التوظيف الديني للمسيحانية والمهدوية في الصراع الإقليمي

دراسات 🕔 2026/07/06 ✍️ فرست مرعي
التوظيف الديني للمسيحانية والمهدوية في الصراع الإقليمي

أ. د. فرست مرعي

المقدمة:

تتجلى فكرة "المسيح المنتظر" (الماشيح) أو "عودة المسيح" في أنها تحتل مكانة محورية في الفكرين اليهودي والمسيحي أيضًا. ففي اليهودية يوجد الاعتقاد بقدوم “الماشيح”، وهو الملك الموعود من نسل النبي داود (عليه السلام) الذي سيجمع اليهود من الشتات ويعيد بناء الهيكل الثالث ويؤسّس عصـر الخلاص الإلهي. وقد ارتبط هذا التصور دينيًا بفكرة “أرض الميعاد” وعودة اليهود إلى فلسطين. ورغم أن الصهيونية الحديثة بدأت في أواخر القرن التاسع عشـر (آب/اغسطس عام1897م) بوصفها حركة قومية علمانية، فإن التيارات الدينية اليهودية رأت في قيام إسرائيل في15 أيار/ مايس سنة 1948م خطوة تمهيدية لتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بالمسيح المنتظر؛ ولذلك اكتسبت القدس والمستوطنات والهيكل أبعادًا دينية عميقة تتجاوز السياسة التقليدية.

وفي الجانب الآخر، برزت لدى التيارات البروتستانتية الإنجيلية، في الولايات المتحدة الأمريكية، عقيدة “الصهيونية المسيحية”، وهي رؤية دينية تعتبر أن عودة اليهود إلى فلسطين، وقيام دولة إسرائيل، تمثّل تحقيقًا لنبوءات الكتاب المقدس، وأن هذه الأحداث تمهّد لعودة المسيح ونهاية العالم.. ويؤمن كثير من الإنجيليين بأن دعم إسرائيل واجب ديني قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، وأن الحروب في الشـرق الأوسط ترتبط بسيناريوهات “آخر الزمان”. وقد أدّى هذا الاعتقاد إلى تأثير واضح على السياسة الأمريكية، خاصة داخل التيار المحافظ والحزب الجمهوري، حيث أصبح الدعم المطلق لإسرائيل جزءًا من الثقافة السياسية لدى قطاعات واسعة من الإنجيليين.

تعود الجذور الفكرية للعلاقة الخاصة بين البروتستانتية الإنجيلية وفكرة “أرض الميعاد”، إلى التحوّلات الدينية الكبرى التي شهدتها أوروبا مع حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشـر. ففي تلك المرحلة، بدأ عدد من المصلحين البروتستانت بإعادة قراءة العهد القديم والتاريخ اليهودي بوصفهما جزءًا أساسيًا من الفهم المسيحي للتاريخ والخلاص، وهو ما ساهم لاحقًا في تكوين النظرة البروتستانتية الخاصة تجاه اليهود وفلسطين.

المسيح والخلاص في اللاهوت المسيحي البروتستانتيحتلّ شخص السيد المسيح مكانةً مركزية في اللاهوت المسيحي البروتستانتي، إذ يُنظر إليه بوصفه المخلّص الوحيد والوسيط الأوحد بين الله والبشـر، استنادًا إلى النصوص الكتابية التي تؤكد أن الخلاص يتحقّق من خلال الإيمان بموته الكفاري وقيامته من بين الأموات. وقد نشأ هذا الفهم بصورة واضحة مع حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشـر، التي قادها (مارتن لوثر)، ثم طوّره مصلحون آخرون مثل (جون كالفن)، حيث شدّدوا على أن الإنسان عاجز عن تحقيق الخلاص بأعماله أو استحقاقه بجهوده الذاتية، بسبب فساد الطبيعة البشرية الناتج عن الخطيئة الأصلية.

يرتكز مفهوم الخلاص في الفكر البروتستانتي على مبدأ "التبرير بالإيمان وحده (Sola Fide)، وهو أحد المبادئ الأساسية للإصلاح، ويعني أن الإنسان يُحسب بارّاً أمام الله من خلال الإيمان بالمسيح، لا بواسطة الأعمال الصالحة أو الطقوس الكنسية. وتُفهم ذبيحة المسيح على الصليب بوصفها عملًا فدائيًا وكفّاريًا حمل فيه المسيح عقوبة الخطايا نيابةً عن البشـر، فأصبح موته أساس المصالحة بين الله والإنسان. ومن ثمّ فإن القيامة تُعدّ برهانًا على انتصار المسيح على الخطيئة والموت، وضمانًا لرجاء المؤمنين بالحياة الأبدية.

ويؤكّد اللاهوت البروتستانتي أن الخلاص هو نعمة إلهية مجانية يمنحها الله للإنسان، استنادًا إلى مبدأ "النعمة وحدها (Sola Gratia)"، وأن الكتاب المقدس هو المرجع الأعلى لفهم هذه الحقيقة، وفق مبدأ "الكتاب وحده (Sola Scriptura) "، ومن هذا المنطلق لا تُعدّ الكنيسة أو الأسرار الكنسية مصدرًا للخلاص بحدّ ذاتها، بل وسائل تساعد المؤمن على النمو الروحي، والتعبير عن إيمانه بالمسيح.

وقد ظهرت داخل البروتستانتية تفسيرات متعدّدة لبعض تفاصيل عقيدة الخلاص، خاصة بين التيارين اللوثري والكالفيني، إلا أن جميع الاتجاهات البروتستانتية تكاد تتفق على أن شخص المسيح، وعمله الفدائي، يشكلان جوهر الرسالة المسيحية، وأن الإيمان به هو الطريق الوحيد للخلاص ونيل الحياة الأبدية. لذلك يبقى المسيح في اللاهوت البروتستانتي محور العقيدة والعبادة والتاريخ الخلاصي، باعتباره المتمم لمقاصد الله في فداء البشـرية، وإعادة العلاقة بين الإنسان وخالقه.

كان اللاهوتي الالماني "مارتن لوثر Martin Luther" ( 1483- 1546م)، من أوائل الشخصيات المؤسسة للإصلاح البروتستانتي في ألمانيا. وقد اتخذ لوثر في بداياته موقفًا أكثر انفتاحًا تجاه اليهود، إذ اعتقد أن تحرير المسيحية من سلطة الكنيسة الكاثوليكية سيؤدّي إلى اعتناق اليهود للمسيحية. لكنه في سنواته الأخيرة تحوّل إلى موقف عدائي حادّ تجاههم بعدما خاب أمله في تحوّلهم الديني. ورغم ذلك، فإن تأثير لوثر الأكبر لم يكن في مواقفه الشخصية من اليهود، بقدر ما كان في إعادة الاعتبار للعهد القديم داخل العقيدة البروتستانتية، وترسيخ فكرة أن التاريخ التوراتي يشكل جزءًا حيًا من الفهم المسيحي للعالم والتاريخ.

جاء بعده اللاهوتي السويسـري" هولدريخ زوينكلي Huldrych Zwingli"(1484 -1531م)، الذي كان من أوائل قادة الإصلاح البروتستانتي الذين دعوا إلى العودة المباشرة إلى النصوص التوراتية، ورفض هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على تفسير الدين. وقد ساهمت أفكاره في تعزيز مركزية العهد القديم داخل الفكر البروتستانتي، الأمر الذي أعاد إحياء الاهتمام بقصة بني إسرائيل وأرض الميعاد، باعتبارها نماذج دينية يمكن إسقاطها على الواقع المسيحي الأوروبي.

ثم جاء بعدهما المصلح الفرنسـي "جون كالفن John Calvin" (1509 - 1564م)، ليعمّق هذا الاتجاه بصورة أكثر منهجية. فقد ركّز كالفن على مفهوم “العهد الإلهي” وفكرة الشعب المختار، واعتبر أن العناية الإلهية تحكم مسار التاريخ البشـري وفق خطة ربانية. ورغم أن كالفن لم يدعُ صراحة إلى مشـروع سياسي يهودي، فإن تفسيراته التوراتية ساعدت لاحقًا في نشوء تيارات بروتستانتية رأت في اليهود شعبًا ذا مكانة خاصة ضمن الخطة الإلهية، وهو ما أصبح أحد الأسس الفكرية للصهيونية المسيحية لاحقًا.

ومع تصاعد الاضطرابات الدينية في أوروبا خلال القرنين السادس عشـر والسابع عشـر، بدأت جماعات بروتستانتية متشددة، خاصة “البيوريتانيين” (التطهيريين)، بمغادرة بريطانيا وهولندا متجهة إلى أمريكا الشمالية. وقد رأى هؤلاء المهاجرون أنفسهم يعيشون تجربة شبيهة بخروج بني إسرائيل من مصـر، فشبّهوا أوروبا بأرض العبودية، والمحيط الأطلسـي بالبحر الأحمر، وأمريكا بأرض الميعاد الجديدة التي سيقيمون فيها “المجتمع الإلهي”. وهكذا أصبحت الرمزية التوراتية جزءًا أساسيًا من الوعي السياسي والديني الأمريكي المبكر.

وكان البيوريتانيون يعتقدون أنهم “شعب الله المختار الجديد”، وأن عبورهم البحر(=المحيط الاطلسـي) إلى “العالم الجديد”، يمثّل إعادة تمثيل رمزية لقصة الخروج التوراتية. فكما عبر اليهود البحر الأحمر هربًا من فرعون متجهين نحو أرض كنعان(= فلسطين)، رأى هؤلاء المهاجرون أنفسهم يعبرون المحيط الأطلسـي هربًا من “فساد أوروبا الديني” نحو أرض جديدة سيقيمون فيها مجتمعًا مقدسًا يقوم على التعاليم الإنجيلية؛ ولهذا امتلأت خطاباتهم السياسية والدينية بالمفردات التوراتية، إذ شبّهوا إنكلترا بـ“مصر”، والمحيط الأطلسي بـ“البحر الأحمر”، وأمريكا بـ"أرض الميعاد".

ومع مرور الزمن، تطورت هذه الرؤية إلى ما عُرف لاحقًا بـ“الاستثنائية الأمريكية”، أي الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أمة ذات رسالة إلهية خاصة. وفي القرن التاسع عشـر ثم العشـرين، انتقلت هذه الخلفية الدينية إلى دعم المشـروع الصهيوني اليهودي، حيث رأى كثير من البروتستانت الإنجيليين أن عودة اليهود إلى فلسطين تمثّل تحقيقًا للنبوءات التوراتية وتمهيدًا لعودة المسيح ونهاية الأزمنة.

المسيح المخلّص في اللاهوت الإنجيلي:

في القرنين السابع عشر والثامن عشـر ظهرت لدى بعض المفكرين البروتستانت الإنكليز دعوات لإعادة اليهود إلى أرض فلسطين، قبل ظهور الحركة الصهيونية الحديثة بوقت طويل. ومع القرن التاسع عشـر أصبحت هذه الفكرة أكثر وضوحاً لدى شخصيات دينية وسياسية بريطانية رأت أن إقامة وجود يهودي في فلسطين ينسجم مع النبوءات الدينية، ويخدم المصالح البريطانية في الشرق.

ومن أبرز المنظرين لهذا الاتجاه اللاهوتي الإيرلندي "جون نلسون داربي"(1800 -1882م)، الذي طوّر ما يعرف بالعقيدة التدبيرية (Dispensationalism) . وقد اعتبر أن لليهود دوراً خاصاً في الخطة الإلهية، وأن عودتهم إلى فلسطين ستسبق أحداث النهاية وعودة المسيح. وانتشـرت أفكاره بقوّة في الولايات المتحدة، وأثّرت لاحقاً في قطاعات واسعة من الإنجيليين الأمريكيين.

وقد أسهمت عقيدة التدبيرية (Dispensationalism)، التي نشرها "جون نلسون داربي" في القرن التاسع عشـر، في ترسيخ الاعتقاد بأن عودة اليهود إلى فلسطين تمثّل مرحلة أساسية في الخطة الإلهية ونبوءات آخر الزمان.

ويرى عدد من المؤرّخين أن هذا التيار الديني وفّر أرضية فكرية وثقافية مهمة لتقبل المشـروع الصهيوني في الأوساط البريطانية والأمريكية. فقبل أن يطرح "تيودور هرتزل" مشـروعه السياسي في أواخر القرن التاسع عشر(1897م)، في "بازل" بسويسـرا، كان بعض الساسة ورجال الدين البروتستانت يتحدثون بالفعل عن إعادة اليهود إلى فلسطين باعتباره ضرورة دينية واستراتيجية.

ومن هنا نشأ ما يسميه بعض الباحثين: «التحالف بين الصهيونية البروتستانتية والصهيونية اليهودية». فالدافع عند الصهيونيين اليهود كان في الأساس قومياً وسياسياً، بينما كان الدافع عند كثير من البروتستانت الإنجيليين لاهوتياً وأخروياً. ومع ذلك التقت المصالح بين الطرفين في دعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

وفي إطار دراسات الاستعمار الحديث، يذهب بعض المؤرخين إلى أن المشـروع الصهيوني استفاد من تلاقي ثلاثة عناصر رئيسية:

1- الموروث الديني البروتستانتي الاستردادي.

2- المصالح الإمبراطورية البريطانية في شرق المتوسط.

3- تطور الحركة الصهيونية اليهودية المنظمة في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر.

لذلك، فإن الحديث عن «الصهيونية البروتستانتية القائمة على مفاهيم ما قبل الألفية» يشير إلى تيار ديني سابق للصهيونية السياسية، اعتبر أن عودة اليهود إلى فلسطين ليست مجرّد قضية سياسية، بل خطوة ضـرورية ضمن تصوّر لاهوتي لنهاية التاريخ وعودة المسيح. وقد كان لهذا التيار تأثير ملموس في تشكيل المناخ الفكري الذي مهّد لاحقاً لدعم المشروع الصهيوني في بريطانيا والولايات المتحدة.

وتبنّى عدد من البروتستانت الإنجيليين عقيدة ما قبل الألفية (البريميلينيالية)، التي ترى أن عودة المسيح ستسبق قيام الملك الألفي المذكور في (سفر الرؤيا).

والنصّ الذي يستند إليه أصحاب عقيدة «ما قبل الألفية» بشأن الملك الألفي، يرد أساساً في (سفر الرؤيا). وفي ترجمة عربية متداولة جاء ما معناه: "ورأيت ملاكاً نازلاً من السماء معه مفتاح الهاوية، وسلسلة عظيمة على يده. فقبض على التنين، الحية القديمة، الذي هو إبليس والشيطان، وقيّده ألف سنة، وطرحه في الهاوية، وأغلق عليه وختم عليه لكي لا يضلّ الأمم فيما بعد حتى تتمّ الألف سنة. وبعد ذلك لا بد أن يُحل زماناً يسيراً. ورأيت عروشاً فجلسوا عليها وأُعطوا حكماً، ورأيت نفوس الذين قُتلوا من أجل شهادة يسوع، ومن أجل كلمة الله... فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة. هذه هي القيامة الأولى... بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة". (سفر الرؤيا 20: 1–6).

ومن هذه الفقرة جاءت تسمية «الملك الألفي»، أو «المملكة الألفية« (Millennial Kingdom)، إذ وردت عبارة «ألف سنة» عدة مرات في الإصحاح نفسه.

ويختلف تفسير هذا النص بين الطوائف المسيحية:

1- أصحاب ما قبل الألفية (Premillennialists) يرون أن المسيح سيعود أولاً، ثم يحكم حكماً فعلياً لمدة ألف سنة.

2- أصحاب ما بعد الألفية (Postmillennialists): يرون أن الألفية تمثل عصراً روحياً مزدهراً يسبق عودة المسيح.

3- الأميلينيون (Amillennialists): يفسرون الألف سنة تفسيراً رمزياً، لا حرفياً.

أما "جون نلسون داربي"، وأتباع المدرسة التدبيرية، فقد أخذوا هذا النص بمعناه الحرفي تقريباً، وربطوا بين عودة اليهود إلى فلسطين وأحداث نهاية الزمان التي تسبق الملك الألفي المذكور في الإصحاح العشرين من (سفر الرؤيا).

وتجدر الإشارة إلى أن "جون نلسون داربي" كان رجل دين ولاهوتياً إيرلندياً يُعدّ من أكثر الشخصيات تأثيراً في الفكر الإنجيلي البروتستانتي الحديث، وهو المؤسّس الرئيس لما يُعرف بـ"التدبيرية" (Dispensationalism)، وهي مدرسة لاهوتية تركت أثراً عميقاً في الصهيونية المسيحية والإنجيلية المعاصرة.

ومن هنا تشكّل التحالف العقائدي والسياسي بين الصهيونية اليهودية والتيارات الإنجيلية الأمريكية، وهو تحالف ما يزال يؤثّر بقوّة في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والشـرق الأوسط حتى اليوم، خاصة في ظل صعود اليمين الديني في إسرائيل، وتزايد النفوذ الإنجيلي المحافظ داخل الولايات المتحدة.

الطوائف الإنجيلية في الولايات المتحدة الأميركية:

دون شك تتعدد الطوائف الإنجيلية البروتستانتية داخل الولايات المتحدة، إلا أنها تشترك عمومًا في الإيمان بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس، والتركيز على “الخلاص الشخصي”، وعودة المسيح، والدعم القوي لإسرائيل، باعتبارها جزءًا من النبوءات التوراتية. وتُعدّ هذه الجماعات من أكثر القوى الدينية تأثيرًا في السياسة الأمريكية، خاصة داخل التيار المحافظ والحزب الجمهوري.

ومن أبرز هذه الطوائف:

1-الكنيسة المعمدانية الجنوبية: (Southern Baptist Convention – SBC):

وهي أكبر طائفة بروتستانتية إنجيلية في الولايات المتحدة، ويبلغ عدد أتباعها نحو 12 إلى 13 مليون عضو وفق الإحصاءات الحديثة، مع انتشار واسع خاصة في ولايات الجنوب الأمريكي. وتُعرف بمواقفها المحافظة، ودعم قطاعات واسعة منها لإسرائيل.

2-جمعيات مجالس الله الأميركية: Assemblies of God USA:

وهي من أكبر الكنائس الخمسينية الإنجيلية في أمريكا، ويبلغ عدد أتباعها قرابة 3 ملايين شخص. وتتميز بالتركيز على التجربة الروحية المباشرة، و”المواهب الروحية”، والإيمان القوي بقرب نهاية الأزمنة وعودة المسيح.

3-الكنائس غير الطائفية الإنجيلية: (Nondenominational Evangelical Churches):

وهي من أسرع التيارات نموًا داخل الولايات المتحدة، ولا تخضع لهيكل كنسـي موحّد، لكنها تشترك في الفكر الإنجيلي المحافظ. وتشير دراسات "مركز بيو للأبحاث" إلى أن الإنجيليين البروتستانت يشكلون نحو 23% من البالغين الأمريكيين، وتشكّل الكنائس غير الطائفية جزءًا مهمًا من هذه النسبة.

4-الكنيسة اللوثرية المحافظة – مجمع ميسوري: Lutheran Church–Missouri Synod:

وهي امتداد لتراث "Martin Luther" الإصلاحي، وتضمّ ما يقارب 1.8 إلى 2 مليون عضو داخل الولايات المتحدة. وتمثل الجناح المحافظ داخل اللوثرية الأمريكية، مقارنة بالكنائس اللوثرية الليبرالية.

5-الكنائس الخمسينية: (Church of God in Christ – COGIC):

تأسّست رسمياً عام 1907م على يد الأسقف "تشارلز هاريسون ماسون" في الولايات المتحدة. وهي من أكبر الكنائس الخمسينية في أمريكا ذات الجذور الإفريقية الأمريكية، وتضم ملايين الأعضاء، ولها فروع في أكثر من 100 دولة حول العالم وفق تقديرات مختلفة، مع تركيز قوي على الروحانية والتجربة الدينية المباشرة.

6-كنيسة الله (كليفلاند، تينيسي): Church of God (Cleveland, Tennessee):

من أكبر الكنائس الخمسينية في الولايات المتحدة، ويتبنى قطاع واسع من أتباعها المواقف التقليدية المؤيّدة لإسرائيل داخل البيئة الإنجيلية الأمريكية. تأسست هذه الكنيسة سنة 1886م في منطقة جبال الأبلاش بالولايات المتحدة، ويقع مركزها الرئيسـي في مدينة كليفلاند بولاية Tennessee.

7-الكنائس الخمسينية والكاريزمية: (Pentecostal & Charismatic Churches):

تمثّل أحد أسرع التيارات المسيحية نمواً في الولايات المتحدة، ويظهر فيها دعم قوي لإسرائيل، خاصة داخل الأوساط المرتبطة بالتبشير التلفزيوني واللاهوت الأخروي. كما تشارك بقوة في النشاطات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة وخارجها.

8-التحالف المسيحي والإرسالي: Christian and Missionary Alliance:

تأسّس التحالف المسيحي والإرسالي سنة 1887م على يد القسّ الإنجيلي الكندي الأصل المعروف اختصاراً باسم "أ. ب. سمبسون" (A. B. Simpson)، وهي من الكنائس الإنجيلية التاريخية التي تأثرت بالفكر التدبيري ونبوءات آخر الزمان، وإن كان حضورها السياسي أقلّ من المعمدانيين الجنوبيين.

وقد لعبت هذه الطوائف، خاصة المعمدانيين الجنوبيين والخمسينيين والإنجيليين المحافظين، دورًا محوريًا في ترسيخ ما يُعرف بـ"الصهيونية المسيحية"، أي الاعتقاد بأن دعم إسرائيل واجب ديني مرتبط بتحقيق النبوءات التوراتية وعودة المسيح. ولذلك أصبحت هذه الجماعات قاعدة انتخابية مؤثرة جدًا في السياسة الأمريكية، وتمارس ضغوطًا مستمرة على الإدارات الأمريكية لتبني مواقف داعمة لإسرائيل، ومتشددة تجاه إيران والقضية الفلسطينية.

وقد لعب هذا التصوّر دورًا عميقًا في تشكيل الهوية الدينية والسياسية الأمريكية المبكرة، حيث ترسّخت فكرة أن للأمّة الأمريكية رسالة إلهية خاصة، وأنها جزء من خطة تاريخية مقدسة. ومع مرور الزمن تطوّرت هذه الرؤية إلى ما عُرف لاحقًا بفكرة “الاستثنائية الأمريكية”، أي الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أمّة مختارة ذات دور روحي وحضاري عالمي.

هذا الإرث الديني التوراتي ساهم لاحقًا في نشوء التعاطف العميق بين البروتستانت الإنجيليين والحركة الصهيونية اليهودية. فالكثير من الإنجيليين الأمريكيين رأوا في عودة اليهود إلى فلسطين تكرارًا للنموذج التوراتي نفسه الذي ألهم أسلافهم الأوائل عند هجرتهم إلى أمريكا. ومن هنا ظهرت فكرة أن قيام إسرائيل وتحقيق السيطرة اليهودية على “أرض الميعاد” يمثّل جزءًا من خطة إلهية مرتبطة بنهاية الأزمنة وعودة المسيح.

وبذلك، فإن العلاقة الوثيقة بين التيارات الإنجيلية الأمريكية وإسرائيل ليست مجرد تحالف سياسي حديث، بل تمتد جذورها إلى قرون من التفسير الديني للتاريخ، حيث اختلطت الهجرة البروتستانتية إلى “العالم الجديد” بالرمزية التوراتية لفكرة الخروج والوعد الإلهي والأرض المقدسة.

ومن هنا يمكن فهم أن الصـراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني ليس مجرد تنافس جيوسياسي تقليدي، بل هو صراع تتداخل فيه العقائد الدينية مع المصالح الاستراتيجية. فإيران ترى نفسها حاملة لمشـروع التمهيد للمهدي المنتظر ومواجهة “الاستكبار العالمي”، بينما تنظر قطاعات دينية في إسرائيل إلى الصـراع باعتباره جزءًا من معركة تاريخية مرتبطة بالخلاص الإلهي، أي بعبارة أخرى معركة (هرمجدون) الواقعة في "سهل مجيدو" شمال فلسطين، في حين يجد بعض الإنجيليين الأمريكيين في دعم إسرائيل تنفيذًا لنبوءات عودة المسيح المنتظر. وهكذا تتحول الجغرافيا السياسية إلى مسـرح تتقاطع فيه النبوءات الدينية مع الحسابات العسكرية والاستراتيجية.

إن خطورة هذا النوع من الصـراعات تكمن في أن الأطراف لا تتعامل معه بوصفه نزاعًا قابلًا للتسوية السياسية فقط، بل بوصفه قضية ذات بعد مقدس يرتبط بإرادة إلهية وتصوّرات عن نهاية التاريخ. وعندما يكتسب الصـراع هذا الطابع العقائدي يصبح أكثر تعقيدًا وأقلّ قابلية للحلول الوسط، لأن كل طرف يرى نفسه ممثلًا لمعسكر الحق والخلاص. ولذلك فإن فهم الواقع السياسي في الشـرق الأوسط اليوم يتطلب دراسة عميقة للبنية الدينية والفكرية التي تشكل وعي القوى المتصارعة. ومنذ نشأة الحركة الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشـر، ظل البعد الديني حاضرًا بقوة في تشكيل الوعي السياسي اليهودي، حتى وإن حاول بعض مؤسسـي الصهيونية الأوائل تقديم مشـروعهم باعتباره مشـروعًا قوميًا علمانيًا يهدف إلى إنشاء وطن قومي لليهود. ففكرة “المسيح المنتظر” أو “المشيح” بقيت كامنة في خلفية الوعي الجمعي اليهودي، بوصفها وعدًا دينيًا بالخلاص القومي وعودة اليهود إلى “أرض الميعاد” وإقامة السيادة اليهودية الكاملة عليها. ومع مرور الوقت، وخاصة بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 ثم احتلال القدس الشـرقية والضفة الغربية عام 1967م، بدأت هذه العقيدة الدينية تتحول تدريجيًا من إطارها الروحي التقليدي إلى مشـروع سياسي واستيطاني ذي أبعاد عقائدية واضحة، خصوصًا لدى التيارات القومية الدينية واليمينية المتطرفة في العقيدة اليهودية التقليدية، حيث يُنظر إلى المسيح المنتظر باعتباره ملكًا من نسل النبي داود سيأتي في آخر الزمان ليعيد مجد إسرائيل، ويجمع اليهود من الشتات، ويقيم عصـرًا من السيادة والسلام الإلهي. وترتبط هذه الفكرة ارتباطًا وثيقًا بالقدس وبناء الهيكل واستعادة السيطرة الكاملة على الأرض التي يعتبرها اليهود “أرض إسرائيل التاريخية”. وعلى الرغم من أن قطاعات من اليهود الأرثوذكس عارضت، في البداية، إقامة دولة يهودية قبل مجيء المسيح، فإن تيار “الصهيونية الدينية” عمل على إعادة تفسير النصوص الدينية بطريقة تجعل قيام إسرائيل نفسه خطوة تمهيدية للخلاص اليهودي. وبذلك تحولت الدولة الحديثة إلى مشـروع يحمل أبعادًا دينية تتجاوز حدود القومية التقليدية.

وشكّل احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس بعد حرب 1967م نقطة تحول مركزية في هذا المسار، إذ اعتبر اليمين الديني أن استعادة الضفة الغربية، أو ما يُسمى توراتيًا “يهودا والسامرة”، ليس مجرد مكسب عسكري أو استراتيجي، بل تحقيق فعلي لوعد إلهي قديم. ومن هنا بدأت حركة الاستيطان الديني تتوسع بشكل كبير، وظهرت جماعات ترى أن بناء المستوطنات في الضفة الغربية واجب ديني يمهّد لظهور المسيح المنتظر. ولم يعد الاستيطان بالنسبة لهذه الجماعات مجرد سياسة أمنية، بل أصبح جزءًا من عقيدة الخلاص اليهودي. لذلك تُصـرّ هذه التيارات على استخدام تسمية “يهودا والسامرة” بدل “الضفة الغربية”، في محاولة لترسيخ رواية دينية تعتبر المنطقة قلب الهوية اليهودية التاريخية.

التحالف الأمريكي–الإسرائيلي في ظل الصهيونيتين المسيحية واليهودية:

شهدت العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية منذ منتصف القرن العشـرين تطوّرًا متسارعًا جعلها من أكثر التحالفات رسوخًا في النظام الدولي المعاصر. ولم يكن هذا التحالف قائمًا على المصالح السياسية والاستراتيجية فحسب، بل استند أيضًا إلى خلفيات دينية وفكرية لعبت دورًا مؤثّرًا في تشكيل الرأي العام وصنع القرار داخل الولايات المتحدة. وفي هذا السياق برزت الصهيونية اليهودية باعتبارها الحركة القومية الداعمة لإقامة الدولة اليهودية وتعزيز مكانتها، في حين وفّرت الصهيونية المسيحية، خاصة في الأوساط الإنجيلية الأمريكية، غطاءً دينيًا ولاهوتيًا لدعم إسـرائيل انطلاقًا من تفسيرات دينية مرتبطة بعودة اليهود إلى أرض فلسطين وأحداث نهاية الزمان. وقد أسهم التلاقي بين هذين التيارين في بناء شبكة واسعة من المصالح والتأثيرات السياسية والإعلامية والدينية، الأمر الذي عزّز من متانة التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، وجعله يتجاوز حدود التحالفات التقليدية ليأخذ أبعادًا عقائدية وثقافية عميقة. ومن هنا تبرز أهمية دراسة دور الصهيونيتين المسيحية واليهودية في توثيق هذا التحالف، وفهم تأثيرهما في السياسات الأمريكية تجاه إسرائيل والقضايا المرتبطة بالشرق الأوسط.

في المقابل، نشأت داخل الولايات المتحدة علاقة فكرية وسياسية عميقة بين الصهيونية اليهودية والتيارات الإنجيلية البروتستانتية، خاصة الأصولية الإنجيلية التي تؤمن بتفسيرات حرفية لنبوءات الكتاب المقدس. ويرى كثير من الإنجيليين الأمريكيين أن عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة إسـرائيل عام 1948م تمثل تحقيقًا مباشرًا لنبوءات توراتية تمهّد لعودة المسيح. كما يعتبرون أن السيطرة الإسرائيلية على القدس والضفة الغربية جزء أساسي من “خطة إلهية” مرتبطة بأحداث نهاية الأزمنة. ولهذا السبب ظهر ما يُعرف بـ“الصهيونية المسيحية”، وهي حركة دينية وسياسية أمريكية تدافع بقوة عن إسرائيل، وتعتبر دعمها واجبًا دينيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.

هذا التحالف العقائدي بين اليمين الإسرائيلي والتيارات الإنجيلية الأمريكية أصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، خصوصًا داخل الحزب الجمهوري. وقد تعزّز هذا الاتجاه بشكل واضح خلال فترة حكم "دونالد ترامب Donald Trump"، حيث لعبت الجماعات الإنجيلية دورًا مهمًا في دعم قراراتٍ اعتبرتها إسرائيل انتصارات تاريخية، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى (القدس)، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على (الجولان)، إضافة إلى تبنّي خطابٍ متساهل تجاه الاستيطان في الضفة الغربية. بالنسبة للإنجيليين المحافظين، فإن هذه الخطوات لا تُفهم فقط باعتبارها قرارات سياسية، بل باعتبارها جزءًا من تحقيق النبوءات الدينية المتعلقة بعودة المسيح ونهاية التاريخ.

في الداخل الإسرائيلي، ساهم هذا المناخ في صعود اليمين القومي الديني المتطرّف، خاصة في حكومات "بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu" المتعاقبة. فقد أصبحت الأحزاب الدينية والقومية المتشددة تمتلك نفوذًا واسعًا داخل الدولة الإسرائيلية، وبرز وزراء ينتمون إلى تيارات تعتبر الضفة الغربية جزءًا مقدسًا من “أرض إسرائيل الكبرى”. ومن أبرز هؤلاء: "بتسلئيل سموتريتش Bezalel Smotrich"، الذي يدعو علنًا إلى ضمّ الضفة الغربية، وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها، ويرفض بشكل قاطع فكرة الدولة الفلسطينية.. وكذلك "إيتامار بن غفير Itamar Ben Gvir"، المعروف بخطابه القومي المتشدد، ودعمه توسيع الاستيطان وفرض مزيد من السيطرة الأمنية على الفلسطينيين.

تتعامل هذه التيارات مع الضفة الغربية بوصفها مركز المشـروع الديني اليهودي، ولذلك تعمل على تكثيف الاستيطان، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتغيير الطابع الديموغرافي والثقافي للمنطقة، في إطار عملية تهويد واسعة تهدف إلى تثبيت الوجود اليهودي الدائم. كما تُستخدم الروايات الدينية والتوراتية لتبرير السياسات الإسرائيلية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، بحيث يتحوّل الصـراع من نزاع سياسي قابل للتفاوض إلى صراع ديني وهوياتي ذي طابع مقدس.

ويعود تصاعد تطرّف بعض وزراء حكومة نتنياهو إلى مجموعة من العوامل الأيديولوجية والدينية والسياسية المتشابكة؛ فعدد من قادة اليمين الديني والقومي في إسـرائيل لا ينظرون إلى الصـراع مع الفلسطينيين باعتباره نزاعًا سياسيًا قابلًا للتسوية، بل باعتباره صراعًا وجوديًا ودينيًا يتعلّق بحق تاريخي وإلهي في “أرض إسرائيل”. ولذلك، فإن شخصيات مثل : "سموريتش" و"بن غفير" تنطلق من عقيدة تعتبر الضفة الغربية “يهودا والسامرة” جزءًا مقدسًا لا يجوز التنازل عنه، وترى أن الاستيطان والسيطرة الكاملة على الأرض واجب ديني وتاريخي.

التوظيف الديني في الصراع الأمريكي–الإسرائيلي الإيراني:

تُعدّ العلاقة بين النصوص اليهودية التقليدية والصـراعات السياسية المعاصرة من الموضوعات التي أثارت اهتمام الباحثين في الدراسات الدينية والسياسية، ولا سيما بعد تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران منذ أواخر القرن العشـرين. ويلاحظ أن بعض المفكرين والحاخامات اليهود المعاصرين عادوا إلى نصوص قديمة وردت في التلمود والمدراش والأدب الأخروي اليهودي بحثاً عن إشارات يمكن ربطها بالأحداث الراهنة، إلا أن هذا الربط يبقى في إطار التأويل الديني الحديث، أكثر منه تعبيراً عن المعنى الأصلي للنصوص.

ومن أبرز المفاهيم التي تتكرر في الأدب الحاخامي مفهوم الصـراع بين "فارس" و"أدوم". وكانت (فارس) في السياق التاريخي القديم تشير إلى الإمبراطورية الفارسية التي تعاقبت عليها الدول الأخمينية والفرثية والساسانية، بينما استُخدم اسم (أدوم) في كثير من الكتابات الحاخامية رمزاً للإمبراطورية الرومانية، ثم توسّع استعماله لاحقاً ليشمل العالم المسيحي الغربي بصورة عامة. وقد وردت في التلمود البابلي مناقشات تتناول مستقبل الصـراع بين هاتين القوتين، وهي نصوص ارتبطت بظروف سياسية عاشها يهود العراق وفلسطين خلال القرون الأولى للميلاد، حين كانوا بين نفوذ الفرس والروم.

وفي الأدب المدراشي اللاحق تظهر صورة أكثر وضوحاً للصـراع المرتبط بفارس، في إطار أحداث آخر الزمان. ومن أشهر النصوص ما ورد في "يلكوت شمعوني" على "سفر إشعياء"، حيث يذكر أن ملك فارس سيقف في مواجهة ملوك الأمم، وأن العالم سيدخل حالة من الاضطراب والخوف قبل ظهور الخلاص الإلهي. وقد اكتسب هذا النصّ شهرة واسعة بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م، إذ رأى بعض الحاخامات الإسرائيليين أن إيران الحديثة تمثل «فارس» المذكورة في النبوءة، وأن الصـراعات التي تخوضها مع إسرائيل والغرب تدخل ضمن سلسلة الأحداث التي سبقت الإشارة إليها في الأدب الأخروي اليهودي.

غير أن غالبية الباحثين الأكاديميين يؤكدون أن هذه النصوص كُتبت في سياقات تاريخية مختلفة تماماً، وأن مؤلّفيها كانوا يتحدثون عن القوى السياسية المعروفة في عصـرهم، لا عن دول حديثة ظهرت بعد أكثر من ألف عام. ولذلك فإن الربط بين إيران المعاصرة وفارس التلمودية يمثّل قراءة تفسيرية حديثة، لا حقيقة تاريخية يمكن إثباتها من النص نفسه.

وفي العقود الأخيرة برزت في إسرائيل أصوات دينية قومية رأت في الدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل عاملاً ذا دلالة دينية، وربطت بينه وبين تصوّرات توراتية عن حماية الشعب اليهودي وعودته إلى أرض الميعاد. إلا أن هذا التوجه لا يستند إلى نص تلمودي يذكر الولايات المتحدة أو يدعو إلى تحالف معها، بل يعتمد على تأويلات سياسية ولاهوتية حديثة للنصوص التوراتية المتعلقة بالأمم التي تساند إسرائيل أو تعارضها. ومن هنا، فإن الحديث عن وجود نصوص تلمودية تدعو صراحة إلى تحالف إسرائيلي أمريكي ضد إيران، لا يجد سنداً مباشراً في المصادر اليهودية الكلاسيكية.

كما ينبغي الإشارة إلى أن الموقف اليهودي من إيران لم يكن سلبياً على الدوام. فالتراث اليهودي يحتفظ بصورة إيجابية نسبياً عن الملك الإخميني الفارسي "كورش الكبير Cyrus the Great" (559 -630ق.م) الذي سمح لليهود بالعودة من السبي البابلي، وقد ورد ذكره بإجلال في أسفار الكتاب المقدس العبري. ولذلك فإن صورة فارس في الأدب اليهودي ليست صورة واحدة ثابتة، بل تتراوح بين الإشادة التاريخية والدور الأخروي المرتبط بصـراعات نهاية الزمان.

ويلاحظ الباحثون أن توظيف هذه النصوص يزداد كلما تصاعدت الأزمات الإقليمية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، أو المواجهات غير المباشرة بين إيران وإسرائيل. ففي أوقات التوتر يلجأ بعض رجال الدين والسياسيين إلى استحضار النصوص القديمة لإضفاء معنى ديني على الأحداث الجارية، بينما يرى آخرون أن تلك النصوص ينبغي أن تُفهم في إطارها التاريخي الأصلي بعيداً عن الإسقاطات السياسية الحديثة.

وقد تناول عدد من الباحثين هذه المسألة بالدراسة، ومن أبرزهم "Jacob Neusner" (1932–2016م)، الذي ركّز على السياقات التاريخية للتلمود، وهو أحد أبرز الباحثين الأمريكيين في الدراسات اليهودية والتلمودية في القرن العشـرين، ويُعدّ من أكثر الأكاديميين إنتاجاً في هذا المجال. وُلد في مدينة هارتفورد بولاية كونيتيكت الأمريكية، ودرس في Harvard University ثم حصل على الدكتوراه من Columbia University سنة 1960م.

كرّس حياته لدراسة الأدب الحاخامي اليهودي، ولا سيما المشناة والتلمود والمدراش، ونشـر مئات الكتب والأبحاث التي تناولت تاريخ اليهودية وتطور الفكر الديني اليهودي بعد تدمير الهيكل الثاني سنة 70م. ويُنسب إليه فضل كبير في تقديم التراث التلمودي إلى القراء والباحثين الناطقين بالإنجليزية، من خلال ترجماته وشروحه الواسعة للمصادر الحاخامية.

ومن أهم ما يميّز منهجه العلمي أنه كان ينظر إلى التلمود بوصفه وثيقة تاريخية وثقافية تعكس ظروف المجتمع الذي كُتب فيه، وليس مجرد نص ديني منفصل عن سياقه الزمني. ولذلك فهو يؤكّد أن فهم النصوص التلمودية يتطلب دراسة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاش فيها الحاخامات الذين ألّفوها. ومن هذا المنطلق عارض كثيراً من المحاولات التي تسقط أحداث العصـر الحديث مباشرة على النصوص القديمة دون مراعاة ظروف نشأتها التاريخية.

وقد ألّف"Jacob Neusner" أكثر من 900 كتاب ودراسة بين تأليف وتحرير وترجمة، ومن أشهر أعماله:

1-" تاريخ اليهود في بلاد بابل " A History of the Jews in Babylonia، وهو عمل أكاديمي موسوعي نُشـر في خمسة مجلدات بين عامي 1965 و1970م، ويُعدّ من أهمّ الدراسات الحديثة عن تاريخ اليهود في بلاد بابل (العراق الحالي) خلال العهدين الفرثي والساساني، أي في الفترة الممتدة تقريباً من القرن الثاني الميلادي إلى القرن السابع الميلادي. وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يدرس البيئة التاريخية التي نشأت فيها الأكاديميات اليهودية الكبـرى في العراق؛ مثل مدرستي: "Sura Academy "، و"Pumbedita Academy"،و"بومبديتا أكاديميا"، كانت إحدى أشهر الأكاديميات اليهودية في العراق الساساني، وتقع في مدينة تُعرف تاريخياً باسم "بومبيديتا"، ويُرجّح أن موقعها كان قريباً من مدينة الفلوجة الحالية، أو في محيطها. وقد شكّلت مع "سورا أكاديميا" مركزين رئيسيين لدراسة الشـريعة اليهودية وصياغة التلمود البابلي؛ وهما المؤسستان اللتان لعبتا الدور الأبرز في تدوين وصياغة التلمود البابلي. ويرى "نيُوسنر" أن فهم التلمود البابلي لا يمكن أن يتمّ بصورة صحيحة من دون دراسة المجتمع اليهودي في العراق، وعلاقته بالسلطات الفارسية الساسانية، والبيئة الاجتماعية المحيطة به.

اعتمد المؤلّف على مصادر يهودية وسريانية وفارسية وعربية، وحاول إعادة بناء الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لليهود في "بابل". كما درس مؤسّسة (رأس الجالوت)، التي كانت تمثّل القيادة السياسية لليهود في العراق، والعلاقة المعقدة بين الحاخامات والسلطة الساسانية.

ومن القضايا التي تناولها الكتاب بالتفصيل صورة الإمبراطورية الفارسية في الفكر الحاخامي. ويبيّن "نيُوسنر" أن كثيراً من النصوص التلمودية المتعلّقة بفارس والروم نشأت في سياق الصـراع السياسي والعسكري بين الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، وأن الحاخامات كانوا يتفاعلون مع أحداث عصـرهم أكثر ممّا كانوا يكتبون نبوءات عن المستقبل البعيد. ولهذا السبب يستشهد الباحثون بهذا العمل، عند مناقشة النصوص التي يُعاد تفسيرها اليوم، على أنها تتحدث عن إيران الحديثة، أو عن صراعات الشـرق الأوسط المعاصرة.

ويتألّف العمل من خمسة أجزاء رئيسة تناولت: التاريخ السياسي لليهود في بابل. مؤسسة رأس الجالوت. تطوّر المدارس الحاخامية. البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع اليهودي. تَشَكُّلِ اليهودية البابلية، التي أصبحت لاحقاً المرجعية الأساسية لليهودية الحاخامية.

ورغم مرور عقود على صدوره، ما زال هذا الكتاب يُعدّ مرجعاً أساسياً للباحثين في تاريخ يهود العراق والتلمود البابلي، وإن كانت بعض استنتاجاته قد خضعت للمراجعة والنقد من قبل باحثين أحدث، فإن قيمته العلمية لا تزال كبيرة، لأنه كان من أوائل الدراسات الشاملة التي ربطت النصوص التلمودية بسياقها التاريخي والاجتماعي الفعلي.

2-" اليهودية كما تكشفها المشناة= Judaism as Revealed by the Mishnah ":

وكان "نيُوسنر" من أوائل الباحثين الذين تعاملوا مع اليهودية الحاخامية باعتبارها نظاماً فكرياً متكامـلاً له منطقه الداخلي وتطوّره التاريخي، لا مجرد مجموعة من الأحكام الدينية المتفرقة. ولهذا السبب تُعدّ مؤلّفاته مراجع أساسية في الجامعات الغربية لدراسة التلمود والفكر الحاخامي.

وفي موضوع النبوءات اليهودية المتعلّقة بفارس أو بأحداث آخر الزمان، لم يكن "نيُوسنر" من أنصار القراءة السياسية المعاصرة للنصوص، بل كان يميل إلى تفسيرها في إطار الظروف التاريخية التي كُتبت فيها، ويرى أن كثيراً من هذه النصوص تعكس صراعات اليهود مع الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في العصور القديمة، أكثر مما تتنبأ بأحداث سياسية حديثة. ولذلك يُستشهد به كثيراً في الدراسات الأكاديمية التي تميز بين المعنى الأصلي للنصوص التلمودية وبين التأويلات السياسية المعاصرة لها.

3 -"المشناة: ترجمة جديدة" The Mishnah: A New Translation:

وكلمة Mishnah (المشناة) هي أقدم مدوّنة للتشـريع الشفهي في اليهودية الحاخامية، جُمعت ونُقّحت في أواخر القرن الثاني الميلادي على يد "يهودا الناسيJudah ha-Nasi"، وتُعدّ الأساس الذي بُني عليه التلمود لاحقاً. أمّا الكتاب نفسه، فهو ترجمة إنكليزية كاملة للمشناة، أنجزها " Jacob Neusner"، وقد نُشـرت سنة 1988م. وتميّزت هذه الترجمة بمحاولة تقديم النص بأسلوب أكاديمي حديث مع المحافظة على بنيته الأصلية، ولـذلك أصبحت من الترجمات المرجعية المعتمدة في الجامعات ومراكز الدراسات اليهودية.

أمّا "غيرشوم شولمGershom Scholem"(1897–1982م)، فهو مؤرّخ وفيلسوف يهودي ألماني المولد، ويُعدّ المؤسّس الفعلي للدراسة الأكاديمية الحديثة للتصوّف اليهودي (القبّالة). هاجر إلى فلسطين في عشرينيات القرن العشرين، وعمل أستاذاً في" Hebrew University of Jerusalem". ركّز "شولم" على دراسة الحركات المسيحانية والأفكار الأخروية في التراث اليهودي، ولا سيما المعتقدات المتعلقة بالمسيح المنتظر ونهاية الزمان والخلاص القومي والديني. ومن أشهر مؤلفاته:" Major Trends in Jewish Mysticism" و"The Messianic Idea in Judaism"، وقد بيّن في أبحاثه أن التصوّرات اليهودية عن نهاية التاريخ وتحقّق الخلاص، مرّت بمراحل طويلة من التطوّر، وأن كثيراً من النصوص الأخروية تعكس ظروفاً سياسية واجتماعية عاشتها الجماعات اليهودية في عصور مختلفة، أكثر ممّا تمثّل نبوءات تفصيلية عن أحداث مستقبلية محددة.

أمّا "رافائيل بـاتاي Raphael Patai" (1910–1996م)، فهو باحث ومؤرخ يهودي مجري الأصل، اشتهر بدراساته في الأنثروبولوجيا والتاريخ الديني اليهودي. ومن أهم كتبه: "نصوص المسيح المنتظر"، أو" نصوص الماشيح (المسيحانية)" The Messiah Texts"، وهو كتاب جمع فيه الباحث "Raphael Patai" نصوصاً من التراث اليهودي تتعلّق بفكرة المسيح المنتظر (المشيح) وأحداث آخر الزمان، بما في ذلـك النصوص الواردة في الأدب الحاخامي، مثل Mishnah وBabylonian Talmud والمدراش والقبالة.

والفكرة الأساسية في الكتاب هي تقديم مجموعة من النصوص الأصلية مترجمة ومشـروحة، تُظهر كيف تطوّرت التصوّرات اليهودية عن الخلاص والحروب الأخروية، وظهور المخلّص في نهاية التاريخ، عبر العصور المختلفة. وجمع فيه طائفة واسعة من النصوص اليهودية المتعلّقة بالمسيح المنتظر وأحداث آخر الزمان والحروب الأخروية وعلامات الخلاص. ويتميّز هذا الكتاب بأنه لا يقتصـر على التلمود، بل يجمع نصوصاً من المدراش والقبّـالة والأدب اليهودي اللاحق، مع تقديم شروح تاريخية تساعد الباحث على فهم سياقها الأصلي.

وقد أظهرت الدراسات التي أنجزها "شولم" و"باتاي"، وغيرهما من الباحثين، أن الأدب الأخروي اليهودي نتاج تراكم تاريخي طويل ارتبط بتجارب اليهود السياسية والدينية عبر القرون، مثل السبي البابلي، والحكم الفارسي واليوناني والروماني والبيزنطي. ولذلك، فإن الشخصيات والأمم المذكورة في هذه النصوص كانت في الأصل تشير إلى قوى سياسية معروفة في زمن المؤلّفين، أو إلى رموز دينية ذات دلالات خاصة في الثقافة اليهودية القديمة.

ومن هذا المنطلق، يرى معظم الباحثين الأكاديميين أن النصوص المتعلقة بفارس، أو أدوم، أو حروب آخر الزمان، لا تتحدث بصورة مباشرة عن الولايات المتحدة، أو دولة إسرائيل الحديثة، أو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهذه الكيانات السياسية لم تكن موجودة أصلاً عند تـدوين التلمود والمدراشات القديمة. لكن بعض الحاخامات والمفسـّرين المعاصرين أعادوا قراءة تلك النصوص، وربطوها بالأحداث الراهنة، فاعتبر بعضهم إيران امتداداً لفارس القديمة، وربط آخرون قوى غربية أو دولاً حديثة برموز مثل أدوم أو جوج وماجوج (Gog and Magog). ويُنظر إلى هذه التفسيرات في الأوساط الأكاديمية بوصفها تأويلات حديثة تعكس اهتمامات العصـر الذي ظهرت فيه أكثر ممّا تعكس المعنى التاريخي الأصلي للنصوص.

ولهذا السبب يحرص الباحثون في الدراسات اليهودية، ومنهم "نيوسنر" و"شولم" و"باتاي"، على التمييز بين «النص الأصلي» و«التفسير اللاحق»، وبين ما قصده مؤلفو المصادر القديمة، وما أضافته الأجيال اللاحقة من قراءات دينية وسياسية مرتبطة بظروفها التاريخية الخاصة. وهذا التمييز يُعدّ من المبادئ الأساسية في دراسة الأدب التلمودي والأخروي اليهودي دراسةً علميةً نقدية. أي بعبارة أخرى: إن النصوص القديمة لا تتحدث عن الولايات المتحدة أو إسرائيل الحديثة، أو إيران المعاصرة، بصورة مباشرة، وإنما جرى توظيفها وإعادة تفسيرها في الخطاب الديني والسياسي الحديث، لتفسير الصـراعات الراهنة، وإضفاء أبعاد نبوئية عليها.

هذا التصوّر العقائدي يجعل حقوق الفلسطينيين -في نظر هذه التيارات- قضية ثانوية أمام ما تعتبره “حقًا توراتيًا”، أو “مشـروع خلاص قومي”. ولهذا السبب يظهر قدر كبير من اللامبالاة تجاه الانتقادات المتعلّقة بحقوق الإنسان، أو القانون الدولي، إذ تعتقد هذه الجماعات أن الشـرعية الحقيقية لا تأتي من المؤسسات الدولية، بل من “الوعد الإلهي”، ومن ميزان القوّة على الأرض. كما أن عقودًا من الدعم الأمريكي السياسي والعسكري لإسرائيل عزّزت شعور اليمين الإسرائيلي بأن المجتمع الدولي، رغم انتقاداته، غير قادر فعليًا على فرض عقوبات حقيقية، أو تغيير السياسات الإسرائيلية.

إضافة إلى ذلك، فإن الانقسامات الدولية -خاصة الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل داخل مجلس الأمن- ساهمت في تقليل تأثير الضغوط الدولية. ورغم أن الاتحاد الاوروبي European Union يعلن رسميًا رفضه للاستيطان، ويعتبره مخالفًا للقانون الدولي، ويدعو إلى حلّ الدولتين، فإن الموقف الأوروبي بقي -في الغالب- ضمن حدود الإدانات الدبلوماسية، والعقوبات المحدودة، دون الانتقال إلى ضغوط اقتصادية أو سياسية حاسمة، يمكن أن تؤثر جذريًا في السياسات الإسرائيلية.

كما يرى اليمين الإسرائيلي المتطرّف أن أوروبا تعيش حالة ضعف سياسي وأزمة هوية داخلية، ما يجعل قدرتها على فرض مواقف موحّدة تجاه إسرائيل محدودة. ولذلك تتعامل حكومة اليمين مع الانتقادات الأوروبية باعتبارها جزءًا من خلاف سياسي يمكن احتواؤه، لا تهديدًا وجوديًا حقيقيًا. وفي المقابل، يزداد اعتماد هذه التيارات على التحالف مع القوى الإنجيلية والمحافظة في الولايات المتحدة، التي توفّر لها دعمًا أيديولوجيًا وسياسيًا يعزّز ثقتها بإمكانية مواصلة مشـروع الاستيطان، وتهويد الضفة الغربية، دون خوف كبير من العزلة الدولية.

في هذا السياق، تأخذ إيران موقع “العدو المركزي” في الخطاب الإسرائيلي، والإنجيلي الأمريكي، على حدّ سواء. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979م، تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا؛ بسبب برنامجها النووي، ودعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين. لكن هذا الصـراع لا يقتصـر على الحسابات العسكرية والجيوسياسية، بل يحمل أيضًا أبعادًا دينية ورمزية. فاليمين الإسرائيلي، وبعض التيارات الإنجيلية الأمريكية، ينظرون إلى المواجهة مع إيران ضمن إطار “الصـراع النهائي” بين قوى الخير والشـرّ، وتظهر في بعض الخطابات الإنجيلية إشارات إلى نبوءات توراتية تتحدث عن معارك كبرى في الشرق الأوسط تسبق نهاية الأزمنة.

ومن بين المؤشّرات التي تعكس تصاعد الخطاب الديني–الأيديولوجي المرتبط بفكرة “إسرائيل الكبرى”، الجدل الذي أثير حول تصـريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل "مايك هاكابيMike Huckabee"، المعروف بقربه الشديد من التيارات الإنجيلية والصهيونية الدينية، وعلاقته الخاصة مع الرئيس ترامب.. فقد ارتبط اسمه مرارًا بخطابات تؤيّد الرواية التوراتية بشأن “أرض إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات”، دون خوف أو خجل من الأنظمة العربية المتحالفة مع أمريكا؛ كما عبّر في مناسبات مختلفة عن رفضه لفكرة الدولة الفلسطينية، واستخدم توصيفات دينية للضفة الغربية باعتبارها “يهودا والسامرة”. وقد أثارت مواقفه مخاوف واسعة لدى الفلسطينيين والعديد من المراقبين، لأنها تعكس تنامي النفوذ الإنجيلي المتشدد داخل دوائر صنع القرار الأمريكية المرتبطة بإسرائيل.

ويستند خطاب “إسرائيل الكبرى” لدى بعض التيارات الصهيونية الدينية إلى تفسيرات توراتية تعتبر أن حدود الدولـة اليهودية الموعودة تمتد “من النيل إلى الفرات”، وهي فكرة تُستخدم رمزيًا لدى الجماعات القومية والدينية المتطرّفة لتبرير التوسّع الاستيطاني ورفض الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ورغم أن هذا الطرح لا يمثّل السياسة الرسمية المعلنة للولايات المتحدة، أو حتى لجميع التيارات الإسرائيلية، فإن تكرار الإشارات الدينية والتوراتية في الخطاب السياسي الأمريكي، والإسرائيلي، يعكس حجم التداخل بين العقيدة والسياسة في الصراع الحالي.

لذلك، فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل في مواجهة إيران، لا يرتبط فقط بالمصالح الاستراتيجية التقليدية، مثل حماية النفوذ الأمريكي، أو ضمان أمن إسرائيل، أو السيطرة على منابع النفط، بل يتداخل أيضًا مع الخلفيات العقائدية للتيارات الإنجيلية المؤثّرة في السياسة الأمريكية. وقد أصبح هذا التأثير أكثر وضوحًا مع تصاعد نفوذ المحافظين الدينيين داخل الولايات المتحدة، حيث يجري تصوير إيران باعتبارها تهديدًا حضاريًا ودينيًا لإسرائيل والغرب معًا.

ومن المظاهر التي تعكس عمق التأثير الإنجيلي في الحياة السياسية الأمريكية، الصور والمشاهد التي ظهرت في أكثر من مناسبة لرؤساء أمريكيين، وعلى رأسهم ترامب، وهم يجلسون داخل البيت الأبيض، أو في اجتماعات رسمية، محاطين بعدد من الوزراء والمستشارين والقساوسة الإنجيليين، الذين يضعون أيديهم عليه، ويتلون الصلوات والدعوات الدينية الخاصة بهم. وقد أصبحت هذه المشاهد ذات دلالة رمزية قوية في الثقافة السياسية الأمريكية، لأنها تعكس التداخل بين السلطة السياسية والخطاب الديني الإنجيلي، خاصة داخل التيار المحافظ.

بالنسبة للتيارات الإنجيلية البروتستانتية، لا يُنظر إلى الرئيس الأمريكي فقط باعتباره قائدًا سياسيًا، بل باعتباره أداةً ضمن “الخطة الإلهية” لحماية القيم المسيحية ودعم إسرائيل وتحقيق ما يعتقدون أنه مرتبط بالنبوءات التوراتية. ولذلك يحظى بعض الرؤساء -خاصة أولئك الذين يتبنّون مواقف داعمة بقوّة لإسرائيل- بمكانة شبه دينية داخل الأوساط الإنجيلية المحافظة.

وقد ارتبطت هذه الطقوس الدينية السياسية بشكل واضح بفترة حكم ترامب، حيث لعب القساوسة الإنجيليون دورًا بارزًا في دعمه سياسيًا وروحيًا، واعتبر كثير منهم أن قراراته المتعلّقة بإسرائيل، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودعم الاستيطان، تمثل تنفيذًا لإرادة إلهية. ولهذا كانت صور الصلاة الجماعية حوله تُستخدم لتأكيد فكرة أن القيادة السياسية الأمريكية تتحرّك -في نظر هذه الجماعات- ضمن إطار ديني ورسالي، وليس فقط ضمن الحسابات السياسية التقليدية.

وتكشف هذه المشاهد أيضًا عن طبيعة التحالف العميق بين اليمين الإنجيلي الأمريكي واليمين القومي الديني في إسرائيل، إذ يلتقي الطرفان حول تصوّر مشترك يعتبر إسرائيل محورًا مركزيًا في التاريخ المقدس، وفي أحداث “نهاية الأزمنة”. ولذلك لا يُفهم الدعم الأمريكي لإسرائيل، في بعض الأوساط المحافظة، باعتباره مجرّد تحالف استراتيجي، بل باعتباره التزامًا عقائديًا مرتبطًا بالإيمان الديني والتفسير الحرفي للنبوءات التوراتية.

إن أخطر ما في هذا التداخل بين العقيدة والسياسة، هو أنه يمنح الصـراع طابعًا مطلقًا يصعب احتواؤه أو تسويته. فعندما تتحول الأرض إلى “وعد إلهي”، وعندما تُفسّـَر الحروب باعتبارها جزءًا من نبوءات مقدسة، يصبح التفاوض السياسي أكثر تعقيدًا، لأن الأطراف لا تتعامل مع المصالح فقط، بل مع قناعات دينية تعتبر نفسها فوق التاريخ والسياسة. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي المتزايد على تهويد الضفة الغربية، والدعم الأمريكي الواسع لهذه السياسات، والتشدّد المتصاعد تجاه إيران، بوصفها جميعًا عناصر داخل رؤية أوسع ترى الشـرق الأوسط ساحة لتحقيق تصوّرات دينية وتاريخية مرتبطة بفكرة الخلاص ونهاية الأزمنة.

وفي ظلّ استمرار صعود اليمين الديني في إسرائيل، وتزايد نفوذ الإنجيليين المحافظين في الولايات المتحدة، يبدو أن الصـراع في المنطقة يتجه أكثر فأكثر نحو التديين والأدلجة العقائدية، وهو ما يهدّد بتحويل النزاعات السياسية التقليدية إلى مواجهات دينية مفتوحة يصعب احتواؤها ضمن الأطر الدبلوماسية المعتادة.

وبخصوص الموقف الأوروبي تجاه الصـراع الأمريكي–الإسرائيلي مع إيران، فقد شهد حالة من التوازن الحذر بين الاعتبارات الأمنية والتحفظات السياسية والقانونية. فعلى الرغم من اشتراك الدول الأوروبية الكبرى في القلق من البرنامج النووي الإيراني ومن النفوذ الإقليمي لطهران، فإنها لم تُظهر حماساً للانخراط المباشر في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، مفضلةً الحلول الدبلوماسية والتفاوضية على خيار المواجهة العسكرية. وقد أكّدت مؤسّسات الاتحاد الأوروبي مراراً أن هدفها الرئيس يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع تجنّب اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وأوروبا معاً.

وتكشف المواقف الأوروبية عن وجود تباينات داخلية بين الدول الأعضاء؛ فبعض الحكومات، ولا سيما ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، أبدت تفهّماً للمخاوف الأمنية الإسرائيلية والأمريكية، لكنها في الوقت ذاته دعت إلى ضبط النفس وعدم توسيع دائرة الحرب. في المقابل، اتخذت دول أوروبية أخرى، وتحديداً الكاثوليكية، مثل إسبانياوايرلندة وبعض القوى السياسية الأوروبية، مواقف أكثر انتقاداً للعمليات العسكرية، معتبرةً أن التصعيد قد يفاقم عدم الاستقرار الإقليمي ويقوّض قواعد القانون الدولي. ولذلك لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من بلورة موقف موحّد وقوي، بل ظهر في كثير من الأحيان منقسماً ومحدود التأثير مقارنة بالدور الأمريكي.

كما ارتبط الموقف الأوروبي بحسابات استراتيجية واقتصادية مباشرة، إذ تخشـى الدول الأوروبية من تداعيات أيّ حرب واسعة على أمن الطاقة العالمي، ولا سيما في منطقة الخليج ومضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتجارة النفط والغاز. لذلك ركز الاتحاد الأوروبي على حماية الملاحة البحرية وضمان استمرار تدفق الطاقة، بالتوازي مع الدعوات إلى التهدئة وإطلاق مبادرات دبلوماسية لاحتواء الأزمة.

وعموماً يمكن القول إن أوروبا لم تنحز بصورة كاملة إلى الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية، ولم تقف أيضاً إلى جانب إيران، بل تبنّت موقفاً وسطياً يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسة: رفض امتلاك إيران للسلاح النووي، ومعارضة توسيع نطاق الحرب الإقليمية، والدعوة إلى تسوية دبلوماسية تضمن الأمن الإقليمي وتحافظ على المصالح الأوروبية الاقتصادية والاستراتيجية. ويعكس هذا الموقف رغبة أوروبية في تجنّب تكرار تجارب التدخلات العسكرية السابقة في الشـرق الأوسط، مع السعي للحفاظ على دور أوروبي مستقل نسبياً عن السياسات الأمريكية في المنطقة. فضلاً عن ذلك، فإن الانقسامات الدولية - خاصة الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل داخل مجلس الأمن- ساهمت في تقليل تأثير الضغوط الدولية. ورغم أن الاتحاد الاوروبي European Union يعلن رسميًا رفضه للاستيطان، ويعتبره مخالفًا للقانون الدولي، ويدعو إلى حلّ الدولتين، فإن الموقف الأوروبي بقي -في الغالب- ضمن حدود الإدانات الدبلوماسية، والعقوبات المحدودة، دون الانتقال إلى ضغوط اقتصادية أو سياسية حاسمة، يمكن أن تؤثّر جذريًا في السياسات الإسرائيلية.

وينظر اليمين الإسرائيلي إلى التيارات الإنجيلية الأوروبية بوصفها أحد أهم الحلفاء السياسيين والدينيين الداعمين لإسرائيل في القارة الأوروبية، رغم أن حجم وتأثير هذه التيارات في أوروبا يبقى أقلّ بكثير من نظيراتها في الولايات المتحدة. ويستند هذا التقارب إلى قناعة مشتركة تقوم على دعم إسرائيل ورفض الضغوط الدولية الرامية إلى تقليص سيطرتها على القدس أو بعض المناطق المتنازع عليها. كما ترى الأحزاب والقوى اليمينية الإسرائيلية أن الجماعات الإنجيلية الأوروبية تمثل جسـراً مهماً للتأثير في الرأي العام الأوروبي وفي بعض الدوائر السياسية المحافظة، خاصة في بريطانيا وألمانيا وهولندا ودول أوروبا الشرقية.

ومن جانب آخر، يحرص اليمين الإسرائيلي على تعزيز علاقاته مع المنظمات الإنجيلية الأوروبية من خلال المؤتمرات والزيارات الدينية وبرامج الدعم الثقافي والسياسي، مستفيداً من التفسير اللاهوتي الذي تتبناه هذه الجماعات بشأن عودة اليهود إلى أرض الميعاد واعتبار قيام دولة إسرائيل جزءاً من نبوءات توراتية. ومع ذلك، لا يخلو هذا التحالف من بعض التحفظات؛ إذ تنظر بعض الأوساط الإسرائيلية، ولا سيما العلمانية منها، إلى الدعم الإنجيلي باعتباره مرتبطاً بأهداف دينية وعقائدية خاصة قد لا تتوافق بالكامل مع المصالح الإسرائيلية بعيدة المدى. ورغم هذه التحفظات، فإن اليمين الإسرائيلي ما زال يعدّ الإنجيليين الأوروبيين حلفاء مهمين في مواجهة تنامي الانتقادات الأوروبية للسياسات الإسرائيلية، وفي تعزيز شرعية إسرائيل داخل الأوساط المحافظة والمسيحية المؤيدة لها في أوروبا. رغم معرفته -أي اليمين الإسرائيلي المتطرف- أن أوروبا تعيش حالة ضعف سياسي وأزمة هوية داخلية، ما يجعل قدرتها على فرض مواقف موحّدة تجاه إسرائيل محدودة. ولذلك تتعامل حكومة اليمين مع الانتقادات الأوروبية باعتبارها جزءًا من خلاف سياسي يمكن احتواؤه، لا تهديدًا وجوديًا حقيقيًا. وفي المقابل، يزداد اعتماد هذه التيارات على التحالف مع القوى الإنجيلية والمحافظة في الولايات المتحدة، التي توفّر لها دعمًا أيديولوجيًا وسياسيًا يعزّز ثقتها بإمكانية مواصلة مشـروع الاستيطان، وتهويد الضفة الغربية، دون خوف كبير من العزلة الدولية.

المهدي المنتظر والمنقذ المخلّص في التراث الإنساني:

ارتبطت فكرة “المنقذ” أو “المخلّص” بتاريخ البشـرية، منذ العصور القديمة، إذ لجأت الشعوب والأديان إلى تصوّر شخصية غيبية تظهر في زمن الفوضى والانهيار، لتعيد العدالة والنظام إلى العالم. وقد تجلّت هذه الفكرة بصورة واضحة في الديانات الوضعية، حيث يتمحور مفهوم المنقذ في الهندوسية -باعتبارها أقدم الديانات- حول تجسّدات الإلـه (أفاتار) لإعادة النظام، إذ يظهر في أوقات الأزمات والمهالك لتخليص المؤمنين وإعادة التوازن.

بينما في البوذية، المنقذ هو معلّم يرشد البشرية للتنوير الذاتي (النيرفانا). وفي الهندوسية، يُنتظر "فيشنو- الحافظ"، أو تجسّداته (كريشنا)، لإنقاذ العالم.. بينما يتركّز الإيمان البوذي على "مايتريا" كبوذا مستقبلي، مع التأكيد على أن التحرّر مسؤولية فردية.

وهناك منقذ في الديـانة الزرادشتية، يدعى المنقذ "ساوشيانت" (Saoshyant) أو "سوشيانس" (Soshians)، وهو يعني "الشخص الذي يجلب النفع"، أو "المُخلّص"، يظهر في آخر الزمان ليقود البشـرية في المعركة النهائية ضد الشـرّ، وينشر الحقيقة، ويجدّد العالم (فراشوكيريتي).

أمّا في الديانات الإبراهيمية، فظهر مفهوم “المسيح المنتظر، والمسيح المخلص” في اليهودية والمسيحية، ومفهوم “المهدي المنتظر” في الإسلام.. ويذكر المستشـرق اليهودي الهنغاري "كولدزيهر" (1850 – 1921م)، في كتابه " العقيدة والشـريعة في الإسلام"، بأن مفهوم المنقذ قد انتقل من الزرادشتية إلى اليهودية، ومن ثم انتقل إلى الديانات السماوية الأخرى بصيغة المسيح أو المهدي، لا سيّما في عقيدة الشيعية الإمامية الاثني عشـرية. ومع مرور الزمن لم تبق هذه التصوّرات حبيسة البعد الروحي أو العقائدي، بل تحوّلت إلى أدوات سياسية وأيديولوجية أسهمت في تشكيل الحركات والثورات والدول، وأصبحت جزءًا من فهم الصـراعات الدولية المعاصرة، خاصة في الشـرق الأوسط، حيث يتداخل الديني مع السياسي بصورة معقدة في الصراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني.

تقوم العقيدة الشيعية الاثنا عشـرية على الإيمان بأن الإمام الثاني عشـر "محمد بن الحسن العسكري" قد دخل في “الغيبة الصغرى” في سرداب سامراء، في سنة (260هـ/874م)، وأنه سيعود في آخر الزمان بوصفه "المهدي المنتظر"، ليقيم العدل الإلهي. وقد استمرت الغيبة الصغرى إلى سنة 329ه، أي حوالي سبعين سنة، عندما أعلن السفير الرابع "علي بن محمد السمري (الصيمري)" (المتوفى سنة 329ه/ 941م) انتهاء الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى، التي قد تستمر لآلاف السنين. غير أن غياب الإمام خلق إشكالية كبرى تتعلّق بمصدر السلطة الدينية والسياسية، إذ كان لا بدّ من إيجاد صيغة تنظّم علاقة الناس بالإمام الغائب، وتحدّد من يملك حقّ تمثيله أو الحديث باسمه، لا سيّما تعطيل فرضية الجهاد، وإقامة صلاة الجمعة، وغيرها؛ ومن هنا بدأت تظهر عبر التاريخ الشيعي اتجاهات متعددة حاولت سدّ هذا الفراغ العقائدي والسياسي.

في البداية ظهرت فكرة (الباب)، أو الوسيط الذي يكون حلقة وصل بين الإمام وأتباعه، وقد ارتبطت هذه الفكرة بعدد من الشخصيات التي ادّعت مقامًا خاصًا في علاقتها بالأئمة والنيابة عنهم (ادّعوا المهدية)؛ كالحلاج الصوفي صاحب الحلول (المقتول سنة309هـ/922م)، والشلمغاني ( المقتول سنة323ه/934م)، وغيرهم كثير. ومن أبرز هذه الشخصيات التي كان لها دور كبير في ظهور طائفة منشقة عن الشيعة الإمامية الاثنا عشـرية: محمد بن نصير النميري (المتوفى سنة270هـ/883م)، الذي ادّعى أنه "الباب" إلى الإمام الحادي عشر "الحسن العسكري" (232 – 260هـ/846-874م)، ثم للإمام الغائب من بعده. وقد تطوّرت أفكاره لاحقًا إلى تيار ديني عرف باسم "النصيرية"، وهي الجماعة التي أطلق عليها الفرنسيون -عندما احتلوا سوريا سنة 1920م، في فترة الانتداب- اسم "الطائفة العلوية"، لأسباب سياسية واجتماعية تتعلّق بإعادة تشكيل الهويّات الطائفية في بلاد الشام. وقد حملت "النصيرية" منذ نشأتها طابعًا باطنيًا شديدًا، يقوم على تأويل النصوص الدينية، وإضفاء صفات روحية خاصة على الأئمة، كما احتفظت بفكرة الوساطة السـرية، والمعرفة الباطنية، المرتبطة بالإمام الغائب.. وقد حكمت هذه الطائفة سوريا ذات الغالبية السنية قرابة الخمسين عاماً (1970 – 2024م).

ومع مرور الزمن استمرت فكرة النيابة الروحية عن المهدي بالتطوّر داخل البيئة الشيعية، فظهرت الحركة الشيخية في القرن التاسع عشـر، على يد الشيخ أحمد الأحسائي(1753 – 1826م)، الذي ركّز على البعد العرفاني والباطني في فهم الـدين، واعتبر أن هناك أشخاصًا يمتلكون قدرة خاصة على إدراك أسـرار الإمام المهدي والتواصل الروحي معه؛ وقد مهّدت هذه الأفكار لظهور ما عرف لاحقًا بـ"الكشفية"، على يد الشيخ كاظم الرشتي (1793-1843م)، و"الركنية"، "حيث برز مفهوم «الركن الرابع» على يد محمد كريم خان الكرماني (1810–1871م)، الذي عدَّ الركن الرابع أصلًا من أصول الدين بعد التوحيد والنبوة والإمامة، وعرَّف هذا الركن بأنه معرفة الشيعي الكامل (الناطق الأول) الذي يكون واسطة بين الشيعة والإمام الغائب." أي الشخصية الروحية الكاملة التي تمثّل الواسطة بين الإمام الغائب والناس. ولم يكن هذا التطوّر مجرّد اجتهاد ديني، بل كان تعبيرًا عن حاجة نفسية وسياسية لدى الجماعات الشيعية، للبحث عن سلطة حاضرة تعوّض غياب الإمام الذي طال انتظاره.

ومن رحم هذه الاتجاهات خرجت “البابية”، عندما أعلن "علي محمد الشيرازي" (1819/ 1850م)، في إيران، سنة 1260هـ/1844م، أي بعد مرور ألف سنة على غيبة المهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري)، أنه " الباب إلى المهدي"، أي الوسيط الخاص بين الإمام الغائب وأتباعه، ثم تطوّرت دعواه لاحقًا إلى ادّعاء المهدية نفسها، ثم النبوّة لاحقاً، وأخيراً ادّعى أنه أحد ظهورات الله، أي بعبارة أخرى أنّ روح الله قد حلّت فيه، وهذا ما دعى علماء الشيعة الاثنا عشـرية في دولة إيران القاجارية إلى الحكم بردّته وقتله في 9 يوليو/ تموز عام1850م، في عهد السلطان ناصر الدين شاه القاجاري(1848 – 1896م).

وقد أحدثت البابية اضطرابات واسعة في المجتمع الإيراني القاجاري، لأنها لم تكن مجرد حركة روحية، بل حملت مشـروعًا تغييريًا هدّد البنية الدينية والسياسية القائمة. ومن البابية خرجت لاحقًا "البهائية"، على يد "حسين علي النوري، المعروف ببهاء الله"(1817 – 1892م)، الذي أعلن نفسه صاحب رسالة عالمية جديدة، بدعم من دولة روسيا القيصـرية في البداية، ومن ثم بريطانيا في مرحلة لاحقة، حيث استقر بهاء الله في مدينة "عكا" الفلسطينية، إلى حين موته، وأصبحت بمثابة كعبة للبهائيين حول العالم. ورغم أن البهائية خرجت عن الدين الإسلامي، فإن جذورها تعكس استمرار أزمة "النيابة" والبحث عن ممثل للغيب داخل البيئة الشيعية الاثني عشرية.

غير أن التحوّل الأكبر في تاريخ الفكر السياسي الشيعي جاء مع نظرية "ولاية الفقيه"، التي يُنسب تأسيسها الفقهي والنظري لأوّل مرّة منذ الغيبة الكبرى للمهدي المنتظر، لفكرة "الولاية العامة" للفقيه الملا "أحمد بن محمد مهدي النراقي"(1771 -1829م)، في كتابه "عوائـد الأيام"، في أصول الفقه. وفيما بعد أصّل لها نظرياً آية الله روح الله الموسوي الخميني (1902 – 1989م)، في كتابه "الحكومة الإسلامية"، الـذي كان يلقيه كمحاضرات على طلبة الحوزة في مدينة النجف في العراق، عندما كان لاجئاً فيها ما بين شهر شباط ونيسان عام 1970م، باللغة الفارسية، وترجمها إلى اللغة العربية الشيخ محمد مهدي الآصفي (1939 -2015م)، وهو عالم دين شيعي عراقي من أصول إيرانية، وتحديداً من مدينة "بروجرد"، وكان ممثلاً للمرشد الإيراني آية الله علي الخامنئي(1989 – 2026م)في العراق، حتى وفاته سنة2015م.

وفيما بعد طبّقها آية الله الخميني عملياً على أرض الواقع، باعتباره مؤسس الثورة الإسلامية الإيرانية، فقد كان الفكر الشيعي التقليدي يميل إلى تجنّب إقامة سلطة سياسية مطلقة في زمن الغيبة، باعتبار أن الحكم الكامل حقّ حصـري للإمام المعصوم. لكن آية الله الخميني رأى أن تعطيل إقامة الدولة الإسلامية بانتظار ظهور المهدي يؤدّي إلى ضياع الأمّة، ولذلك منح الفقيه الجامع للشـرائط سلطة سياسية ودينية واسعة، بوصفه نائبًا عامًا عن الإمام الغائب. وهكذا تحوّلـت المرجعية الدينية إلى نظام حكم كامل بعد الثورة الإيرانية عام 1979م، وأصبح “المرشد الأعلى” في الجمهورية الإسلامية يمثل الامتداد السياسي والديني لسلطة المهدي.

ولاية الفقيه بين التأييد والرفض المرجعي:

شكّلت نظرية "ولاية الفقيه" واحدة من أكثر النظريات إثارةً للجدل في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، خصوصاً بعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979م بقيادة روح الله الخميني، وتحويل هذه النظرية من اجتهاد فقهي محدود التداول إلى نظام سياسي يحكم دولة كاملة. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت ولاية الفقيه محوراً للصـراع الفكري داخل الحوزات الشيعية، ولا سيما بين مدرستَي النجف وقم، وبين التيار التقليدي الذي يرفض منح الفقيه سلطة سياسية مطلقة، والتيار الثوري الذي يرى في الفقيه نائباً عاماً عن الإمام المهدي الغائب.

ولم يكن الخلاف حول ولاية الفقيه خلافاً فقهياً مجرداً، بل ارتبط بمستقبل المرجعية الشيعية، وحدود تدخل الدين في الدولة، وطبيعة العلاقة بين العقيدة والسياسة، فضلاً عن ارتباطه المباشر بمفهوم "التمهيد للمهدي المنتظر"، الذي استُخدم بصورة واضحة في الخطاب السياسي الإيراني المعاصر.

وتظهر الأبحاث المعمّقة حول المرجعية الشيعية أن غياب الإمام المهدي منذ سنة260ه، أوجد فراغاً سياسياً ودينياً دفع الفقهاء تدريجياً إلى بناء مفهوم "النيابة"، حتى تطور لاحقاً إلى مرجعية دينية واسعة النفوذ، ثم إلى مشروع “ولاية الفقيه” بصيغته السياسية الحديثة.

ومنذ ذلك الحين لم تعد العقيدة المهدوية في إيران مجرد تصوّر غيبي، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في بناء الدولة والهوية السياسية. فالنظام الإيراني يقدّم نفسه بوصفه مشروعًا إسلاميًا عالميًا يمهّد لظهور المهدي، ويستخدم مفاهيم مثل "التمهيد للظهور"، و"محور المقاومة"، و"مواجهة الاستكبار العالمي"، ضمن إطار ديني يتجاوز الحسابات القومية التقليدية. ولهذا تكتسب المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة بُعدًا عـقائديًا، إذ يُنظر إليها -في بعض الخطابات الإيرانية- باعتبارها مواجهة بين "الحق" و"الباطل"، وليست مجرد صراع على النفوذ الإقليمي.

ومن جانب آخر، تُعدّ نظرية (ولاية الفقيه) من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، ويُعدّ الفقيه الإيراني أحمد النراقي (توفي سنة 1829م)، من أوائل من نظّروا لولاية الفقيه بصيغة موسّعة، لكن النظرية بقيت محدودة التأثير حتى جاء روح الله الخميني(1902 – 1989م) وحوّلها إلى مشـروع ثوري متكامل. وقد برزت بصورتها السياسية الواسعة بعد أن أسسها وطبّقها الخميني عقب الثورة الإيرانية عام 1979م. وتقوم النظرية على منح الفقيه الجامع للشـرائط، سلطة سياسية ودينية شاملة في إدارة الدولة والمجتمع خلال غيبة الإمام المهدي. إلا أن هذه الفكرة لم تحظَ بإجماع مراجع وعلماء الشيعة التقليديين، بل عارضها عدد كبير من كبار المراجع في إيران والعراق ولبنان وغيرها، معتبرين أنها تتجاوز الدور الديني التقليدي للمرجع الشيعي.

لقد عرف الفقه الشيعي عبر قرون طويلة مفهومًا محدودًا لولاية الفقيه، اقتصـر غالبًا على الأمور الحسبية مثل: القضاء، والإفتاء، ورعاية الأوقاف، وشؤون القُصّـر، ولم يكن يعني إقامة دولـة دينية يقودها الفقيه بصورة مطلقة. لكن السيد الخميني طوّر المفهوم في المحاضرات التي كان يلقيها على الطلبة في النجف عام1970م.. وجاء في هذه المحاضرات أن الفقيه نائب عام عن الإمام الغائب، وله صلاحيات سياسية كاملة تشمل قيادة الدولة والجيش والتشـريع، وجمعت هذه المحاضرات فيما بعد في كتاب باسم "الحكومة الإسلامية". وأنهى آية الله الخمينيّ بذلك ثنائية (الفقيه والسلطان)، المتوارَثة منذ عهد العالم اللبناني "علي بن الحسين بن عبدالعالي الكركي العاملي"، المعروف بالمحقق الثاني (المتوفى سنة940هـ/ 1534م) في عهد الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي (1524- 1576م)، وصارت الصيغة الجديدة (الفقيه السلطان، والسلطان الفقيه)، بما يعني أنّ الدين دخل في رحم السلطة، فلا وجه لمعارضة الفقيه للسُّلْطة السياسيَّة على الوجه الذي كان معروفًا في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، لأنها صارت متحدّثة باسم الإمام المهدي الغائب، بل إنّ رأي الحكومة صار مُلزِمًا - في القراءة الجديدة للسيد الخميني- للفقهاء كافة. أي إن ولاية الدولة وسلطة الفقيه قد جمعت في يد واحدة.

وكان هذا تغييراً في الفكر السياسي الشيعي غير مسبوق، إذ لم تكن السلطات الشيعية - حتى في العصـر الصفوي(1501 – 1736م)- تزعم الولاية المطلقة والنيابة عن الإمام الغائب، فكان رأيها غير مُلزِم للفقهاء، بل كان الفقهاء يعتبرون أنفسهم قيِّمين على الشاه.. لكنّ الأمر تَحوَّل في عهد السيد الخمينيّ؛ لأنه من داخل الحوزة لا من خارجها، بالإضافة إلى استيفائه شروط الاجتهاد والأعلميَّة. فلم يبق أمام الفقهاء الآخرين سوى احتمالين: الأول أن يتمسَّكوا باختياراتهم الفقهية والاجتهادية، ويعلنوا معارضتهم لمنهج الوليّ الفقيه، أو أن يتماهوا مع القراءة الثورية الجديدة، وهو الإشكال الذي واجهته المؤسسة الدينية من مراجع التقليد وعلماء الحوزة في النجف وكربلاء وقم، على حدّ سواء.

وقد رأى كثير من المراجع والعلماء أن هذا الطرح يمثل تحوّلًا جذريًا في الفكر الشيعي السياسي، وأنه يفتقر إلى الأدلة الشـرعية الكافية، كما يخالف المسار التاريخي للحوزات العلمية القائمة على الابتعاد النسبي عن السلطة السياسية المباشرة، وكان العراق، باعتباره مهد التشيع وخاصة حوزة النجف، من أبرز مراكز المعارضة الفكرية لولاية الفقيه المطلقة، ومن أهم المعارضين:

1- آية الله العظمى محسن الحكيم الطباطبائي (توفي سنة1970م)، عندما نُفي السيد الخميني إلى العراق سنة 1965م، لم يحبّذ مراجع النجف -وتحديداً السيد الحكيم آنذاك- الموافقه على استقباله في النجف، خشية من موقف الشاه الإيراني "محمد رضا بهلوي"(1941 – 1979م)، الذي كان يدعم مرجعيته باعتباره المرجع الرئيسـي للشيعة في العالم، من خلال برقية التعزية التي أرسلها إليه شاه إيران بعد وفاة المرجع الإيراني الكبير آية الله العظمى السيد حسين الطباطبائي البروجردي في 30 أذار/ مارسعام1961م. لكن العلاقة بينهما، أي بين السيدين الحكيم والخميني لم تتطور إلى توافق فكري كامل. فقد كان الخميني يحمل مشروعًا سياسيًا ثوريًا، بينما كان الحكيم أكثر تحفظًا، ويميل إلى العمل الديني والاجتماعي التقليدي. وتذكر بعض الروايات التاريخية أن الحكيم لم يتحمّس لفكرة إسقاط الأنظمة بالقوّة، أو إقامة حكم ديني مباشر بقيادة الفقيه، وكان أكثر حذرًا من تسييس الحوزة العلمية. أمّـا موقفه من نظرية ولاية الفقيه، فلم يترك الحكيم كتابًا مفصلًا يردّ فيه مباشرة على نظرية الخميني، لأن الخميني طرح نظريته الكاملة في كتاب (الحكومة الإسلامية) سنة 1970، وهي السنة نفسها التي توفّي فيها السيد الحكيم. لكن فتاواه ومنهجه الفقهي لا تتضمن القول بالولاية السياسية المطلقة للفقيه، ولهذا يُعدّ ضمن المراجع الذين خالفوا هذا الاتجاه ضمنيًا.

2- آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي (توفي 1992م)، يُعدّ من أكبر وأعلم مراجع الشيعة في القرن العشـرين، وقد رفض فكرة الولاية السياسية العامة للفقيه، وقصـر صلاحياته على الجوانب الدينية والقضائية المحدودة. وكان يرى أن إقامة الحكم السياسي ليست من اختصاص الفقيه في عصـر الغيبة، وأن المرجعية الدينية يجب أن تبقى مستقلة عن السلطة.

3- آية الله العظمى علي السيستاني (1937 - ؟) ، ورغم عدم تبنيه خطابًا صداميًا مع إيران،فهو يؤمن بدور إرشادي للمرجعية، لا بحكم مباشر للفقيه.. وقد رفض تولّي رجال الدين السلطة التنفيذية المباشرة، ودعا إلى دولة مدنية تقوم على الانتخابات والدستور. ولا يؤمن المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني بنظرية "ولاية الفقيه" بصيغتها المطلقة التي أسّس لها السيد الخميني. وبدلاً من الولاية السياسية العامة الشاملة للحاكم المطلق، يحصـر السيستاني ولاية الفقيه في "الأمور الحسبية" (كإدارة أموال القصـّر، والوقف العام)، ويشترط للولاية العامة شروطاً عملية، أبرزها المقبولية والقبول العام من قبل الأمّة والمؤمنين. ولا يرى السيد السيستاني أن الفقيه يمتلك حكماً "تفويضاً إلهياً" مطلقاً لإدارة شؤون الحكم بمعزل عن إرادة الأمّة، بل يعتمد في إدارة الدولة على الخيار الديمقراطي وصناديق الاقتراع، كما هو الحال في المشهد العراقي.

أمّا بخصوص معارضة المراجع في إيران، فحتى في داخل إيران نفسها، واجهت نظرية ولاية الفقيه معارضة قوية من كبار العلماء التقليديين في حوزة قم وغيرها في مشهد وطهران.. ومن أبرزهم، حسب التسلسل التاريخي لوفياتهم:

1- آية الله العظمى محمد حسين الطباطبائي القمّي (توفي سنة 1947م)، رغم وفاته قبل الثورة الإيرانية، فإن مدرسته الفقهية التقليدية كانت رافضة لفكرة الحكم المباشر للفقيه، وقد استند معارضو الولاية لاحقًا إلى آرائه المحافظة على الفصل النسبي بين المرجعية والسياسة.

2- آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري (توفي سنة 1986م)، كان من أبرز معارضي ولاية الفقيه المطلقة، ودعا إلى نظام دستوري تكون فيه سلطة الشعب فوق سلطة رجال الدين السياسية. وقد دخل في صدام مع النظام الإيراني بعد الثورة، ووُضع تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته، لا سيما بعد اعترافات "صادق قطب زاده"، وزير الخارجية الإيراني، بدوره في تغيير بنية النظام، بل وحتى إسقاطه، وتمّ إجباره على الاعتذار علناً في التلفزيون الرسمي الإيراني، وطرده من المرجعية.

3- آية الله العظمى مرعشـي نجفي(توفي سنة1990م)، عارض (ولاية الفقيه المطلقة) لأسباب فقهية وتقليدية تتعلق بطبيعة دور المرجع الديني، وحدود سلطة الفقيه في عصـر غيبة الإمام المهدي. ورغم أن المرعشـي النجفي لم يدخل في مواجهة سياسية علنية حادة مع الخميني، مثل بعض المراجع الآخرين، فإن مواقفه الفقهية كانت أقرب إلى المدرسة التقليدية في حوزة النجف وقم، التي كانت تتحفظ على تحويل المرجعية الدينية إلى سلطة سياسية مطلقة. وكان من أبرز المنتقدين للنظام القائم على ولاية الفقيه، واعتبر أن النظرية لا تستند إلى نصوص قطعية، وأنها اجتهاد سياسي قابل للنقاش والرفض.

4- آية الله العظمى محمد رضا الكلبايكاني ( توفي سنة1993م)، كان من كبار مراجع الشيعة في "قم". أمّا موقفه من نظرية ولاية الفقيه، فكان أقرب إلى التحفّظ الفقهي، وعدم تبنّي الولاية المطلقة بالشكل الذي أرساه الخميني، رغم أنه لم يدخل في معارضة سياسية علنية للنظام الإيراني بعد الثورة.

5- آية الله العظمى محمد علي الأراكي (توفي 1994م): تحفظ على التوسّع السياسي للولاية.

6- آية الله العظمى حسين علي منتظري (توفي سنة 2009م)، رغم أنه كان من أبرز منظّري الثورة الإيرانية، وتلميذًا مقرّبًا من آية الله الخميني، فإنه انتقد لاحقًا التوسّع في صلاحيات الولي الفقيه، ورفض الاستبداد السياسي باسم الدين. ودعا إلى تقييد سلطة المرشد بالدستور، والرقابة الشعبية، ممّا أدّى إلى عزله من منصب كخليفة الخميني، وتعيين علي الخامنئي محلّه، بالرغم من أنه لم يحظ بالقبول، بسبب عدم حصوله على مرتبة آية الله.

7- آية الله العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني، يتبنى في مبناه الفقهي القبول بـ "الولاية في الأمور الحسبية"، وهو رأي سائد بين عدد كبير من مراجع الشيعة، ولكنه يميل للتحفظ أو عدم القول بالولاية السياسية المطلقة لغير المعصوم خارج هذا الإطار.

8- آية الله العظمى حسين الوحيد الخراساني: المرجع الرئيسـي حالياً في قم، يميل إلى الولاية المحدودة التقليدية. وهو يتبع في ذلك مبنى أستاذه المرجع الراحل السيد "أبو القاسم الخوئي"، حيث يرى حصـر صلاحيات الفقيه في "الأمور الحسبية" فقط (كإدارة الأوقاف، رعاية القصـّر، وشؤون الفقراء)، دون التدخل المباشر في الشؤون السياسية التنفيذية، أو إدارة الدولة.

أما بشأن معارضة علماء لبنان، فقد ظهرت أيضًا مواقف رافضة لتحويل المرجعية إلى سلطة سياسية مطلقة، ومن أبرز هؤلاء المعارضين:

1- محمد جواد مغنية ( توفي سنة1979م): رفض العلامة والمفكر الشيعي الشيخ محمد جواد مغنية نظرية "الولاية المطلقة للفقيه"، وقصَـرَ صلاحيات الفقيه في عصر الغيبة على الأمور الحسبية المباشرة، مثل: (القضاء والفتوى وإدارة شؤون الأمة)، معتبراً أن الولاية الشاملة كولاية المعصوم هي من خصائص الأنبياء والأئمة فقط.

2- محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، (توفّي سنة 2001م)، رفض مبدأ ولاية الفقيه العامة خارج إيران، وطرح بدلًا منه مفهوم (ولاية الأمّة على نفسها)، أي إن الشعب هو مصدر الشرعية السياسية، من خلال الاختيار الحر.

3- آية الله العظمى محمد حسين فضل الله (توفي 2010م)، ورغم قربه الفكري من الثورة الإيرانية في بداياتها، واعتباره منظّر حزب الله اللبناني؛ فإنه لم يقبل الخضوع السياسي لولاية الفقيه الإيرانية، واعتبر أن لكل شعب حقّ اختيار نظامه السياسي، كما انتقد احتكار السلطة الدينية والسياسية بيد شخص واحد.

4- حسن الأمين (توفّي سنة 2021م)، عالم دين شيعي كبير، انتقد بشدة تسييس المرجعية الدينية، واعتبر أن ولاية الفقيه أدّت إلى احتكار السلطة، وإضعاف استقلالية الحوزات العلمية.

وتكمن أسباب معارضة المراجع التقليديين لولاية الفقيه في عدّة نقاط جوهرية، مثل:

1- غياب الدليل الشـرعي القاطع، إذ رأى كثير من العلماء أن النصوص الدينية لا تمنح الفقيه سلطة سياسية مطلقة؛ لأنه غير معصوم.

2- الخوف من الاستبداد الديني، حيث يؤدّي جمع السلطتين الدينية والسياسية بيد شخص واحد إلى غياب الرقابة، وسيتمخض عند ذلك ظهور نظام ثيوقراطي على غرار أنظمة الحكم الأوروبية في العصور الوسطى.

3- الحفاظ على استقلال المرجعية، فدخول المرجعية في السلطة قد يضعف مكانتها الروحية، ويجعلها طرفًا سياسيًا، تنافس الأحزاب السياسية؛ بشقيها الإسلامي والعلماني.

4- الاختلاف التاريخي في الفقه الشيعي، إذ لم يعرف التراث الشيعي التقليدي نظام الحكم الثيوقراطي(= الحكم الإلهي) بالشكل الذي أرساه آية الله الخميني، حتى في العصـر الصفوي.

ولاية الفقيه والمرجعية الشيرازية: صراع النفوذ:

إن فكرة ولاية الفقيه في الفكر الشيعي الإمامي تعود -كما هو معلوم- إلى قرون سبقت قيام الجمهورية الإسلامية في إيران بوقت طويل، إذ ناقش عدد من الفقهاء مسألة صلاحيات الفقيه في عصـر غيبة الإمام المهدي، وبرزت اجتهادات متفاوتة منذ عهد المحقّق الكركي، في العصـر الصفوي، ثم تطوّرت بصورة أوضح عند الملا أحمد النراقي، في العصـر القاجاري، الـذي اعتبر أن للفقيه صلاحيات عامة في إدارة شؤون المجتمع، قبل أن تأتي مدارس فقهية لاحقة، مثل مدرسة الشيخ الأنصاري، التي تعاملت بحذر أكبر مع فكرة التوسّع السياسي لسلطة الفقيه. ومع أن هذه النقاشات بقيت ضمن الإطار الفقهي التقليدي، فإنها وضعت الأساس النظري الذي سيعاد بناؤه وبلورته لاحقًا بصيغ سياسية مختلفة في القرن العشرين.

انطلق الفكر السياسي الإمامي في القرن العاشر الهجري / السادس عشـر الميلادي نحو تحوّل استراتيجي غير مسبوق، انتقل فيه الفقه من العزلة والانتظار السلبي إلى فضاء الفاعلية السياسية وإدارة الـدولة، وكان مهندس هذا التحوّل الشيخ اللبناني "علي بن الحسين الكركي العاملي"، المعروف بالمحقّق الثاني (توفي سنة 940هـ / 1533م). لقد استثمر الكركي قيام الدولة الصفوية (1501 – 1722م)، وحاجتها إلى شـرعية دينية، ليصيغ نظرية "النيابة العامة"، مؤكّداً أن الفقيه الجامع لشـرائط الفتوى ليس مجرد مرجع للأحكام العبادية، بل هو نائب منصوب من قبل الإمام المعصوم، في عصـر الغيبة، لإدارة شؤون الأمّة، وتولّي صلاحيات الحكم. ولم يقف تنظيره عند بطون الكتب، بل تُرجم عملياً، عندما منحه الشاه طهماسب تفويضاً مطلقاً، فأصدر الكركي الأحكام القضائية، وجبى الخراج، وأقام صلاة الجمعة، ممهداً الطريق لدمج المؤسسة الدينية بجهاز السلطة، ومؤسّساً لنمط جديد من العلاقة بين الدين والسياسة. هذه الخطوة التأسيسية -التي وضعها المحقّق الكركي- لم تكن حدثاً عابراً، بل شكّلت البوصلة التي وجهت نقاشات الفكر السياسي الشيعي عبر القرون اللاحقة، وفق تسلسل تاريخي مرن، التقط خيوطه أولاً الملا أحمد النراقي (توفّي سنة 1245ه / 1829م). فبعد نحو ثلاثة قرون من تجربة الكركي، عمل النراقي، في كتابه "عوائـد الأيام"، على تأصيل وتنظير ما طبّقه الكركي عملياً، فأفرد لولاية الفقيه باباً فقهياً مستقلاً ومبوّباً، مستدلّاً بالأدلة النقلية والعقلية على أن كلّ ما كان للإمام المعصوم من صلاحيات في إدارة المجتمع والسياسة والجباية، فهو ثابت للفقيه في عصـر الغيبة، لتتحوّل الأطروحة معه من فتاوى متفرقة إلى نظرية فقهية متكاملة الأركان. لكن هذا المسار التصاعدي واجه قراءة نقدية مغايرة مع ظهور الشيخ مرتضـى الأنصاري (توفّي سنة 1281هـ / 1864م)، الذي يعدّ المؤسّس الأول للفقه الشيعي الحديث.

عاد الأنصاري، في كتابه "المكاسب"، ليمحّص إرث الكركي والنراقي، وخلص -بعد مناقشة الأدلة اللفظية والنصوص الشـرعية- إلى أن تلك الأدلّة لا تكفي لإثبات "الولاية السياسية العامة"، أو سلطة التصرّف المطلق للفقيه في أرواح الناس وأموالهم، واقتصـر بالولاية على الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية الضـرورية، ممّا أحدث هزّة فقهية أعادت تقنين حدود السلطة الدينية، وفتحت باباً واسعاً للجدال بين مؤيّد ومحجم.

وتواصل هذا السجال التاريخي حتى بلغ ذروته التطويرية والتطبيقية في القرن العشـرين على يد روح الله الخميني (توفي سنة 1409ه/1989م).. لقد تبنّى الخميني الرؤية التوسّعية لكل من الكركي اللبناني، والنراقي الإيراني، لكنه دفع بها إلى مداها الأقصـى، متجاوزاً فكرة ممارسة الفقيه لسلطته تحت ظلّ سلطان آخر، أو ضمن حدود نيابة جزئية.. وطرح الخميني رؤيته القاضية بأن ولاية الفقيه تعني إقامة "دولة إسلامية كاملة"، يقودها الفقيه بنفسه، بصلاحيات مطلقة، لإدارة شؤون المجتمع وتطبيق الشـريعة، معتبراً الحكومة شعبةً من ولاية رسول الله المطلقة، وأحد الأحكام الأولية المقدّمة على سائر الأحكام الفرعية..

إن التدقيق في هذا التسلسل التاريخي يثبت أن أطروحة المحقق الكركي في العصـر الصفوي كانت نقطة التحوّل الاستراتيجية في الفكر الإمامي، فلولا اقتحامه المجال السياسي، وصياغة مفهوم النيابة العامة، لما وجد النراقي أرضية للتقنين، ولما وجد الأنصاري مادة للنقد، ولما استطاع الخميني صياغة البنية الدستورية لنظام سياسي معاصر قائم على الولاية الشرعية.

ففي النصف الأول من القرن العشـرين كانت الحوزات الشيعية في النجف وقم تعيش مرحلة شديدة الحساسية، بسبب التحوّلات السياسية الكبرى في المنطقة، وصعود القومية والأنظمة الملكية الحديثة، ومنها نظام رضا بهلوي في إيران(1925 -1941م)، ونجله محمد رضا بهلوي(1941 – 1979م)، وقد تبنى الشاه مشـروعًا تحديثيًا علمانيًا متسارعًا، رأت فيه قطاعات دينية تهديدًا مباشرًا لهوية المجتمع الشيعي ومكانة المؤسسة الدينية، خصوصًا بعد سياسات التغريب، وتقليص نفوذ العلماء، والاعتزار بالتاريخ ما قبل الإسلامي، حيث تأسّست الدولة الأخمينية (الهخامنشية) وفقاً للتأريخ والتصوّر الإيراني الرسمي في عام 550 ق.م، وسقطت في عام 330 ق.م، وتتوزع ملامح هذا التصوّر والتحقيب الإيراني (المستند إلى كبار المؤرخين الإيرانيين، مثل حسن بيرنيا "مشير الدولة")، وتؤرّخ القراءة الإيرانية سقوط الدولة عام 330ق.م، وذلـك بعد الهزائم المتلاحقة التي مني بها الملك "داريوش الثالث" (دارا)، أمام زحف الإسكندر المقدوني، وتحديداً بعد (معركة گوگاميلا) (331 ق.م) قرب (أربيلا- أربيل)، وإحراق العاصمة الإيرانية الرمزية للدولة الإخمينية - الهخامنشية "برسبوليس" (تخت جمشيد) عام 330 ق.م، الواقعة على بعد حوالي 57 الى 70 كم شمال شرق مدينة شيراز، ثم مقتل داريوش الثالث على يد أحد ولاته.

فمن منظور التصوّر الثقافي والوطني للإيرانيين، لا ينظر الفكر الإيراني إلى عام 330 ق.م على أنه نهاية الهوية الإيرانية، بل يعتبره "صدمة حضارية مؤقتة". حيث ترى الرواية القومية أن الثقافة الإيرانية استطاعت هضم الغزاة اليونانيين (السلوقيين)، وصهرهم داخل الهوية الوطنية المتجددة، حتى استعادت النخب الإيرانية حكمها مجدداً عبر الإمبراطوريتين الفرثية والساسانية.

وتأسّست الدولة الساسانية -وفقاً للتأريخ والتصوّر الإيراني- في عام 224م، وسقطت رسمياً في عام 651م. وتمثل هذه الإمبراطورية، في الوجدان التاريخي الإيراني، العصر الذهبي الثاني لبلاد فارس قبل الإسلام، ويتوزّع خطها الزمني على النحو التالي: تأسّست الدولة على يد أردشير الأول (أردشير بابكان) عام224م، وهو حفيد "ساسان"، الذي تنسب إليه السلالة.. نجح أردشير في الإطاحة بالإمبراطورية الفرثية (الأشكانية)، بعد هزيمة ملكها "أرطبان الرابع" في معركة "هرمزديان" الشهيرة عام 224م، معلناً قيام إمبراطورية مركزية جديدة، اتخذت من مدينة "تيسفون" (المدائن - جنوب شرق بغداد) عاصمة شتوية لها، وجعلت من الديانة الزرادشتية ديناً رسمياً للدولة. وبدأ الانهيار الفعلي للدولة الساسانية بعد هزيمتها القاسية أمام جيوش المسلمين، في معارك: القادسية (636م)، وجلولاء(637م)، ونهاوند (642م).. لكن التأريخ الإيراني يؤرّخ السقوط الرسمي للـدولة عام 651م، وهو العام الذي قُتل فيه "يزدجـرد الثالث"، آخر ملوك الساسانيين، طريداً ومختبئاً في مدينة "مرو" (في تركمانستان الحالية)، على يد أحد الأمراء الفرس، وبموته انتهت السلالة الساسانية الحاكمة تماماً.

ومن جانب آخر، فقد ربط الشاه محمد رضا بهلوي إيران بالمحور الغربي، وجعل منها شرطياً للخليج.. في هذا المناخ برز اسم "روح الله الخميني" بوصفه فقيهًا ومعارضًا شرساً للنظام الملكي، لكنه لم يكن معارضًا سياسيًا تقليديًا فقط، بل كان يحمل تصورًا كاملًا عن ضـرورة إقامة دولة إسلامية يقودها الفقيه الجامع للشرائط.. وخلال ستينيات وسبعينيات القرن العشـرين تطوّرت أفكار الخميني بصورة أكثر وضوحًا، خاصة أثناء منفاه خارج إيران في العراق، وتحديد مدينة النجف ذات الرمزية الشيعية، حيث صاغ نظريته المعروفة باسم “ولاية الفقيه المطلقة”.. وقد رأى أن غياب الإمام المعصوم لا يعني تعطيل الحكم الإسلامي، بل إن الفقيه العادل يمتلك شـرعية إدارة الدولة بوصفه نائبًا عامًا عن الإمام الغائب.. لم تقتصر هذه النظرية على الإشراف الديني أو القضاء والأوقاف، كما في التصوّرات التقليدية، بل منحت الفقيه صلاحيات واسعة تشمل إدارة الجيش والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، بل وحتى إمكانية تقديم “مصلحة النظام الإسلامي” على بعض الأحكام الثانوية، عند الضـرورة.. كانت هذه الرؤية مختلفة عن كثير من الاتجاهات الحوزوية التقليدية، التي كانت تميل إلى الابتعاد النسبي عن السلطة المباشرة.

فعندما اندلعت الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه، استطاع الخميني أن يحوّل نظريته من مشـروع فقهي إلى نظام حكم فعلي.. فبعد سقوط الملكية، أُدرجت ولاية الفقيه في دستور الجمهورية الإسلامية، وأصبح منصب “المرشد الأعلى” محور السلطة السياسية والدينية في الدولة.. وقد ساعدت ظروف الثورة، والصراع مع الغرب، ثم الحرب العراقية الإيرانية(1980 -1988م)، على ترسيخ مركزية السلطة، لأن الدولة الجديدة كانت ترى نفسها في مواجهة تهديدات وجودية تحتاج إلى قيادة حاسمة وموحدة.. ومن هنا اكتسبت نظرية الخميني قوة واقعية لم تتحقق لأي تنظير شيعي سابق، إذ أصبحت مرتبطة بمؤسسات الدولة والجيش والحرس الثوري والسياسة الخارجية.

في هذه الأثناء كان الفقيه والمرجع "محمد الحسن الشيرازي" (1928 -2001م) يطرح رؤية مختلفة لولاية الفقيه.. فرغم اتفاقه مع أصل فكرة الدور السياسي للفقهاء، فإنه رفض تركيز السلطة بيد فقيه واحد، واعتبر أن الأقرب إلى روح الإسلام، وإلى طبيعة المرجعية الشيعية، هو نظام “شورى الفقهاء”، أي أن تُدار الدولة من خلال مجلس من العلماء بدل الزعامة الفردية المطلقة.. وقد رأى الشيرازي أن التعددية داخل المؤسسة الدينية تمثّل ضمانة ضد الاستبداد، وأن إشراك أكثر من فقيه في القرار السياسي يحفظ التوازن، ويمنع تحوّل المرجعية إلى سلطة مغلقة.

ومع مرور الوقت اتّسعت الفجوة بين المدرسة الخمينية والمدرسة الشيرازية، خصوصًا بعد استقرار النظام الإيراني. فأنصار ولاية الفقيه المطلقة كانوا يرون أن التجربة أثبتت نجاح القيادة المركزية في حماية الـدولة ومواجهة التحديات، بينما رأى أتباع الشيرازي أن تضخّم صلاحيات المرشد الأعلى أدّى إلى تراجع الحريات السياسية والدينية، وإلى هيمنة الدولة على المجال الحوزوي. لذلك دافعت المدرسة الشيرازية عن قدر أكبر عن التعددية السياسية والاجتماعية، ومالت إلى تخفيف الطابع الأمني للدولة الدينية، مع الإبقاء على الدور الإسلامي في الحكم.

وعلى المستوى الفكري، اعتبر مؤيّدو الخميني أن نظريته أكثر عمقًا من الناحية السياسية، لأنها تعاملت مباشرة مع مشكلات الدولة الحديثة: إدارة المؤسسات، الحرب، الثورة، الاقتصاد، والعلاقات الدولية، ولم تبق مجرد تنظير فقهي تجريدي.. أما أنصار الشيرازي، فكانوا يرون أن العمق الحقيقي يكمن في وضع قيود على السلطة، والحفاظ على تعددية المرجعيات، ومنع إعادة إنتاج الاستبداد باسم الدين (= النظام الثيوقراطي). ولذلك فإن الجدل بين المدرستين لم يكن خلافًا فقهيًا بسيطًا، بل خلافًا حول طبيعة السلطة نفسها: هل تحتاج الدولة الإسلامية إلى قائد واحد قوي قادر على الحسم، أم إلى نظام شوروي يوزع السلطة بين عدة فقهاء؟.

في الواقع الشيعي المعاصر لم تنتصـر رؤية واحدة بصورة كاملة في جميع البيئات. ففي إيران بقيت نظرية السيد الخميني هي الأساس الرسمي للنظام السياسي، وتابعها لاحقًا السيد علي خامنئي بوصفه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. أما في النجف، فقد ظلّ اتجاه آخر يميل إلى تقليل تدّخل المرجعية في الحكم المباشر، كما يظهر في منهج السيد علي السيستاني، الذي يمنح المرجعية دورًا أخلاقيًا وإرشاديًا أكثر من كونه سلطة تنفيذية حاكمة، وبين هذين الاتجاهين استمرت المدرسة الشيرازية في الدعوة إلى صيغة أقرب إلى التعددية والشورى.

وهكذا يمكن القول إن نظرية الخميني كانت الأكثر تأثيرًا من الناحية السياسية والتاريخية، لأنها ارتبطت بثورة ناجحة ودولة قائمة، بينما مثّلت نظرية الشيرازي محاولة لإعادة التوازن بين السلطة الدينية والتعددية داخل المجتمع الشيعي. وقد ظل السؤال بين المدرستين قائمًا حتى اليوم: هل قوّة الدولة الدينية تكمن في مركزية القرار ووحدة القيادة، أم في توزيع السلطة ومنع احتكارها؟

وبخصوص مرجعية آية الله محمد الحسني الشيرازي (1347-1433ه/1928 -2001م)، فقد كانت في البداية موافقة كليّاً لمنظور ولاية الفقيه، حتى أن البعض كان يعدّ رؤيته النظرية الكاملة حول ولاية الفقيه ونظام الحكم الإسلامي قد طرحا في نهاية الستينيات من القرن العشـرين، وتحديداً في عام 1969م /1389ه)، حيث صاغ السيد الشيرازي أبعاد الدولة الإسلامية والحكومة الشـرعية في كربلاء، قبل أن يستكمل السيد الخميني سلسلة محاضراته الشهيرة في النجف الأشرف حول "الحكومة الإسلامية" في كانون الثاني وشباط/ يناير وفبراير من عام 1970م.

وكان السيد الشيرازي قد وثّق نظريته السياسية ضمن أجزاء موسوعته الاستدلالية الضخمة (موسوعة الفقه)، وتحديداً في المجلدات الخاصة بكتاب "الفقه- الدولة الإسلامية"، وكتاب "الفقه- الحكم في الإسلام".. وعلى الرغم من إيمانه المبدئي بولاية الفقيه الجامع للشـرائط لإدارة الأمّة، إلا أنه رفض فكرة "الولاية المطلقة للفرد الواحد"، وطوّر أطروحته لتصبح "شورى الفقهاء المراجع".. وبموجب هذا المبدأ، تُدار الدولة الإسلامية عبر مجلس قيادي يضم مراجع التقليد البارزين الذين تنتخبهم الأمة، لضمان التعددية ومنع الاستبداد بالسلطة.

فالتمييز الإجرائي بين "التنظير المكتوب" و"التطبيق الثوري"، جعل العديد من المؤرخين والباحثين الشيعة يركّزون على "الحدث الفاعل" وليس فقط "النص المكتوب".. فالسيد الخميني لم يكتفِ بطرح الفكرة، بل قاد بها ثورة شعبية أطاحت بنظام الشاه، وبنى على أساسها دولة حقيقية على الأرض. هذا النجاح العملي الضخم جعل اسم الخميني يبتلع تاريخياً كل الأطروحات الموازية أو السابقة له في هذا الحقل.. ففي ظل الطبيعة الحوزوية التقليدية في البيئة العلمية للحوزات، لا يُنظر إلى ولاية الفقيه كاختراع جديد لأيٍّ منهما، بل كبحث فقهي قديم يمتد إلى المحقّق الكركي والملا النراقي؛ وبناءً عليه، تُصنّف المصادر التقليدية أطروحة الخميني، أو الشيرازي، كـ "قراءات وتطويرات" على متن فقهي قديم.. وبالتالي، لا تجد الحوزات التقليدية (التي يقف أغلبها على الحياد، أو يرفض الولاية السياسية أصلاً) حاجةً للمفاضلة بالسبق الزمني بين المعاصرين.

ومن جهته، فقد ساند السيد الشيرازي الثورة الإسلامية في إيران في بدايتها، ولكن بعد الاستقرار الدستوري، وتطبيق صيغة "الولي الفرد المطلق" في الدستور الإيراني، عارض الشيرازي هذا النمط من الحكم، وانتقد غياب الشورى، وقمع التعددية المرجعية. أدّى هذا الخلاف إلى صدام سياسي طويل مع النظام الإيراني، وفرض الإقامة الجبرية على الشيرازي في قم حتى وفاته، مما جعل الماكنة الإعلامية والمؤسسات الثقافية الشيعية المرتبطة بالدولة تتجاهل إرثه، أو تهمّشه عمداً، لتكريس الإمام الخميني كأب روحي وحيد، ومبتكر حصـري للنظرية المعاصرة.. وهو ما أجبر التيار الشيرازي على إجراء مراجعة استراتيجية شاملة لطبيعة حضورهم في الفضاء العام؛ فابتعدوا تدريجياً عن الصدام السياسي المباشر والعمل الحركي المسلّح، ميمّمين وجوههم شطر استراتيجية بديلة قائمة على التمدد الإعلامي والمؤسساتي الكثيف، وهو ما يُعرف في علم الاجتماع الديني بمرحلة "طقسنة التشيّع".. تمثّلت هذه الاستراتيجية الجديدة في المبالغة الشديدة وزيادة الطقوس والشعائر الحسينية إلى حدود غير مسبوقة تاريخياً، وتحويلها إلى الهوية البصـرية والفكرية الطاغية للتيار.. وتولّى الشيرازيون الدفاع الفقهي والإعلامي المستميت عن الشعائر المثيرة للجدل داخل البيت الشيعي وخارجه، مثل التطبير (ضرب الرؤوس بالسيوف)، والمشـي على الجمر، والزحف على البطون نحو الأضرحة، معتبرين إياها الخطوط الحمراء التي تميّز المذهب وتحميه من الذوبان السياسي أو التنازل العقدي.. ولتثبيت هذا التوجه ونشـره عالمياً، أسّست المرجعية الشيرازية (التي انتقلت قيادتها الروحية بعد وفاة محمد الشيرازي إلى شقيقه المرجع الحالي السيد صادق الشيرازي) إمبراطورية فضائية ضخمة عابرة للقارات، تشمل قنوات تلفزيونية مثل "الأنوار"، و"فدك"، و"الإمام الحسين"، تبث مجالس العزاء، واللطميات، والمراسم الطقسية الحادة من كربلاء ومختلف عواصم العالم، على مدار الساعة. صنعَ هذا الإغراق في "الطقسنة" خطوط مواجهة فكرية وصراعات حادة ومستمرة بين المدرسة الشيرازية والتيارات الشيعية المنافسة لها على الساحة.. فمن جهة، يتصادم الشيرازيون علناً مع النظام الإيراني، الذي يحظر ممارسات مثل التطبير رسمياً في أدبياته السياسية، بدعوى أنها تشوّه صورة المذهب الشيعي، وتظهره بمظهر غير عقلاني أمام الرأي العام العالمي. ومن جهة أخرى، يشن التيار الشيرازي عبر منصّاته هجمات فكرية لاذعة ضد الحوزات العلمية التجديدية (مثل خط السيد محمد حسين فضل الله في لبنان، أو بعض الأوساط الحوزوية المعاصرة في النجف)، فالأكثر تداولًا في الوسط الحوزوي هم: السيد علي السيستاني، والسيد بشير النجفي، والسيد محمد سعيد الحكيم، وبعض تلامذة مدرسة الخوئي التقليدية عمومًا. والاختلاف معهم يُعدّ كبيرًا، خصوصًا في: التطبير والشعائر الطقسية، وأسلوب المنبر الحسيني، والنشاط الإعلامي والتنظيمي للشيرازيين، وفكرة “المرجعية الجماهيرية”، مقابل “المرجعية الحوزوية الهادئة”، وبعض الخطابات الحادّة تجاه أمّهات المؤمنين والصحابة أو الرموز الإسلامية..

أمّا الشخصية التي كان يُنظر إليها تاريخيًا على أنها الأشدّ اختلافًا مع الخط الشيرازي فكريًا وحوزويًا فهو: السيد أبو القاسم الخوئي(توفي سنة1992م)، لأن مدرسة النجف الخوئية تمثّل المنهج التقليدي المحافظ الذي يختلف مع الحركية والتنظيم الشيرازي.. كذلك: السيد محمد باقر الصدر(توفّي سنة1980م)، الذي لم يكن على انسجام كامل مع الشيرازيين سياسيًا وتنظيميًا، رغم وجود تقاطعات إسلامية عامّة بينهم.. وفي الوقت الحالي توجد حساسيات واضحة بين جمهور الشيرازيين وبعض أوساط النجف القريبة من السيستاني، لكنها غالبًا لا تُعلن بصيغة صدام مباشر.

ومن المهم التفريق بين: الخلاف العلمي/المنهجي، والخلاف الشخصـي.. فكثير من المراجع لا يهاجمون السيد الشيرازي علنًا، لكنهم لا يتبنّون خطّه الشعائري والتنظيمي، ويدعون علناً إلى تنقية الشعائر وإعادة قراءة الموروث التاريخي بعيداً عن الغلو.. ويرى الشيرازيون في تلك الدعوات مؤامرة مبطّنة لإضعاف الرمزية الحسينية، متشبثين بمسارهم الخاص الذي بدأ بتنظيم حركي سعى لتغيير الأنظمة الخليجية عبر الانقلابات، وانتهى بنظام طقسـي جارف يعيد إنتاج الهوية الشيعية وصياغتها من كربلاء عبر الشاشات والمواكب والمنابر حول العالم.

وكانت الملامح الأولى للحركة الشيرازية قد أخذت تتبلور في ستينيات القرن العشـرين داخل كربلاء، تلك المدينة العراقية ذات الرمزية الحسينية الطاغية، لتشكّل مساراً فكرياً وحركياً موازياً، ومختلفاً في آن واحد عن حوزة النجف التقليدية، التي ركّزت على الزعامـة العلمية الهادئة لشيعة العالم.. قاد هذه الانعطافة المرجع الراحل السيد "محمد الحسيني الشيرازي"، مستنداً إلى تحالف عائلي ووراثي وثيق مع أبناء أخته: محمد تقي المدرسي، وشقيقه هادي المدرسي.. لم يكن هذا التحالف مجرّد رابطة قرابة، بل كان تكاملاً وظيفياً وأيديولوجياً أسّس لما عُرف في الأدبيات الشيعية بـ "الحركة الرسالية"؛ التي تأسّست عام 1967م، وهو التاريخ الذي تعتبره المنظمة بـداية تأسيس “الحركة الرسالية” في العراق، والتي تطوّرت لاحقًا إلى "منظمة العمل الإسلامي" عام 1979م، التي تمّ اعتمادها رسميًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979م، حيث تولّى السيد محمد الشيرازي توفير الغطاء الفقهي والمرجعي الأعلى، بينما انكبّ السيد محمد تقي المدرسي من كربلاء على صياغة المنظومة التنظيرية والفكرية، وتحديث الخطاب الشيعي الملتزم بالعمل الحزبي المنظّم، متأثّراً بأدبيات الحركات الثورية المعاصرة، ومستغلاً الاندفاع العاطفي المرتبط بالهوية الكربلائية.

تحوّلت هذه الطروحات الفكرية سريعاً إلى هيكل تنظيمي فاعل على الأرض مع تأسيس "منظمة العمل الإسلامي" في العراق في السبعينيات، كذراع تنفيذي لمواجهة نظام حزب البعث، لكن الآفاق الحركية للتيار اتّسعت بشكل دراماتيكي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، ووجد الشيرازيون في هذا التحوّل التاريخي فرصة ذهبية لنقل أفكارهم من التنظير إلى التطبيق الميداني العابر للحدود، عبر تبنّي خيار "تصدير الثورة" في منطقة الخليج العربي.. وبتنسيق لوجستي وعملياتي مبكّر مع أجنحة راديكالية داخل الحرس الثوري الإيراني، وأصبحت مملكة البحرين الساحة الرئيسية لترجمة هذا الطموح السياسي الثوري، حيث أسّس التيار الشيرازي هناك "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين"، كفرع إقليمي لمنظمة العمل الإسلامي، تحت القيادة المباشرة لهادي المدرسي، الذي كان قد استقر في العاصمة "المنامة" لسنوات وأسّس قاعدة جماهيرية واسعة عبر إدارة "الصندوق الحسيني"، واجتذاب قطاعات واسعة من الشباب الشيعي المتحمس.

بلغ هذا الزخم الثوري ذروته في كانون الأول/ ديسمبر عام 1981م، عندما خطّطت "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين" ونفذّت محاولة انقلابية مسلحة استهدفت قلب نظام الحكم الملكي، وإقامة جمهورية إسلامية ثيوقراطية تتبع الخط الرسالي.. أحبطت الأجهزة الأمنية البحرينية هذا المخطط في اللحظات الأخيرة، وألقت القبض على عشـرات المتورّطين الذين خضعوا لمحاكمات شهيرة، بينما نجحت القيادات العليا، وعلى رأسهم هادي المدرسي، في الفرار واللجوء إلى طهران.

ومع تغيّر الموازين السياسية في العقود اللاحقة، وصدور العفو الملكي في البحرين مطلع الألفية الجديدة، عاد أقطاب هذا التيار للمشهد العام، محاولين التكيّف مع الواقع السياسي الجديد عبر تأسيس كيان علني قانوني عُرف باسم "جمعية العمل الإسلامي" (أمل)، والتي استمرت في حمل إرث وأدبيات المدرسة الشيرازية حتى جرى حظرها وتصفيتها قانونياً من قبل السلطات البحرينية إثر اضطرابات عام 2011م.

أنصار نظرية ولاية الفقيه:

ومن جانب آخر، فقد كان لمفهوم ولاية الفقيه مؤيّدون، لا سيّما منظري وزعماء وكوادر الأحزاب الإسلامية الشيعية، فضلاً عن الحركات والمنظمات الولائية التي ترتبط بالولي الفقيه، مثل: حزب الدعوة الإسلامية، حزب الله اللبناني، حزب الله العراقي، حركة النجباء، وغيرها.

فأمّا أبرز المؤيدين لولاية الفقيه العامة أو المطلقة، فهم:

1- آية الله العظمى علي الخامنئي(توفي سنة2026م): مرشد الثورة الإيرانية بعد إخراج آية الله العظمى حسين علي منتظري منها، رغم أن خامنئي لم يكن قد بلغ درجة الاجتهاد (آية الله) عند وفاة الخميني عام 1989، بل كان في رتبة (حجة الإسلام والمسلمين).

2- آية الله محمد باقر الصدر (أُعدم سنة 1980م): مفكر إسلامي كبير، أبدى تأييداً لفكرة الدولة الإسلامية، وقدّم تنظيراً قريباً من الولاية العامة، رغم اختلافه في بعض التفاصيل مع نظرية السيد الخميني.

3- آية الله محمد محمد صادق الصدر -الصدر الثاني- (توفي سنة1999م)، أيّد نظرية "ولاية الفقيه" العامة، معتبراً إيّاها الصيغة الشـرعية الصحيحة لإدارة المجتمع الإسلامي. كما أقرّ بمرجعية الإمام الخميني، وأشاد بمشـروعه الإسلامي، مبدياً في الوقت ذاته حرصه على استقلالية الحوزة العلمية في النجف الأشرف. ويتلخص موقفه في النقاط التالية:

ولاية الفقيه: آمن بالولاية العامة للفقيه الجامع للشـرائط، ويرى أن الفقهاء ليسوا مجرد قضاة، بل هم حكّام شرعيون على الأمّة، وأن الولاية تمتد لتشمل الشؤون السياسية والاجتماعية لإدارة الدولة الإسلامية، وقيادة الأمّة.

مرجعية الإمام الخميني: اعترف بمرجعية الإمام الخميني، ودرّس أبحاثه الفقهية (مثل الجزء الثامن من كتاب البيع)، وكان يرى أن قيادة الجمهورية الإسلامية في إيران تمثّل خطوة مهمة في المشروع الإسلامي.

التنظير الفكري: ألّف وبحث في تفاصيل هذه النظرية في عدّة مؤلفات له، مثل: مبحث ولاية الفقيه، كتاب "ما وراء الفقه"، وبحوث في صلاة الجمعة، لتأصيل دور المرجع القائد.

السياسة والحوزة: رغم تأييده للمشـروع الخميني، وموقفه في التدخل بالعمل السياسي، ورفض انعزال رجل الدين، إلا أنه سعى لترسيخ دور "المرجعية الناطقة" المستقلة وقاعدتها في النجف الأشرف، لتمثيل الأمّة وقيادتها داخلياً في ظلّ ظروف العراق آنذاك.

4- آية الله العظمى كاظم الحائري: يُعدّ آية الله العظمى السيد كاظم الحائري من أبرز المؤيّدين لنظرية "الولاية العامة للفقيه"، ومن أبرز طلبة محمد باقر الصدر.. وهو يرى أن الفقيه الجامع للشـرائط يمتلك ولاية تشـريعية وتنفيذية في إدارة شؤون الأمة الإسلامية، وله صلاحيات واسعة في تسيير الدولة الإسلامية بما يحفظ مصالح العباد والبلاد في عصـر الغيبة. ومن أبرز معالم موقفه ونظريته من الولاية العامة، فهو يعتقد بضـرورة إقامة "الحكومة الإسلامية"، ويثبت للفقيه الولي صلاحيات حاكمة تتجاوز مجرد الفتوى والقضاء، لتشمل قيادة المجتمع وإدارة شؤون الأمة، وهو ما يُعرف بالولاية المطلقة المستندة إلى الأدلة الشـرعية. وبشأن الفرق بين الإمام والولي الفقيه، يرى الحائري أن ولاية المعصوم مطلقة، وتستمر لما بعد وفاته، بينما ولاية الفقيه مقيّدة بحياته وكفاءته العلمية. كما يشترط في الولي "العدالة"، وفي حال انحرافه أو زلـله، تسقط عنه الولاية فوراً.. أما بخصوص حدود الولاية، فهو يعتبر أن للفقيه ولايةً في ملء "منطقة الفراغ" (أي الأمور التي لم يرد فيها نص شرعي مباشر، وتترك لتقدير الحاكم الإسلامي)، وله التدخل في إدارة شؤون المجتمع بما يخدم المصالح العامة ويسدّ النواقص.. وقد طرح السيد الحائري تفاصيل هذه العقيدة، وأسّسها بشكل معمّق في كتابه "أساس الحكومة الإسلامية"، والذي يُعدّ مرجعاً فقهياً مهماً في تبرير وتأصيل ولاية الفقيه عند الشيعة الإثني عشرية.

وبشأن موقفه من مقتدى الصدر، تحوّل من الغطاء الفقهي والسياسي إلى القطيعة والانتقاد العلني.. حيث تجلّت ذروة هذا الموقف في شهر آب/ أغسطس عام 2022م، عندما أعلن الحائري اعتزالـه المرجعية، بسبب المرض والتقدم في العمر، وأوصى مقلديه باتّباع المرشد الإيراني علي خامنئي.. وكان مقتدى الصدر وتياره يقلّدون الحائري فقهياً ويعتبرونه مرجعهم، وهو امتداد لنهج مرجعية الشهيد محمد صادق الصدر (والد مقتدى الصدر)، الذي أوصى بالرجوع إليه.. وقد تضمّن بيان آية الله الحائري انتقاداً مباشراً لمقتدى الصدر، حيث اعتبر الحائري أن حبّ الشهيدين الصدرين لا يكفي، وأنه "لا يكفي مجرّد الادّعاء أو الانتساب". كما هاجم من يتصدّى للقيادة باسمهما وهو "فاقد للاجتهاد وباقي الشـرائط".. أدّى هذا البيان والموقف إلى ردّ فعل عنيف من السيد مقتدى الصدر، الذي أعلن اعتزاله النهائي للعمل السياسي، وإغلاق كافّة المؤسسات التابعة للتيار، وصرّح بأن قيادته ورثها عن والده، ولا فضل للحائري أو غيره فيها.

5- آية الله ناصر مكارم الشيرازي: من مؤيدي الولاية العامة ضمن الإطار الإيراني. ويؤمن بـ "ولاية الفقيه العامة المطلقة"، ويرى أنها تمثّل امتداداً لصلاحيات النبي والأئمة (عليهم السلام) في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، معتبراً أن تشكيل الحكومة الإسلامية في عصـر الغيبة، وإدارة البلاد على أساس الأحكام الشـرعية، هو أمر ضروري لحفظ النظام والدين.. ويقوم موقفه التفصيلي من هذه النظرية على الركائز الأساسية الآتية: أنّ الولي الفقيه، المتصدي للقيادة، يجب أن تتوفر فيه شـروط دقيقة مثل الكفاءة، الإدارة، الدراية بالزمان، التقوى، والعدالة ليتمكن من إدارة المجتمع الإسلامي بنجاح. أما حدود الولاية، فيرى في أطروحاته الفقهية أن صلاحيات الفقيه تتجاوز مجرد إدارة "الأمور الحسبية" (كالأوقاف، وشؤون القاصرين، ورعاية الفقراء، وغيرها) لتشمل الولاية العامة على شؤون الحكم، التشـريع ضمن الأطر الإسلامية، ورعاية المصالح العليا للأمة. أما دور الأمّة، فعلى الرغم من إيمانه بالولاية المستمدّة من الشـرع، إلا أنه يرى أن الجانب التنفيذي والمقبولية الشعبية ركن مهم، حيث ساهم بنفسه بشكل مباشر في صياغة أول دستور للجمهورية الإسلامية في إيران لدعم المؤسسات الشـرعية والسياسية. ويعدّ مكارم الشيرازي من أبرز الفقهاء الداعمين لأسس النظام السياسي في إيران، ويمكن الاطلاع على تفاصيل أدلته واستدلالاته الفقهية من خلال كتابه "ولاية الفقيه وحدودها". وكان آية الله مكارم الشيرازي ناشطًا في عهد الشاه محمد رضا البهلوي، ولذلك سُجن مرات عديدة، بل ونُفي ثلاث مرات إلى تشابهار، ومهاباد، وأنارك.

6- الشيخ حسن نصـر الله (توفّي سنة2025م) ، زعيم حزب الله اللبناني. يعتبر الشيخ حسن نصـر الله نظرية "ولاية الفقيه" الركيزة الأساسية العقائدية والسياسية التي تحكم عمل "حزب الله"، ويؤمن بأن طاعة الولي الفقيه (المرشد الأعلى في إيران) واجبة، وأن قراراته تعلو فوق أيّ اعتبار سياسي محلي، معتبراً أن الالتزام بها هو الضمانة لاستمرار الحزب ونجاحه. وتتلخص مواقفه ورؤيته لولاية الفقيه في النقاط الآتية:

أ‌- المرجعية المطلقة: يرى نصـر الله أن الولي الفقيه هو القائد الشـرعي والسياسي للأمّة الإسلامية، وأن قراراته تتجاوز الحدود الجغرافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ب‌- طاعة الفقيه: كان يؤكّد دائماً أن قرارات الولي الفقيه ملزمة وتعتبر واجباً شرعياً.

ت‌- العلاقة العضوية بإيـران: يعتقد أن ارتباط حزبه بإيران وولاية الفقيه هو ارتباط عضوي وجوهري، حيث كان يشدّد على أن الحزب جزء من المشـروع الإسلامي العام الذي يقوده الولي الفقيه.

ث‌- التمهيد للظهور: ينظر إلى ولاية الفقيه كجزء من المشـروع العقائدي الأكبر الرامي إلى التمهيد لظهور الإمام المهدي المنتظر.

النجف وقم: جدل المرجعية وولاية الفقيه:

وعلى أية حال، فقد أحدثت نظرية ولاية الفقيه تحوّلًا كبيرًا في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، لكنها بقيت محل خلاف عميق داخل الحوزات العلمية الشيعية نفسها. فقد عارضها عدد من كبار المراجع التقليديين في العراق وإيران ولبنان، سواء من الناحية الفقهية أو السياسية، معتبرين أنها تمثل اجتهادًا غير ملزم، وأنها ليست من ثوابت المذهب الشيعي، فضلاً عن عدد من كبار العلماء الشيعة المرتبطين بالمرجعيات أو المستقلين، كمحمد جواد مغنية اللبناني، ولا يزال هذا الجدل قائمًا حتى اليوم بين من يرى في ولاية الفقيه ضمانة لحماية الإسلام والدولة، ومن يعتبرها خروجًا عن التراث الشيعي التقليدي القائم على استقلال المرجعية عن الحكم السياسي.

لم يعد الخلاف حول نظرية ولاية الفقيه مجرّد جدل فقهي داخلي بين علماء الشيعة، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى أحد أهمّ العوامل المؤثّرة في تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في الشـرق الأوسط، ولا سيما في العراق ولبنان ومنطقة الخليج العربي. فالصراع بين المدرسة التقليدية، التي تمثلها مرجعية النجف، والمدرسة الثورية التي كرّستها قم بعد الثورة الإيرانية سنة 1979م، تجاوز حدود الحوزات العلمية ليصبح جزءاً من الصـراع الإقليمي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بما يحمله من أبعاد عقائدية وسياسية وجيوسياسية معقدة.

لقد استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية توظيف نظرية ولاية الفقيه ضمن مشـروع سياسي عابر للحدود، يقوم على الجمع بين العقيدة المهدوية وفكرة "التمهيد للظهور"، وبين بناء شبكات النفوذ الإقليمي عبر الحركات والتنظيمات المسلحة والسياسية المرتبطة بها. ومن هنا لم يعد مفهوم "المرجعية" مفهوماً دينياً صرفاً، بل تحوّل إلى أداة نفوذ سياسي واستراتيجي، خصوصاً بعد أن أصبحت طهران تنظر إلى نفسها بوصفها مركزاً للعالم الشيعي، وقائدة لما يسمى بمحور المقاومة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي المقابل، حافظت مرجعية النجف، وخاصة في عهد المرجع الأعلى علي السيستاني، على رؤية أكثر تحفّظاً تجاه تسييس المرجعية وتحويلها إلى سلطة حاكمة مباشرة، وهو ما ظهر بوضوح في الموقف من إدارة الدولة العراقية بعد سنة 2003م، حيث دعت النجف إلى قيام نظام سياسي يقوم على الانتخابات والدستور والتوازن المجتمعي، مع بقاء المرجعية في موقع الإرشاد العام لا الحكم المباشر. وقد خلق هذا التباين نوعاً من الازدواجية داخل البيئة الشيعية نفسها، بين مشـروع "الدولة العقائدية" المرتبطة بولاية الفقيه، ومشـروع "المرجعية التقليدية" التي تسعى إلى المحافظة على استقلال الحوزة عن السلطة السياسية المباشرة.

أمّـا في لبنان، فقد بدا هذا الانقسام أكثر تعقيداً، إذ ارتبط جزء من الطائفة الشيعية بالمشـروع الإيراني، عبر حزب الله بقيادة السيد حسن نصـرالله، الذي تبنّى ولاية الفقيه عقائدياً وسياسياً، في حين بقيت شخصيات دينية وفكرية شيعية أخرى تميل إلى استقلال القرار اللبناني عن المرجعية السياسية الإيرانية؛ كما ظهر في مواقف عدد من العلماء والمثقفين الشيعة الذين تحفّظوا على ربط الطائفة الشيعية اللبنانية بالمشـروع الإقليمي الإيراني بصورة كاملة.

وفي منطقة الخليج العربي، أسهم هذا الانقسام في زيادة حساسية العلاقة بين الأنظمة السياسية الخليجية والجماعات الشيعية المحلية، بسبب الخشية من توظيف البعد العقائدي والمهدوي في الصـراعات السياسية الإقليمية. فالدول الخليجية تنظر إلى مشروع ولاية الفقيه باعتباره مشـروعاً سياسياً توسعياً يتجاوز الحدود الوطنية، بينما ترى إيران أن نفوذها الإقليمي جزء من "حماية المستضعفين" ومواجهة "الاستكبار العالمي"، وهو خطاب يمنح الصراع بعداً دينياً يتداخل فيه السياسي بالعقائدي.

ومن هنا، فإن مستقبل الصـراع في المنطقة لا يرتبط فقط بالتوازنات العسكرية أو السياسية، بل أيضاً بطبيعة التطوّر الداخلي للفكر الشيعي نفسه، وحدود العلاقة بين المرجعية والدولة، وبين العقيدة المهدوية والعمل السياسي.. فكلّما توسّعت ولاية الفقيه في بعدها السياسي والعسكري، ازداد التوتر مع المرجعيات التقليدية التي تخشـى ذوبان الحوزة العلمية داخل مشـروع الـدولة الثورية، كما يزداد القلق الإقليمي من تحوّل الصراعات السياسية إلى صراعات ذات غطاء ديني ومذهبي.

وبذلك يمكن القول: إن الانقسام بين قم والنجف، وبين ولاية الفقيه والمدرسة التقليدية، لم يعد خلافاً فقهياً محدوداً، بل أصبح أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة الصـراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، وانعكاساته المستمرة على العراق ولبنان والخليج العربي، في منطقة ما تزال تعيش على وقع التداخل العميق بين الدين والسياسة والجغرافيا الاستراتيجية.

المراجع العربية:

1- إحسان إلهي ظهير، الشيعة والسنة، إدارة ترجمان السنة، لاهور – باكستان،1407هـ.

2 - إحسان إلهي ظهير، الشيعة والقرآن، إدارة ترجمان السنة، لاهور – باكستان، 1407هـ.

3- أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، دار عمار للنشر والتوزيع، 1997م.

4- إدريس هاني، الإمام المهدي حقيقة تاريخية أم فرضية فلسفية، حوار غير مكتمل مع أحمد الكاتب.

5- أجنتاس كولدزيهر، العقيدة والشـريعة في الإسلام، ت: محمد يوسف موسى وزملاؤه، بيروت، دار الجمل،2009م.

6- إسرائيل شاحاك، التاريخ اليهودي: الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة، ترجمة: صالح علي سوداح،. بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع و النشر، الطبعة الرابعة، 1997م.

7- الإمام المجاهد السيد روح الله الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، 1970م .

8- بول ميركلي، الصهيونية المسيحية (1891 – 1948م)، ت: فاضل جتكر، دمشق، دار قدمس للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 2004م.

9- حسين فضل الله، الحركة الإسلامية: هموم وقضايا، بيروت، دار الملاك للطباعة والنشـر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 2001م.

10- حميد دباشي، لاهوت الغضب، ترجمة وتقديم: أمل حمادة، أركان للدراسات والبحوث والنشر، دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ،2011م.

11- رضا هلال، الدين والسياسة في أمريكا: علمانية أم دينية ضمن الإمبراطورية الأمريكية، الجزء الأول، الطبعة الأولى، مكتبة الشروق، القاهرة، 2001م.

12- سامي عوض الذيب أبو ساحلية، التمييز ضد غير اليهود في إسرائيل مسيحيين كانوا أم مسلمين، ترجمة: ماري شهرستان، دمشق، دار الأوائل ، 2003م.

13- سمير مرقس، رسالة في الأصولية البروتستانتية والسياسة الخارجية الأمريكية، مكتبة الشروق، 2001م.

14- عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، بغداد، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، مركز فلسفة الدين.

15- عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 8 مجلدات، مصـر، دار العراق ناشرون، 1999م .

16- علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 7مجلدات، بغداد، دار ومكتبة دجلة والفرات، 2005م.

17- غريس هالسل، لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل، ترجمة: محمد السماك، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1421هـ -2001م.

18- محمد السماك، الأصولية الإنجيلية، مركز دراسات العالم الإسلامي، مصر، الطبعة الأولى، 1991م.

19- محمد خليفة حسن، ‏الحركة الصهيونية:‏ طبيعتها وعلاقتها بالتراث الديني اليهودي، القاهرة، دار المعارف، 1981م.

20- محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1411هـ/1991م.

21- منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية للبشر 400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2012م.

22- موسى الموسوي، الشيعة والتصحيح - الصراع بين الشيعة والتشيع، عمان، دار عمار للنشر والتوزيع،1408هـ/1988م.

23- هالة العوري، إيران بين عدالتِ خانه وولاية الفقيه، رياض الريس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2010م.

24- يوسف الحسن، البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1990م.

المراجع الإنكليزية:

1- Jacob Neusner, Judaism as Revealed by the Mishnah. Atlanta: Scholars Press, 1986.

2- Merkley, Paul Charles. Christian Attitudes toward the State of Israel. Montreal: McGill-Queen's University Press, 2001.

3- Noll, Mark A. The Rise of Evangelicalism: The Age of Edwards, Whitefield and the Wesleys. Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 2003.

4- Raphael Patai, The Messiah Texts: Jewish Legends of Three Thousand Years. New York: Wayne State University Press, 1979.

5- Sachedina, Abdulaziz Abdulhussein. Islamic Messianism: The Idea of the Mahdi in Twelver Shi'ism. Albany, New York: State University of New York Press (SUNY Press), 1981.

6- Scholem, Gershom. The Messianic Idea in Judaism and Other Essays on Jewish Spirituality. New York: Schocken Books, 1971.

7- Sizer, Stephen. Christian Zionism: Road-map to Armageddon? Leicester, England: Inter-Varsity Press, 2004.

8- Weber, Timothy P. On the Road to Armageddon: How Evangelicals Became Israel's Best Friend. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2004.

--

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

مواد ذات صلة

تحوّلات الفكر والسلطة الدينية في التشيّع الاثني عشري.. دراسة نقدية في الكتابات الاستشراقية الغربية

تحوّلات الفكر والسلطة الدينية في التشيّع الاثني عشري.. دراسة نقدية في الكتابات الاستشراقية الغربية

يُعدّ تطوّر المرجعية الشيعية من الموضوعات المهمة في دراسة التاريخ الفكري والمؤسسـي للتشيّع الإمامي الاثني عشـري، لما تمثّله من تحوّل تدريجي في مفهوم السلطة الدينية ودورها في المجتمع والدولة. وقد حظي هذا التطوّر باهتمام عدد من المستشـرقين والباحثين الغربيين الذين حاولوا تتبع نشأة سلطة العلماء الشيعة وتطوّرها، منذ عصـر غيبة الإمام الثاني عشـر، مرورًا بتبلور مكانة الفقيه وتوسّع صلاحياته، وصولًا إلى ظهور مؤسسة المرجعية والتقليد (المرجعية) بصورتها الأكثر تنظيمًا خلال القرن التاسع عشـر. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المرجعية لم تظهر دفعة واحدة بصورتها المعاصـرة، وإنما تبلورت تدريجيًا، ولا سيّما منذ أواخر القرن التاسع عشـر، لتصبح مؤسسة دينية ذات شبكات واسعة تتجاوز حدود الدولة، مستندة في جانب من استقلالها إلى الموارد المالية والشبكات العلمية والاجتماعية. وقد اختلف المستشرقون في تفسير هذا التطوّر؛ فمنهم من ركّز على العوامل الفقهية والعقدية المرتبطة بمفهوم النيابة عن الإمام الغائب،

قراءة في المنهج التجديدي والإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني

قراءة في المنهج التجديدي والإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني

تمثّل سلسلة الدراسات التي نشـرناها في مجلة (الحوار) الغرّاء قراءة فكرية منهجية في أطروحات العلامة الشهيد ناصر سبحاني التجديدية والإصلاحية. ولم يتوقّف الطرح عند حدود الترجمة والسيرة السطحية، بل تجاوزها إلى تفكيك المشـروع الفكري للأستاذ، عبر مستوياته المعرفية والعقدية والمنهجية والإصلاحية، ممّا يجعلها مدخلاً رئيساً لدراسة مدرسة سبحاني الفكرية.

النبيّ في مهاد الحزن والفرح

النبيّ في مهاد الحزن والفرح

في القراءة الشائعة لسيرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، يُرى الحزن غالبًا على هيئة سلسلة من المصائب: اليتم، والفقر، والتكذيب، والطرد، وعام الحزن، والهجرة، والحرب. لكن إذا لم ننظر إلى هذه الوقائع بوصفها حوادث متفرّقة فحسب، بل قرأناها من داخل القرآن ومنطق التربية النبويّة، انكشف نظام أعمق. ففي هذه القراءة، لا يكون الحزن ظلًا عارضاً على حياة النبيّ، بل طريقاً لصناعة القلب، وتوسيع المسؤولية، وإيصال الرحمة من الباطن إلى التاريخ.

سنن سقوط الدول وانهيار الحضارات في فكر ابن خلدون.. دراسة في ضوء مقدمة ابن خلدون

سنن سقوط الدول وانهيار الحضارات في فكر ابن خلدون.. دراسة في ضوء مقدمة ابن خلدون

يرى ابن خلدون أن انهيار الدول ليس حادثة مفاجئة في الغالب، بل نتيجة لمسارٍ اجتماعي وسياسي واقتصادي وأخلاقي يبدأ بالضعف التدريجي ثم ينتهي بالعجز عن المحافظة على الدولة. وقد بسط ذلك في المقدمة ضمن حديثه عن أطوار الدولة وأسباب فساد العمران واختلال العصبية والترف والظلم.