تحوّلات الفكر والسلطة الدينية في التشيّع الاثني عشري.. دراسة نقدية في الكتابات الاستشراقية الغربية
أ. د. فرست مرعي
يُعدّ تطوّر المرجعية الشيعية من الموضوعات المهمة في دراسة التاريخ الفكري والمؤسسـي للتشيّع الإمامي الاثني عشـري، لما تمثّله من تحوّل تدريجي في مفهوم السلطة الدينية ودورها في المجتمع والدولة. وقد حظي هذا التطوّر باهتمام عدد من المستشـرقين والباحثين الغربيين الذين حاولوا تتبع نشأة سلطة العلماء الشيعة وتطوّرها، منذ عصـر غيبة الإمام الثاني عشـر، مرورًا بتبلور مكانة الفقيه وتوسّع صلاحياته، وصولًا إلى ظهور مؤسسة المرجعية والتقليد (المرجعية) بصورتها الأكثر تنظيمًا خلال القرن التاسع عشـر. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المرجعية لم تظهر دفعة واحدة بصورتها المعاصـرة، وإنما تبلورت تدريجيًا، ولا سيّما منذ أواخر القرن التاسع عشـر، لتصبح مؤسسة دينية ذات شبكات واسعة تتجاوز حدود الدولة، مستندة في جانب من استقلالها إلى الموارد المالية والشبكات العلمية والاجتماعية.
وقد اختلف المستشرقون في تفسير هذا التطوّر؛ فمنهم من ركّز على العوامل الفقهية والعقدية المرتبطة بمفهوم النيابة عن الإمام الغائب، ومنهم من اهتم بالعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في صعود العلماء وتنامي نفوذهم. كما تناول بعضهم العلاقة المتغيّرة بين المرجعية والسلطة السياسية، ولا سيّما في إيران والعراق، حيث شهدت هذه العلاقة انتقالًا من التحفّظ والاستقلال النسبي إلى أشكال مختلفة من المشاركة السياسية والتأثير في المجتمع والدولة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند دراسة التحوّلات التي طرأت على المرجعية في العصر الحديث، بدءًا من النجف وكربلاء، مرورًا بإيران القاجارية والبهلوية، وصولًا إلى الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979م؛ وما نتج عنها من ظهور نموذج ولاية الفقيه في مقابل النموذج التقليدي للمرجعية النجفية.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى قراءة أبرز التفسيرات الغربية لنشأة هذه المؤسسة وتطوّرها، والكشف عن مدى تركيز هؤلاء الباحثين على دور المدارس والحوزات العلمية، ومؤسسة التقليد، والاستقلال المالي للعلماء، وشبكات العلاقات الدينية والاجتماعية، فضلًا عن علاقتها بالسلطة السياسية. كما تتيح هذه المقاربة مقارنة تصوّرات المستشرقين المختلفة بشأن طبيعة المرجعية: هل كانت مؤسسة دينية محضة، أم مؤسسة اجتماعية وسياسية تطوّرت استجابةً للظروف التاريخية؟ ولا تقتصر الدراسة على عرض هذه التصوّرات وتحليلها، بل تسعى إلى نقدها وتقويمها في ضوء المصادر الإمامية والمعطيات التاريخية، والكشف عن مواطن الاتفاق والاختلاف بينها، ومدى قدرتها على تفسير التحوّلات التي شهدتها السلطة الدينية في التشيع الاثني عشري.
وقد أظهرت دراسات معاصرة أن المرجعية تمثّل بنية متعددة المستويات، تقوم على رأس المال العلمي والتعليمي والاجتماعي، وتستند إلى شبكات محلية وعابرة للحدود؛ وهو ما يفتح المجال لإعادة النظر في بعض التفسيرات الاستشراقية التي اختزلت المرجعية في بعدها الديني، أو ربطت تشكّلها بعامل سياسي أو اجتماعي واحد.
وفيما يأتي سنستعرض أبرز الباحثين الذين أثْرَوا الدراسات الاستشراقية في هذا الميدان، وكانوا من الرواد والمؤسسين لهذا الاتجاه البحثي:
- دوايت موريس دونالدسن Dwight M. Donaldson:
يُعدّ الباحث الأمريكي (دوايت موريس دونالدسن) (1882-1976 م)، المؤسس الحقيقي للدراسات الغربية المتخصّصة في المرجعية الشيعية الإمامية، إذ لم يسبقه أيّ مستشرق أو باحث غربي إلى تقديم دراسة مستقلة تجمع بين التاريخ والعقيدة والفقه والتنظيم الديني للمؤسسة الشيعية، كما فعل في كتابه الشهير: الدين الشيعي: تاريخ الإسلام في بلاد فارس والعراق The Shi'ite Religion: A History of Islam in Persia and Irak، الصادر في لندن سنة 1933م، والذي ظلّ لعقودٍ المرجع الأساسي للباحثين الغربيين في دراسة التشيع الإمامي. ولا ترجع أهمية هذا الكتاب إلى كونه أوّل مؤلّف شامل باللغة الإنكليزية عن الشيعة فحسب، بل لأنه أوّل عمل أكاديمي حاول تفسير نشأة المرجعية الدينية وآليات عملها، وتطوّر الألقاب العلمية داخل الحوزات الشيعية، معتمداً على معايشة ميدانية طويلة في العراق وإيران، وعلى مقابلات شخصية مع علماء النجف وكربلاء، فضلاً عن استخدامه عدداً كبيراً من المصادر العربية والفارسية التي كانت مجهولة لدى معظم الباحثين الغربيين في ذلك الوقت.
ولد (دونالدسن) في الولايات المتحدة سنة 1882م، وتلقى دراسته اللاهوتية قبل أن ينضم إلى الإرسالية المشيخية الأمريكية، ثم انتقل إلى إيران في مطلع القرن العشرين، حيث عمل سنوات طويلة في مدن تبريز وأورمية وطهران، ثم زار العراق مراراً، ولا سيّما النجف وكربلاء وبغداد. وقد أتاح له عمله التبشيري الاحتكاك المباشر بالبيئة الشيعية، فكوّن شبكة واسعة من العلاقات مع رجال الدين والوجهاء والمثقفين، الأمر الذي مكّنه من الاطلاع على تفاصيل الحياة الدينية للحوزات العلمية، وهي ميزة لم تتوافر لمعظم المستشرقين الذين اعتمدوا على النصوص وحدها. ومع أن خلفيته التبشيرية لا يمكن إغفال أثرها في بعض استنتاجاته، فإن قربه من البيئة الشيعية منحه قدرة كبيرة على وصف البنية الداخلية للمرجعية، وهو ما يفسّر استمرار الاعتماد على كتابه حتى بعد ظهور دراسات أكثر حداثة.
كان أوّل ما لفت انتباه (دونالدسن) أن المؤسسة الدينية الشيعية تختلف جذرياً عن المؤسسات الدينية في المسيحية الغربية. فقد لاحظ - منذ زيارته الأولى للنجف - أن علماء الشيعة لا يخضعون لتسلسل إداري أو كنسي، ولا توجد سلطة مركزية تعيّن المرجع أو تمنحه منصبه، وإنما تتشكل الزعامة الدينية بصورة تدريجية من خلال اعتراف أهل الاختصاص بأعلمية الفقيه، ثم انتقال هذا الاعتراف إلى جمهور المقلّدين. ولهذا السبب استخدم مصطلح مرجع التقليد Marjaʿ al-Taqlid بوصفه أدقّ تعبير عن القيادة الدينية العليا عند الشيعة، معترفاً بأن هذا المصطلح لا يجد مقابلاً دقيقاً في اللغات الأوروبية، وأن ترجمته إلى Supreme Priest أو Chief Cleric ، أو غيرها من المصطلحات الكنسية، لا يؤدّي معناه الحقيقي.
ويُحسب لدونالدسن أنه كان أوّل باحث غربي يفرّق بوضوح بين ثلاثة مفاهيم، كثيراً ما خلط بينها المستشرقون قبله، وهي: المجتهد، ومرجع التقليد، وآية الله. فقد رأى أن المجتهد هو الفقيه القادر على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية، بينما يمثّل مرجع التقليد أعلى مرتبة يصل إليها المجتهد عندما يصبح موضع تقليد جمهور المؤمنين، أما لقب «آية الله» فليس منصباً مستقلاً، وإنما لقب تشريفي يطلق على كبار الفقهاء، وقد يتطابق مع المرجعية وقد لا يتطابق معها. وتُعدّ هذه الملاحظة من أدقّ ما ورد في الدراسات الغربية المبكّرة، لأنها سبقت كثيراً من الكتابات التي كانت تتعامل مع لقب «آية الله» بوصفه مرادفاً دائماً للمرجع الأعلى.
ومن المصطلحات التي أكثر (دونالدسن) من استخدامها كذلك لفظ Mujtahid، إلا أنه لم يترجمه إلى كلمة Jurist (فقيه) فقط، بل وصفه بأنه The authoritative interpreter of Divine Law، أي «المفسّـر صاحب السلطة للشـريعة الإلهية». وهذه الصياغة تكشف أنه كان ينظر إلى الاجتهاد بوصفه سلطة علمية أكثر من كونه مجرد معرفة فقهية، وهي ملاحظة تقترب كثيراً من التصوّر الذي تعرضه كتب أصول الفقه الإمامي، ولا سيّما مؤلّفات الشيخ مرتضى الأنصاري، التي جعلت الاجتهاد شـرطاً لقيادة المجتمع في عصـر الغيبة.
إلا أن (دونالدسن)، على الرغم من هذه الدقة، وقع في عدد من الملاحظات المنهجية التي تستحق النقد. فقد بدا واضحاً تأثّره بالبنية التنظيمية للكنيسة البروتستانتية، إذ حاول - في بعض المواضع - تفسير المرجعية الشيعية من خلال نموذج هرمي يشبه النظام الكنسي، فوصف المرجع بأنه أقرب إلى «رئيس الكنيسة الشيعية»، وهو وصف لا يتفق مع طبيعة المؤسسة الدينية الإمامية. فالمرجعية، بحسب المصادر الشيعية، لا تقوم على التعيين أو الانتخاب أو الوراثة، ولا تمتلك جهازاً مركزياً يمنح الرتب الدينية، وإنما تنشأ من الاعتراف العلمي بالأعلمية، وهو اعتراف قد يتغير مع تغيّر الظروف العلمية، أو وفاة المرجع، أو بروز من هو أعلم منه. ومن ثم فإن تشبيه المرجعية بالبابوية أو برئاسة الكنيسة، يعكس إسقاطاً لمفاهيم مسيحية على مؤسسة إسلامية تختلف في بنيتها ووظيفتها.
كما أن (دونالدسن) افترض أن لقب «آية الله» كان مستقراً بوصفه أعلى لقب ديني منذ أواخر القرن التاسع عشـر، بينما تكشف المصادر الحوزوية - مثل: نقباء البشـر، وأعيان الشيعة، وطبقات أعلام الشيعة - أن هذا اللقب لم يكن قد استقر بعد، وأن كثيراً من كبار فقهاء النجف كانوا يُعرفون بألقاب أخرى، مثل «الحجّة»، و«ثقة الإسلام»، و«شيخ الشريعة»، و«آخوند»، ولم يصبح لقب «آية الله» هو اللقب الغالب إلا تدريجياً خلال النصف الأول من القرن العشرين، ثم ترسّخ بصورة نهائية بعد مرجعية السيد حسين البروجردي. ومن هنا، فإن قراءة (دونالدسن) - على أهميتها - تحتاج إلى تصحيح تاريخي فيما يتعلّق بالتطوّر الزمني للألقاب الدينية.
ومع ذلك، يبقى (دونالدسن) المؤسّس الفعلي للدراسات الغربية عن المرجعية الشيعية، إذ إن معظم الباحثين الذين جاؤوا بعده، مثل: نيكي كيدي، وخوان كول، وليندا والبرج، وروبرت غليف، لم يبدأوا من فراغ، بل انطلقوا من الأسئلة التي طرحها هو لأوّل مرّة حول طبيعة المرجعية، وعلاقة الاجتهاد بالتقليد، وتطوّر الألقاب العلمية، وإن اختلفوا معه في تفسير كثير من نتائجها. ولذلك، فإن كتابه لا يمثّل مجرّد دراسة تاريخية، بل يمثّل نقطة الانطلاق التي تشكّلت منها أغلب الأدبيات الغربية اللاحقة حول المرجعية الشيعية ومؤسستها الدينية.
- نيكي روبرت كيدي Nikki R. Keddie:
وشكّلت أعمال المؤرخة الأمريكية "نيكي روبرت كيدي"(1930-2023م)، مرحلة جديدة في الدراسات الغربية الخاصة بالمؤسسة الدينية الشيعية، إذ انتقلت بالبحث من الوصف التقليدي للمرجعية إلى دراسة تطوّرها التاريخي ووظيفتها الاجتماعية والسياسية. وتُعدّ من أبرز المتخصصين في تاريخ إيران الحديث، وقد درست في (جامعة ستانفورد)، ثم عملت أستاذة في (جامعة كاليفورنيا)، وأصبحت إحدى أهم المراجع الغربية في دراسة العلاقة بين علماء الدين والسلطة السياسية، ولا سيّما في العصر القاجاري، والثورة الدستورية الإيرانية (1905–1911م)، والثورة الإسلامية سنة 1979م. وقد تميّزت أعمالها بالجمع بين التاريخ السياسي، وعلم الاجتماع الديني، وتحليل البنية المؤسسية للمرجعية، الأمر الذي منح دراساتها أهمية خاصة في فهم تطوّر القيادة الدينية الشيعية.
ولم يكن اهتمام (كيدي) منصبًّا على المرجعية بوصفها مؤسسة فقهية فحسب، بل بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية تطوّرت استجابةً للتحوّلات التي شهدها المجتمع الشيعي. ففي كتابها: الدين والتمرّد في إيران: احتجاج التبغ 1891–1892 Religion and Rebellion in Iran: The Tobacco Protest of 1891–1892 ، الذي صدر في لندن سنة1966م، ثم في مؤلّفاتها اللاحقة عن إيران الحديثة، حاولت تفسير صعود المرجعية من خلال دراسة العلاقة بين العلماء والدولة، ورأت أن المرجعية لم تتبلور بصورتها المؤسسية إلا خلال القرن التاسع عشـر، عندما اتّسعت شبكات التقليد، وازدادت الموارد المالية الناتجة عن الحقوق الشـرعية، وأصبح الفقيه يمتلك نفوذًا يتجاوز حدود المدينة أو الإقليم ليشمل مناطق واسعة من العالم الشيعي.
ومن أبرز المصطلحات التي استخدمتها (كيدي) مصطلح Religious Establishment، وترجمته الحرفية «المؤسسة الدينية»، وهو يختلف عن المصطلحات التي استعملها (دونالدسن)، إذ لم تعد تنظر إلى المرجعية باعتبارها زعامة فردية، وإنما باعتبارها مؤسسة اجتماعية متكاملة تضمّ المرجع، والحوزة العلمية، والوكلاء، وطلاب العلوم الدينية، وشبكات التمويل الشـرعي، والمقلّدين. ويُعدّ هذا التحوّل الاصطلاحي من أبرز الإضافات التي قدمتها للدراسات الغربية، لأنه نقل البحث من دراسة الشخص إلى دراسة المؤسسة.
كما استخدمت مصطلح Clerical Leadership، أي «القيادة الدينية»، للإشارة إلى الدور الذي اضطلع به كبار المجتهدين في قيادة المجتمع الشيعي، إلا أن استعمالها لكلمة Clergy (الإكليروس) أثار نقاشًا بين الباحثين؛ لأن المؤسسة الشيعية لا تعرف طبقة كهنوتية بالمعنى المسيحي، ولا يوجد فيها رسامة دينية، أو سلطة تمنح الكهنوت. ولذلك فإن ترجمة العلماء الشيعة بكلمة Clergy تُعدّ تقريبًا للمفهوم الغربي أكثر من كونها ترجمة دقيقة للمصطلح الإسلامي. وقد نبّه إلى هذه الإشكالية لاحقًا كل من (ليندا والبرج) و(روبرت غليف)، مؤكّدين أن المرجعية تختلف جوهريًا عن المؤسسات الكنسية في بنيتها ومصدر شـرعيتها.
وأكثر ما يلفت النظر في أعمال (كيدي) اهتمامها بتاريخ لقب آية الله، إذ رأت أن هذا اللقب لم يكن واسع الانتشار قبل أواخر القرن التاسع عشـر، وأن بروزه ارتبط بتزايد المكانة الاجتماعية لكبار المجتهدين في النجف وكربلاء وقم، ثم أصبح أكثر شيوعًا في النصف الأول من القرن العشـرين. كما ربطت بين انتشار اللقب وبين التحوّلات التي شهدها المجتمع الإيراني، ولا سيّما بعد الثورة الدستورية، حيث ازداد الحضور السياسي للعلماء، وأصبحت الألقاب الدينية تؤدّي وظيفة رمزية في إبراز مكانتهم داخل المجتمع.
إلا أن هذا التفسير، على الرغم من أهميته، يحتاج إلى قدر من المراجعة. فالمصادر الحوزوية لا تربط ظهور لقب «آية الله» بالعوامل السياسية وحدها، بل تؤكّد أن استعماله جاء نتيجة تطوّر علمي داخل الحوزات، وازدياد الحاجة إلى التمييز بين مراتب العلماء مع اتّساع دائرة الاجتهاد والتقليد. وتشير كتب التراجم؛ مثل: طبقات أعلام الشيعة، ونقباء البشـر، وأعيان الشيعة، إلى أن الألقاب العلمية تطوّرت تدريجيًا من «الفقيه» و«العلامة» و«ثقة الإسلام» و«الحجة» إلى «آية الله»، دون أن يكون هذا التطوّر مرتبطًا مباشرة بالأحداث السياسية، وإن كانت تلك الأحداث قد أسهمت في انتشار بعض الألقاب وإبرازها إعلاميًا.
كما استخدمت (كيدي) مصطلح Supreme Religious Authority عند الحديث عن المرجع الأعلى، وهو تعبير قريب في معناه من «السلطة الدينية العليا»، إلا أنه لا ينقل بدقة مفهوم مرجع التقليد في الفقه الإمامي، لأن المرجعية لا تقوم على السلطة الإدارية أو الولاية التنظيمية، وإنما على حقّ المكلّف في تقليد الفقيه الأعلم. ومن ثمّ، فإنّ مفهوم Authority في الفكر الغربي يحمل دلالات قانونية ومؤسسية تختلف عن مفهوم الحجيّة الذي يستعمله الفقهاء الإمامية عند الحديث عن تقليد المجتهد.
ومن الجوانب التي انفردت بها (كيدي): تأكيدها أن المرجعية ليست مؤسسة جامدة، بل نظام متطوّر يخضع للظروف الاجتماعية والاقتصادية، وأن قوّة المرجع لا تتحدد بعلمه وحده، وإنما أيضًا بامتداد شبكة وكلائه، وثقة المقلّدين به، وقدرته على إدارة الموارد المالية، ولا سيّما الخمس. وقد أثّرت هذه الرؤية في كثير من الباحثين اللاحقين، مثل (خوان ريكاردو كول)، و(ليندا والبرج)، و(أندرو نيومان)، الذين توسّعوا في دراسة البعد الاجتماعي للمؤسسة الدينية الشيعية.
وعلى الرغم من القيمة العلمية الكبيرة لأعمال كيدي، فإنها تأثّرت بمنهج التاريخ الاجتماعي الغربي الذي يفسّـر الظواهر الدينية من خلال البيئة السياسية والاقتصادية أكثر من تفسيرها من داخل البناء الفقهي والعقدي للمذهب. ولذلك، فإنها أولت اهتمامًا واسعًا لدور الدولة والأسواق وشبكات التمويل في نشأة المرجعية، بينما قلّ اهتمامها بالأسس الأصولية التي قامت عليها نظرية الاجتهاد والتقليد، والتي تُعدّ -في نظر علماء الحوزة- الأساس الحقيقي الذي منح المرجعية مشـروعيتها قبل أن تكتسب نفوذها الاجتماعي والسياسي. ومع ذلك، فإن مؤلّفاتها تمثّل مرحلة مفصلية في تطوّر الدراسات الغربية، لأنها أسهمت في نقل البحث من دراسة المرجع الفرد إلى دراسة المرجعية بوصفها مؤسسة تاريخية متكاملة، وهو الاتجاه الذي سيبلغ ذروته في أعمال (خوان ريكاردو كول)، و(ليندا س. والبرج)، و(أندرو ج. نيومان)، في العقود اللاحقة.
- خوان ريكاردو كول- Juan Ricardo I. Cole:
ومن جهته، يمثّل المؤرّخ الأمريكي (خوان ريكاردو كول)(1952 - ؟)، مرحلة جديدة في الدراسات الغربية المتعلّقة بالمرجعية الشيعية، إذ انتقل بالبحث من الوصف التاريخي العام إلى التحليل الدقيق لنشأة المؤسسة المرجعية في النجف خلال القرن التاسع عشـر، مستفيدًا من منهج التاريخ الاجتماعي والسياسي، ومن اعتماده الواسع على الوثائق العثمانية والقاجارية، فضلًا عن المصادر العربية والفارسية الأصيلة. ويُعدّ من أبرز أساتذة تاريخ الشـرق الأوسط الحديث، وقد عمل أستاذًا في (جامعة ميشيغان)، واشتهر بدراساته المتعلّقة بتاريخ العراق وإيران والشيعة الإمامية، ولا سيّما كتابه Roots of North Indian Shi'ism in Iran and Iraq، إلى جانب عدد كبير من البحوث التي تناولت المرجعية الدينية، والعلاقة بين العلماء والدولة، وتطوّر الحوزة العلمية في النجف.
تكمن أهمية (كول) في أنه لم ينظر إلى المرجعية بوصفها مؤسسة دينية ثابتة منذ عصـر الغيبة الكبرى، وإنما رأى أنها مرّت بمراحل طويلة من التطوّر حتى اكتسبت شكلها الحديث خلال القرن التاسع عشـر، عندما أصبحت النجف المركز الرئيس للاجتهاد الشيعي، وأخذ كبار المجتهدين يمارسون سلطة دينية تتجاوز الحدود الجغرافية للعراق، لتشمل إيران والهند والقوقاز وغيرها من المجتمعات الشيعية. ومن هنا عدّ المرجعية ظاهرة تاريخية متطوّرة، وليست مؤسسة مكتملة منذ بدايات الفقه الإمامي.
ومن أبرز المصطلحات التي استخدمها كول: Transnational Religious Authority، أي: «السلطة الدينية العابرة للحدود»، وهو مصطلح جديد في الدراسات الغربية، قصد به أن المرجع الديني لم يعد زعيمًا محليًا لمدينة أو إقليم، وإنما أصبح قائدًا دينيًا لمجتمعات شيعية متعددة، ترتبط به عن طريق شبكة من الوكلاء، والرسائل الفقهية، والحقوق الشـرعية، وطلاب العلوم الدينية. ويُعدّ هذا المصطلح من أدقّ المصطلحات الغربية في وصف المرجعية الحديثة، لأنه يفسـّر كيف تحوّلت (النجف) إلى مركز عالمي للقيادة الدينية دون أن تمتلك سلطة سياسية أو جهازًا إداريًا رسميًا.
كما استعمل مصطلح (High Mujtahid) للدلالة على كبار المجتهدين الذين تجاوز نفوذهم حدود الحوزة المحلية، إلا أنه ميّز بين هذا المصطلح وبين مرجع التقليد (Marjaʿ al-Taqlid)، فرأى أن كل مرجع هو مجتهد كبير، لكن ليس كل مجتهد كبير يصبح مرجعًا عامًا، لأن المرجعية تتطلّب، بالإضافة إلى التفوّق العلمي، قبولًا اجتماعيًا واسعًا، وامتدادًا لشبكة الوكلاء، وثقة جمهور المقلّدين. ويقترب هذا التحليل من المفهوم الحوزوي للأعلمية، وإن كان (كول) يضيف إليه أبعادًا اجتماعية ومؤسسية لا تظهر بالوضوح نفسه في المؤلّفات الفقهية التقليدية.
ويرى (كول) أن التحوّل الحقيقي في تاريخ المرجعية ارتبط بشخصية الشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281هـ/1864م)، الذي يعدّه المؤسس الفعلي لنظام المرجعية العامة بصورته الحديثة. ويستند في ذلك إلى أن الأنصاري كان أوّل فقيه اجتمع على تقليده الشيعة في مناطق متعددة، وأن الأموال الشـرعية أخذت تتدفق إليه من العراق وإيران والهند، وأن شبكة وكلائه أصبحت تمتد عبر مساحات جغرافية واسعة، وهو ما أدّى إلى ترسيخ مفهوم مرجع التقليد بوصفه قيادة دينية عامة. ويجد هذا الرأي تأييدًا لدى عدد من الباحثين المعاصرين، وإن كانت بعض المصادر الحوزوية تشير إلى وجود إرهاصات لهذا النظام قبل الشيخ الأنصاري، عند أعلام مثل الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد محمد مهدي بحر العلوم.
ومن الجوانب المهمة في أعمال (كول): تحليله للعلاقة بين المرجعية والأسواق التجارية في المدن الشيعية، إذ يرى أن استقلال العلماء المالي، من خلال الخمس وسائر الحقوق الشـرعية، منحهم قدرة على التحرّر من سلطة الدولة، وهو ما ساعد على ترسيخ استقلال المرجعية عن الحكومات القاجارية والعثمانية. وقد أثارت هذه الفكرة نقاشًا واسعًا، لأن بعض الباحثين رأى أنها تفسّـر المرجعية بمنظور اقتصادي أكثر من تفسيرها بمنظور فقهي، في حين يؤكد علماء الحوزة أن استقلال المرجعية المالي كان نتيجة لمشروعيتها الدينية، وليس سببًا في نشأتها.
واستخدم (كول) أيضًا مفهوم Religious Networks، أي «الشبكات الدينية»، للإشارة إلى الترابط بين الحوزات العلمية، ووكلاء المرجع، والتجار، والطلاب، والمقلّدين، مبيّنًا أن هذه الشبكات هي التي حافظت على وحدة المرجعية في العالم الشيعي. وقد أثّر هذا المفهوم بوضوح في أعمال (ليندا س. والبرج)، التي وسّعت دراسته لاحقًا، وجعلت «شبكات السلطة الدينية» محورًا رئيسًا في تفسير تطوّر المرجعية.
ومع القيمة العلمية الكبيرة لأعمال (كول)، فإن منهجه لا يخلو من ملاحظات نقدية، فهو يتبنى منهج التاريخ الاجتماعي، الذي يميل إلى تفسير الظواهر الدينية من خلال البنى الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك ركّز على دور التجّار، والوقف، والخمس، والوكلاء، في صعود المرجعية، أكثر من تركيزه على التطور الداخلي لنظرية الاجتهاد في علم أصول الفقه. كما أنه لم يولِ عناية كافية للتطوّر الاصطلاحي للألقاب العلمية داخل الحوزة، فلم يناقش بتفصيل انتقال الألقاب من «ثقة الإسلام» و«حجة الإسلام» إلى «آية الله» و«آية الله العظمى»، بل ركّز على تطوّر مؤسسة المرجعية أكثر من تطوّر ألقابها.
ومع ذلك، فإن إسهام (كول) يمثّل نقلة نوعية في الدراسات الغربية؛ لأنه أعاد المرجعية إلى سياقها التاريخي الحقيقي، وربط نشأتها بتطوّر الحوزة العلمية في النجف، وبشخصية الشيخ مرتضى الأنصاري، وبالتحوّلات التي شهدها العالم الشيعي في القرن التاسع عشـر. وقد أصبحت أفكاره نقطة انطلاق لعدد كبير من الباحثين اللاحقين، وفي مقدمتهم (ليندا س. والبرج) و(أندرو ج. نيومان) و(روبرت غليف)، الذين طوروا تحليلاته وأضافوا إليها أبعادًا فقهية واجتماعية جديدة، ممّا جعله أحد أكثر المؤرخين تأثيرًا في الدراسات الغربية المعاصرة حول المرجعية الشيعية وتطوّرها.
- عبد العزيز عبد الحسين ساشادينا Abdulaziz Abdulhussein Sachedina:
يمثّل الباحث الأمريكي من أصل تنزاني (عبد العزيز عبد الحسين ساشادينا)، مواليد (1942-؟) أحد أبرز المتخصصين في الفكر الإمامي المعاصر، ويتميز عن معظم الباحثين الغربيين في المرجعية الشيعية بأنه تلقى تكوينًا علميًا في البيئة الشيعية (= الإسماعيلية) قبل انتقاله إلى الجامعات الغربية، ممّا أتاح له الجمع بين المعرفة الحوزوية التقليدية والمناهج الأكاديمية الحديثة. ولد في (تنزانيا) لأسـرة شيعية من أصول هندية، ودرس العلوم الإسلامية في الهند وإيران، ثم حصل على الدكتوراه من (جامعة تورنتو)، وعمل أستاذًا للدراسات الإسلامية في عدد من الجامعات الأمريكية، وفي مقدمتها (جامعة فرجينيا)، حيث تخصّص في الفقه الإمامي، وعلم الكلام، والفكر السياسي الشيعي، وأصبح من أكثر الباحثين تأثيرًا في الدراسات الغربية المتعلقة بالإمامية الاثني عشرية.
وتبرز أهمية (ساشادينا) في أنه لم يتناول المرجعية الشيعية باعتبارها مؤسسة تاريخية أو اجتماعية فحسب، وإنما بوصفها امتدادًا للنظرية الإمامية في عصر الغيبة الكبرى، محاولًا تفسير الأسس الفقهية التي استند إليها الفقهاء في ممارسة سلطتهم الدينية. ومن أشهر مؤلفاته في هذا المجال كتاب The Just Ruler (al-Sultan al-Adil) in Shiʿite Islam، وكتاب Islamic Messianism، فضلًا عن عشرات الدراسات التي تناولت الاجتهاد، والتقليد، والنيابة العامة للفقهاء، والسلطة الدينية في الفكر الإمامي.
ومن أكثر المصطلحات حضورًا في كتابات (ساشادينا) مصطلح Religious Authority، أي «السلطة الدينية»، إلا أنه لم يستخدمه بالمعنى السياسي أو الإداري، وإنما للدلالة على الحجية الشرعية التي يكتسبها الفقيه نتيجة بلوغه مرتبة الاجتهاد، واعتراف المكلّفين بأعلميّته. ولذلك يختلف مفهوم Authority عنده عن الاستعمال الشائع في العلوم السياسية، إذ يربطه بمفهوم الحجيّة الذي يشكّل أحد الأسس الرئيسة في علم أصول الفقه الإمامي.
كما أكثر من استعمال مصطلح Juristic Authority، أي «السلطة الفقهية»، لتمييز المرجعية عن الإمامة. ويرى أن الإمام المعصوم يمتلك سلطة إلهية ثابتة بالنصّ، في حين أن المرجع لا يستمد سلطته من النصّ، بل من ملكته العلمية وقدرته على استنباط الأحكام الشرعية. ويُعدّ هذا التفريق من أدقّ ما قدّمه (ساشادينا)، لأنه يزيل الخلط الذي وقع فيه عدد من الباحثين الغربيين الذين تعاملوا مع المرجعية بوصفها امتدادًا مباشرًا للإمامة، بينما يؤكّد الفقه الإمامي أن المرجعية نتاج نظرية الاجتهاد والتقليد في عصر الغيبة، وليست استمرارًا للإمامة بمعناها العقدي.
ومن المصطلحات التي ركز عليها أيضًا Marja’iyyah، أي «المرجعية»، وهو من أوائل الباحثين الذين فضّلوا استعمال الكلمة العربية منقولة إلى الإنكليزية، بدلاً من ترجمتها إلى تعبيرات مثل Supreme Clergy أو Ecclesiastical Authority، إدراكًا منه لعدم وجود مقابل دقيق لهذا المفهوم في الفكر الديني الغربي. ويعكس هذا الاختيار الاصطلاحي وعيًا بأهمية المحافظة على الخصوصية المفاهيمية للمؤسسة الدينية الشيعية، وعدم إخضاعها لمصطلحات مستمدة من التجربة الكنسية المسيحية.
ويرى (ساشادينا) أن تطوّر المرجعية ارتبط بتطوّر نظرية الاجتهاد والتقليد أكثر من ارتباطه بالعوامل السياسية أو الاقتصادية. فكلما تعزّزت فكرة تقليد الأعلم في الفقه الإمامي، ازدادت الحاجة إلى وجود مرجع جامع للشرائط يرجع إليه المكلّفون في استنباط الأحكام الشرعية. ومن هنا يربط نشأة المرجعية العامة بجهود كبار الأصوليين، وفي مقدمتهم الشيخ مرتضى الأنصاري، الذي يرى أنه أسهم في ترسيخ الأساس الفقهي للاجتهاد الحديث، وإن كان (ساشادينا) لا يعدّه المؤسّس الوحيد للمرجعية، بل يراه حلقة بارزة في تطوّر طويل بدأ منذ القرون الأولى للغيبة الكبرى.
وتُعدّ معالجة (ساشادينا) لمفهوم ولاية الفقيه من أبرز إسهاماته، إذ ميّز بوضوح بين المرجعية بوصفها سلطة فقهية قائمة على التقليد، وبين الولاية بوصفها نظرية في ممارسة السلطة العامة، مبيّنًا أن الجمع بين المرجعية والولاية ليس أمرًا لازمًا في الفكر الإمامي، وإنما يمثّل أحد الاتجاهات الفقهية التي برزت بقوّة في القرن العشرين. وتساعد هذه الملاحظة على فهم الفروق بين مدارس النجف وقم، وهي قضية أغفلها عدد من الباحثين الغربيين الذين تعاملوا مع المرجعية وولاية الفقيه على أنهما مفهوم واحد.
ومع القيمة العلمية الكبيرة لأعمال ساشادينا، فإنها لا تخلو من ملاحظات نقدية. فقد تأثّر بمنهج الفلسفة السياسية الحديثة، ولذلك ركّز على الأسس النظرية للسلطة الدينية أكثر من اهتمامه بالتطوّر التاريخي للألقاب العلمية، فلم يبحث بالتفصيل في نشأة ألقاب مثل «حجّة الإسلام»، و«آية الله»، و«آية الله العظمى»، كما لم يتتبع تطوّرها في كتب التراجم والحوزات العلمية. كذلك فإن معالجته للمرجعية بقيت ذات طابع نظري، ولم تتوسّع في دراسة البنية المؤسسية للحوزة، وشبكات الوكلاء، والحقوق الشرعية، وهي الجوانب التي اهتم بها (خوان ريكاردو كول) و(ليندا س. والبرج).
ومع ذلك، يبقى ساشادينا من أكثر الباحثين الغربيين دقّة في تفسير الأساس الفقهي للمرجعية الشيعية، لأنه تناولها من داخل المنظومة الأصولية الإمامية، لا بوصفها ظاهرة اجتماعية أو سياسية فحسب. ولذلك تمثّل أعماله مكمّلًا ضروريًا لدراسات (دونالدسن) و(كيدي) و(كول)؛ فإذا كان دونالدسن قد وصف المؤسّسة المرجعية، وكيدي قد فسّـرت تطوّرها التاريخي، وكول قد درس بنيتها الاجتماعية، فإن ساشادينا قدّم تفسيرًا فقهيًا وعقديًا لأساس مشروعيتها، وهو ما يجعل كتاباته محطّة رئيسة في تطوّر الدراسات الغربية المعاصرة حول المرجعية الشيعية ومراحل تطوّر ألقابها ووظيفتها الدينية.
- ليندا س. والبرج Linda S. Walbridge:
تمثّل الباحثة الأمريكية (ليندا س. والبرج) إحدى أبرز المتخصصات المعاصرات في دراسة المرجعية الشيعية الإمامية، وقد أسهمت إسهامًا نوعيًا في نقل الدراسات الغربية من التركيز على البنية التاريخية للمؤسسة الدينية، إلى دراسة آليات عملها الداخلية، وشبكاتها العلمية والاجتماعية، وطبيعة العلاقة بين المرجع والمقلدين. عملت أستاذة للأنثروبولوجيا والدراسات الدينية في عدد من الجامعات الأمريكية، وتركّزت أبحاثها على المجتمعات الشيعية في العراق وإيران ولبنان، ويُعدّ كتابها The Most Learned of the Shi'a: The Institution of the Marja' Taqlid، الذي أشرفتْ على تحريره سنة 2001م، من أهمّ المؤلّفات الغربية التي تناولت المرجعية الشيعية بوصفها مؤسسة دينية مستقلة، إذ شارك في تأليفه نخبة من الباحثين المتخصصين في الفقه والتاريخ والعلوم الاجتماعية، وأصبح مرجعًا أساسًا لكل من يدرس المرجعية في الجامعات الغربية.
وتكمن أهمية (والبرج) في أنها لم تنظر إلى المرجعية باعتبارها مجرّد منصب ديني أو قيادة فقهية، وإنما بوصفها مؤسسة متكاملة تجمع بين العلم، والإدارة، والاقتصاد، والاتصال الاجتماعي، وترتبط بشبكات واسعة من الوكلاء والطلاب والمؤسسات الدينية والمقلدين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم الشيعي. ومن هنا جاءت معالجتها مختلفة عن أعمال (دونالدسن)، الذي ركّز على وصف المرجعية، و(كيدي)، التي اهتمت بتاريخها السياسي، و(كول)، الذي أبرز تطوّرها الاجتماعي؛ إذ سعت (والبرج) إلى الجمع بين هذه الجوانب في إطار مؤسسي واحد.
ومن أبرز المصطلحات التي اعتمدتها: مصطلح Marja'iyyah، وقد آثرت استخدام اللفظ العربي منقولًا إلى الإنجليزية بدلاً من ترجمته إلى مصطلحات غربية، إدراكًا منها لخصوصية هذا المفهوم في الفكر الإمامي، وأنه لا يقابله مصطلح دقيق في التقاليد الدينية الغربية. ويعكس هذا الاختيار تطوّرًا ملحوظًا في الدراسات الغربية، إذ اتجه الباحثون منذ أواخر القرن العشرين إلى الإبقاء على المصطلحات الإسلامية الأصلية عندما يتعذر نقلها إلى اللغات الأوروبية دون فقدان دلالاتها الفقهية.
كما أولت اهتمامًا خاصًا بمصطلح The Most Learned، وهو ترجمتها لمفهوم الأعلم، الذي يمثّل أحد أهمّ شـروط المرجعية في الفقه الإمامي. وترى أن مفهوم الأعلمية لا يقتصر على التفوّق العلمي في الفقه والأصول، وإنما يشمل أيضًا القدرة على إدارة المؤسسة المرجعية، والإجابة عن المستجدات الفقهية، والمحافظة على ثقة جمهور المقلّدين. غير أن هذا التفسير يثير ملاحظة علمية، لأن المصادر الحوزوية تجعل الأعلمية معيارًا علميًا بحتًا يقوم على التفوّق في الاستنباط الفقهي، في حين أن الكفاءة الإدارية أو الاجتماعية تُعدّ صفات مكملة، لا جزءًا من مفهوم الأعلمية نفسه.
ومن المصطلحات التي أدخلتها إلى الأدبيات الغربية كذلك Networks of Religious Authority، أي «شبكات السلطة الدينية»، وهو مفهوم استعارته من علم الاجتماع لفهم الكيفية التي تمارس بها المرجعية نفوذها خارج حدود الحوزة العلمية. وترى أن المرجع لا يعتمد على سلطته العلمية وحدها، بل على شبكة معقّدة من الوكلاء، والمكاتب، والمؤسسات الخيرية، والمدارس الدينية، والعلاقات الاجتماعية التي تربطه بالمقلّدين في مختلف البلدان. وقد أصبح هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولًا في الدراسات الغربية الحديثة عن المرجعية الشيعية.
وفي تفسيرها لتطوّر الألقاب الدينية، ترى (والبرج) أن لقب آية الله لم يكن في الأصل لقبًا رسميًا، بل وصفًا علميًا يُطلق على كبار المجتهدين، ثم أخذ يكتسب دلالة مؤسسية مع اتّساع المرجعية العامة خلال القرن العشرين. أمّا لقب آية الله العظمى، فتراه تعبيرًا عن المرجع الذي بلغ أعلى مراتب التقليد واتّسعت دائرة مقلديه. غير أن هذا التحليل يحتاج إلى شيء من التقييد؛ لأن المصادر الحوزوية لا تعدّ «آية الله العظمى» رتبة رسمية تمنحها جهة معينة، وإنما لقبًا عرفيًا شاع استعماله في القرن العشرين للإشارة إلى كبار المراجع، دون أن يكون له أساس فقهي مستقل، أو نظام قانوني داخل الحوزة.
ومن أهمّ إضافات (والبرج) تركيزها على العلاقة بين المرجعية والهوية الشيعية في العصر الحديث، إذ ترى أن المرجع لم يعد مجرّد مُفتٍ يصدر الأحكام الشرعية، بل أصبح رمزًا لوحدة المجتمع الشيعي، ومصدرًا للحفاظ على هويته الدينية والثقافية في مواجهة التحوّلات السياسية والاجتماعية. وقد انعكس هذا الفهم في دراساتها عن المرجعية في العراق ولبنان وإيران، حيث أبرزت الدور الذي تؤدّيه المرجعية في توجيه المجتمع، وحلّ النزاعات، وإدارة المؤسسات التعليمية والخيرية، وهي وظائف تتجاوز الإطار الفقهي التقليدي.
ومع ذلك، فإن منهج (والبرج) لا يخلو من ملاحظات نقدية. فقد تأثّرت - بوضوح - بالأنثروبولوجيا الاجتماعية، ولذلك أولت اهتمامًا كبيرًا بالبنية التنظيمية للمؤسسة المرجعية، وشبكاتها الاجتماعية، وآليات الاتصال بين المرجع ومقلّديه، في حين لم تتوسع في تحليل الأساس الأصولي الذي تستند إليه المرجعية، ولا سيّما نظرية الاجتهاد والتقليد كما عرضها كبار الأصوليين، مثل الشيخ مرتضى الأنصاري، والآخوند الخراساني، والسيد أبو القاسم الخوئي. كما أن استعمالها لمفهوم «شبكات السلطة» يعكس مقاربة سوسيولوجية قد تفسّـر جانبًا من عمل المرجعية، لكنها لا تستوعب جميع أبعادها الفقهية والعقدية.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن (ليندا والبرج) تُعدّ من أكثر الباحثين الغربيين عمقًا في دراسة المرجعية الشيعية المعاصرة، وقد أسهمت في تطوير المفاهيم التي وضعها (دونالدسن) و(كول)، وأضافت إليها بعدًا مؤسسيًا واجتماعيًا جعل المرجعية تُدرس بوصفها منظومة متكاملة، لا مجرد زعامة فقهية أو سلطة دينية. ولهذا أصبحت أعمالها نقطة مرجعية للباحثين الغربيين في القرن الحادي والعشرين، ولا يمكن لأي دراسة حديثة عن المرجعية الشيعية أن تتجاوز إسهاماتها، أو تغفل أثرها في تطوير مناهج البحث الخاصة بالمؤسسة الدينية الإمامية.
- أندرو ج. نيومان Andrew J. Newman:
يمثّل المؤرخ البريطاني (أندرو ج. نيومان) أحد أبرز المتخصصين في تاريخ التشيع الإمامي خلال العقود الأخيرة، ويشغل مكانة متميزة في الدراسات الغربية المتعلقة بتطوّر المؤسسة الدينية الشيعية. عمل أستاذًا للدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في (جامعة إدنبرة)، وكرّس معظم أبحاثه لدراسة التحوّلات الفكرية والفقهية التي شهدها المذهب الإمامي منذ قيام الدولة الصفوية وحتى العصر الحديث. ويعدّ كتابه: Safavid Iran Rebirth of a Persian Empire، وكتابه Twelver Shiism: Unity and Diversity in the Life of Islam, 632 to 1722، من أهم المراجع الغربية في تاريخ التشيع، لما تضمناه من تحليل عميق لتطوّر الحوزات العلمية، والسلطة الفقهية، والعلاقة بين العلماء والدولة.
وتكمن أهمية (نيومان) في أنه أعاد النظر في الفكرة الشائعة لدى بعض الباحثين الغربيين، والتي ترى أن المرجعية الشيعية ظهرت بصورة مفاجئة في القرن التاسع عشـر، إذ يؤكد أن جذور هذه المؤسسة تمتد إلى القرون السابقة، ولا سيّما العصر الصفوي، حين بدأت تتبلور طبقة علمية متخصصة في الفقه والاجتهاد، وأسهمت في بناء تقاليد علمية استمرت في التطوّر حتى ظهور المرجعية العامة في النجف. ومن ثم، فهو ينظر إلى المرجعية بوصفها نتيجة لتراكم تاريخي طويل، لا وليدة مرحلة واحدة أو شخصية بعينها.
ومن أبرز المصطلحات التي استخدمها نيومان: Religious Authority؛ أي «السلطة الدينية»، غير أنه يميّز بين السلطة العلمية التي يمارسها الفقيه داخل الحوزة، والسلطة الاجتماعية التي يكتسبها نتيجة اعتراف المجتمع بعلمه. ويرى أن المرجعية لا يمكن تفسيرها من خلال أحد البعدين دون الآخر، لأن المؤسسة المرجعية قامت على التفاعل بين التفوّق العلمي، والقبول الاجتماعي، والدعم الذي وفّرته البيئة الشيعية في العراق وإيران.
كما استعمل مصطلح Scholarly Authority؛ أي «السلطة العلمية»، للدَّلالة على المكانة التي يحتلّها كبار الفقهاء داخل الوسط العلمي قبل أن تتحوّل إلى مرجعية عامة. ويُعدّ هذا المصطلح من أدقّ المصطلحات التي استعملت في الدراسات الغربية؛ لأنه ينسجم مع المفهوم الحوزوي الذي يجعل الاجتهاد والأعلمية أساسًا لتقدم الفقيه على أقرانه، قبل أن يتسع نطاق تقليده بين المكلّفين. وبذلك يقترب نيومان من رؤية الفقهاء الإمامية أكثر ممّا فعل بعض الباحثين الذين غلبوا الجانب السياسي أو الاجتماعي.
ومن المصطلحات الأخرى التي تتكرّر في أعماله: Scholarly Networks؛ أي «الشبكات العلمية»، ويقصد بها العلاقات التي ربطت علماء النجف والحلّة وجبل عامل وأصفهان وقم عبر الرحلات العلمية، والإجازات، والمراسلات، وتبادل الطلاب. ويرى أن هذه الشبكات كانت الأساس الحقيقي الذي مهّد لظهور المرجعية العامة، لأنها أسهمت في توحيد المناهج الفقهية، وإبراز عدد محدود من الفقهاء الذين اكتسبوا شهرة واسعة في العالم الشيعي. ويتميز هذا التحليل بأنه يعيد بناء المرجعية من داخل الحياة العلمية للحوزات، لا من خلال العوامل السياسية وحدها.
ويولي نيومان أهمية خاصة للعصـر الصفوي، ويرى أن الاعتراف الرسمي بالمذهب الإمامي في إيران أدى إلى ازدهار الحركة العلمية، وانتقال عدد كبير من علماء جبل عامل والبحرين والعراق إلى إيران، وهو ما أسهم في تطوّر الاجتهاد، وترسيخ مكانة الفقيه داخل المجتمع الشيعي. إلا أنه يؤكد في الوقت نفسه أن المرجعية العامة لم تكتمل في العصر الصفوي، لأن السلطة السياسية بقيت تمارس دورًا مؤثّرًا في الحياة الدينية، ولم يتحقق الاستقلال الكامل للمؤسسة الفقهية إلا بعد انتقال مركز الثقل العلمي إلى النجف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وعند تناوله لتطوّر الألقاب العلمية، يلاحظ نيومان أن الألقاب مثل «ثقة الإسلام»، و«حجة الإسلام»، و«آية الله» لم تظهر دفعة واحدة، وإنما تطوّرت تدريجيًا مع تطوّر المؤسسة العلمية نفسها. ويرفض النظر إليها بوصفها رتبًا كنسية، مؤكّدًا أنها تعبيرات عرفية نشأت داخل الوسط العلمي، واكتسبت دلالاتها من المكانة العلمية لأصحابها، لا من وجود سلطة تمنحها رسميًا. وهذه النتيجة تتفق إلى حد كبير مع ما تقرّره كتب التراجم الحوزوية، التي تظهر اختلاف استعمال الألقاب من عصر إلى آخر، ومن بيئة علمية إلى أخرى.
ومع ما تتميز به أعمال نيومان من عمق تاريخي، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فهو يركز بدرجة كبيرة على التجربة الصفوية، حتى يكاد يجعلها الأساس الرئيس لفهم تطوّر المرجعية، في حين أن بعض المصادر الإمامية تؤكّد أن كثيرًا من الأسس الفقهية للاجتهاد والتقليد قد تبلورت قبل ذلك بقرون، على يد علماء مثل الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، ثم تطوّرت لاحقًا في المدرسة الأصولية. كما أن اهتمامه بالبنية التاريخية للمؤسسة جاء أوسع من اهتمامه بالتحليل الأصولي للمفاهيم الفقهية، ولذلك بقيت دراسته أقرب إلى التاريخ الفكري منها إلى الفقه المقارن.
ومع ذلك، فإن أندرو نيومان يمثل حلقة مهمة في تطوّر الدراسات الغربية حول المرجعية الشيعية، لأنه ربط بين تاريخ الحوزة العلمية، وتطوّر الاجتهاد، ونشوء السلطة الفقهية، وأظهر أن المرجعية الحديثة لم تكن قطيعة مع الماضي، بل كانت ثمرة مسار علمي امتد عدة قرون. ولهذا تُعدّ أعماله مكمّلة لدراسات (خوان ريكاردو كول) و(ليندا س. والبرج)، إذ نقل البحث من دراسة المرجعية بوصفها مؤسسة قائمة، إلى دراسة جذورها التاريخية والفكرية، وأسهم في تصحيح كثير من التصوّرات التي حصرت نشأة المرجعية في القرن التاسع عشر وحده.
- روبرت غليف Robert Gleave:
يُعدّ الباحث البريطاني (روبرت غليف)( 1964- ؟) من أبرز المتخصصين الغربيين في الفقه الإمامي وأصوله، وقد أسهم إسهامًا بارزًا في إعادة قراءة المؤسسة الدينية الشيعية من خلال دراسة تطوّر نظرية الاجتهاد والسلطة الفقهية، بعيدًا عن التفسيرات السياسية أو السوسيولوجية التي غلبت على كثير من الدراسات الغربية السابقة. شغل (غليف) مناصب أكاديمية في عدد من الجامعات البريطانية، أبرزها (جامعة إكستر)، كما تولّى إدارة مركز دراسات الإسلام والشرق الأوسط، وأشرف على العديد من المشاريع العلمية المتعلقة بالمخطوطات الإمامية، وتاريخ الفقه الشيعي، والعلاقات بين المدارس الفقهية الإسلامية. ومن أهم مؤلفاته: الإسلام النصّي: تاريخ ومذاهب المدرسة الشيعية الأخبارية. Scripturalist Islam: The History and Doctrines of the Akhbārī Shīʿī School، و الدين والمجتمع في إيران القاجارية Religion and Society in Qajar Iran (بالاشتراك مع آخرين) ، إلى جانب عشرات البحوث المحكمة في الفقه والأصول الشيعية.
وتنبع أهمية (غليف) من أنه أعاد توجيه البحث الغربي نحو دراسة الأسس الفقهية التي قامت عليها المرجعية، مبيّنًا أن فهم المرجعية لا يمكن أن يتحقق من خلال دراسة التاريخ السياسي أو الاجتماعي وحده، بل يقتضي تحليل نظرية الاجتهاد، ومفهوم التقليد، وتطوّر أصول الفقه الإمامي. ويرى أن المرجعية ليست ظاهرة مستقلة عن علم الأصول، وإنما تمثّل التطبيق العملي لنظرية الاجتهاد التي نضجت تدريجيًا داخل المدرسة الأصولية، ولا سيّما منذ القرن الثاني عشر الهجري.
ومن أكثر المصطلحات حضورًا في كتاباته: Legal Authority؛ أي «السلطة القانونية أو الفقهية»، ويقصد بها السلطة التي يكتسبها المجتهد نتيجة امتلاكه القدرة العلمية على استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية. ويلاحظ أن (غليف) يفضّل استعمال كلمة Legal بدلاً من Religious، لأن المرجعية - في نظره - تقوم أساسًا على الكفاءة الفقهية، لا على الزعامة الروحية أو السياسية. وهذا الاستعمال أقرب إلى المفهوم الإمامي، إذ إن المرجع يستمد شـرعيته من الاجتهاد والأعلمية، لا من منصب ديني أو سلطة تنفيذية.
كما استخدم مصطلح Juristic Hierarchy؛ أي «التراتبية الفقهية»، وهو من المصطلحات التي انفرد بها نسبيًا بين الباحثين الغربيين. ويرى أن الحوزة العلمية لا تعرف نظامًا إداريًا جامدًا، لكنها في الوقت نفسه ليست بيئة مساواة مطلقة؛ إذ تتشكل فيها مراتب علمية غير مكتوبة تبدأ بطالب العلم، ثم الفقيه، ثم المجتهد، ثم المرجع الذي يحظى باعتراف أوسع بالأعلمية. ويؤكّد أن هذه التراتبية ليست من صنع مؤسسة رسمية، وإنما تتكوّن بصورة طبيعية نتيجة التنافس العلمي، وشهادات أهل الخبرة، واتّساع دائرة التقليد.
واهتم (غليف) اهتمامًا خاصًا بمصطلح Ijtihad، وعدَّه حجر الزاوية في فهم المرجعية الشيعية. ويرى أن تطوّر مفهوم الاجتهاد داخل المدرسة الأصولية هو الذي أوجد الحاجة إلى مرجع التقليد، لأن قبول مبدأ تقليد المجتهد الأعلم أدّى تدريجيًا إلى بروز عدد محدود من الفقهاء الذين أصبحوا موضع تقليد غالبية الشيعة. ومن هنا يرفض الرأي الذي يفسّـر المرجعية بوصفها تطوّرًا إداريًا أو سياسيًا، ويؤكّد أنها ثمرة مباشـرة لتطوّر الفكر الأصولي الإمامي.
ومن القضايا التي أولى لها (غليف) عناية خاصة: الصـراع التاريخي بين المدرسة الإخبارية والمدرسة الأصولية، ويرى أن انتصار المدرسة الأصولية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ولا سيّما على يد محمد باقر الوحيد البهبهاني، كان نقطة التحوّل الكبرى في تاريخ المرجعية. فقبل هذا الانتصار كان دور الفقيه محدودًا عند الإخباريين، الذين رفضوا التوسع في الاجتهاد، بينما أدّى انتصار الأصوليين إلى ترسيخ مكانة المجتهد، وإضفاء المشروعية على التقليد، وهو ما مهّد لاحقًا لظهور المرجعية العامة بصورتها الحديثة في النجف.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، يرى (غليف) أن استعمال ألقاب مثل «حجّة الإسلام»، و«آية الله»، و«آية الله العظمى» لا يمكن فهمه بمعزل عن تطوّر نظرية الاجتهاد نفسها، لأن هذه الألقاب لم تكن مجرّد ألفاظ تكريمية، بل أصبحت تعكس درجات متفاوتة من الاعتراف العلمي والاجتماعي. ومع ذلك، يقرّر أن هذه الألقاب لم تخضع يومًا لنظام قانوني ملزم، ولم تمنحها مؤسّسة رسمية، وإنما بقيت ألقابًا عرفية اكتسبت مشروعيتها من الوسط العلمي، وهو استنتاج يتّفق مع ما تذكره كتب التراجم الحوزوية.
ومع ما تمتاز به أعمال (غليف) من عمق فقهي، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد ركّز بصورة واضحة على تطوّر علم أصول الفقه، حتى بدا أحيانًا وكأن المرجعية نتاج للنقاشات الأصولية وحدها، في حين أن تطوّرها التاريخي ارتبط أيضًا بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، كما بيّنت دراسات (نيكي كيدي) و(خوان ريكاردو كول) و(ليندا والبرج). كذلك لم يمنح تطوّر الألقاب العلمية دراسة مستقلة، وإنما تناولها بوصفها جزءًا من تطور الاجتهاد، بينما تكشف كتب التراجم أن لهذه الألقاب تاريخًا خاصًا يستحق دراسة مستقلة.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن (روبرت غليف) يُعدّ من أدقّ الباحثين الغربيين في تفسير الأساس العلمي للمرجعية الشيعية، وقد نجح في الربط بين تطوّر علم أصول الفقه، ونشأة الاجتهاد، وظهور المرجعية العامة، بعيدًا عن الاختزال السياسي أو الاجتماعي. ولذلك تمثّل أعماله حلقة مكملة لدراسات دونالدسن، وكيدي، وكول، ونيومان، إذ أعادت التأكيد على أن المرجعية ليست مجرّد مؤسسة اجتماعية، وإنما هي قبل كل شيء نتاج لتطوّر المدرسة الأصولية الإمامية، وهو ما منح دراساته مكانة بارزة في الأدبيات الغربية المعاصرة المتعلقة بتاريخ المرجعية الشيعية وتطوّر ألقابها.
- هاينز هالم Heinz Halm:
يمثّل المستشرق الألماني (هاينز هالم)( 1942- )، أحد أبرز الباحثين الغربيين المتخصصين في تاريخ التشيع والفرق الإسلامية، وقد أسهم في تقديم رؤية تاريخية متماسكة لتطور الفكر الإمامي ومؤسساته الدينية، معتمدًا على منهج تاريخي نقدي يقوم على تحليل المصادر العربية الكلاسيكية، ومقارنتها بالمصادر الفارسية والكتابات الاستشراقية الحديثة. درس العلوم الإسلامية واللغات السامية والتاريخ في جامعتي (بون) و(توبنغن)، ثم عمل أستاذًا للدراسات الإسلامية في (جامعة توبنغن)، وأصبح من أبرز المتخصصين الأوروبيين في تاريخ الشيعة والإسماعيلية. ومن أهم مؤلفاتهDie Schia ، الذي تُرجم إلى الإنكليزية بعنوان Shi'ism، وكتاب: امبراطورية المهدي The Empire of the Mahdi، فضلًا عن دراسات عديدة تناولت تطوّر الإمامة، والاجتهاد، والسلطة الدينية في الإسلام الشيعي.
وتنبع أهمية (هالم) في أنه لم يدرس المرجعية بوصفها ظاهرة مستقلة، كما فعل (دونالدسن) أو (والبرج)، وإنما وضعها ضمن السياق التاريخي الطويل لتطوّر المذهب الإمامي، مبيّنًا أن السلطة الدينية الشيعية مرّت بعدّة مراحل، بدأت بسلطة الإمام المعصوم، ثم انتقلت تدريجيًا إلى الفقهاء بعد الغيبة الكبرى، حتى انتهت إلى نشوء المرجعية العامة في العصور المتأخرة. ولذلك، فإن كتاباته تساعد على فهم الخلفية الفكرية التي نشأت منها المرجعية، أكثر من شـرحها لمؤسساتها المعاصرة.
ومن أكثر المصطلحات التي استعملها هالم: Religious Authority؛ أي «السلطة الدينية»، غير أنه يربط هذا المفهوم بتاريخ الإمامة أكثر من ربطه بالاجتهاد. فهو يرى أن المرجعية تمثل استمرارًا وظيفيًا لبعض الصلاحيات التي كان يمارسها الإمام في المجتمع الشيعي، وإن كانت لا ترقى إلى مرتبته العقدية. ويؤكّد أن انتقال هذه السلطة إلى الفقهاء كان من أهمّ التحوّلات التي شهدها الفكر الإمامي بعد الغيبة الكبرى، إذ أصبح المجتهد المرجع الرئيس في استنباط الأحكام وتنظيم الحياة الدينية للمجتمع.
كما استخدم مصطلح Scholarly Elite؛ أي «النخبة العلمية»، للدَّلالة على كبار الفقهاء الذين قادوا المجتمع الشيعي في غياب الإمام. ويختلف هذا المصطلح عن تعبيرات مثل Clergy أو Ecclesiastical Authority التي استعملها بعض الباحثين الأوائل، لأنه يتجنّب إسقاط النموذج الكنسي على المؤسسة الشيعية، ويؤكّد أن المرجعية نشأت داخل طبقة علمية تعتمد على التفوق الفقهي، لا على الرسامة الدينية أو التسلسل الكهنوتي.
ومن المصطلحات المهمة في كتاباته أيضًا: Legal Scholars، أي «الفقهاء»، إذ يرى أن الفقه الإمامي هو العنصر الذي منح العلماء سلطتهم داخل المجتمع الشيعي. غير أنه لا يفسّـر هذه السلطة تفسيرًا فقهيًا صـرفًا، كما فعل (روبرت غليف)، بل يربطها بالتحوّلات التاريخية التي مرّ بها التشيّع منذ العصـر البويهي، ثم العصـر الصفوي، حتى القرن التاسع عشـر. ولذلك يلاحظ أن المرجعية لم تكن نتاج الاجتهاد وحده، وإنما ثمرة تطوّر طويل شاركت فيه الظروف السياسية والاجتماعية والمؤسسات العلمية.
وعند تناوله للألقاب العلمية، يشير (هالم) إلى أن ألقابًا مثل «ثقة الإسلام»، و«حجّة الإسلام»، و«آية الله» تعكس تطوّر المكانة العلمية للفقهاء، لكنه لا يقدّم دراسة تفصيلية لتاريخ هذه الألقاب، بل يكتفي بالإشارة إلى أنها أصبحت أكثر شيوعًا مع اتّساع نفوذ الحوزات العلمية في النجف وقم. ولذلك، فإن معالجته لهذا الجانب أقلّ تفصيلًا من معالجة (دونالدسن) أو (والبرج)، اللذين خصّصا مساحة أكبر لتطوّر الألقاب ومفهوم المرجعية العامة.
ومن أبرز أفكار (هالم) تفسيره للعلاقة بين الإمامة والمرجعية؛ إذ يرى أن المرجعية ليست امتدادًا حرفيًا للإمامة، وإنما تمثّل محاولة فقهية لسدّ الفراغ الذي أحدثته الغيبة الكبرى. ويُعدّ هذا الرأي قريبًا من تفسير عبد العزيز ساشادينا، إلا أن (هالم) يدرسه من منظور تاريخي، بينما يدرسه (ساشادينا) من منظور كلامي وفقهي. ويرى هالم أن الفقهاء اكتسبوا مكانتهم تدريجيًا نتيجة تطوّر وظيفة الاجتهاد، لا نتيجة انتقال سلطة الإمام إليهم بصورة مباشرة.
وعلى الرغم من القيمة العلمية الكبيرة لأعمال هالم، فإنها لا تخلو من ملاحظات نقدية. فقد ركّز على التاريخ العام للتشيّع أكثر من تركيزه على المؤسسة المرجعية نفسها، ولذلك جاءت معالجته للمرجعية موجزة إذا ما قورنت بدراسات دونالدسن، أو كول، أو والبرج. كما أن اعتماده على المنهج التاريخي النقدي دفعه إلى تفسير كثير من تطوّرات الفكر الإمامي بوصفها استجابة للظروف التاريخية، في حين تؤكد المصادر الحوزوية أن كثيرًا من هذه التطوّرات انطلق من مناقشات فقهية وأصولية داخلية، لا من تأثير العوامل السياسية وحدها. كذلك لم يفرد دراسة مستقلة لتطوّر الألقاب العلمية، وهو جانب يمثّل أحد المحاور الرئيسة في دراسة المرجعية.
ومع ذلك، فإن (هاينز هالم) يحتلّ مكانة مرموقة في الدراسات الغربية عن التشيّع، لأنه أعاد المرجعية إلى سياقها التاريخي الممتد، وربط بين تطوّر الإمامة، والفقه، والاجتهاد، والسلطة الدينية، وأبرز أن المرجعية لم تكن ظاهرة معزولة، بل نتيجة لمسار فكري ومؤسسي طويل بدأ منذ القرون الأولى للإسلام. ولهذا تُعدّ أعماله مكمّلة لدراسات أندرو نيومان وروبرت غليف، إذ تفسّـر الخلفية التاريخية التي نشأت فيها المرجعية، بينما يفسّـر غليف بنيتها الفقهية، ونيومان تطوّرها المؤسسي، ممّا يجعل قراءة هذه الأعمال مجتمعةً ضرورياً لفهم تطوّر المرجعية الشيعية وألقابها في الدراسات الغربية المعاصرة.
- لويس ماسينيون Louis Massigno:
يُعدّ المستشرق الفرنسي (لويس ماسينيون)( 1883-1962م)، من أبرز أعلام الاستشراق الفرنسي في القرن العشرين، ومن أكثر الباحثين الغربيين تأثيرًا في دراسة الإسلام عامة، والتشيع خاصة. تلقى تعليمه في باريس، ثم عمل أستاذًا في (الكوليج دو فرانس) (Collège de France)، كما شغل عضوية عدد من المجامع العلمية الأوروبية، وكرّس حياته لدراسة التصوّف الإسلامي، والفكر الشيعي، والعلاقات الإسلامية - المسيحية. ورغم أن شهرته ارتبطت أساسًا بدراساته عن الحلاج، فإن اهتمامه بالتشيّع، ولا سيّما مكانة أهل البيت والإمامة، جعله من أوائل المستشرقين الذين تناولوا المؤسسة الدينية الشيعية بوصفها ظاهرة حضارية متكاملة، لا مجرّد فرقة دينية منشقة عن الإسلام السني.
امتازت دراسات (ماسينيون) بمحاولة فهم التشيّع من داخله، معتمدًا على المصادر العربية الأصلية، ولا سيّما كتب الحديث، والتراجم، والزيارات، والفقه، فضلًا عن اتصالاته المباشـرة بعدد من علماء النجف وكربلاء خلال زياراته إلى العراق. وقد ابتعد في كثير من كتاباته عن الصورة النمطية التي رسمها بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر، والتي اختزلت التشيّع في الجانب السياسي، مؤكّدًا أن الإمامة والمرجعية تمثلان منظومة دينية وروحية ذات جذور عميقة في الفكر الإسلامي.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمها ماسينيون: Autorité religieuse (السلطة الدينية)، إلا أنه كان يقصد بها السلطة الأخلاقية والعلمية التي يتمتع بها علماء الشيعة، لا السلطة الكنسية أو التنظيمية. وقد لاحظ أن المرجع الديني يكتسب مكانته نتيجة الاعتراف الطوعي من أتباعه، وليس بتعيين من الدولة أو من هيئة دينية، وهو ما جعله يميّز المرجعية الشيعية عن النظم الكنسية المعروفة في المسيحية الغربية.
كما استعمل مصطلح Le Mujtahid (المجتهد)، مع الإبقاء على اللفظ العربي في كثير من كتاباته، إدراكًا منه لصعوبة إيجاد مقابل فرنسي دقيق لهذا المفهوم. وفسّـر الاجتهاد بأنه القدرة العلمية على استنباط الأحكام الشـرعية من النصوص، ورأى أن هذه الملكة العلمية هي التي تمنح الفقيه مكانته داخل المجتمع الشيعي. ويُعدّ هذا الفهم متقدمًا بالنسبة إلى كثير من المستشرقين في زمنه، الذين كانوا يترجمون «المجتهد» إلى «القاضي» أو «رجل الدين»، وهي ترجمات لا تعبّر عن حقيقة المفهوم الأصولي عند الإمامية.
وأولى (ماسينيون) عناية خاصة لمكانة النجف بوصفها المركز العلمي الأعلى للشيعة الإمامية، ورأى أن استقلالها عن السلطة السياسية كان أحد أهمّ أسباب قوّة المرجعية الدينية. كما أشار إلى أن العلاقة بين المرجع وأتباعه تقوم على رابطة دينية وأخلاقية، تتجاوز الانتماء الإقليمي أو القومي، وهو ما يفسّـر امتداد نفوذ مراجع النجف إلى إيران والهند ولبنان والخليج العربي.
وعند حديثه عن الألقاب العلمية، لم يتوسّع (ماسينيون) في تحليل تطوّرها التاريخي، كما فعل دونالدسن أو نيومان، لكنه أشار إلى أن استعمال ألقاب مثل «حجّة الإسلام» و«آية الله» يعكس المكانة العلمية التي يحتلّها الفقيه داخل الحوزة، وليس وجود درجات كهنوتية رسمية. وقد أدرك أن هذه الألقاب نشأت في البيئة العلمية الشيعية، ولم تكن مستعارة من النظم الدينية الأخرى، إلا أنه لم يدرس ظروف ظهورها التاريخية، ولا تطوّر استعمالها عبر العصور.
وتبرز خصوصية ماسينيون في تركيزه على البعد الروحي والأخلاقي للمرجعية، إذ رأى أن تأثير المرجع لا يرجع إلى علمه الفقهي وحده، بل إلى مكانته الأخلاقية والزهد والورع اللذين يتمتع بهما، وهي عناصر تمنحه ثقة المجتمع الشيعي. ويختلف هذا التفسير عن رؤية خوان كول أو ليندا والبرج، اللذين أوليا اهتمامًا أكبر بالبنية المؤسسية والاجتماعية للمرجعية، بينما ركّز ماسينيون على بعدها الروحي والرمزي.
ومع ذلك، فإن أعمال ماسينيون لا تخلو من ملاحظات نقدية. فقد تأثّر بخلفيته في دراسة التصوّف الإسلامي، الأمر الذي جعله يميل أحيانًا إلى تفسير المرجعية من خلال البعد الروحي أكثر من تفسيرها في إطارها الفقهي والأصولي. كما أن اهتمامه كان منصبًا على الإمامة والرمزية الدينية لأهل البيت، أكثر من اهتمامه بالتفاصيل الفقهية لنظام الاجتهاد والتقليد. ولذلك لم يقدّم دراسة مستقلة عن تطوّر المرجعية، أو تاريخ ألقابها العلمية. كذلك، فإن بعض تحليلاته اتّسمت بنزعة فلسفية وتأويلية جعلته يبتعد أحيانًا عن القراءة التاريخية الدقيقة للنصوص الفقهية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن لويس ماسينيون يحتلّ مكانة بارزة في تاريخ الدراسات الغربية عن التشيّع، لأنه كان من أوائل المستشرقين الذين دعوا إلى دراسة المؤسسة الدينية الشيعية في إطارها الحضاري والثقافي، بعيدًا عن الأحكام المسبقة التي سادت بعض الكتابات الاستشراقية المبكّرة. وقد أفاد من آرائه عدد من الباحثين الفرنسيين والأوروبيين الذين جاؤوا بعده، وأسهم في ترسيخ اتجاه علمي ينظر إلى المرجعية الشيعية بوصفها مؤسسة دينية مستقلة ذات جذور تاريخية وفكرية عميقة، الأمر الذي جعل أعماله تمثّل حلقة مهمّة في تطوّر الدراسات الغربية المتعلقة بالمرجعية الشيعية وتاريخها.
- إيتان كولبرغ Etan Kohlberg:
يُعدّ الباحث الإسرائيلي (إيتان كولبرغ) (1943- ؟)، أحد أبرز المتخصصين الغربيين في العقيدة والفقه الإماميين، ويحتلّ مكانة مرموقة في الدراسات الأكاديمية المتعلّقة بالتشيّع الاثني عشري. تلقى تعليمه في الجامعة العبرية في القدس، حيث تتلمذ على المستشرق الالماني اليهودي (شلومو دوف غويتين، Shelomo Dov Goitein) (1900 – 1985م) ثم أصبح أستاذًا للدراسات الإسلامية فيها، وكرّس أكثر من خمسة عقود لدراسة التراث الإمامي المبكر، معتمدًا اعتمادًا واسعًا على المخطوطات العربية والمصادر الشيعية الأصلية. ويتميز عن كثير من الباحثين الغربيين بأنه لم يعتمد على الأدبيات الثانوية وحدها، بل رجع إلى مؤلّفات الكليني، والصدوق، والمفيد، والمرتضى، والطوسي، وابن إدريس، والعلامة الحلي، وغيرهم من أعلام الإمامية، ممّا منح دراساته قيمة علمية عالية. ومن أهمّ مؤلفاته: Belief and Law in Imāmī Shīʿism، وStudies in the History of Shīʿī Islam، فضلًا عن عشرات البحوث المحكمة التي أصبحت مراجع أساسية في الجامعات الغربية.
وتبرز أهمية (كولبرغ) في أنه لم يتعامل مع المرجعية الشيعية بوصفها ظاهرة سياسية أو اجتماعية، وإنما نظر إليها باعتبارها نتيجة مباشرة لتطور العقيدة الإمامية ونظرية الاجتهاد في عصر الغيبة الكبرى. فهو يرى أن انتقال القيادة الدينية من الإمام المعصوم إلى الفقيه لم يكن انتقالًا سياسيًا، بل تطوّرًا فقهيًا وعقديًا فرضته ظروف غيبة الإمام الثاني عشر، الأمر الذي أدى إلى نشوء مفهوم المرجع، بوصفه العالم المؤهّل لاستنباط الأحكام الشرعية، والمرجع الذي يرجع إليه المكلّفون في شؤونهم الدينية.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمها كولبرغ مصطلح Religious Authority، أي «السلطة الدينية»، إلا أنه يميز بوضوح بين Authority المستمدة من النصّ الإلهي، وهي سلطة الإمام المعصوم، وبين السلطة العلمية التي يكتسبها الفقيه عن طريق الاجتهاد. ويرى أن المرجع لا يرث سلطة الإمام، وإنما يمارس وظيفة فقهية محدّدة في حدود استنباط الأحكام الشرعية، ولذلك يرفض تفسير المرجعية بوصفها امتدادًا كاملاً للإمامة، وهو موقف يقترب من رؤية كبار الأصوليين الإمامية.
كما استعمل مصطلح The Learned Jurist، أي «الفقيه العالم»، للدلالة على المجتهد الجامع للشرائط، مؤكّدًا أن الفقه الإمامي لم يعرف طبقة كهنوتية بالمعنى المسيحي، وإنما عرف طبقة من العلماء الذين اكتسبوا مكانتهم من خلال التفوّق العلمي والاعتراف الفقهي. ولهذا كان يتحفظ على استعمال كلمة Clergy (الإكليروس)، التي شاع استخدامها في بعض الدراسات الغربية، لأنها توحي بوجود مؤسسة كنسية ذات مراتب رسمية، في حين أن المرجعية الشيعية تقوم على الاعتراف بالأعلمية، لا على التعيين أو الرسامة الدينية.
ومن أبرز إسهاماته: تحليله لمفهوم التقليد، إذ يرى أن هذا المفهوم لم يكن ثابتًا منذ القرون الأولى، وإنما تطوّر تدريجيًا داخل المدرسة الإمامية، بالتوازي مع تطوّر علم أصول الفقه. ويبيّن أن الفقهاء الأوائل لم يستعملوا مصطلح مرجع التقليد بصيغته المتأخرة، وإنما كان الحديث يدور حول الرجوع إلى «الفقيه» أو «العالم» أو «الراوي الثقة»، ثم أخذت هذه المفاهيم تتبلور مع اتّساع نظرية الاجتهاد، حتى ظهرت المرجعية العامة في صورتها المعروفة خلال القرنين الثاني عشـر والثالث عشـر الهجريين. ويُعدّ هذا التحليل من أهمّ الإضافات التي قدّمها كولبرغ، لأنه ربط تطوّر المرجعية بالتطوّر الداخلي للفكر الإمامي، لا بالعوامل السياسية وحدها.
كما أولى اهتمامًا كبيرًا لتطوّر مفهوم الاجتهاد، مبيّنًا أن الصـراع بين الاتجاهين الإخباري والأصولي كان من أهم المحطّات التي أسهمت في إعادة تعريف سلطة الفقيه. ويرى أن انتصار المدرسة الأصولية لم يؤدِّ فقط إلى توسيع دائرة الاجتهاد، بل إلى ترسيخ فكرة تقليد الأعلم، وهي الفكرة التي أصبحت فيما بعد الأساس الفقهي للمرجعية العليا. ويقترب في هذا التحليل من روبرت غليف، إلا أن كولبرغ يدرسه من زاوية تاريخ العقيدة وتطوّر الفكر الإمامي، في حين يركّز غليف على البنية الأصولية للنظرية الفقهية.
وعند تناوله للألقاب العلمية، يلاحظ كولبرغ أن الألقاب مثل «ثقة الإسلام»، و«حجّة الإسلام»، و«آية الله» لم تكن جزءًا من بناء فقهي ملزم، وإنما نشأت بوصفها ألقابًا عرفية تعكس المكانة العلمية والاجتماعية للفقهاء. ويرى أن هذه الألقاب اكتسبت دلالات مختلفة باختلاف الأزمنة والبيئات العلمية، ولذلك لا يجوز إسقاط مدلولها المعاصـر على العصور السابقة. وتُعدّ هذه الملاحظة من أكثر استنتاجاته دقّة، لأنها تنسجم مع ما تورده كتب التراجم الشيعية من اختلاف في استعمال هذه الألقاب عبر القرون.
ومع ما تتميّز به أعمال كولبرغ من عمق علمي، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد انصبّ اهتمامه على تطوّر المفاهيم العقدية والفقهية أكثر من اهتمامه بالممارسة العملية للمرجعية، ولذلك لم يتوسّع في دراسة المؤسسة المرجعية في النجف أو قم، ولا في تحليل شبكات الوكلاء، والحقوق الشـرعية، وآليات إدارة المرجعية، وهي الجوانب التي أولتها (ليندا والبرج) و(خوان ريكاردو كول) عناية أكبر. كما أن اعتماده المكثّف على النصوص الكلاسيكية جعله أقلّ اهتمامًا بالتحوّلات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها المرجعية في العصـر الحديث، ولا سيّما بعد قيام الدولة القاجارية، ثم الثورة الإسلامية في إيران.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن (إيتان كولبرغ) يُعدّ من أكثر الباحثين الغربيين دقّة في دراسة الأساس الفكري والعقدي للمرجعية الشيعية، وقد أسهم في تصحيح كثير من التصوّرات الشائعة في الأدبيات الاستشراقية، ولا سيّما فيما يتعلّق بالعلاقة بين الإمامة والاجتهاد والتقليد. وتمثّل أعماله حلقة وصل بين الدراسات التاريخية التي قدمها (دونالدسن) و(كيدي) و(نيومان)، والدراسات الفقهية التي طوّرها (روبرت غليف)، ممّا جعلها من أهمّ المراجع الغربية لفهم التطوّر التاريخي والفكري للمرجعية الشيعية وألقابها العلمية.
- روي بارفيز موتحدة Roy Parviz Mottahedeh:
يُعدّ المؤرخ الأمريكي (روي بارفيز موتحدة) 2019) - 1940م)، أحد أبرز الباحثين الغربيين في تاريخ الإسلام الشيعي، ومن أكثرهم إسهامًا في دراسة البيئة العلمية والاجتماعية التي نشأت فيها المرجعية الإمامية. ولد في مدينة نيويورك لأسـرة إيرانية، وتلقّى تعليمه في (جامعة هارفارد)، ثم أصبح أستاذًا لتاريخ الشرق الأوسط والإسلام فيها، وشغل مناصب أكاديمية مرموقة، وكان من أبرز المتخصصين في تاريخ إيران والعراق والفكر الإسلامي. وقد تميّزت أبحاثه بالجمع بين المنهج التاريخي والتحليل الاجتماعي والثقافي، مع اعتماد واسع على المصادر العربية والفارسية، فضلًا عن معرفته الميدانية بالمجتمعات الشيعية. ويُعدّ كتابه الشهير: عباءة النبي: الدين والسياسة في إيران The Mantle of the Prophet: Religion and Politics in Iran من أهمّ المؤلّفات الغربية التي تناولت الحياة العلمية للحوزات الدينية، وتكوين العلماء، وطبيعة القيادة الدينية الشيعية في العصـر الحديث.
وتنبع أهمية (موتحدة) في أنه لم يركز على المرجعية باعتبارها منصبًا فقهيًا فحسب، وإنما درسها بوصفها نتاجًا لثقافة الحوزة العلمية، وللعلاقات الاجتماعية التي تربط العلماء بطلابهم ومقلديهم. ولذلك جاءت معالجته مختلفة عن دراسات (دوايت دونالدسن) أو (خوان كول) أو (روبرت غليف)، إذ انصـرف اهتمامه إلى البيئة التي تُصنع فيها المرجعية، وكيفية تكوين شخصية الفقيه منذ مراحل الدراسة الأولى، والعوامل التي تؤدّي إلى بروزه بين أقرانه حتى يصل إلى مرتبة المرجع.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمها: Religious Leadership؛ أي «القيادة الدينية»، ويقصد بها الدور الذي يؤدّيه المرجع في توجيه المجتمع الشيعي دينيًا وأخلاقيًا، دون أن يحصـر هذا الدور في إصدار الفتاوى. ويرى أن المرجع يمثّل قيادة علمية وأخلاقية تستمد مشـروعيتها من الاعتراف الشعبي ومن التفوّق العلمي، وليس من سلطة سياسية أو تنظيم مؤسّسي. ويقترب هذا التحليل من مفهوم المرجعية في الفكر الإمامي، وإنْ كان يعبّر عنه بلغة العلوم الاجتماعية أكثر من لغة الفقه.
كما استعمل مصطلح Moral Authority، أي «السلطة الأخلاقية»، وهو من أكثر المصطلحات تميّزًا في كتاباته. ويرى أن تأثير المرجع في المجتمع الشيعي لا يقوم على المعرفة الفقهية وحدها، بل يعتمد كذلك على ما يتمتّع به من ورع، وزهد، وعدالة شخصية، واستقلال عن السلطة السياسية، وهي الصفات التي تجعل الناس يثقون بأحكامه ويقبلون على تقليده. ويلاحظ أن هذا المصطلح يضيف بعدًا جديدًا إلى مفهوم المرجعية، إذ يبرز العنصر الأخلاقي إلى جانب العنصر العلمي، وهو جانب لم يحظ بالاهتمام نفسه في كثير من الدراسات الغربية السابقة.
ومن المصطلحات المهمة كذلك: Religious Learning؛ أي «التكوين العلمي الديني»، إذ يرى (موتحدة) أن المرجعية لا تنشأ فجأة، وإنما هي ثمرة مسار طويل من التحصيل العلمي داخل الحوزة، يبدأ بدراسة المقدّمات والسطوح، ثم بحوث الخارج، قبل أن يبلغ الفقيه مرحلة الاجتهاد. ويبرز في هذا السياق أهمية العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، ودور الإجازات العلمية، والمناظرات، في تكوين الشخصية العلمية للمرجع. ويعدّ هذا التحليل من أبرز إضافاته، لأنه سلّط الضوء على الحياة الداخلية للحوزة، وهي جوانب لم تتناولها كثير من الدراسات التاريخية السابقة.
كما اهتمّ بدراسة مدينة النجف، بوصفها مركزًا علميًا عالميًا، ورأى أن مكانتها لم تكن نتيجة لعوامل سياسية، بل بسبب استقلالها العلمي، واستمرار تقاليدها الفقهية، واجتماع كبار المجتهدين فيها. ويؤكّد أن هذا الاستقلال منح المرجعية قدرة على الاحتفاظ بنفوذها حتى في فترات ضعف الدول أو تغير الأنظمة السياسية، وهو ما يفسّـر استمرار تأثير مراجع النجف في المجتمعات الشيعية خارج العراق.
وعند تناوله للألقاب العلمية، يشير (موتحدة) إلى أن ألقابًا مثل «حجة الإسلام» و«آية الله» و«آية الله العظمى» تعكس مكانة الفقيه داخل المجتمع العلمي، لكنها ليست رتبًا قانونية تمنحها هيئة رسمية. ويرى أن هذه الألقاب اكتسبت انتشارًا أوسع خلال القرن العشرين مع اتساع دور المرجعية في الحياة العامة، ولا سيّما في العراق وإيران. إلا أنه لم يخصّص دراسة مستقلة لتاريخ هذه الألقاب، وإنما تناولها في سياق تطوّر الحوزة والقيادة الدينية.
ومن أبرز إسهاماته: تحليله للعلاقة بين المرجعية والمجتمع، إذ يرى أن المرجع لا يصبح مرجعًا عامًا بمجرد بلوغه مرتبة الاجتهاد، بل يحتاج إلى اعتراف المجتمع العلمي، وثقة المقلّدين، ووجود شبكة من التلاميذ والوكلاء تنقل آراءه إلى مختلف المناطق. ومن ثم، فإن المرجعية -في نظره- تمثّل تفاعلًا بين الكفاءة العلمية والقبول الاجتماعي، وهي رؤية تتقاطع مع ما ذهب إليه خوان ريكاردو كول وليندا والبرج، لكنها تمنح البعد الثقافي والأخلاقي أهمية أكبر.
ومع ما تمتاز به أعمال (موتحدة) من عمق وتحليل، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد ركّز على التجربة الإيرانية أكثر من تركيزه على المرجعية في النجف، كما أن معالجته اتّسمت بطابع اجتماعي وثقافي أكثر من اهتمامها بالتطوّرات الأصولية والفقهية التي أسّست لنظرية المرجعية. كذلك لم يفرد دراسة مستقلّة لتطوّر ألقاب العلماء، ولم يناقش بالتفصيل المراحل التاريخية التي انتقلت فيها الألقاب من «ثقة الإسلام» إلى «حجّة الإسلام» ثم إلى «آية الله» و«آية الله العظمى»، وهو الجانب الذي يمثّل محورًا مهمًا في دراسة تطوّر المؤسسة المرجعية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن (روي موتحدة) يُعدّ من أكثر الباحثين الغربيين قدرة على تصوير الحياة الداخلية للحوزات العلمية، وشـرح البيئة الاجتماعية والثقافية التي تتشكل فيها المرجعية الشيعية. وتمثّل أعماله حلقة وصل بين الدراسات الفقهية التي قدمها إيتان كولبرغ وروبرت غليف، والدراسات السوسيولوجية التي طورتها ليندا والبرج، ولذلك تُعدّ مؤلّفاته من المراجع الأساسية لفهم تطوّر المرجعية الشيعية بوصفها مؤسسة علمية واجتماعية وأخلاقية في آنٍ واحد.
وتجدر الاشارة الى أن والدة (روي متحدة): ميلدرد روث متحدة (Mildred Ruth Mottahedeh، (1908 -2000م) من الشخصيات البارزة في الإدارة البهائية الدولية، إذ ارتبط نشاطها بصورة وثيقة بالمؤسسات البهائية في الولايات المتحدة، وعلى المستوى الدولي. وفي سنة 1947م عيّنها شوقي أفندي، حفيد بهاء الله، وحارس أمره في البهائية، ممثلةً للبهائيين لدى الأمم المتحدة، حيث اضطلعت بدور في تمثيل الجماعة البهائية والدفاع عن قضاياها في المحافل الدولية. كما أصبحت لاحقًا عضوًا في المجلس البهائي الدولي بين عامي 1961 و1963، وهو المجلس الذي كان بمثابة الهيئة التمهيدية لتأسيس بيت العدل الأعظم. ومن ثم، نشأ روي متحدة في بيئة أسـرية كانت لها صلة وثيقة بالمؤسسات البهائية الدولية، وهي خلفية جديرة بالاهتمام عند دراسة كتاباته واهتماماته بتاريخ إيران والتشيع والعلاقة بين الدين والسياسة. وكذلك ارتبطت الأسـرة - منذ وقت مبكر- بالمجتمع البهائي الأمريكي. وتذكر المصادر المتعلقة بتاريخ الأسـرة أن (ميلدرد) اعتنقت البهائية قبل زواجها من (رافي متحدة).
- مايكل م. ج. فيشر Michael M. J. Fischer:
أمّا الباحث الأمريكي (مايكل م. ج. فيشر) (1946- ؟)، فهو من أبرز علماء الأنثروبولوجيا الثقافية المتخصصين في دراسة الإسلام الشيعي، وقد أسهم في تطوير منهج جديد في الدراسات الغربية للمرجعية الشيعية، يقوم على تحليلها باعتبارها مؤسسة اجتماعية وثقافية تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الدينية للمجتمع الشيعي. تلقى تعليمه في جامعة شيكاغو، ثم عمل أستاذًا للأنثروبولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وكرّس جزءًا كبيرًا من أبحاثه لدراسة إيران والعراق، والحوزات العلمية، والثقافة الدينية الشيعية. ويُعدّ كتابه: إيران: من الخلاف الديني إلى الثورة Iran: From Religious Dispute to Revolution، الذي صدر سنة 1980، من أهمّ المؤلّفات الغربية التي تناولت دور العلماء والمرجعية في المجتمع الإيراني قبيل الثورة الإسلامية، كما أسهمت مؤلّفاته اللاحقة في ترسيخ المنهج الأنثروبولوجي في دراسة المؤسسات الدينية الشيعية.
وتكمن أهمية (فيشر) في أنه لم يدرس المرجعية من خلال النصوص الفقهية أو كتب التراجم، وإنما انطلق من دراسة المجتمع الشيعي نفسه، محاولًا تفسير الكيفية التي تُمارس بها المرجعية نفوذها داخل الحياة اليومية، ودورها في تشكيل القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية. ولذلك تختلف كتاباته عن أعمال دونالدسن وكولبرغ وغليف، إذ ينظر إلى المرجعية بوصفها مؤسسة اجتماعية تتفاعل مع التحوّلات التاريخية والثقافية، وليس مجرّد سلطة لإصدار الفتاوى.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمها: Religious Symbolism؛ أي «الرمزية الدينية»، ويرى أن المرجع لا يمثّل مجرّد فقيه أو مجتهد، بل يتحوّل -في الوعي الجمعي الشيعي- إلى رمز ديني يجسّد الاستمرار التاريخي للمدرسة الإمامية، ويمنح المجتمع شعورًا بالتماسك والهويّة. ويؤكّد أن هذه الرمزية تفسّـر جانبًا مهمًا من التأثير الواسع الذي يمارسه كبار المراجع، والذي يتجاوز حدود الوظيفة الفقهية التقليدية.
كما أكثر من استعمال مصطلح Moral Community؛ أي «الجماعة الأخلاقية»، ويقصد به المجتمع الذي تتشكّل قيمه وسلوكياته العامة في ضوء توجيهات المرجعية الدينية. ويرى أن المرجعية لا تقتصـر على بيان الأحكام الشـرعية، وإنما تؤدّي دورًا في بناء الضمير الجمعي للمجتمع الشيعي، والمحافظة على هويّته الثقافية، وتنظيم علاقاته الاجتماعية. ويعدّ هذا المفهوم من أبرز إضافاته إلى الدراسات الغربية، لأنه أبرز البعد الثقافي والأخلاقي للمرجعية، إلى جانب بعدها الفقهي.
ومن المصطلحات المهمة أيضًا Religious Communication؛ أي «التواصل الديني»، إذ يرى أن قوّة المرجعية لا تعتمد على شخصية المرجع وحدها، وإنما على وجود شبكة متواصلة من العلماء، والوكلاء، والخطباء، وطلاب العلوم الدينية، الذين ينقلون فتاوى المرجع وأفكاره إلى مختلف طبقات المجتمع. ويقترب هذا المفهوم من فكرة «الشبكات الدينية» التي طرحها خوان ريكاردو كول وليندا والبرج، غير أن فيشر يركّز على البعد الثقافي وآليات انتقال الخطاب الديني، أكثر من تركيزه على البناء المؤسسي.
كما اهتم فيشر بالعلاقة بين المرجعية والتحوّلات السياسية في إيران والعراق، مبيّنًا أن المؤسسة المرجعية استطاعت أن تحافظ على مكانتها لأنها كانت قادرة على التكيّف مع المتغيّرات الاجتماعية، مع الاحتفاظ باستقلالها العلمي والديني. ويرى أن هذا الاستقلال منحها مصداقية واسعة لدى الجمهور، وجعلها تؤدّي أدوارًا تتجاوز الإفتاء إلى الوساطة الاجتماعية، والإصلاح، وتوجيه الرأي العام.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، يشير فيشر إلى أن ألقابًا مثل «آية الله» و«آية الله العظمى» أصبحت في القرن العشرين تحمل دلالات اجتماعية وإعلامية إلى جانب دلالاتها العلمية، إذ غدت علامة على المكانة العامة للمرجع داخل المجتمع الشيعي. إلا أنه يوضّح أن هذه الألقاب ليست جزءًا من هيكل تنظيمي رسمي، وإنما هي تعبيرات عرفية اكتسبت مشروعيتها من الاعتراف العلمي والاجتماعي، وهو استنتاج ينسجم مع ما توصل إليه روبرت غليف وأندرو نيومان.
ومن أبرز إسهامات فيشر تفسيره للمرجعية بوصفها عنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية الشيعية الحديثة، إذ يرى أن المرجع لا يمثّل مصدرًا للفتوى فحسب، بل يمثّل أيضًا مرجعية ثقافية وأخلاقية تحفظ استمرارية التقاليد الدينية في مواجهة التحوّلات السياسية والاجتماعية. وقد انعكس هذا التصوّر في تحليله لدور العلماء في إيران خلال العقود السابقة للثورة الإسلامية، حيث أبرز قدرتهم على تعبئة المجتمع من خلال الرصيد الديني والثقافي الذي تمتلكه المؤسسة المرجعية.
ومع ما تمتاز به أعمال فيشر من أصالة منهجية، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد غلب عليها المنهج الأنثروبولوجي، ممّا جعله يركّز على الوظائف الاجتماعية والثقافية للمرجعية أكثر من تركيزه على الأسس الأصولية والفقهية التي تقوم عليها. كما أن معظم دراساته انصبت على التجربة الإيرانية، ولم يمنح المرجعية في النجف مساحة مماثلة من التحليل، رغم مكانتها المحورية في تاريخ المؤسسة المرجعية. كذلك لم يفرد دراسة مستقلّة لتطوّر الألقاب العلمية، بل تناولها ضمن تحليله للرمزية الاجتماعية للمرجعية.
ومع ذلك، فإن مايكل فيشر يُعدّ من أبرز من أدخل المنهج الأنثروبولوجي إلى دراسة المرجعية الشيعية، وأسهم في توسيع آفاق البحث الغربي من خلال إبراز الأبعاد الثقافية والاجتماعية للمؤسسة المرجعية، وربطها بقضايا الهوية والذاكرة الجماعية والتواصل الديني. ولذلك، تمثّل أعماله مرحلة مهمّة في تطوّر الدراسات الغربية، إذ تكمل التحليلات الفقهية التي قدمها إيتان كولبرغ وروبرت غليف، والتحليلات التاريخية التي قدمها نيكي كيدي وأندرو نيومان، لتقدم رؤية شاملة للمرجعية بوصفها مؤسسة دينية وثقافية واجتماعية في آن واحد.
- فانيسا مارتن Vanessa Martin:
تُعدّ الباحثة البريطانية (فانيسا مارتن) من أبرز المتخصصين الغربيين في تاريخ إيران الحديث والمؤسسة الدينية الشيعية، وقد كرّست جانبًا كبيرًا من أبحاثها لدراسة العلاقة بين المرجعية الدينية والدولة في العصـر القاجاري، معتمدةً على المصادر العربية والفارسية والوثائق البريطانية والإيرانية. عملت أستاذة للدراسات الشرق أوسطية في (جامعة رويال هولواي)، (جامعة لندن) (Royal Holloway, University of London)، وأسهمت في ترسيخ الدراسات الغربية المتعلّقة بالمرجعية الشيعية من خلال الجمع بين التاريخ السياسي والتاريخ الفكري. ويُعد كتابها: Islam and Modernism The Iranian Revolution of 1906، وكتابها Creating an Islamic State: Khomeini and the Making of a New Iran، من أهم المراجع الغربية التي تناولت تطوّر دور العلماء والمرجعية في الحياة السياسية الإيرانية.
وتكمُن أهمية مارتن في أنها لم تنظر إلى المرجعية باعتبارها مؤسسة فقهية منعزلة عن المجتمع، وإنما درستها بوصفها فاعلًا سياسيًا واجتماعيًا أسهم في تشكيل الحياة العامة، ولا سيّما خلال الثورة الدستورية الإيرانية. وترى أن المرجعية لم تكن معارضة للدولة من حيث المبدأ، بل كانت تسعى إلى تقييد السلطة السياسية بالضوابط الشـرعية، وهو ما منحها مكانة بارزة في التاريخ السياسي لإيران والعراق.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمتها Religious Leadership؛ أي «القيادة الدينية»، إلا أنها توسّع مدلوله ليشمل الوظائف السياسية والاجتماعية التي اضطلع بها كبار المراجع، ولا سيّما في القضايا العامة التي تمسّ الأمّة الإسلامية. وتوضّح أن القيادة الدينية عند الشيعة لا تستند إلى سلطة تنفيذية، بل إلى النفوذ العلمي والأخلاقي، وإلى الثقة التي يمنحها المجتمع للمرجع.
كما استعملت مصطلح Clerical Authority؛ أي «سلطة العلماء»، للدلالة على المكانة التي اكتسبها الفقهاء داخل المجتمع الشيعي. غير أنها لم تستعمل هذا المصطلح بمعناه الكنسي، بل بوصفه تعبيرًا عن نفوذ الطبقة العلمية في توجيه المجتمع. ومع ذلك، فإن هذا المصطلح تعرّض للنقد من بعض الباحثين، لأن لفظ Clergy يوحي بوجود نظام كهنوتي، بينما تؤكّد المصادر الإمامية أن المرجعية تقوم على الاجتهاد والأعلمية، لا على الرسامة الدينية أو التراتب الكنسي. ولذلك فإن مصطلحات مثل Religious Authority أو Marjaʿiyyah تبدو أكثر دقة في التعبير عن طبيعة المؤسسة المرجعية.
ومن أبرز المفاهيم التي ركزت عليها: Constitutionalism، أي «الدستورية»، إذ ترى أن موقف المرجعية من الثورة الدستورية الإيرانية كشف عن تطوّر مهم في الفكر السياسي الشيعي. فقد بيّنت أن عددًا من كبار المراجع، وفي مقدمتهم محمد كاظم الخراساني، دعموا فكرة تقييد سلطة الشاه بالدستور، وعدّوا ذلك وسيلة لمنع الاستبداد وحماية مصالح الأمة. ومن هنا خلصت إلى أن المرجعية لم تكن بعيدة عن الحياة السياسية، بل مارست دورًا إصلاحيًا مستندًا إلى رؤيتها الفقهية.
كما أولت مارتن اهتمامًا خاصًا باستقلال المرجعية ماليًا وإداريًا، ورأت أن اعتمادها على الحقوق الشرعية، مثل الخمس، منحها قدرة على الحفاظ على استقلالها عن السلطة السياسية، وهو ما عزّز ثقة المجتمع بها، وأتاح لها التدخل في القضايا العامة دون الخضوع للحكومات. ويتقاطع هذا التحليل مع ما ذهب إليه خوان ريكاردو كول، وإن كانت مارتن تربطه بالسياق السياسي أكثر من ارتباطه بالبنية الاجتماعية.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، تشير مارتن إلى أن ألقابًا مثل «آية الله» و«آية الله العظمى» اكتسبت انتشارًا واسعًا خلال القرن العشرين مع تزايد حضور المرجعية في الحياة العامة، إلا أنها تؤكّد أن هذه الألقاب ليست مناصب رسمية، وإنما تعكس المكانة العلمية والاجتماعية التي يحظى بها المرجع داخل الحوزة العلمية. كما تلاحظ أن تداول هذه الألقاب في وسائل الإعلام الغربية بعد الثورة الإسلامية الإيرانية أسهم في انتشارها عالميًا، حتى أصبحت رمزًا للمؤسسة المرجعية في الأدبيات السياسية والإعلامية.
ومن أبرز إسهامات مارتن إبرازها للعلاقة بين المرجعية والإصلاح السياسي، إذ ترى أن المؤسسة المرجعية استطاعت أن تجمع بين المحافظة على التراث الفقهي والانخراط في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية المستجدّة. ولذلك ترفض تصوير المرجعية بوصفها مؤسسة تقليدية جامدة، مؤكّدة أنها شهدت تطوّرًا مستمرًا تبعًا للتحولات التي عرفها العالم الشيعي منذ القرن التاسع عشر.
ومع ما تتميز به أعمالها من قيمة علمية، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد ركزت بدرجة كبيرة على التجربة الإيرانية، ولا سيّما الثورة الدستورية والثورة الإسلامية، بينما جاءت معالجتها لمرجعية النجف أقل تفصيلًا. كما أن اهتمامها انصب على الدور السياسي للمرجعية أكثر من تحليل الأسس الأصولية والفقهية التي تقوم عليها نظرية الاجتهاد والتقليد، وهو الجانب الذي تناوله بإسهاب روبرت غليف وإيتان كولبرغ. كذلك لم تفرد دراسة مستقلة لتاريخ الألقاب العلمية وتطورها، بل تناولتها بوصفها جزءًا من تطور المؤسسة المرجعية في العصر الحديث.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن فانيسا مارتن تُعد من أبرز الباحثين الغربيين الذين ربطوا بين المرجعية الشيعية والتطوّرات السياسية الحديثة، وأسهمت في تفسير الدور الإصلاحي الذي مارسه كبار المراجع في إيران والعراق، ولا سيّما خلال أواخر العصـر القاجاري وبدايات القرن العشرين. وتمثّل أعمالها امتدادًا للدراسات التاريخية التي قدمتها نيكي كيدي، مع إضافة بعد تحليلي يتعلّق بعلاقة المرجعية بالدولة والدستور، ممّا جعلها من أهمّ المراجع الغربية في دراسة تطوّر المؤسسة المرجعية في العصـر الحديث.
- رينر برونر Rainer Brunner:
يُعدّ الباحث الألماني (رينر برونر)(1959-؟)، من أبرز المتخصصين الأوروبيين في الدراسات الشيعية المعاصرة، وقد أسهم إسهامًا ملحوظًا في تطوير الدراسات الغربية المتعلّقة بالمرجعية الإمامية، من خلال الجمع بين التاريخ الفكري، والفقه، وعلم الاجتماع الديني. درس الدراسات الإسلامية واللغات الشرقية في ألمانيا، ثم عمل أستاذًا للدراسات الإسلامية في (جامعة فرايبورغ) (Albert-Ludwigs-Universität Freiburg)، وتركزت أبحاثه على تاريخ التشيع الإمامي، والعلاقات السنية - الشيعية، وتطوّر المؤسسة المرجعية في العراق وإيران ولبنان. ومن أبرز مؤلّفاته: التقريب الإسلامي في القرن العشرين: الأزهر والتشيّع بين التقارب والتحفّظ Islamic Ecumenism in the 20th Century: The Azhar and Shiism between Rapprochement and Restraint، و التوحيد والمهدوية: أفكار وحدة الله والإمام الغائب Monotheism and Messianism: Ideas of the Unity of God and the Hidden Imam (بالاشتراك مع آخرين)، فضلًا عن عشرات البحوث المحكمة التي تناولت المرجعية، والنجف، وقم، والحوزات العلمية، والسلطة الدينية في العصر الحديث.
وتبرز أهمية (برونر) في أنه لم يقتصر على دراسة المرجعية بوصفها مؤسسة فقهية أو تاريخية، بل تناولها باعتبارها مؤسسة عابرة للحدود الوطنية، تمتد شبكاتها العلمية والمالية والاجتماعية إلى مختلف المجتمعات الشيعية. ويرى أن المرجعية الحديثة لم تعد محصورة في العراق أو إيران، وإنما أصبحت مؤسسة عالمية تتفاعل مع التحوّلات السياسية والدينية في العالم الإسلامي، وهو ما جعلها تؤدي أدوارًا متزايدة في القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمها: Transnational Marja’iyyah؛ أي «المرجعية العابرة للحدود»، ويقصد به أن المرجع الديني لم يعد يقتصر نفوذه على البيئة التي يقيم فيها، بل أصبح يقود أتباعًا ومؤسسات ووكلاء في بلدان متعددة، مستفيدًا من وسائل الاتصال الحديثة، وشبكات الوكلاء، والمؤسسات الدينية والخيرية. ويُعدّ هذا المفهوم امتدادًا لما طرحه خوان ريكاردو كول حول «السلطة الدينية العابرة للحدود»، إلا أن برونر وسعه ليشمل أثر العولمة ووسائل الإعلام الحديثة في تعزيز نفوذ المرجعية.
كما استعمل مصطلح Religious Networks؛ أي «الشبكات الدينية»، للدلالة على منظومة العلاقات التي تربط المرجع بالحوزات العلمية، والوكلاء، والمؤسسات الدينية، والجاليات الشيعية في مختلف أنحاء العالم. ويرى أن هذه الشبكات هي التي منحت المرجعية الحديثة قدرتها على الاستمرار، رغم تغيّر الأنظمة السياسية وتعدّد البيئات الجغرافية، وأصبحت عنصرًا أساسيًا في تفسير مكانة المرجع في العصر الحديث.
ومن المصطلحات المهمة كذلك: Centers of Shiʿi Learning؛ أي «مراكز التعليم الشيعي»، ويقصد بها الحوزات العلمية الكبرى، وفي مقدمتها النجف وقم. ويؤكد برونر أن فهم المرجعية يقتضي دراسة العلاقة بين هذين المركزين، إذ إن كلًا منهما أسهم بطريقته في تطوير الفكر الإمامي، وتخريج كبار المجتهدين، وتكوين شبكات علمية امتدت إلى خارج العالم الإسلامي.
ومن أبرز إسهاماته: تحليله للعلاقة بين مرجعية النجف ومرجعية قم، حيث يرى أن العلاقة بينهما لم تكن علاقة صـراع دائم، ولا علاقة تطابق كامل، بل شهدت مراحل من التعاون والتنافس تبعًا للظروف التاريخية والسياسية. ويبيّن أن النجف احتفظت تقليديًا باستقلالها عن السلطة السياسية، في حين تطوّرت في (قم) اتجاهات فقهية أكثر انخراطًا في الشأن السياسي، ولا سيّما بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويرى أن هذا الاختلاف لا يعني وجود مدرستين متعارضتين في العقيدة أو الفقه، وإنما يعكس تباينًا في الرؤية لدور المرجعية في المجال العام.
كما أولى برونر اهتمامًا خاصًا بمفهوم الاستقلال المالي للمرجعية، مبينًا أن اعتمادها على الحقوق الشـرعية، ولا سيّما الخمس، أسهم في الحفاظ على استقلالها عن الحكومات، ومنحها قدرة على إدارة المؤسسات التعليمية والخيرية والدينية. ويتقاطع هذا التحليل مع ما ذهب إليه خوان كول وفانيسا مارتن، إلا أن برونر يربطه بشبكات المرجعية العالمية، وليس بالبيئة المحلية وحدها.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، يرى برونر أن ألقابًا مثل «آية الله» و«آية الله العظمى» أصبحت في العصر الحديث جزءًا من الخطاب الإعلامي والسياسي إلى جانب كونها ألقابًا علمية، لكنه يؤكّد أن هذه الألقاب لا تُمنح بقرار من مؤسسة رسمية، وإنما تستند إلى الاعتراف العلمي داخل الحوزة، وإلى اتّساع دائرة التقليد بين أتباع المرجع. ويلاحظ أن وسائل الإعلام الغربية كثيرًا ما تعاملت مع لقب «آية الله» بوصفه منصبًا رسميًا، في حين أن الواقع الحوزوي أكثر تعقيدًا من ذلك.
ومع ما تتميز به أعمال برونر من سعة اطلاع وتحليل مقارن، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد ركّز بدرجة كبيرة على المرجعية في سياق العلاقات السنية -الشيعية، والتطوّرات السياسية المعاصرة، بينما جاءت معالجته لتاريخ المرجعية في العصور السابقة أقل تفصيلًا من دراسات أندرو نيومان أو إيتان كولبرغ. كما أن اهتمامه انصب على البنية المؤسسية والشبكات العابرة للحدود أكثر من اهتمامه بالأسس الأصولية لنظرية الاجتهاد والتقليد. كذلك لم يفرد دراسة مستقلة لتطوّر الألقاب العلمية، وإنما تناولها ضمن تحليله لتطوّر المؤسسة المرجعية في القرن العشرين والحادي والعشرين.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن (رينر برونر) يُعدّ من أبرز ممثلي الجيل المعاصـر من الباحثين الغربيين في الدراسات الشيعية، وقد أسهم في توسيع مجال البحث من خلال التركيز على البعد العالمي للمرجعية، والعلاقة بين النجف وقم، وتأثير التحوّلات السياسية ووسائل الاتصال الحديثة في تطوّر المؤسسة المرجعية. وتمثّل أعماله خاتمة مهمّة لمسار الدراسات الغربية حول المرجعية الشيعية، إذ تجمع بين التاريخ، والفقه، وعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية، ممّا يجعلها من أهمّ المراجع لفهم تطوّر المرجعية في العالم المعاصر.
- سابرينا ميرفين Sabrina Mervin:
تُعدّ الباحثة الفرنسية "سابرينا ميرفين"، مواليد ( 1968م تقريبًا)، من أبرز المستشرقين المعاصرين المتخصصين في الدراسات الشيعية، وقد كرّست جانبًا كبيرًا من أبحاثها لدراسة المرجعية الإمامية، والحوزة العلمية في النجف، والعلاقة بين المرجع والمجتمع، وتطوّر المؤسسة الدينية الشيعية في العراق ولبنان وإيران. عملت باحثةً في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، كما ارتبطت أبحاثها بـ المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (IFPO)، وأجرت دراسات ميدانية واسعة في النجف والجنوب العراقي ولبنان، الأمر الذي منح كتاباتها ميزة لا تتوافر لدى كثير من الباحثين الغربيين الذين اعتمدوا على المصادر المكتوبة وحدها. وتُعدّ كتبها وأبحاثها، ولا سيّما: النجف: المركز الديني للإسلام الشيعي Le Najaf, centre religieux de l'islam chiite، و رجال الدين في جبل عامل The Clerics of Jabal ʿAmil، وعدد من الدراسات المنشورة في المجلات الأكاديمية، من أهم المراجع الغربية المعاصرة عن المرجعية الشيعية.
وتكمن أهمية ميرفين في أنها نقلت دراسة المرجعية من مستوى التنظير الفقهي أو التاريخي إلى دراسة المؤسسة المرجعية بوصفها كيانًا حيًا يتفاعل مع المجتمع، ويؤثر في الحياة الدينية والسياسية والثقافية. فهي لا تنظر إلى المرجعية باعتبارها مجرد منصب فقهي، وإنما بوصفها منظومة متكاملة تضمّ الحوزة العلمية، والمرجع، والوكلاء، وطلاب العلوم الدينية، والمؤسسات الخيرية، وشبكات الاتصال الديني، ممّا يجعلها من أقرب الباحثين الغربيين إلى فهم الواقع الحوزوي.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمتها: Marja’iyyah، وقد أبقت على اللفظ العربي دون ترجمة، إدراكًا منها لعدم وجود مقابل أوروبي يعكس جميع أبعاده الفقهية والمؤسسية. وترى أن المرجعية ليست مجرد وظيفة للإفتاء، وإنما مؤسسة دينية مستقلة تقوم على الاعتراف العلمي، والثقة الاجتماعية، والاستقلال المالي، والقدرة على إدارة شبكة واسعة من العلاقات الدينية داخل العالم الشيعي.
كما اعتمدت مصطلح Hawza، وأبقت عليه بصيغته العربية، رافضةً ترجمته إلى تعبيرات مثل Seminary أو Religious School، لأن الحوزة العلمية - في رأيها - ليست مدرسة دينية بالمعنى التقليدي، وإنما مؤسسة علمية مستقلة ذات نظام تعليمي خاص، تتكون من حلقات الدرس، وبحوث الخارج، والإجازات العلمية، والعلاقة المباشرة بين الأستاذ والتلميذ. وتؤكد أن فهم المرجعية لا يمكن أن يتحقق من دون فهم طبيعة الحوزة نفسها.
ومن المصطلحات التي ركزت عليها أيضًا Networks of Authority؛ أي «شبكات السلطة الدينية»، وتقصد بها شبكة الوكلاء، والمكاتب، والمؤسسات التعليمية والخيرية، والعلاقات التي تربط المرجع بالمقلدين في مختلف البلدان. وترى أن هذه الشبكات هي التي منحت المرجعية القدرة على تجاوز الحدود الجغرافية، والحفاظ على حضورها حتى في فترات الاضطراب السياسي، وهو تحليل يلتقي مع ما ذهب إليه خوان ريكاردو كول وليندا والبرج، لكنه يعتمد بدرجة أكبر على الملاحظة الميدانية.
ومن أبرز إسهامات ميرفين دراستها الدقيقة لمدينة النجف بوصفها العاصمة العلمية للمذهب الإمامي، إذ أوضحت أن قوّة النجف لم تكن نابعة من نفوذ سياسي، بل من استقلالها العلمي، واستمرار تقاليدها الحوزوية، وقدرتها على استقطاب الطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. كما أبرزت الدور الذي تؤدّيه المرجعية في إدارة المؤسسات التعليمية والخيرية، وفي المحافظة على وحدة المجتمع الشيعي، دون أن تتحوّل إلى جهاز إداري مركزي.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، ترى ميرفين أن ألقابًا مثل «حجّة الإسلام» و«آية الله» و«آية الله العظمى» تمثل تعبيرًا عن الاعتراف العلمي الذي يمنحه الوسط الحوزوي، لكنها تؤكّد أن هذه الألقاب لا تخضع لنظام رسمي أو قانون مكتوب، وإنما تتطوّر بصورة عرفية تبعًا للمكانة العلمية للفقيه واتساع دائرة مقلّديه. كما تشير إلى أن استعمال لقب «آية الله العظمى» أصبح أكثر شيوعًا في القرن العشرين مع اتّساع المرجعية العامة، إلا أنها تنبّه إلى أن استعماله يختلف من بيئة حوزوية إلى أخرى، ولا يمثّل رتبة قانونية ثابتة.
ومن القضايا التي أولتها اهتمامًا خاصًا: العَلاقة بين النجف وقم، حيث ترى أن المركزين يشتركان في الأسس الفقهية للمذهب الإمامي، لكنهما يختلفان في بعض أنماط إدارة الحوزة، وفي درجة الانخراط في الشأن السياسي. وتؤكّد أن النجف حافظت تاريخيًا على استقلالها النسبي عن السلطة السياسية، في حين شهدت قم تطورًا مختلفًا بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو ما انعكس على طبيعة حضور المرجعية في كل من المدينتين.
ومع القيمة العلمية الكبيرة لأعمال ميرفين، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد تأثّرت بمنهج الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ممّا جعلها تركّز على البنية المؤسسية، والعلاقات الاجتماعية، والشبكات الحوزوية، أكثر من تركيزها على التطوّر الداخلي لنظرية الاجتهاد في علم أصول الفقه. كما أن اهتمامها انصبّ على المرجعية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ولم تتوسع في تحليل المراحل المبكّرة لتطوّر الألقاب العلمية، كما فعل أندرو نيومان أو إيتان كولبرغ. ومع ذلك، فإن اعتمادها على العمل الميداني، والمقابلات المباشرة، والمصادر العربية المعاصرة، منح دراساتها قيمة استثنائية في فهم المرجعية الشيعية بوصفها مؤسسة دينية حية.
وتحتل سابرينا ميرفين مكانة متقدمة بين الباحثين الغربيين المعاصرين، لأنها جمعت بين الدراسة التاريخية، والتحليل السوسيولوجي، والبحث الميداني، وقدّمت صورة دقيقة عن المرجعية في النجف وآليات عملها الداخلية. ولهذا تُعدّ أعمالها امتدادًا وتطويرًا لدراسات ليندا والبرج ورينر برونر، مع إضافة بُعْد ميداني يجعلها من أهمّ المراجع الغربية الحديثة في دراسة المرجعية الشيعية وتطوّرها المؤسسي ووظيفتها الدينية والاجتماعية.
- سعيد أمير أرجمند Said Amir Arjomand:
يُعدّ عالم الاجتماع والمؤرخ الأمريكي من أصل إيراني (سعيد أمير أرجمند)، مواليد (1946-؟)، أحد أبرز الباحثين الغربيين في الفكر السياسي الشيعي، وقد أسهم إسهامًا كبيرًا في تفسير تطوّر المؤسسة الدينية الإمامية وعلاقتها بالسلطة السياسية منذ العصر الصفوي حتى العصر الحديث. ولد في طهران، ودرس في إيران ثم في الولايات المتحدة، وعمل أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة ولاية (نيويورك) في (ستوني بروك (Stony Brook University)، كما شغل مناصب علمية في عدد من مراكز الدراسات المتخصصة بالإسلام والشرق الأوسط. ويُعدّ كتابه: ظلّ الله والإمام الغائب: الدين والنظام السياسي والتغير الاجتماعي في إيران الشيعية من البدايات حتى عام 1890 The Shadow of God and the Hidden Imam Religion, Political Order, and Societal Change in Shiʿite Iran from the Beginning to 1890 من أهمّ المؤلّفات الغربية في دراسة تطوّر السلطة الدينية الشيعية، إلى جانب كتابه Authority and Political Culture in Shiʿism وعدد كبير من البحوث التي تناولت المرجعية، وولاية الفقيه، والتحولات السياسية في الفكر الإمامي.
وتنبع أهمية أرجمند في أنه لم يتناول المرجعية بوصفها مؤسسة فقهية فحسب، وإنما درسها في إطار تطور مفهوم السلطة الشرعية داخل المجتمع الشيعي، محاولًا تفسير الكيفية التي انتقلت بها القيادة الدينية من الإمامة المعصومة إلى الفقهاء في عصر الغيبة، ثم تطورت إلى مؤسسة مرجعية مستقلة. ولذلك تختلف معالجته عن دراسات إيتان كولبرغ وروبرت غليف، اللذين ركزا على الجوانب الفقهية، وعن ليندا والبرج وسابرينا ميرفين اللتين ركزتا على البناء المؤسسي، إذ ينظر أرجمند إلى المرجعية بوصفها عنصرًا من عناصر النظام الاجتماعي والسياسي في المجتمعات الشيعية.
ومن أكثر المصطلحات حضورًا في كتاباته: Religious Authority؛ أي «السلطة الدينية»، إلا أنه يفسّـرها في إطار علم الاجتماع السياسي، ويرى أنها تمثّل نوعًا من السلطة الشـرعية (Legitimate Authority) التي تستند إلى الاعتراف الاجتماعي بالكفاءة العلمية والورع، لا إلى القوّة السياسية أو الوراثة. ويلاحظ أن استعماله لهذا المصطلح تأثّر بنظرية ماكس فيبر في أنماط السلطة، وإن كان يكيّفها لتفسير التجربة الشيعية.
كما يستخدم مصطلح Hierocracy؛ أي «حكم العلماء» أو «السلطة الدينية»، للدلالة على ازدياد نفوذ العلماء في المجتمع الشيعي، ولا سيّما منذ العصر الصفوي. ويرى أن المؤسسة الدينية الشيعية تطوّرت تدريجيًا حتى أصبحت قادرة على ممارسة تأثير واسع في الحياة العامة، دون أن تتحوّل إلى كنيسة أو مؤسسة كهنوتية بالمعنى المسيحي. ويُعدّ هذا المصطلح من أكثر مصطلحاته إثارة للنقاش، لأن بعض الباحثين يرى أن كلمة حُكم رجال الدين أو الحكم الديني الكهنوتي Hierocracy قد توحي بنظام ديني هرمي لا ينسجم تمامًا مع طبيعة المرجعية الشيعية القائمة على الاجتهاد والأعلمية، وليس على التسلسل الإداري.
ومن المفاهيم الأساسية عند أرجمند: The Hidden Imam؛ أي «الإمام الغائب»، إذ يرى أن فهم المرجعية لا يمكن أن ينفصل عن نظرية الغيبة الكبرى. ويؤكّد أن المرجعية نشأت استجابة للحاجة إلى تنظيم الحياة الدينية في غياب الإمام، وأن الفقهاء لم يدّعوا وراثة مقام الإمامة، وإنما مارسوا وظائف محدّدة في الإفتاء والقضاء وإدارة الحقوق الشـرعية. ويقترب في هذا التحليل من عبد العزيز ساشادينا، لكنه يدرسه من منظور سوسيولوجي تاريخي، لا من منظور فقهي أو كلامي.
كما أولى اهتمامًا بالعلاقة بين الدولة الصفوية والعلماء، مبيّنًا أن الاعتراف الرسمي بالمذهب الإمامي أوجد بيئة جديدة لتوسّع نفوذ الفقهاء، لكنه يرى أن المرجعية المستقلة لم تتبلور بصورة كاملة إلا بعد انتقال مركز الثقل العلمي إلى النجف، في أواخر القرن الثامن عشـر والقرن التاسع عشـر، حيث تمكّن العلماء من ممارسة نشاطهم بعيدًا عن سيطرة الدولة. ويعدّ هذا التحليل من أبرز نقاط التقاء أرجمند مع أندرو نيومان وخوان ريكاردو كول.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، يرى أرجمند أن ألقابًا مثل «حجة الإسلام» و«آية الله» و«آية الله العظمى» تعكس تطوّر السلطة العلمية للفقهاء، إلا أنه لا يعدّها رتبًا رسمية داخل المؤسسة الدينية، بل تعبيرات عرفية اكتسبت مشروعيتها من الاعتراف الاجتماعي والعلمي. ويرى أن شيوع لقب «آية الله» خلال القرن العشرين ارتبط بتوسّع الدور العام للمرجعية، وبخاصة بعد تصاعد الحضور السياسي لعلماء الدين في إيران والعراق.
ومن أبرز إسهاماته: تحليله للعلاقة بين المرجعية وولاية الفقيه، إذ يميّز بين المرجعية بوصفها مؤسسة فقهية قائمة على التقليد، وبين الولاية بوصفها نظرية في ممارسة السلطة السياسية. ويؤكّد أن الجمع بين الوظيفتين ليس أمرًا لازمًا في الفكر الإمامي، وإنما يمثّل أحد الاتجاهات التي تطوّرت في العصر الحديث. وتُعدّ هذه الملاحظة من أهمّ إسهاماته، لأنها تفسّـر اختلاف مواقف مدارس النجف وقم من الدور السياسي للمرجعية.
ومع ما تتميّز به أعمال (أرجمند) من عمق نظري، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد غلب عليها الطابع السوسيولوجي، ممّا جعله يفسّـر تطوّر المرجعية من خلال نظريات السلطة والبناء الاجتماعي أكثر من تفسيرها في ضوء التطوّر الداخلي لعلم أصول الفقه. كما أن استعماله لبعض المصطلحات المستمدة من علم الاجتماع السياسي، مثل: حُكم رجال الدين، أو الحكم الديني الكهنوتي Hierocracy، أثار نقاشًا بين الباحثين؛ لأنها قد توحي بوجود بنية كهنوتية أو هرمية لا تنطبق تمامًا على طبيعة الحوزة العلمية الإمامية. كذلك، فإنه لم يفرد دراسة مستقلة لتاريخ الألقاب العلمية، وإنما تناولها ضمن تحليله لتطور السلطة الدينية.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن سعيد أمير أرجمند يُعدّ من أكثر الباحثين الغربيين تأثيرًا في تفسير العلاقة بين المرجعية والسلطة السياسية، وقد أسهم في إدخال مناهج علم الاجتماع السياسي إلى دراسة المؤسسة المرجعية، وربط بين تطوّرها التاريخي، وتحوّلات الدولة، وبنية المجتمع الشيعي. ولذلك تمثّل أعماله حلقة مهمة في الدراسات الغربية المعاصـرة، وتكمل التحليلات الفقهية التي قدمها إيتان كولبرغ وروبرت غليف، والتحليلات المؤسسية التي قدمتها ليندا والبرج وسابرينا ميرفين، ممّا يجعلها من أهمّ المراجع لفهم تطوّر المرجعية الشيعية في بعدها التاريخي والسياسي والاجتماعي.
- شاول بخاش Shaul Bakhash:
يُعدّ الباحث الأمريكي من أصل إيراني (شاول بخاش)، مواليد (1943-؟) من أبرز المؤرّخين الغربيين المتخصصين في التاريخ السياسي والفكري لإيران الحديثة. وقد أسهم في دراسة المؤسسة المرجعية الشيعية من خلال تحليل دور كبار المراجع في الحياة السياسية والاجتماعية خلال القرنين التاسع عشـر والعشرين. تلقّى تعليمه في الولايات المتحدة، وعمل أستاذًا للتاريخ في (جامعة جورج ميسون) (George Mason University)، كما شغل مناصب بحثية في عدد من المؤسسات الأكاديمية الأمريكية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط. ويُعدّ كتابه: حُكم آيات الله: إيران والثورة الإسلامية The Reign of the Ayatollahs: Iran and the Islamic Revolution من أشهر الدراسات الغربية عن المرجعية الشيعية في العصر الحديث، إلى جانب مؤلفاته الأخرى عن الثورة الإيرانية، والعلماء، والدولة، والتطوّر السياسي في إيران.
وتنبع أهمية (بخاش) في أنه لم يتناول المرجعية من زاوية العقيدة أو الفقه، كما فعل إيتان كولبرغ وروبرت غليف، ولا من زاوية البناء الاجتماعي كما فعل مايكل فيشر وسابرينا ميرفين، وإنما ركّز على المرجعية بوصفها فاعلًا سياسيًا، وكيف تحوّلت من مؤسسة دينية معنية بالإفتاء والتعليم إلى قوّة مؤثّرة في الحياة العامة، ولا سيّما منذ الحركة الدستورية الإيرانية وحتى الثورة الإسلامية عام 1979م.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمها: Grand Ayatollah، أي «آية الله العظمى»، ويُعدّ من أوائل الباحثين الغربيين الذين خصّصوا اهتمامًا واضحًا بتحليل هذا اللقب. ويرى أن ظهور لقب Grand Ayatollah في الأدبيات الغربية ارتبط باتّساع نفوذ المرجع الأعلى خلال القرن العشرين، ولا سيّما مع شخصيات مثل حسين البروجردي وروح الله الخميني. إلا أنه يوضّح أن هذا اللقب ليس منصبًا رسميًا تمنحه هيئة دينية، وإنما هو تعبير عن المكانة العلمية واتّساع دائرة التقليد، وهو استنتاج يتفق مع ما توصّل إليه أندرو نيومان، وروبرت غليف، وسابرينا ميرفين.
كما يستخدم مصطلح Religious Establishment؛ أي «المؤسسة الدينية»، ويقصد به مجموع المراجع، والحوزات، والوكلاء، والمؤسسات العلمية والمالية التي تشكّل البنية العامة للمرجعية. ويرى أن هذه المؤسسة استطاعت أن تحافظ على استقلالها عن الدولة بفضل اعتمادها على الموارد الشرعية، وعلى رأسها الخمس، ممّا منحها قدرة على التأثير في المجتمع دون الحاجة إلى سلطة رسمية.
ومن المصطلحات المهمة كذلك: Political Clergy؛ أي «رجال الدين المنخرطون في العمل السياسي». ويستعمل (بخاش) هذا المصطلح لوصف العلماء الذين تجاوزوا الدور الفقهي التقليدي إلى المشاركة المباشرة في قيادة الحركات السياسية. إلا أن هذا المصطلح يحتاج إلى شيء من التحفّظ؛ لأن كلمة Clergy في الأدبيات الغربية تشير إلى الإكليروس المسيحي، بينما لا يعرف الفقه الإمامي مؤسسة كهنوتية بهذا المعنى. ولذلك فإن مصطلح «العلماء» أو «الفقهاء» أدقّ في التعبير عن الواقع الشيعي.
ومن أبرز إسهاماته: تحليله للتطوّر التاريخي للقب آية الله، إذ يرى أن هذا اللقب كان محدود التداول قبل القرن العشرين، ثم أصبح أكثر شيوعًا مع ازدياد نفوذ كبار المجتهدين، ولا سيّما في النجف وقم. ويشير إلى أن لقب آية الله العظمى لم يكتسب حضوره العالمي إلا بعد خمسينيات القرن العشرين، ثم انتشر بصورة واسعة عقب الثورة الإسلامية الإيرانية، حتى أصبح في الإعلام الغربي مرادفًا للمرجع الأعلى، مع أن الاستعمال الحوزوي أكثر مرونة ولا يخضع لضوابط قانونية.
كما اهتم (بخاش) بدراسة العلاقة بين المرجعية والدولة، ويرى أن القرن العشرين شهد انتقال المرجعية من مرحلة التأثير غير المباشـر إلى مرحلة المشاركة الفعلية في صياغة الأحداث السياسية، سواء خلال الثورة الدستورية الإيرانية، أم في مواجهة نظام الشاه، أم بعد قيام الجمهورية الإسلامية. لكنه يميّز بين التجربة الإيرانية وتجربة النجف، مؤكّدًا أن مرجعية النجف احتفظت - في معظم مراحلها - بدرجة أكبر من الاستقلال عن السلطة السياسية، وهو ما منحها خصوصية داخل العالم الشيعي.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، يلاحظ بخاش أن استعمال «حجّة الإسلام»، و«آية الله»، و«آية الله العظمى» يعكس تطورًا اجتماعيًا وإعلاميًا بقدر ما يعكس تطورًا علميًا، ويشير إلى أن الإعلام الغربي كثيرًا ما تعامل مع لقب «آية الله» باعتباره رتبة دينية ثابتة، في حين أن الواقع الحوزوي يعتمد على الاعتراف بالأعلمية واتساع دائرة التقليد، لا على وجود سلم إداري أو نظام ترقية رسمي.
ومع ما تتميز به أعمال بخاش من قيمة علمية، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد ركّز اهتمامه على إيران أكثر من العراق، وجعل الثورة الإسلامية محورًا رئيسًا لتحليلاته، الأمر الذي أدّى إلى تقليل مساحة الحديث عن تطوّر المرجعية في النجف قبل القرن العشرين. كما أن اهتمامه بالتاريخ السياسي جاء أحيانًا على حساب التحليل الأصولي والفقهي لنظرية الاجتهاد والتقليد، وهو الجانب الذي تناوله بإسهاب كولبرغ وغليف. كذلك لم يفرد دراسة مستقلة لتاريخ نشأة الألقاب العلمية، وإنما تناولها في سياق تطوّر الدور السياسي للمراجع.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن (شاول بخاش) يُعدّ من أهمّ الباحثين الغربيين في دراسة المرجعية الشيعية في العصر الحديث، لأنه أبرز التحولات التي شهدتها المؤسسة المرجعية في القرن العشرين، وربط بين تطوّر ألقابها العلمية واتّساع حضورها في المجال العام. وتمثّل أعماله امتدادًا للدراسات التاريخية التي قدمتها نيكي كيدي وفانيسا مارتن، وللدراسات السوسيولوجية التي قدمها سعيد أمير أرجمند، ممّا يجعلها من أهمّ المراجع الغربية لفهم تطوّر المرجعية الشيعية ودورها السياسي في العصر الحديث.
- ديفيد ميناشري David Menashri:
يُعدّ الباحث الإسرائيلي (ديفيد ميناشري)، مواليد (1945-؟) من أبرز الباحثين الغربيين في تاريخ إيران الحديث والتشيّع الإمامي، وقد أسهم في دراسة تطوّر المرجعية الشيعية والحوزات العلمية، ولا سيّما في القرن العشرين. تلقّى تعليمه في الجامعة العبرية في القدس، ثم عمل أستاذًا للدراسات الإيرانية ورئيسًا لمركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب. وتركّزت أبحاثه على العلاقة بين الدين والدولة، والتعليم الديني، والمؤسسة المرجعية، والثورة الإسلامية الإيرانية، ويُعدّ كتابه: التعليم وتكوين إيران الحديثة Education and the Making of Modern Iran، إلى جانب دراساته عن الحوزات العلمية والمرجعية، من المراجع المهمة في الدراسات الغربية المعاصرة.
وتنبع أهمية (ميناشـري) في أنه ركّز على الحوزة العلمية باعتبارها البيئة التي تتشكّل فيها المرجعية، ولذلك جاءت دراساته مكمّلة لأعمال روي موتحدة وسابرينا ميرفين، ولكن مع اهتمام أكبر بتطوّر التعليم الديني والمؤسسات العلمية. ويرى أن فهم المرجعية لا يمكن أن يتحقق من خلال دراسة شخصية المرجع وحدها، بل من خلال دراسة النظام التعليمي الذي يخرج المجتهدين، والعلاقات العلمية التي تربط الأساتذة بالطلاب، وآليات انتقال القيادة الدينية داخل الحوزة.
ومن أكثر المصطلحات التي استخدمها: Religious Education؛ أي «التعليم الديني»، ويرى أن الحوزة العلمية ليست مجرد مؤسسة لتدريس الفقه، بل هي مركز لإعداد القيادات الدينية التي تتولى فيما بعد وظائف الإفتاء والقضاء والتدريس والإرشاد، وقد يصل بعضها إلى مرتبة المرجعية العليا.
كما استعمل مصطلح Shīʿī Religious Establishment؛ أي «المؤسسة الدينية الشيعية»، ويقصد به مجموع الحوزات، والمراجع، والوكلاء، والمؤسسات الخيرية والتعليمية التي تشكل البنية التنظيمية للمرجعية. ويؤكّد أن هذه المؤسسة تطوّرت تدريجيًا منذ القرن التاسع عشـر، حتى أصبحت تتمتع باستقلال مالي وإداري منحها قدرة على التأثير في المجتمع بعيدًا عن أجهزة الدولة.
واهتم ميناشري كذلك بمفهوم Hawza- الحوزة، وأبقى على اللفظ العربي في كثير من كتاباته، ملاحظًا أن ترجمته إلى Seminary لا تعكس خصوصية النظام الحوزوي الإمامي، الذي يقوم على حرية اختيار الأستاذ، وعدم وجود مناهج مركزية ملزمة، واعتماد التدرج العلمي حتى الوصول إلى مرتبة الاجتهاد.
ومن أبرز إسهاماته: تحليله للعلاقة بين الحوزة والمرجعية، إذ يرى أن المرجع الأعلى لا يمثّل رأس مؤسسة بيروقراطية، وإنما يبرز من داخل الحوزة نتيجة الاعتراف العلمي بأعلميّته، ثم تتّسع دائرة مقلّديه تدريجيًا. ويؤكّد أن هذه الآلية تختلف عن أنظمة القيادة الدينية في كثير من التقاليد الدينية الأخرى، لأنها تقوم على القبول العلمي والاجتماعي، لا على التعيين الرسمي.
كما تناول تطوّر الحوزات العلمية في النجف وقم، ورأى أن انتقال عدد كبير من العلماء والطلاب بين المدينتين أسهم في توحيد كثير من المناهج العلمية، مع بقاء اختلافات في طبيعة العلاقة مع السلطة السياسية، ولا سيّما بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، يرى ميناشـري أن ألقاب «حجة الإسلام»، و«آية الله»، و«آية الله العظمى» تعكس تطوّرًا تاريخيًا في مكانة العلماء داخل المجتمع الشيعي، إلا أنها لا تمثّل درجات أكاديمية أو إدارية تمنحها جهة رسمية، وإنما ترتبط بالشهرة العلمية، والإنتاج الفقهي، واتّساع دائرة التقليد. ويؤكّد أن وسائل الإعلام الغربية كثيرًا ما بالغت في تصوير هذه الألقاب باعتبارها نظامًا هرميًا ثابتًا، بينما يكشف الواقع الحوزوي عن مرونة أكبر في استعمالها.
ومع ما تتميز به أعمال ميناشري من قيمة علمية، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد ركّز بدرجة أكبر على التجربة الإيرانية في القرن العشرين، وجاءت معالجته لتاريخ المرجعية في النجف خلال القرون السابقة أقلّ تفصيلًا. كما أن اهتمامه انصبّ على البنية التعليمية والمؤسسية للحوزة أكثر من اهتمامه بالتحليل الأصولي لنظرية الاجتهاد والتقليد، وهو الجانب الذي تناوله بإسهاب روبرت غليف وإيتان كولبرغ. كذلك لم يقدّم دراسة مستقلّة لتاريخ تطوّر الألقاب العلمية، بل تناولها في إطار تطوّر المؤسسة التعليمية الشيعية.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن ديفيد ميناشري يُعدّ من الباحثين المهمين في الدراسات الغربية المعاصرة عن المرجعية الشيعية، لأنه أبرز العلاقة الوثيقة بين الحوزة العلمية والمرجعية، وفسّـر كيفيّة تكوين القيادات الدينية داخل النظام الحوزوي، وربط بين تطوّر التعليم الديني واستمرار نفوذ المرجعية في العصـر الحديث. وتمثّل أعماله امتدادًا لدراسات روي موتحدة وسابرينا ميرفين، مع تركيز خاص على البنية التعليمية والمؤسسية للحوزة، ممّا يجعلها ذات أهمية كبيرة في دراسة تطوّر المرجعية الشيعية الحديثة.
- ماريا دي تشيليس Maria De Cillis:
تُعدّ الباحثة الإيطالية (ماريا دي تشيليس) من الباحثين الغربيين المعاصرين الذين أولوا اهتمامًا خاصًا بالفكر الإمامي، ولا سيّما تطوّر مفهوم السلطة الدينية والمرجعية في العصر الحديث. تعمل أستاذة للدراسات الإسلامية في (جامعة لوفان الكاثوليكية) (Université catholique de Louvain)، وتركّز أبحاثها على الفكر الشيعي الإمامي، وتاريخ المرجعية، والعلاقة بين الفقه والكلام والفلسفة السياسية في الإسلام الشيعي. وقد عُرفت على نطاق واسع بدراساتها عن المرجع الإيراني محمد حسين الطباطبائي، ولا سيّما كتابها: الشريعة الإسلامية وتحدّي الحداثة: الجدل حول حقوق المرأة في الفكر الشيعي في القرن العشرين Islamic Law and the Challenge of Modernity: The Debate on the Rights of Women in Twentieth-Century Shīʿī Thought، إلى جانب عدد من الدراسات المحكمة التي تناولت تطوّر المرجعية، والاجتهاد، والسلطة الدينية في الفكر الإمامي المعاصر.
وتكمن أهمية (دي تشيليس) في أنها تنتمي إلى الجيل الجديد من الباحثين الغربيين الذين تجاوزوا دراسة المرجعية بوصفها مؤسسة تاريخية أو سياسية، واتّجهوا إلى تحليل الأسس الفكرية والفلسفية التي تقوم عليها سلطة المرجع في الفقه الإمامي. ولذلك جاءت دراساتها امتدادًا لأعمال إيتان كولبرغ وروبرت غليف، مع اهتمام أكبر بالتحوّلات الفكرية التي شهدتها المرجعية خلال القرن العشرين، ولا سيّما في ظلّ تحديات الحداثة، والدولة الحديثة، وحقوق الإنسان.
ومن أكثر المصطلحات التي تستخدمها: Religious Authority؛ أي «السلطة الدينية»، لكنها لا تقصـره على سلطة الإفتاء، بل تدرسه بوصفه مفهومًا معرفيًا وأخلاقيًا يستند إلى الاجتهاد، والكفاءة العلمية، والقبول الاجتماعي. وترى أن المرجعية في الفكر الإمامي لا تستمد مشروعيتها من مؤسسة دينية مركزية، وإنما من الاعتراف العلمي الذي يمنحه الوسط الحوزوي، ومن قبول جمهور المقلّدين، وهو ما يميّزها عن النظم الدينية ذات البناء الكنسي.
كما تركّز على مصطلح Ijtihad (الاجتهاد)، وتؤكّد أن الاجتهاد يمثّل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها نظام المرجعية. وترى أن تطوّر المرجعية لا يمكن فهمه إلا من خلال تتبع تطوّر علم أصول الفقه، لأن توسّع صلاحيات المجتهد كان العامل الرئيس في بروز المرجع الأعلى بوصفه المرجع الديني للأمّة. وتلتقي في هذا التحليل مع إيتان كولبرغ وروبرت غليف، لكنها تضيف إليه بعدًا فلسفيًا يتعلّق بطبيعة المعرفة الدينية وإمكان تجددها.
ومن المصطلحات التي تكرر استخدامها أيضًا: Taqlid (التقليد)، إذ ترى أن التقليد لا يمثّل مجرّد علاقة فقهية بين المكلَّف والمجتهد، وإنما يشكّل أحد الأسس التي تنظم العلاقة بين السلطة الدينية والمجتمع. وتوضح أن مفهوم التقليد شهد تطوّرًا ملحوظًا منذ القرن التاسع عشر، مع تبلور فكرة المرجع الأعلى واتساع دائرة نفوذ المراجع خارج حدود الدولة الواحدة، وهو ما أدى إلى نشوء مرجعية ذات امتداد عالمي.
كما أولت اهتمامًا خاصًا بالعلاقة بين المرجعية والحداثة، مبينة أن الفكر الإمامي لم يقف موقفًا واحدًا من القضايا الحديثة، بل شهد اتجاهات متعددة في كيفية التعامل مع الدولة الحديثة، والدستور، وحقوق المرأة، والحريات العامة. وترى أن المرجعية لم تكن مؤسسة جامدة، وإنما تطوّرت استجاباتها الفقهية تبعًا لتغيّر الظروف التاريخية والاجتماعية، مع احتفاظها بأصولها الاجتهادية.
وفيما يتعلّق بالألقاب العلمية، تشير (دي تشيليس) إلى أن ألقاب «حجة الإسلام» و«آية الله» و«آية الله العظمى» ليست جزءًا من هيكل قانوني ثابت، وإنما هي تعبيرات نشأت داخل الوسط الحوزوي لتعكس المكانة العلمية للفقيه، ثم تطوّرت دلالاتها مع توسّع المؤسسة المرجعية في العصر الحديث. وتؤكد أن هذه الألقاب لا تكتسب مشروعيتها من تعيين رسمي، بل من الاعتراف العلمي واتّساع دائرة التقليد، وهو استنتاج ينسجم مع ما توصل إليه أندرو نيومان، وروبرت غليف، وسابرينا ميرفين.
ومن أبرز إسهامات دي تشيليس إبرازها للتداخل بين الفقه والكلام والفلسفة في بناء نظرية المرجعية، إذ ترى أن سلطة المرجع ليست مسألة فقهية خالصة، وإنما تقوم أيضًا على أسس عقدية ومعرفية وأخلاقية. ولذلك فإن دراسة المرجعية تقتضي، في نظرها، الجمع بين تحليل النصوص الأصولية، ودراسة الفكر الكلامي، وتتبع التحولات الاجتماعية والسياسية التي أثرت في المؤسسة المرجعية.
ومع القيمة العلمية لأعمالها، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات النقدية. فقد ركّزت معظم أبحاثها على الفكر الإمامي المعاصر، ولا سيّما المدرسة الإيرانية، بينما جاءت معالجتها للتطوّر التاريخي المبكّر للمرجعية أقلّ تفصيلًا من دراسات أندرو نيومان أو إيتان كولبرغ. كما أن اهتمامها بالفلسفة الدينية جعلها أقلّ عناية بالجوانب المؤسسية والإدارية للمرجعية، مثل شبكات الوكلاء، وإدارة الحقوق الشرعية، والتنظيم الداخلي للحوزات، وهي موضوعات توسّعت فيها ليندا والبرج وسابرينا ميرفين.
وعلى الرغم من ذلك، فإن ماريا دي تشيليس تمثّل أحد أبرز الأصوات الغربية المعاصرة في دراسة المرجعية الشيعية، لأنها نقلت البحث من الوصف التاريخي إلى التحليل الفلسفي والمعرفي، وربطت بين نظرية الاجتهاد، والسلطة الدينية، وتحديات الحداثة. وتُعدّ أعمالها امتدادًا للدراسات الكلاسيكية التي قدّمها كولبرغ وغليف، مع إضافة رؤية تحليلية حديثة تجعلها من الباحثين المهمين في فهم تطوّر المرجعية الشيعية في الفكر الغربي المعاصر.
ومن المفيد الإشارة إلى أن إنتاج ماريا دي تشيليس العلمي يتركز بصورة أكبر على الفكر الإمامي الحديث، ومحمد حسين الطباطبائي، وقضايا الفقه والحداثة، وليس لديها مؤلّف مستقل مخصّص لتاريخ المرجعية أو تطوّر ألقابها العلمية، ولذلك ينبغي الاستفادة من أعمالها بوصفها مصدرًا لتحليل الأسس الفكرية للسلطة الدينية أكثر من كونها مرجعًا مباشرًا في تاريخ المرجعية وتطور ألقابها.
الخلاصة:
يمكن تقسيم الباحثين الغربيين الذين تناولوا المرجعية الشيعية إلى أربعة أجيال علمية متتابعة، لكل جيل منهجه ومصطلحاته واهتماماته الخاصة.
فقد انصب اهتمام الجيل الأوّل، الذي مثّله دوايت م. دونالدسن، على التعريف بالمذهب الإمامي ومؤسساته الدينية من منظور تاريخي وصفي. وكانت كتاباته تمثّل أوّل محاولة غربية لتقديم مفهوم المرجعية إلى القارئ الإنجليزي، إلا أن تحليله بقي متأثرًا بالمصطلحات الكنسية الغربية، فاستعمل تعبيرات مثل Priesthood وHierarchy، وهي مصطلحات لا تعكس بدقة طبيعة المؤسسة الدينية الشيعية، لأنها توحي بوجود كهنوت أو تسلسل هرمي رسمي، وهو ما لا تعرفه الحوزة العلمية الإمامية.
ثم جاء الجيل الثاني ممثّلًا بإيتان كولبرغ، وعبد العزيز ساشادينا، وأندرو نيومان، فانتقلت الدراسات من الوصف العام إلى البحث في الأصول الفكرية والفقهية للمرجعية. وركّز هؤلاء على نشأة الاجتهاد، ومفهوم التقليد، وتطوّر وظيفة الفقيه في عصر الغيبة. ومنذ هذه المرحلة بدأ الباحثون يتخلون عن المصطلحات الكنسية، واتجهوا إلى استعمال مصطلحات أكثر دقّة مثل Religious Authority وMujtahid وMarjaʿ al-Taqlid، بل إن بعضهم أبقى الألفاظ العربية دون ترجمة، إدراكًا لعدم وجود مقابل دقيق لها في اللغات الأوروبية.
أمّا الجيل الثالث، الذي يمثّله خوان ريكاردو كول، وروي موتحدة، ومايكل فيشر، وليندا والبرج، فقد وسّع دائرة البحث لتشمل البعد الاجتماعي للمؤسسة المرجعية. فلم تعد المرجعية تُدرس باعتبارها مؤسسة فقهية فحسب، وإنما بوصفها شبكة اجتماعية وثقافية واقتصادية تمتد بين النجف وقم وسائر المجتمعات الشيعية. ومن هنا ظهرت مصطلحات مثل Religious Networks وMoral Authority وTransnational Religious Authority، التي أبرزت دور الوكلاء، والمؤسسات الخيرية، والحوزات العلمية، وشبكات التقليد العابرة للحدود.
ثم جاء الجيل الرابع، الذي يضم سابرينا ميرفين، ورينر برونر، وروبرت غليف، وفانيسا مارتن، وماريا دي تشيليس، ليدرس المرجعية بوصفها مؤسسة متعددة الأبعاد تجمع بين الفقه، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والفكر السياسي. وأصبحت المرجعية في هذه الدراسات تُفهم من خلال علاقتها بالحوزة العلمية، والسلطة السياسية، والهوية الشيعية، والعولمة، ووسائل الاتصال الحديثة، ولم تعد مجرد مؤسسة للإفتاء.
ومن خلال استقراء هذه الدراسات يتّضح أن المصطلحات الغربية نفسها مرّت بمراحل من التطوّر. ففي البداية استعملت ألفاظ مثل: الكهنوت، والإكليروس، والتراتبية الكنسية. Priesthood وClergy وEcclesiastical Hierarchy، وهي ألفاظ مستمدة من التجربة الكنسية المسيحية، ثم تخلّت عنها الدراسات الحديثة تدريجيًا لأنها لا تنطبق على البناء العلمي للحوزة الإمامية، الذي يقوم على الاجتهاد والأعلمية والقبول الاجتماعي، لا على الرسامة الدينية أو التسلسل الإداري.
وفي المقابل، برزت مصطلحات أكثر دقّة مثل Religious Authority وMarja’iyyah وMarjaʿ al-Taqlid وHawza وIjtihad، بل إن كثيرًا من الباحثين فضّلوا الإبقاء على هذه المصطلحات العربية دون ترجمة، لأن ترجمتها تؤدي غالبًا إلى فقدان جزء من مدلولها الفقهي والتاريخي.
كما تكشف هذه الدراسات أن مفهوم آية الله لم يحظَ باهتمام الباحثين الأوائل، وإنما بدأ يلفت الأنظار منذ منتصف القرن العشرين، ولا سيّما بعد مرجعية السيد حسين البروجردي، ثم ازداد الاهتمام به بصورة كبيرة بعد الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979م. وقد أجمع معظم الباحثين الغربيين المعاصرين على أن لقب آية الله، وكذلك لقب آية الله العظمى، ليس رتبة كنسية ولا منصبًا تمنحه مؤسسة رسمية، وإنما هو لقب علمي عرفي يعكس المكانة الفقهية للفقيه، ومدى اعتراف الحوزة العلمية والأوساط الشيعية بأعلميته واتساع دائرة مقلديه.
ويلاحظ أيضًا أن معظم الباحثين الغربيين ركّزوا على المرجعية في إيران أكثر من العراق، نتيجة تأثير الثورة الإسلامية الإيرانية في الدراسات الأكاديمية الغربية منذ أواخر سبعينيات القرن العشـرين. أمّا مرجعية النجف، فلم تحظَ بالعناية نفسها إلا في العقود الأخيرة، بفضل الدراسات الميدانية التي أنجزتها: ليندا والبرج، وسابرينا ميرفين، ورينر برونر، وغيرهم، والتي أبرزت استقلال المدرسة النجفية، وتميّزها عن التجربة الإيرانية.
ومن الناحية المنهجية يمكن القول إن الدراسات الغربية انتقلت من المنهج الوصفي عند دونالدسن، إلى المنهج التاريخي عند كولبرغ ونيومان، ثم إلى المنهج السوسيولوجي والأنثروبولوجي عند فيشر وموتحدة والبرج، وأخيرًا إلى المنهج المقارن متعدّد التخصّصات عند ميرفين، وبرونر، وغليف، ودي تشيليس، وهو تطوّر يعكس نضج الدراسات الغربية حول المرجعية الشيعية خلال القرن الأخير.
ومع ذلك، فإن هذه الدراسات، على الرغم من أهميتها العلمية، لا تخلو من بعض المآخذ. فقد تأثّر بعض الباحثين بالمفاهيم الكنسية الأوروبية، كما غلب على بعضهم التركيز على التجربة الإيرانية وإهمال الدور التاريخي لمرجعية النجف، في حين انصرف آخرون إلى الجوانب السياسية والاجتماعية على حساب التحليل الأصولي والفقهي لنظرية الاجتهاد والتقليد. كما أن قلّة من الباحثين فقط تناولت بالتفصيل تطوّر الألقاب العلمية مثل «ثقة الإسلام»، و«حجّة الإسلام»، و«آية الله»، و«آية الله العظمى»، وهي القضية التي ما زالت بحاجة إلى دراسة تاريخية مستقلة تستند إلى المصادر العربية والفارسية الأصلية.
ولهذا، فإن الدراسة الحالية لا تقتصـر على عرض آراء الباحثين الغربيين، بل تسعى إلى نقد مصطلحاتهم، ومقارنتها بالمصادر الإمامية، وتتبع التطوّر التاريخي للمرجعية وألقابها منذ عصـر الغيبة الكبرى حتى المرجعية المعاصـرة، بما يسهم في تقديم رؤية تاريخية أكثر دقّة وتوازنًا لهذه المؤسسة العلمية والدينية.
قائمة المصادر والمراجع:
- إجناس جولدتسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمّد يوسف موسى وآخرون، الطبعة الأولى 1959م، القاهرة، المركز القومي للترجمة.
- إعادة قراءة التشيّع في العراق: حفريات استشراقية، تعريب وتقديم وتعليق: عبد الجبار ناجي، الكوفة، المركز الأكاديمي للأبحاث، 2015م.
- آندرو جَيْ. نيومان، الحقبة التأسيسية للتشيّع الاثني عشري خطاب الحديث بين قم وبغداد، ترجمة: علي زهير. مراجعة: حسن ناظم. الناشر: جامعة الكوفة – بيروت.
- إيتانكو هلبرغو، حديث الإمامة، للسيّد مصطفى مطهري، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة، الطبعة الأولى 2014م.
- برنارد لويس – أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية، ترجمة: خليل أحمد خليل، القاهرة، مكتبة آفاق، الطبعة الأولى، 2019م.
- دوايت دونالدسن، عقيدة الشيعة، تعريب: ع.م. الطبعة الأولى 1946، القاهرة.
- عبد العزيز ساشادينا، مساهمة الإمام الخوئي في التفسير القرآني، ترجمة: هادي نعمة، مجلة الاجتهاد والتجديد- بحوث ودراسات معاصرة، أبريل 14، 2016.
- فالح عبدالجبار، العمامة والأفندي سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة: أمجد حسين، بيروت – بغداد، منشورات الجمل، 2010م.
- فان فلوتن السيطرة العربيّة والشيعة والإسرائيليات، ترجمة: حسن إبراهيم حسن ومحمد زكي ابراهيم، القاهرة، 1934م.
- فرانسوا توال، الشيعة في العالم، ترجمة: نسيب عون، نشر دار الفارابي – بيروت، ط1 2007.
- فيليب حتي، المهدي، دائرة المعارف الكاثوليكيّة الأمريكيّة، المجلد التاسع.
- كولبرغ، إيتان، من الإمامية إلى الاثنى عشرية، مجلة الاجتهاد، بيروت، دار الاجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر، مج 5، ع19، 1993م.
- هاينز هالم – الغنوصية في الإسلام، ترجمة: رائد باشا، مراجعة: سالمة صالح، بيروت، منشورات دار الجمل، 2002م.
- هاينز هالم، إمبراطورية المهدي، صعود الفاطميين (875–973)، ترجمة: محمود كبيبو، دار الوراق للنشر، لندن–بيروت–بغداد، 2013م.
- مارشال هودجسـزن، مغامرة الإسلام: الضمير والتاريخ في حضارة عامية- العصر الكلاسيكي للإسلام، ترجمة: أسامة غاوجي، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2021م.
- هنري كوربان الإمام الثاني عشر، ترجمة: نوّاف محمود الموسوي، بيروت، دار الهادي، الطبعة الأولى، 1428هـ، 2007م.
- هنري كوربان، الشيعة الاثنا عشرية، ترجمة: ذوقان قرقوط، القاهرة، 1413هـ.
- هولندا أس والبرج، دراسة في مؤسسة مرجعية التقليدية، ترجمة: هناء خفيف غني، الكوفة، المركز الأكاديمي للأبحاث، طبعة ثانية،2017م.
- يان ريشار، الإسلام الشيعي: عقائد وأيديولوجيات، ترجمة: حافظ الجمالي، دار عطيّة، بيروت،1996م.
- يوليوس فلهوزن – الخوارج والشيعة، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، دار النهضة، مصر، 1958.
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٧ ǀ خريف ٢٠٢٦ ǀ السنة الرابعة والعشرون