سنن سقوط الدول وانهيار الحضارات في فكر ابن خلدون.. دراسة في ضوء مقدمة ابن خلدون

دراسات 🕔 2026/10/02 ✍️ دحام إبراهيم الهسنياني
سنن سقوط الدول وانهيار الحضارات في فكر ابن خلدون.. دراسة في ضوء مقدمة ابن خلدون

د. دحام إبراهيم الهسنياني

يرى ابن خلدون أن انهيار الدول ليس حادثة مفاجئة في الغالب، بل نتيجة لمسارٍ اجتماعي وسياسي واقتصادي وأخلاقي يبدأ بالضعف التدريجي ثم ينتهي بالعجز عن المحافظة على الدولة. وقد بسط ذلك في المقدمة ضمن حديثه عن أطوار الدولة وأسباب فساد العمران واختلال العصبية والترف والظلم.

أبرز أسباب انهيار الدول عند ابن خلدون

ــ ضعف العصبية وانحلال مقوّمات الوحدة

العصبية عند ابن خلدون هي القوّة التي تجمع الجماعة وتدفعها إلى التناصر وحماية الدولة. فإذا ضعفت العصبية التي قامت عليها الدولة، ومال أهلها إلى الترف والراحة، بدأ الضعف يدبّ في كيانها. ويقرّر ابن خلدون أن الدولة في بدايتها تكون قوّية بعصبيّتها، ثم تضعف العصبية تدريجيًا مع تعاقب الأجيال.

ــ الترف والإسراف وبداية الانحراف عن سنن العمران

من أخطر أسباب سقوط الدول عند ابن خلدون الترف؛ لأن الترف يفسد طباع الناس، ويجعلهم يكرهون الخشونة التي كانت سببًا في قيام دولتهم، ويعتادون الدعة والرّاحة. ويقول في سياق حديثه عن أثر الترف: «الترف مفسد للخلق». فالترف عنده ليس مجرد رفاه اقتصادي، وإنما تحول اجتماعي وأخلاقي يؤدي إلى ضعف الإرادة والقدرة على الدفاع عن الدولة.

ــ الاستبداد بالحكم وإقصاء أهل العصبية ومراكز القوة

في المرحلة الأولى يكون السلطان محتاجًا إلى أهل العصبية الذين أقاموا الدولة معه، ثم يميل مع مرور الزمن إلى الانفراد بالسلطة وإبعاد شركائه. ويذكر ابن خلدون أن صاحب الدولة يسعى إلى الاستبداد بالمجد، فيستبعد أهل عصبيته ويستعين بالموالي والمرتزقة، وبذلك تتفكك القوة الاجتماعية التي قامت عليها الدولة.

ــ الظلم بوصفه إيذانًا بخراب الدولة وانهيار عمرانها

الظلم عند ابن خلدون من أعظم أسباب خراب العمران والدول؛ لأنه يؤدي إلى إفساد النشاط الاقتصادي وإضعاف الثقة بين الحاكم والمحكوم. ومن أشهر عباراته: «الظلم مؤذن بخراب العمران». فالظلم لا يضـرّ المظلوم وحده، وإنما يضـر بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كلها.

ــ الإفراط في الجباية والضرائب وأثره في إضعاف الاقتصاد والعمران

يرى ابن خلدون أن الضـرائب إذا تجاوزت الحد المعقول أدت إلى انكماش النشاط الاقتصادي؛ لأن الناس يفقدون الحافز إلى العمل والكسب عندما يستولي الحاكم على جانب كبير من ثمار أعمالهم. ولذلك قرر قاعدته الاقتصادية الشهيرة بأن قلة الضـرائب في البداية قد تؤدي إلى كثرة الإيرادات، بينما كثرة الضـرائب تؤدي في النهاية إلى ضعف الجباية.

فيكون فساد الاقتصاد وتعطل الإنتاج، فالدولة لا تستطيع الاستمرار إذا ضعفت مواردها الاقتصادية. وعندما يؤدي الظلم والضـرائب المفرطة إلى انكماش التجارة والزراعة والصناعة، تتراجع موارد الدولة، بينما تبقى نفقاتها في ازدياد.

وهنا تبدأ الحلقة الخطرة: ضرائب أكثر ← نشاط اقتصادي أقل ← موارد أقل ← ضرائب أشد ← مزيد من الانكماش.

ــ الإسراف في الإنفاق الحكومي

الدولة في مرحلة القوّة تكون نفقاتها محدودة نسبيًا، ثم تتّسع مع الترف وكثرة الحاشية والجند والقصور والمظاهر السلطانيّة. ومع مرور الزمن تُصبح الدولة بحاجة إلى موارد أكبر لتغطية نفقاتها، فتزيد الجباية، فيضعف الاقتصاد.

ــ الاعتماد على المرتزقة بدل القوة الاجتماعية

عندما تضعف العصبية، يلجأ السلطان إلى شراء الوَلاء بالقوّة والمال، ويعتمد على الجند والموالي بدلاً من الاعتماد على الجماعة الّتي قامت عليها الدولة.. وهذا يجعل الدولة قوّية ظاهريًا وضعيفة في بنيتها الداخليّة؛ لأنّها أصبحت تعتمدُ على المال بدلاً من الانتماء والتناصر.

ــ فساد الأجيال اللاحقة

يقسّم ابن خلدون الدولة إلى أجيال وأطوار، ويلاحظُ أنّ الجيل المؤسّس يكون أشدّ تمسّكاً بالقِيَم الّتي أقامتِ الدّولة، بينما يأتي بعده جيلٌ أقلّ خشونةً وأشدّ ميلًا إلى التّرف، ثُمَّ يأتي جيل يَفقِد حتى معرفة طبيعة الحياة الّتي أنشأت الدّولة. ولذلك فإنّ الجيل الّذي يرث الدولة قد يرث ثروتها دون أن يرث أسباب قوّتها.

ــ ضعف الشجاعة والقدرة العسكرية

الدّولة الّتي تفقد قدرتها على الدِّفاع عن نفسها تُصبح عرضةً للتغلّب عليها من الخارج. ويربط ابن خلدون القوة العسكرية بالعصبية؛ فإذا ضعفت العصبية، احتاج السلطان إلى شراء الجند، ثُمّ تُصبح الدّولة عاجزة عن مواجهة قوّة جديدة تتمتّع بعصبيّةٍ أقوى.

ــ الصراع الداخلي والانقسام ومنافسة أفراد الأسرة الحاكمة على السلطة

عندما تضعف الوحدة السياسيّة والاجتماعيّة، تبدأ المنافسة بين أفراد الأسرة الحاكمة، وبين مراكز القوى، وبين القبائل والجماعات المختلفة. وهذا يجعل الدّولة تستهلك قوّتها في الصِّراع الداخلي بدلاً من البناء والدِّفاع.

وعندما يتحوّل الحكم من خدمة الدولة والمحافظة على عمرانها، إلى المحافظة على مصالح الطبقة الحاكمة وحاشيتها، تبدأ الدولة في فقدان مشـروعيتها الاجتماعية. وهنا يُصبح الحاكم محتاجًا إلى مزيد من القوّة لقمع المجتمع، وكلّما ازداد القمع احتاج إلى مزيد من المال والجند، فتزداد الأعباء على الدّولة.

أطوار الدولة عند ابن خلدون: من التأسيس والقوة إلى الهرم والانهيار

يمكن تلخيص الدورة الخلدونية في خمسة أطوار:

1. طور الظفر والتأسيس: تتغلّب العصبيّة على الدّولة القائمة، وتؤسّس دولة جديدة.

2. طور الاستبداد والانفراد بالحكم: ينفرد الحاكم بالمجد والسلطة، ويقصـي المشاركين في تأسيس الدولة.

3. طور الفراغ والدعة والترف: تستقر الدّولة، وتتراكم الثروة، ويقبل الناس على الرّاحة والترف.

4. طور القنوع والمسالمة: تضعف روح المبادرة، ويُصبح الحِفاظ على الوضع القائم هو الغاية الأساسيّة.

5. طور الإسراف والتبذير والانهيار: تتضخّم النفقات، وتضعف الموارد، وتفسد العصبية، ويُصبح سقوط الدّولة قريبًا.

وهذا ما يعبّر عنه ابن خلدون بقوله عن أطوار الدولة: «واعلم أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص».

ويمكن اختصار نظرية ابن خلدون في معادلة واحدة:

قوة العصبية ← قيام الدولة ← الاستقرار ← الترف ← ضعف العصبية ← الاستبداد ← زيادة النفقات والجباية ← فساد العمران ← العجز العسكري والسياسي ← سقوط الدولة.

ومن أعمق ما في نظرية ابن خلدون أنه لا يجعل الغزو الخارجي هو السبب الأول لانهيار الدول، بل يرى أن الدولة غالبًا تُهزم من الخارج بعد أن تكون قد ضعفت من الداخل؛ فالسقوط العسكري في كثير من الأحيان هو النتيجة الأخيرة لأزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية طويلة.

نعم، ويمكن ربط نظرية ابن خلدون بالواقع المعاصر ربطًا قويًّا، من غير إسقاطٍ آليٍّ على كل دولة، أو اختزال أزمات العالم الإسلامي في عامل واحد. فالملاحظة الخلدونية الأساسية هي أنّ استقرار الدّولة لا يقوم بالقوّة وحدها، وإنّما يحتاج إلى العدل، والثقة، والاقتصاد المنتج، والتماسك الاجتماعي، ومؤسّسات قادرة على تصحيح الأخطاء.

ابن خلدون والواقع المعاصر: حين يتحوّل ظلم الحاكم إلى أزمة دولة

إذا كان ابن خلدون قد قال قبل قرون: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، فإن هذه القاعدة تبدو ذات دلالة كبيرة في واقع الدول المعاصرة؛ فالظلم السياسي لا يبقى محصورًا في علاقة الحاكم بالمحكوم، وإنما تمتدّ آثاره إلى الاقتصاد، والتعليم، والقضاء، والإدارة، والأمن، والنسيج الاجتماعي.

فحين يشعر المواطن أن القانون لا يطبّق على الجميع، وأن النفوذ أقوى من الكفاءة، وأن القرب من السلطة أهمّ من النزاهة، وأن النقد جريمة، وأن المال العام يمكن أن يتحوّل إلى وسيلة لإرضاء أصحاب النفوذ، فإن الدولة تبدأ في فقدان أهمّ مورد من مواردها: الثقة.

وهنا تتّضح عبقرية التحليل الخلدوني؛ إذ إن الدولة قد تبدو قوّية من الخارج، تمتلك الجيش والأجهزة الأمنية والموارد المالية، ولكنّها قد تكون ضعيفة في عمقها الاجتماعي؛ لأن القوّة المادية لا تستطيع وحدها أن تصنع الوَلاء الدّائم.

1. الاستبداد يقتل روح المشاركة:

كان ابن خلدون يرى أن الحاكم حين يستبدّ بالملك، ويقصـي أهل عصبيته وشركاءه في بناء الدّولة، يبدأ في صناعة دائرة ضيّقة حول السلطة. وفي الدّولة الحديثة يمكن أن يظهر ذلك بصورة مختلفة: احتكار القرار، إضعاف المؤسسات، تهميش الكفاءات، تضييق المجال العام، وتقديم الولاء السياسي على الكفاءة الوطنية.

وعندما يشعر الناس أن لا دور لهم في صناعة مستقبل بلادهم، يتحوّل المواطن من شريك في الدولة إلى مجرد متلقٍّ لقراراتها. وهذا خطر بالغ؛ لأن الدولة المستقرّة لا تحتاج إلى أن يخافها المواطن، بل تحتاج إلى أن يثق بها ويشعر أنها دولته.

2. الظلم السياسي يتحوّل إلى أزمة اقتصادية:

هذه من أهمّ النقاط الخلدونية التي تستحقّ التأمّل اليوم. فالظلم يؤدّي إلى الخوف، والخوف يؤدّي إلى تراجع المبادرة، وتراجع المبادرة يؤدّي إلى ضعف الإنتاج والاستثمار، ثمّ تحتاج الدّولة إلى موارد أكبر، فتزيد الضـرائب أو الرسوم أو الاقتراض، فتزداد الأعباء على المجتمع.

وبذلك تتكون دائرة: الاستبداد ← ضعف الثقة ← هروب الكفاءات ورؤوس الأموال ← ضعف الإنتاج ← تراجع الإيرادات ← زيادة الأعباء ← اتّساع السخط الاجتماعي. وهذه ليست مجرد مشكلة سياسية؛ إنها أزمة في العمران نفسه بالمعنى الخلدوني.

3. هجرة العقول صورة من صور خراب العمران:

من أخطر مظاهر الأزمة المعاصرة في عدد من البلدان الإسلاميّة هجرة العلماء والأطباء والمهندسين والباحثين وأصحاب الكفاءات. والدّولة الّتي تدفع أبناءها الأكفاء إلى الخارج بسبب غياب الاستقرار، أو ضعف المؤسسات، أو انعدام تكافؤ الفرص، تخسر رأس مالها البشري.

وقد تبقى الأبنية والوزارات والجامعات قائمة، لكن العمران الحقيقي يتراجع عندما يغادر الإنسان القادر على بنائه. وهذا قريب جدًا من مفهوم ابن خلدون للعمران؛ فالعمران عنده ليس حجارة ومباني، بل نشاطٌ بشـريّ واجتماعي واقتصادي متكامل.

4. الفساد يضرب الدولة من الداخل:

الفساد الإداري والمالي صورة أخرى من صور الظلم. فإذا أصبح الوصول إلى الوظيفة مرتبطًا بالواسطة، أو أصبح العقد الحكومي مرتبطًا بالعَلاقة والنفوذ، أو أصبح المال العام وسيلة لإثراء فئة محدودة، فإنّ الدّولة تتحوّل تدريجيًا من مؤسسة لخدمة المجتمع إلى أداة لخدمة شبكة مصالح. وهنا يظهر معنى آخر من معاني كلام ابن خلدون: أن خراب العمران لا يبدأ بالضـرورة بسقوط القصـر أو العاصمة، بل قد يبدأ عندما يفقد المجتمع عدالة توزيع الفرص والثروة.

5. القوة الأمنية لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار:

قد تستطيع السلطة أن تمنع الاحتجاج لفترة، أو أن تفرض الصّمت، ولكن الصمت ليس دائمًا رضًا. وهذه نقطة مهمة في قراءة الواقع المعاصر. فالاستقرار الحقيقي يقوم على: عدالة القضاء. احترام الإنسان وكرامته. تداول المسؤولية بصورة مؤسسية. مكافحة الفساد. حماية المال العام. تكافؤ الفرص. حرية مسؤولة في إبداء الرأي. وجود مؤسسات تستطيع محاسبة المخطئ. شعور المواطن بأن مستقبله مرتبط بمستقبل وطنه. أما إذا أصبح استقرار الدولة قائمًا بصورة شبه كاملة على الخوف، فإنها قد تبدو مستقرّة، لكنها تكون هشّة أمام الأزمات الكبرى.

6. الدول الإسلامية ليست استثناءً من السنن الاجتماعية:

وهنا ينبغي التنبيه إلى مسألة مهمة: الإسلام لا يبرّر الاستبداد، كما أن الحديث عن الدول الإسلامية لا يعني أن جميعها سواء. فالقرآن جعل العدل أصلًا من أصول الحكم والعمران: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ](النحل: 90). وقال سبحانه: [وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: 8). وقال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ] (الرعد: 11).

فالسنة القرآنيّة لا تتوقف عند صلاح الحاكم وَحْده؛ وإنما تتعلّق أيضًا بصلاح المجتمع ومؤسّساته وقيمه، وقدرته على مقاومة الفساد والإصلاح.

7. أخطر ما في الاستبداد أنه يفسد المجتمع قبل أن يُسقط الدّولة:

وهذه ربما أهم نتيجة يمكن استخراجها من المقارنة بين ابن خلدون والواقع المعاصر. فالاستبداد الطويل قد ينتج:

الخوف ← النفاق الاجتماعي ← موت النقد ← ضعف الكفاءة ← انتشار الواسطة ← فساد المؤسّسات ← هجرة الكفاءات ← ضعف الاقتصاد ← زيادة الاعتماد على القمع.

وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مفرغة. فالحاكم الّذي يخاف من النقد يمنع النقد، ثمّ لا يسمع إلّا المديح، فيتصوّر أنّ الأمور بخير، بينما تكون المشكلات قد تراكمت في الداخل. ومن هنا يمكن القول: الدّولة الّتي تمنع شعبها من الكلام لا تمنع الأزمات من الوجود؛ وإنما تمنع نفسها من سماع إنذار مبكر عنها.

8. العبرة الخلدونية للواقع الإسلامي:

إنّ استحضار ابن خلدون اليوم لا ينبغي أن يكون لمجرّد القول إن «الدول تسقط»، بل للاستفادة من قانون العمران الّذي حاول اكتشافه. فالدّولة التي تريد البقاء تحتاج إلى أن تحافظ على: العدل بدل الظلم، والمؤسسات بدل الأشخاص، والكفاءة بدل المحسوبية، والشورى بدل الاستبداد، والإنتاج بدل الاستهلاك، والثقة بدل الخوف، ووحدة المجتمع بدل تفكيكه.

وهنا يلتقي الفكر الخلدوني مع الهدي الإسلامي؛ فالرسول (صلى الله عليه وسلم) حذّر من الظلم تحذيرًا بالغًا، فقال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، رواه مسلم.

فالظلم ليس فقط ذنبًا أخرويًا؛ وإنما له آثار دنيوية في حياة الأمم، وهذا هو المجال الذي يمكن أن نقرأ فيه عبارة ابن خلدون: «الظلم مؤذن بخراب العمران».

الخلاصة:

إنّ كثيرًا من أزمات العالم الإسلامي المعاصر لا يمكن تفسيرُها بالحروب الخارجيّة أو التدخلات الدولية وَحْدها، كما لا يصحّ تفسيرها بالاستبداد وَحْده؛ فهناك عوامل تاريخية واقتصادية وجيوسياسية ومؤسّسية متشابكة. لكن الاستبداد والفساد والظلم عندما تجتمع مع ضعف المؤسّسات تُصبح عوامل مضاعفة للأزمة، لأنّها تحرم الدّولة من القُدْرة على تصحيح أخطائها من الداخل.

ولهذا فإن أعظم درس يمكن أن نستخلصه من مقدمة ابن خلدون للواقع المعاصر هو: لا تسقط الدول حين يضعف سلطانها فقط، وإنما تبدأ بالسقوط حين يضعف العدل فيها، وتنهار الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويُصْبح الولاء أهم من الكفاءة، والخوف أقوى من القانون، والمصلحة الخاصّة مقدمة على المصلحة العامّة.

ومن هنا فإن إصلاح الدّولة يبدأ بإصلاح عَلاقتها بالإنسان؛ لأنّ الإنسان هو مادّة العمران، والعدل هو روحه، والمؤسسات هي حصنه، وإذا فسد هذا المثلث فلن تنفع قوّة السِّلاح وَحْدها في صناعة دولة مستقرّة ومستدامة.

المصادر:

1. ابن خلدون وآراؤه الاعتقادية: عرض ونقد، عبدالله عبدالجليل، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، 1999م.

2. أسباب انهيار الدول في مقدمة ابن خلدون، د. ليث حسن علوان، بيروت، 2005.

3. استراتيجية بناء الدولة بين فكر الإمام علي بن أبي طالب وفكر ابن خلدون (ت 808هـ): دراسة مقارنة، فاطمة عبد سعيد شلال المالكي، أطروحة دكتوراه، جامعة البصرة، كلية التربية للعلوم الإنسانية، قسم التاريخ، 2018م.

4. أسس الدولة ومقوماتها عند ابن خلدون، عائشة ناصري، رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، الجزائر، 2015م.

5. سنن قيام الحضارات وسقوطها: قديمًا وحديثًا بآراء ابن خلدون، عبد اللطيف بن محمد بن عبد العزيز الحميدان.

6. مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون، دار الكتب العلمية، بيروت.

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون

مواد ذات صلة

تحوّلات الفكر والسلطة الدينية في التشيّع الاثني عشري.. دراسة نقدية في الكتابات الاستشراقية الغربية

تحوّلات الفكر والسلطة الدينية في التشيّع الاثني عشري.. دراسة نقدية في الكتابات الاستشراقية الغربية

يُعدّ تطوّر المرجعية الشيعية من الموضوعات المهمة في دراسة التاريخ الفكري والمؤسسـي للتشيّع الإمامي الاثني عشـري، لما تمثّله من تحوّل تدريجي في مفهوم السلطة الدينية ودورها في المجتمع والدولة. وقد حظي هذا التطوّر باهتمام عدد من المستشـرقين والباحثين الغربيين الذين حاولوا تتبع نشأة سلطة العلماء الشيعة وتطوّرها، منذ عصـر غيبة الإمام الثاني عشـر، مرورًا بتبلور مكانة الفقيه وتوسّع صلاحياته، وصولًا إلى ظهور مؤسسة المرجعية والتقليد (المرجعية) بصورتها الأكثر تنظيمًا خلال القرن التاسع عشـر. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المرجعية لم تظهر دفعة واحدة بصورتها المعاصـرة، وإنما تبلورت تدريجيًا، ولا سيّما منذ أواخر القرن التاسع عشـر، لتصبح مؤسسة دينية ذات شبكات واسعة تتجاوز حدود الدولة، مستندة في جانب من استقلالها إلى الموارد المالية والشبكات العلمية والاجتماعية. وقد اختلف المستشرقون في تفسير هذا التطوّر؛ فمنهم من ركّز على العوامل الفقهية والعقدية المرتبطة بمفهوم النيابة عن الإمام الغائب،

قراءة في المنهج التجديدي والإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني

قراءة في المنهج التجديدي والإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني

تمثّل سلسلة الدراسات التي نشـرناها في مجلة (الحوار) الغرّاء قراءة فكرية منهجية في أطروحات العلامة الشهيد ناصر سبحاني التجديدية والإصلاحية. ولم يتوقّف الطرح عند حدود الترجمة والسيرة السطحية، بل تجاوزها إلى تفكيك المشـروع الفكري للأستاذ، عبر مستوياته المعرفية والعقدية والمنهجية والإصلاحية، ممّا يجعلها مدخلاً رئيساً لدراسة مدرسة سبحاني الفكرية.

النبيّ في مهاد الحزن والفرح

النبيّ في مهاد الحزن والفرح

في القراءة الشائعة لسيرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، يُرى الحزن غالبًا على هيئة سلسلة من المصائب: اليتم، والفقر، والتكذيب، والطرد، وعام الحزن، والهجرة، والحرب. لكن إذا لم ننظر إلى هذه الوقائع بوصفها حوادث متفرّقة فحسب، بل قرأناها من داخل القرآن ومنطق التربية النبويّة، انكشف نظام أعمق. ففي هذه القراءة، لا يكون الحزن ظلًا عارضاً على حياة النبيّ، بل طريقاً لصناعة القلب، وتوسيع المسؤولية، وإيصال الرحمة من الباطن إلى التاريخ.

وحدة النص القرآني وتعدد المعاني والدلالات .. دراسة في الأثر العقدي للقراءات العشر

وحدة النص القرآني وتعدد المعاني والدلالات .. دراسة في الأثر العقدي للقراءات العشر

زل القرآن منجّماً على النبي (صلى الله عليه وسلم)، تثبيتاً له، وعلى سبعة أحرف تيسيراً لأمّته، ونزل على قومٍ أناجيلهم في صدورهم، وفي زمن كانت الإنسانية تائهة في الظلمات، لا تعرف دستوراً يعمّ كل شؤون حياتها، ويخبرها عمّا يفعل بها بعد مماتها؛ فهو أفضل منّة من الله بعد الإيجاد على الإنسان، وهو حبل الصعود إلى جنّة الخلد التي طُرد الإنسان منها بسبب المعصية.