغة قريش، وكتّاب الوحي يكتبون بلغة قريش غالباً، وجعل عثمان - رضي الله عنه - الرجوع إلى لغة قريش في حال الاختلاف بمنزلة الرجوع إلى الله ورسوله.
خلاصة الكلام أمامنا أصلان لا ثالث لهما:
- إمّا أن نقول إنّ من الأحرف السّبعة ما ليس في لغات العرب [أي بمجرّد اللهجة]، بل انطلق منشؤها من تيسير الأحكام على الأمّة؛ إذ إنّ العرب اختلفوا في لغاتهم من الإمالة والإدغام وما شابه ذلك، ولكنّهم لم يختلفوا في مثل: (﴿سِرَاجًا﴾ و﴿سُرُجًا﴾)، و﴿قَاتَلَ﴾ و﴿قُتِلَ﴾)، ومثل هذه الكلمات كثيرة في القراءات.
- وإمّا أن نقول إنّ من القراءات العشـر ما ليس من الأحرف السّبعة، وهذا قولٌ باطل، وهو قريب من قول المستشـرقين الّذين زعموا أنّ القراءات نشأت بسبب أنّ المصاحف كانت غير منقوطة، فكُلّ إمامٍ شكّلها حسب ذوقه وأهوائه، وهذا قول مردود. ورحم الله الإمام ابن الجزري (ت: 833هـ)، إذ يقول: «لا زلتُ أستشكل هذا الحديث، وأفكّر فيه، وأمعن النظر من نيّف وثلاثين سنة، حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أنْ يكون صواباً إنْ شاء الله»(40). وتوجيه الحديث مع هذه النظرة الدقيقة لا يعدُّ الاختلافات اللغوية [المترادفات] هي كلّ الأحرف السّبعة. وأحبّ أن أستشهد بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (ما لم يُغيَّر آية رحمة بآية عذاب)(41)، وقوله: (مثل قولك: تعال، وهلمّ)(42). أمّا الاستدلال بهما على حصـر الأحرف في المترادفات، فأقول:
أوّلاً: إنّ الحديث مجرّد ضرب للمثل.
ثانياً: إنّ الاستدلال باستقراء القراءات أحسن من الفهم الحرفي لبعض الأحاديث.
ثالثاً: إذا أمعنّا النظر فيها نجد أنّه لا حجّة لهم في الاستدلال؛ لأنّ هذا "اختلاف تنوّع" يدلّ على رحمة واسعة، وهذا عين الرحمة وليس تبديلاً للرّحمة بالعذاب. ووسط هذا التنافس الشّـريف من الاجتهاد والنيّات الصادقة؛ فكلّهم مأجورون إنْ شاء الله.
الموقف من "الأحرف السّبعة" وجمع القرآن في المصادر الإمامية:
تذهب المدرسة الإمامية في رواياتها الحديثية إلى عدم القول بروايات "الأحرف السّبعة"، مستندة في ذلك إلى نصوص منسوبة للأئمة، كالإمام جعفر الصّادق، إذ يُروى عنه في كتاب (أصول الكافي) للكليني نفي تعدّد الأحرف، واعتبار أنّ القرآن نزل بحرف واحد، مرجعين سبب الاختلاف في القراءات إلى الرواة.
وفي السِّياق ذاته، تتضمّن بعض النصوص الواردة في المصادر الحديثية الكلاسيكية روايات تتعلّق بجمع القرآن؛ مثل ما يُشير إلى "مصحف الإمام علي" وما يتضمّنه من بيان لتنزيل القرآن وتأويله، فضلاً عن روايات أخرى أثارت نقاشات واسعة بين الباحثين والمحققين، كالرِّوايات الواردة حول عدد الآيات، أو الإشارات المرتبطة بـ "مصحف فاطمة"، إلى جانب مواقف نقديّة رُوِيَت تجاه بعض الأعلام كعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
موقف مرويات الكليني من "الأحرف السّبعة":
تورد المدوّنات الحديثية نصوصاً تنفي روايات تعدّد الأحرف؛ ففي أصول الكافي (باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ج 1، ص 461)، يُرْوى عن الفضيل بن يسار أنه قال: «قلت لأبي عبد الله [جعفر الصادق]: إنّ الناس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرفٍ واحد من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قِبَل الرُّواة»(43).
روايات المصحف وتأويل النصّ:
تتضمّن النصوص الواردة في المصدر نفسه روايات تتعلّق بتأويل النصّ القرآني وجمعه؛ ففي الموضع الخاص بظهور المهدي (القائم)، يورد الكليني (ج 1، ص 463)«... فإذا قام القائم [المهدي] قرأ كتاب الله على حدّه، وأخرج المصحف الّذي كتبه علي، وخرّجه إلى النّاس حين فرغ منه، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزله الله، وقد جمعته من اللوحين. قالوا: هذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً»(44).
روايات "مصحف فاطمة":
وتشير النصوص الواردة في أصول الكافي (ج 2، ص 183) إلى ما يُعْرف في الأدبيات الحديثية بـ"مصحف فاطمة"، وما تُنسب إليه في بعض الرِّوايات من خصائص وحجم مقارنة بالنصّ القرآني المدوّن(45).
الإطار العلمي والمنهجي للتعامل مع هذه النصوص:
ويُشير المتخصّصون في الدراسات العقديّة والقرآنيّة إلى أنّ هذه الرِّوايات تخضع لقراءات وتفسيرات مختلفة داخل الفكر الإمامي؛ إذ يذهب جمهور المحقّقين والمفسرين المعاصرين منهم إلى القول بصيانة القرآن الكريم وحفظه من التحريف أو الزيادة والنقصان، معتبرين أنّ مثل هذه الرِّوايات الأحاديّة لا تمثّل العقيدة المستقرّة في قطعيّة النصِّ القراني، ممّا يتطلّب دراسة أسانيدها ودَلالاتها بمنهجية نقدية وعلمية بعيدة عن التوظيف الجدلي.
خلاصة القول في توجيه حديث الأحرف السّبعة:
يمكن حصـر الأوجه الّتي يتناولها حديث الأحرف السبعة باختصار في الآتي: الأداء الصوتي: كالإظهار، والإدغام، والروم، والإشمام، والتفخيم، والترقيق، والمدّ، والقصر، والإمالة، والفتح، والتخفيف، والتسهيل، والإبدال، والنقل؛ وهذه الأوجه لها تأثير في لغات العرب. التغيّر في المبنى: كالنقص والزيادة، أو تشديد الحرف وتخفيفه، والتقديم والتأخير.
الاختلاف الإعرابي: اختلاف حركات الإعراب، سواء ما لا يتغيّر به المعنى، أو ما يتغيّر به، وكذلك اختلاف الأوزان.
إبدال الحروف: إبدال حرف بحرف آخر؛ مثل: ﴿نُنشِرُهَا﴾ و﴿نُنشِزُهَا﴾.
المترادفات: معانٍ متفقة بألفاظ مختلفة؛ مثل: (زقية، وصيحة)، وهذا النوع كان منشأً للفتنة؛ ولهذا منعها عثمان - رضي الله عنه - في مصحفه(46).
أمّا بالنسبة لمصحف عثمان وجمعه، فالقول الفصل فيه أنّه استبعد المترادفات، وأبقى الأنواع الأخرى ممّا يحتمله الرّسم تقديراً. ولو لاحظ الدّارس قول جبريل (صلى الله عليه وسلم): (اقرأ أمّتك...) في (صحيح مسلم)؛ لوجد أنه أمره بـ"القراءة"، وهي الّتي وقعت فيها الرّخصة، أمّا الكتابة فلم يكن هناك داعٍ لكتابة كلّ الأوجه، لأنّ الاعتماد كان على التلقين مشافهة. وأمر عثمان لم يكن نسخاً لتلك الرّخصة بالكامل، بَلْ كان لقطع دابر الفتنة، ولا يقال إنّ الرّخصة لم يعد يجوز الأخذ بها؛ بعد أنْ توطّد مصحف الإمام وجُعل قدوة. روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنّه قال للثائرين قبل استشهاده: (أمّا القرآن فمن عند الله، إنّما نهيتكم لأنّني خفت عليكم الاختلاف، فاقرؤوا على أيّ حرف شئتم)(47). وكذلك الحديث الّذي ذكره شيخ الإسلام يدلّ على أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ المقصد منه حفظه في القلوب، وحتّى لو لم يقم أبو بكر وعثمان - رضي الله عنهما - بالجمعين؛ لوصل إلينا القرآن سالماً، كما وصلت كل هذه الأحاديث، ولكن الخليفتين أخذا بالأسباب، فجزاهما الله خيراً.
وأخيراً، نختم هذا التمهيد بقول الإمام ابن الجزري (ت: 833هـ) في فائدة اختلاف القراءات؛ إذ يقول: «في ذلك فوائد غير الّذي ذكرنا من التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمّة: منها ما في ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وجمال الإيجاز. ومنها ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدَّلالة؛ إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوّعه لم يتطرّق إليه تضادّ ولا تناقض ولا تخالف، بَلْ كلّه يصدّق بعضه بعضاً، ويبيّن بعضه بعضاً، على نمطٍ واحِد وأسلوبٍ واحِد، وما في ذلك إلّا آية بالغة، وبرهان قاطع، على صِدْق من جاء به. ومنها سهولة حفظه وتيسير نقله على هذه الأمّة؛ إذ هو على هذه الصِّفة من البلاغة والإعجاز، فإنّ من يحفظ كلمة ذات وجهين، أسهل عليه وأقرب إلى فهمه وأوعى بقبوله من حفظه جملة من الكلام تؤدّي معاني تلك القراءات المختلفات، ولا سيّما ما كان خطّه واحِداً، فإن ذلك أسهل حفظاً وأيسـر لفظاً. ومنها إعظام أجور هذه الأمّة؛ من حيث إنّهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم في تتّبع معاني ذلك، واستنباط الأحكام من كل لفظ، واستخراج كمين أسراره وخفيّ إشاراته، وإمعانهم الكشف عن التوجيه والتحليل والترجيح والتفصيل، بقَدْر ما تبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية فهمهم»(48).
---
الهوامش
1. لطائف الإشارات للقسطلاني، ص 24.
2. النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج1 ص 6.
3. الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، ج1 ص 57.
4. مقدمة معجم القراءات في القراءات وأشهر القراء، ج1 ص 3.
5. المصدر نفسه، ج1 ص 4.
6. المصدر نفسه، ج1 ص 4.
7. الصديق أبو بكر، محمد حسنين هيكل.
8. مقدمة معجم القراءات في القراءات وأشهر القراء، ج1 ص 9.
9. الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، ج1 ص 58.
10. مقدمة معجم القراءات في القراءات وأشهر القراء، ج1 ص 12.
11. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، ص 129 [نقلاً عن البخاري].
12. مقدمة معجم القراءات في القراءات وأشهر القراء، ج1 ص 17.
13. المصدر نفسه، ص 129.
14. مقدمة معجم القراءات، ج1 ص 21.
15. المصدر نفسه، ج1 ص 48.
16. المصدر نفسه، ج1 ص 50.
17. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد [نقلاً عن مناع القطان، ص 158].
18. مقدمة معجم القراءات، ج1 ص 44 [نقلاً عن النشر لابن الجزري].
19. مقدمة معجم القراءات، ج1 ص 68.
20. الأحرف السبعة وموضع القراءات منها.
21. مقدمة معجم القراءات، ج1 ص 71.
22. مقدمة معجم القراءات، ج1 ص 70.
23. الأحرف السبعة وموضع القراءات منها، ص 19، ومباحث في علوم القرآن، ص 1.
24. النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ومباحث في علوم القرآن، ص 198.
25. مباحث في علوم القرآن، ص٢٠١-٢٠٥ .
26. مقدمة كتاب "المباني في نظم المعاني" [مجهول المؤلف، نُسب خطأً لابن قدامة]، ص 232.
27. رواه البخاري في "فضائل القرآن"، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ.
28. مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج13 ص 392.
29. محمد حسنين مخلوف، مفتي الديار المصرية، نُقل رأيه في مقدمة المعجم، ج1 ص 50-51.
30. سورة الزخرف آية 19، ومقدمة المعجم ص 48.
31. رواه مسلم، كتاب فضائل القرآن، باب نزول القرآن على سبعة أحرف، ج3 ص 266.
32. الإبانة عن معاني القراءات لمكي بن أبي طالب، ص 179.
33. الأحرف السبعة، ص 206.
34. ومباحث في علوم القرآن، ص 159.
35. الأحرف السبعة، ص 287.
36. مباحث في علوم القرآن، ص 172.
37. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج13 ص 397، والأحرف السبعة، ص 287.
38. فتح الباري لابن حجر، ج9 ص 24.
39. منجد المقرئين لابن الجزري، ص 24 وص 56.
40. الأحرف السبعة، ص 192.
41. أخرجه أحمد والطبراني بإسناد جيد، انظر: مباحث في علوم القرآن، ص 162.
42. رواه الطبري والبزار ورجاله صحيح.
43. أصول الكافي للكليني، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ج1 ص 461.
44. المصدر نفسه، ج1 ص 463.
45. المصدر نفسه، ج2 ص 183.
46. الأحرف السبعة، ص 11.
47. المصدر نفسه، ص 190.
48. انظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، ص 184. ومقدمة معجم القراءات، ج1 ص 122
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون