خاتمة المطاف مع فكر العلامة ناصر سبحاني ومشروعه الفكري والإصلاحي.. تقييم واستنتاجات ومناشدة (الحلقة 29 والأخيرة)
د. عمر عبد العزيز
قبل ختم المطاف
قبل ختم المطاف، أحمد الله جل جلاله على أن سهّل لي ما كنت أتمنّاه وأسعى لتحقيقه، من نشـر حلقات حول حياة العلامة الكبير الشهيد ناصر سبحاني، وجانب من نتاجاته الفكرية والثقافية وجهوده الإصلاحية، ولولا توفيق الباري سبحانه لما كنت أصل إلى مبتغاي.
وقبل أن أتصدّى لعرض أهم الاستنتاجات التي توصّلت إليها، لا بدّ من الإشارة إلى أنني أعدّ ما قدّمته في هذه الدراسة، تمهيداً للتعريف بشخصية عبقرية طواها بلدها، ولم يسمح التعصّب المذهبي والاستبداد السياسي أن يتعرّف العالم الإسلامي على قدرها ومكانتها. أتمنّى أن يكون هذا الجهد مفتاحاً لفتح ما أراد ويريد المستبدون غلقه، والكشف عن جوهرٍ أرادوا ويريدون طمسه، ولكنهم عجزوا كل مرّة وسيعجزون.
ولا أشك أنّ أولي الألباب من القرّاء قد أدركوا - من خلال هذه الدراسة - الخيوط الرفيعة التي تنظم المشـروع الفكري والإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني، وأنهم قد استشفوا من خلال آرائه وتصوراته -التي عرضت أهمّها في هذه الدراسة- أنه يحمل همّ الصـراع المديد المرير بين التراث والواقع، والتقليد والتجديد، والتزمّت والاجتهاد، والأصالة والمعاصرة، واضعاً -في ذلك بجدارة- علامات الفرق بين التقديس والتقدير، والابتداع والإبداع، وراسماً خطوط التقاطع بين الثوابت المتفق عليها والمتغيّرات المختلف فيها.
ولا أخفي أنني عندما شرعت في التصدي لهذا الأمر وجدت نفسـي متردداً ومضطرباً، لا لأنني لا أعرف الشهيد العلامة ناصر سبحاني، ولا لأنني لا أصل إلى المعلومات المتوافرة بحقّه، ولكن لضخامة أعماله الفكرية وسعتها، من جانب، والحساسية السياسية التي ترافق مسير مثل هذه الأعمال.. ولكن ما إنْ عقدت العزم وتوكلت على الله سبحانه، حتى يسـّر الله لي كل معسور، وأوصلني إلى معظم ما هو لي مطلوب، وشرح صدري، وأزال ترددي، فالحمد له أولاً وأخيراً.
أمّا أهمّ ما توصّلت إليه من الرؤى، فأشير إليها فيما يلي من المحاور:
في إطار الإصلاح الاجتماعي والسياسي:
رأينا أن العلامة ناصر سبحاني عاش في بيئة عائلية ملتزمة بالدين، ومحيط إسلامي تقليدي، فترك الدين بصماته -منذ نعومة أظفاره- على شخصيته، فنشأ إسلامياً تتملكه الرغبة الملّحة لدراسة العلوم الشـرعية، وترك المسلك الرسمي في المدارس الحكومية. ولقد رافقت هذه الرغبة نقمةٌ شديدة من داخل كيانه ضد الحكم الملكي البهلوي، بسبب سياساته الظالمة، بحيث انعكست على آرائه النقدية وأفكاره المعارضة للنظام فيما بعد.
ومن جانب آخر، كان للبيئة المذهبية المهيمنة على بلده، والتعصّب المفرط لرجال المذهب الحاكم، تأثير ملموس على توجّهاته، ومن ثم على نتاجاته العلمية ودروسه وكتبه. ولهذا انعكس ما حصل من الاستبدادين السياسي والمذهبي -في محيطه- على مجمل حياته وعطاءاته الفكرية. فبدأ بالدعوة لمناصرة الثورة الشعبية العارمة التي شملت معظم بلاد إيران، ضد الحكم (البهلوي) المستبد، في سنوات (1977 - 1979م)، ترافق ذلك مواجهة عنيفة له ضد الخرافات السائدة والعقائد الباطلة. كما بادر بحمل راية الذود عن حقوق أهل السنة في جميع أنحاء إيران، إضافة إلى الحقوق السياسية لبني جلدته الكورد في (شرق كوردستان)، الذين تعرّضوا من بداية العهد الملكي لمظالم متنوعة، وصلت إلى محاولة طمس هويتهم القومية والمذهبية والوطنية.
كما أثّر في شخصية سبحاني الفكرية الدعوات والاتجاهات التي برزت إبّان انتصار الثورة الإيرانية، لا سيّما التي أعلنت معاداتها الصارخة للإسلام، وأفصحت -دون تحفظ- عن عدم صلاحية أنظمة الإسلام السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها لهذا العصـر، ممّا جعل من العلامة سبحاني طاقةً متفجّرة بوجه أولئك، ولكن بحكمة وعقلانية وأناقة قلّ نظيرها. وهذا ما جعله يسجل عشـرات الساعات المخصّصة من دروسه -منذ العام الأول من انتصار الثورة- لمناقشة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقارناً إيّاها مع النظم الاشتراكية والرأسمالية الغربية.
والأمر الآخر الذي ترك أيضا آثـاراً على مشاعر الشهيد ومواقفه، هي الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت زهاء ثماني سنوات، والتي خلّفت مئات الآلاف من القتلى، ثم الظلم الذي تعرّض له شعب (كوردستان) على يد النظام البعثي على وجه الخصوص، لا سيّما القصف الكيمياوي لمدينة (حلبجة) الشهيرة، والتهجير القسـري لسكان آلاف المدن الكوردستانية، وتدميرها عن بكرة أبيها، والإبادة شبه الجماعية لعشـرات الآلاف، في عمليات عسكرية غادرة سمّاها النظام عمليات الأنفال عام (1988م)، انطلاقاً من تكفير الشعب الكوردي المسلم، واستحلال دم أبنائه، وغزو أراضيه. ولعل قراءة متأنية لرسالة العلامة سبحاني، التي سمّاها: (رسالة آلام في أرض بلايا، إلى معشـر الأنبياء..)، خير شاهد على تلك المشاعر الجيّاشة والتحليل الفكري والسياسي والاجتماعي الذي تتخللها.
ومن أبرز مواقفه السياسية والاجتماعية الإصلاحية الأخرى:
- مساهمته المتميّزة في المؤتمر السياسي الموسّع الذي عقد في (سنندج) عاصمة إقليم (شرق كوردستان) عام (1979م)، إثر انتصار الثورة بأشهر، والذي نظّمه العلامة الأستاذ أحمد مفتي زادة، وخصّص لمناقشة حقوق الشعب الكوردي، لا سيّما حقّ الحكم الذاتي، الذي تبنّاه ممثلو جميع الأحزاب المشاركة، حيث أصّل لمشروعية المطالبة بالحقوق القومية من وجهة نظر إسلامية، في يوم كان كثير من الإسلاميين يبدون تحفّظاتهم حول مثل تلكم المشاريع، بل كان منهم من يعتبر الدعوة إليها والحديث عنها، داخلاً ضمن دائرة الدعوات النتنة.
- حضوره المتميّز في المؤتمر التأسيسي لمجلس شورى أهل السنة المعروف اختصاراً بـ(شمس)، الذي عقد في طهران عام (1981م)، حيث انتخب نائباً للعلامة مفتي زادة، وممثلاً لمحافظة (كرماشان) الغربية. ولقد ذكّر في ذلك المؤتمر بمبادئ الثورة، وفصّل الحديث عن العبودية الحقّة لله، وواجب الدعاة والمفكرين في تلك الحقبة الحساسة.
- ومن أهمّ ما قام به كمصلح اجتماعي: معارضته لقيام حركة مسلحة، دعا إليها بعض المتحمّسين للدفاع عن أهل السنة. ولقد كان للشهيد سبحاني دور رائد في إخماد نار فتنة طائفية كان يتوقع أن تعصف في جميع مناطق أهل السنة في إيران، لولا التصدي العلمي المتميّز لها من قبله، ولولا حكمة أصحابه ومواجهتهم الصارمة لذاك المشـروع، الذي لم ينشأ إلّا عن ثورة عاطفية مرحلية، كما أثبتت الأيام التالية لنشوئها الخافت.
- وكذلك لا بدّ من ذكر مساهماته العديدة في تشكيل مدارس علمية، وجمعيات تربوية ودعوية وتعاونية، وإصدار منشورات فكرية وثقافية، وإقامة ندوات واحتفالات شعبية، وإرسال العديد من المذكرات والرسائل النصحية والعتابية الخاصة والمفتوحة إلى قادة الثورة والمسؤولين، وزيارة العديد منهم لإيصال شكاوى الناس ومطالبهم. وكذلك إحياء مناسبات إسلامية، وإحياء فكرة إرسال طلاب العلم لإقامة صلاة الجمعة في القصبات والقرى النائية، وتعليمهم آداب إلقاء الخطب فيها، واستثمار كل ذلك لتوعية الناس وتعريفهم بدينهم.
- ومن جهوده المشهودة: انفتاحه المبّكر على الصحوة الإسلامية العالمية، التي غلّقت سياسة شاه إيران الأبواب بوجهها. فكان من رواد الملتحقين بكوكبة العلماء الذين نظّموا أمرهم في بداية انتصار الثورة، لتحمّل مسؤولياتهم الدينية والدعوية والسياسية.
- ومما يذكر في خطواته الإصلاحية: حضوره المؤتمر التأسيسـي الأوّل الخاصّ بدراسة العمل الإسلامي في كوردستان، وتشكيل منظمة الرابطة الإسلامية الكوردية، وهي منظمة تعنى بشؤون الكورد دعوياً وإغاثياً وخدمياً، والتي ترأسّها فيما بعد الدكتور علي محي الدين القره داغي، وذلك في مدينة (إسطنبول) عام (1988م)، وفي سياق زمني كاد اليأس الكامل أن يغشـى طوائف من ساسة الكورد وقادتهم، بينما أصّل هو وأصحابه في ذلك المؤتمر ــ لأول مرة، على ما أعلم ــ لحقّ تمتّع الشعب الكوردي وأمثاله من الشعوب، بحكم نظام الولايات، الذي يعرف بالنظام (الفدرالي) في هذا العصر.
أما في الإطار العلمي والمعرفي:
فقد لمسنا من خلال هذه الدراسة أن العلامة سبحاني قد ترك بصمات علمية جديدة على صفحات العلوم الشـرعية، لا سيّما علوم القرآن وأصول التفسير تأصيلاً وتفسيراً، وعلوم الحديث متناً وسنداً، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم الإسلامية، عرضاً ودراسة وتقييماً، فانتقد بجرأة علمية منهج كثير من المفسـّرين والفقهاء في كيفية استنباط الأحكام، وأسّس لمنهجية متميّزة في التفسير، بوضعِ خطواتٍ قلّ من انتبه إليها من المفسـّرين. كما انتقد -قبل ذلك- علماء العقائد والأصول، في مجال تحديد أطر التصوّرات الدينية، معتمداً في ذلك على القرآن الكريم، في إيضاح مراتب (الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية)، المذكورة في قوله تعالى: [الذي خلق فسوى، والذي قدّر فهدى](الأعلى/1-3)، ليرسم عملية (الخلق) و(الأمر) المخصّصين حصـراً بالله سبحانه، في قوله تعالى: [ألا له الخلق والأمر](الأعراف/54).
وفي مجال علوم الحديث: أضاف شـروطاً وضوابط للرواة والمروّيات، رابطاً منزلة الحديث وحجّيته بمنظومة التصوّرات التي سمّاها (الحقائق)، ومجموعة الأحكام التي أدرجها تحت عنوان (الحكمة)، وهي أمور لم يذكرها أحد قبله بتلك الطريقة العلمية.
وفي إطار علم السلوك والتهذيب والتزكية: أضاف بعض الملاحظات على ما فعله كبار ذلك العلم، من أمثال ابن قيم الجوزية وغيره، مستلهماً من القرآن أسـراراً من منازل العبودية والاستعانة، موضحاً تعريف العبد ووظيفة العبودية، والمعبود وحقّ المعبودية، مبيّناً تفاصيل دوائر علاقات العبد: علاقته مع ربّه، وعلاقته مع الكون وما حوله من مظاهر الربوبية، وعلاقته مع بني جلدته، وغير ذلك ممّا لا يتأتى إلّا من نوادر العارفين، ولا يصدر إلّا من السائرين السالكين -فعلاً- مراتب نعمة الهداية واليقين.
وفي ميدان تصدّيه لحركة الابتداع في الدين: كان القدوة المغوار في الدفاع عن الدين، وعرض حقيقته، وبيان قبح الابتداع والمحدثات، وسوء منقلب أهلها. وكان منتقداً منهج بعض المحقّقين في تقسيم ما يتعلّق بالبدعة إلى أحكام الشـريعة الخمسة، مؤكّداً على أن ذلك أمر مخترع لا يستند إلى أيّ دليل، بل هو متدافع في ذاته، إذ لو كان هناك ما يدلّ على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثمّة بدعة من الأساس.
وممّا يمكن استنتاجه في هذه الدراسة مدى اهتمام العلامة سبحاني بعلم اللسانيات والدراسات اللغوية المنطقية، وهو منهج علمي في غاية الدقة، يقتضـي الانتقال من التفكير عن طريق اللغة، إلى التفكير في اللغة ذاتها!
والدارس لهذا الحلقات يجد أن الأستاذ سبحاني لم يتناول تفسير آية دون الوقوف مع كلّ كلمة من كلماتها، بل -في بعض الأحيان- الوقوف مع بعض الحروف ذوات المعاني والمدلولات، معتمداً على التحليل اللغوي لحلّ المعضلات الفكرية. وهذا ما وجدناه في باكورة أعماله الفكرية، لا سيّما دراساته للنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وإن هذه الخاصية قد أوجدت لديه تراكماً معرفياً متميّزاً، انعكس في جميع دروسه ونتاجاته العلمية.
وختاماً، لو شئتُ أن أختزل المشـروع الفكري الإسلامي للعلامة ناصر سبحاني في كلمات، لأرجعته إلى ثلاثة عناصر أساسية، هي: التحقيق اللغوي، والاستقراء القرآني، والدراسة المقاصدية للنصوص، يرافق كل ذلك منهجيته المتميزة في تقويم التراث. ومختصـر بيان ما قلناه في هذا الصدد ما يلي:
أمّا لغوياً: فمظهر التحقيق اللغوي طاغٍ على كل دروسه العلمية، فلقد خصّ فصلاً كاملاً من كل دروسه للتحليل اللغوي لما تناول من النصوص.
وأما قرآنياً: فلم يتطرّق العلامة سبحاني إلى أيّ موضوع إلّا بحث في القرآن عن أصل له، جامعاً لما تراءى له من الآيات المتعلّقة به، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مقتنعاً بأن القرآن الكريم تبيان لكل شيء وتفصيل -كما ورد في القرآن ذاته-، أدرك ذلك من أدرك، وغفل عنه من غفل، وأنكره من أنكر.
وأمّا مقاصدياً: فيظهر اهتمامه به في جميع أعماله، وذكره لحكم جميع ما يستعرضه من الأحكام الفقهية، فهو انتهج المزج بين عرض الأحكام وبيان حكمها معاً، وأكّد مراراً على أن انعدام القصد عبثٌ يتنزّه عنه الشارع الحكيم.
وأمّا المنهجية في تقويم التراث وأعمال العلماء: فشاخصةٌ في جميع جهوده العلمية، فهو يجلّ في العلماء إخلاصهم وضخامة أعمالهم، ولكنه يتجرأ تجرّؤ المجتهد المنصف في نقد كثير من آرائهم دون تعصّب أو مغالاة، معتمداً على عناصر مشروعه التي ذكرناها آنفاً.
ولقد جاءت الحلقات الدراسية المنشورة في (الحوار) الغرّاء (29 حلقة) لتسلّط الضوء على شخصية العلامة الشهيد ناصر سبحاني، كأحد أبرز الرموز العلمية والإصلاحية في العصر الحديث، الذي استطاع أن يزاوج بين الأصالة في التلقي، والمعاصرة في الطرح. وخلصت الحلقات المنشورة إلى أن المشـروع الإصلاحي للعلامة سبحاني لم يكن ردّة فعل عابرة للأزمات الفكرية، بل كان بناءً معرفياً متكاملاً، يستند إلى المرجعية القرآنية الصافية، ويتفاعل مع الواقع الإنساني بوعي حضاري عميق.
لقد برز من خلال تحليل جهوده العلمية أن "سبحاني" لم يقف عند حدود التفسير التقليدي للنصوص، بل تجاوزها نحو "فقه الواقع" و"بناء الإنسان"، مؤكّداً أن الأزمة التي يعيشها المجتمع ليست أزمة مادية فحسب، بل هي أزمة "معنى وهوية" تتطلّب إعادة ربط العقل بالوحي والقلب بالفطرة.
لمحات من جهوده:
إن دراسة جهود العلامة ناصر سبحاني -كما رأيتم- ليست مجرد تأريخ لحياة عالم، بل هي وقفة أمام مشـروع نهضوي ما تزال الأمّة في أمسّ الحاجة إليه. لقد وضع سبحاني يده على مواطن الداء في الفكر الإسلامي والواقع المجتمعي، وقدّم دواءً مستمداً من مشكاة النبوّة. نأمـل أن تفتح هذه الحلقات الخاصة بدراسة أفكاره الباب أمام باحثين آخرين لتعميق البحث في جزئيات هذا المشـروع وتطويره بما يخدم قضايا الأمة المعاصرة. وإنني أرجو أن يكون هذا الجهد المتواضع لبنة في بناء التراث العلمي للأمّة، وإسهاماً في إحياء الفكر الإصلاحي الذي نذر له العلامة ناصر سبحاني حياة كاملة من البذل والعطاء.
صورة استجلائية لشخصيته:
لقد سعت هذه الحلقات الدراسية إلى استجلاء شخصية العلامة الشهيد ناصر سبحاني (رحمه الله)، ليس فقط بوصفه عالماً موسوعياً، بل بوصفه صاحب مشـروع إصلاحي متكامل واجه تحديات العصـر بميزان العقل والوحي. ومن خلال تحليل مسيرته العلمية، وفكره العقدي والسياسي، ومنهجه في العلوم الشـرعية، تبيّن أن الشهيد سبحاني لم يكن مجرد ناقل للتراث، بل كان "مجدّداً" أعاد صياغة فهم النص الديني بما يتناسب مع روح الشريعة ومقتضيات الواقع.
الاستنتاجات العلمية (أهم النتائج):
من خلال الحلقات المقدّمة، التي تميّزت بالبحث والتقصـّي، توصّلت إلى مجموعة من النتائج الجوهرية:
1ــ المنهج التكاملي:
أثبتتْ جهود العلامة سبحاني -في نظري- أن المنهج الإصلاحي الأمثل هو الذي يدمج بين العلوم الشـرعية والعلوم الإنسانية، حيث قدّم -رحمه الله تعالى- رؤية للتديّن تتجاوز الصورية إلى المضمون الأخلاقي والعملي، داعياً إلى تفعيل العقل كأداة إبداعية في فهم مقاصد الشـريعة.
2ــ المرجعية القرآنية ومركزيته كعلاج:
استنتجت البحوث التي قدمناها أن من أهمّ إسهامات العلامة سبحاني هي قدرته على تحويل المفاهيم القرآنية من "نظريات مجرّدة" إلى "آليات معالجة" لأزمات الفكر المعاصر، خاصة فيما يتعلق بقضايا التيه الوجودي، والمادية المفرطة، التي تعاني منها الحضارة الغربية والشرقية على حدّ سواء.
وتوصّلت البحوث المنشورة في الحلقات الـ (29) هذه إلى أن الشهيد وضع القرآن في رأس هرم مصادر التشـريع، ليس فقط كمرجع للأحكام، بل كمنطلق أساسي لإعادة بناء "التصوّرات الإيمانية"، وتصحيح مفاهيم التوحيد والنبوّة، بعيداً عن التعقيدات الجدلية.
3ــ إحياء الفطرة:
يعدّ "إحياء الفطرة الإنسانية" جوهر الإصلاح عند ناصر سبحاني، حيث رأى أن استعادة الإنسان لتوازنه مرهونٌ بقدرته على تجاوز الأنانية الفردية، والالتحاق بمنظومة القيم الإلهية التي تحفظ للمجتمع تضامنه وتماسكه.
4ــ المزاوجة بين الموروث والواقع:
استطاع العلامة أن يبني جسـراً بين الموروث الإسلامي الرصين (الذي يمثّله تراث العلماء العظام)، وبين التحديات السياسية والاجتماعية المعاصرة، ممّا جعل مشـروعه الإصلاحي صالحاً للتطبيق في مختلف البيئات الثقافية.
5ــ استقلالية المنهج المعرفي:
تبيّن أن الشهيد سبحاني قد تميّز بمنهج مستقلّ في تلقّي المعرفة، حيث استطاع التمييز بدقّة بين "الوحي" (كأصل قطعي)، وبين "الاجتهادات البشـرية" (سواء الكلامية أو الفلسفية أو الفقهية)، داعياً إلى تنقية الفكر الإسلامي ممّا علق به من شوائب الترف الفكري البعيد عن مقاصد النبوّة.
6ــ تفكيك النظريات السياسية:
كشفت الدراسة عن جرأة فكرية لدى الشهيد في معالجة إشكاليات "الإمامة" و"الشورى" و"ولاية الفقيه"، حيث قدّم رؤية سياسية إسلامية تقوم على التعددية المؤسساتية، والشورى الحقيقية لا الصورية، محذّراً من استغلال الدين في تمرير الاستبداد السياسي، وهو ما ظهر جليّاً في انتقاداته التي أدّت إلى استشهاده.
7ــ تجديد المنهج الأصولي والفقهي:
أثبتت البحوث أن الشهيد سبحاني امتلك نظرة نقدية رصينة للمنهج الأصولي التقليدي، حيث دعا إلى "النظرية المقاصدية" التي تجعل من روح الشـريعة ومصالح العباد محوراً لاستنباط الأحكام، معيداً الاعتبار لدور الفطرة والعقل في فهم مراد الله.. وكشفت دراستنا لمبحث "النظرية المقاصدية" لدى سبحاني عن عمقٍ في التفكير الفقهي.. لقد انتقل سبحاني من "الاستنباط الحرفي" للنصوص إلى "الاستنباط الغائي" (المقاصدي)، فاستنتجنا أن الشهيد كان يرى أن:
- التشـريع الإسلامي يتّسم بالمرونة الكافية لاستيعاب المتغيّرات العصـرية، إذا تمّ فهم المقاصد الكليّة (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) ضمن إطارها الصحيح.
- إن الجمود على ظاهر النصّ دون فهم سياقه أو مقصده، أدّى إلى "أزمة الفتوى" في العصـر الحديث، وهو ما حاول سبحاني معالجته من خلال فتاويه التي اتّسمت بالجرأة الفقهية والاعتدال.
8 ــ التوازن بين العلم والعمل:
لم يكن إنتاج الشهيد سبحاني نظرياً محضاً، بل كان انعكاساً لجهوده الإصلاحية على أرض الواقع، حيث جسّد دور "العالم الرباني" الذي لم يتردد في دفع ثمن مواقفه بالاعتقال والاستشهاد، ممّا جعل من حياته وموته شاهداً على صدق دعوته.
9ــ تجديد المنهج المعرفي: العقل والوحي في ميزان الشهيد:
لقد توصّلت الحلقات التي نشـرناها إلى أن أهمّ إنجازات الشهيد سبحاني تكمن في إعادة تعريف العلاقة بين "مصدر التلقي" و"أداة الفهم".. فبينما غرق المتكلمون والفلاسفة في جدليات تجريدية، أعاد سبحاني الاعتبار لـ "المرجعية القرآنية" كمركز للكون المعرفي. فاستنتجنا في الدراسة أن منهج سبحاني يقوم على:
• عقلانية الوحي: فالإسلام لا يناقض العقل، بل هو الوحي الذي يحرّر العقل من أوهام الماديّة والتقليد.
• التحرّر من القوالب: رفض سبحاني الانحباس في المذهبية الضيّقة، ورأى أن المذاهب محاولات بشـرية لفهم النصّ، وليست النصّ نفسه، وهو ما انعكس في آرائه الأصولية الجريئة التي نقد فيها الكثير من المسلّمات الأصولية التي أبعدت الفقه عن روح المقاصد.
10ــ الرؤية السياسية: الشورى في مواجهة الاستبداد:
أبرزت الدراسة، شجاعة الشهيد في مواجهة "أزمة السلطة". لقد كشف تحليلنا لمواقفه أن سبحاني لم يكتف بالتنظير، بل وضع إطاراً للنظام السياسي الإسلامي يرتكز على:
• سيادة الأمّة: رفض الشهيد أي قراءة تستغل "الولاية" أو "الإمامـة" لتبرير الاستبداد.. ورأى أن الشورى ليست استشارية فحسب، بل هي ملزمة بامتياز، وهي جوهر الشرعية السياسية من الأساس.
• نقد التوجهات: إن مواقفه الصـريحة تجاه رموز سلطة بلاده، رغم إيمانه بمشروع الثورة في بداياته، كانت نابعة من وفائه لمنهجه الإصلاحي؛ فقد آمن بأن "العالم" لا ينبغي أن يكون تابعاً للسلطة، بل لا بدّ أن يكون مراقباً ومقوّماً لها.. هذا الاستنتاج يفسـّر بوضوح الأسباب الفكرية التي أدّت إلى اعتقاله واستشهاده، فالفكر الذي لا يساوم هو التهديد الأكبر للاستبداد.
النتائج المستخلصة حول "المشروع الإصلاحي":
إننا نستخلص من خلال استعراض مسيرة الشهيد أن مشروعه الإصلاحي كان يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:
1- عمود الإيمان: (تزكية النفس، التوحيد، استحضار الخالق في القلب)، وهو المحرّك الداخلي للإصلاح.
2- عمود الفكر: (نقد نقاط الخلل في المذاهب، وتنقية العقل من الفلسفات المادية والمرجوحات)، وهو المحرّك الفكري.
3- عمود الممارسة: (مواجهة السلطة، الرحلات الدعوية، الموقف الأخلاقي)، وهو المحرّك الواقعي.
إن الخلل في أي مشـروع إصلاحي آخر-بحسب استنتاجاتنا- غالباً ما يأتي من فصل هذه الأعمدة؛ فالمشاريع العلمية الجافّة تفتقد الروح، والمشاريع السياسية المنفصلة عن القيم تفتقد البوصلة، والمشاريع العرفانية البعيدة عن الفكر تفتقد التأثير.. وقد كان العلامة سبحاني نموذجاً للدمج بين هذه الأضلاع.
توصيات عامة (في ضوء آفاق المشروع الإصلاحي لسبحاني):
بناءً على ما تقدّم، ترى الدراسة أن استكمال المشـروع الإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني يتطلّب:
1ــ تفعيل ما أسمّيه "التعقّل القلبي":
ضرورة إدراج مفهوم "التعقّل القلبي"، و"دمج بحث الحكم مع الأحكام"، في المناهج التربوية والدعوية، كونه يمثّل المرجعية القيمية التي تحمي العقل من الانحراف نحو المادية أو التعصّب. وهذا يقتضـي تطوير "المنهج المقاصدي"، بناءً على ما أسّسه الشهيد في نقده لبعض آراء علماء الأصول، لاستكشاف آفاق جديدة في الاجتهاد المعاصر الذي يجمع بين التمسّك بالنصوص ومرونة الواقع.
2ــ نقد الحضارة المادية:
الاستفادة من طروحات العلامة في تفكيك "أوروبا الثانية" (الطاغية)، وتطوير بدائل فكرية إسلامية تؤمن بالتنمية والرقيّ، دون التفريط في المبادئ الأخلاقية والروحية.
3ــ بناء المؤسسات:
ضرورة الانتقال من مرحلة "التنظير الإصلاحي" إلى مرحلة "بناء المؤسسات" التعليمية والمراكز الفكرية التي تحمل نهجه، على غرار المدارس الفكرية الإصلاحية التي كانت تهدف إلى تخريج جيل يجمع بين ضياء القلب ونور العقل.
توصيات خاصة بما تركه الشهيد من نتاجات، وآفاق البحث المستقبلي:
1ــ إعادة تنظيم تراث الشهيد:
من الضـروري جداً تبويب المحاضرات والدروس المسجّلة للشهيد سبحاني، وتصنيفها، ونشـرها ككتب منهجية تدرّس في كليّات الشـريعة والعلوم الإسلامية. علماً بأن الكثير من محاضـراته المسجّلة لا تزال بحاجة إلى تفريغ وتحقيق علمي، لتكون مرجعاً للباحثين. (رغم أن "مؤسسة برهم لنشـر نتاجات سبحاني" قامت -مشكورة- بطبع (63) كتاباً للعلامة سبحاني، لحد الآن.
2ــ دراسة المنهج السياسي:
تعميق البحث في رؤية الشهيد لمؤسسة الشورى والإمامة والنظام السياسي، لتقديم نموذج إسلامي معاصـر يحلّ معضلة "الاستبداد" و"الفوضى" في المجتمعات الإسلامية.
3ــ نشر فتاويه على حدة:
جمعُ فتاواه ورؤاه الشرعية في طيّات محاضراته ودروسه كـ"موسوعة فقهية"، ونشرها لتكون مرجعاً للباحثين والدارسين في الفقه المعاصر..
4ـ على مستوى الباحثين:
ضرورة دراسة "المنهج النقدي" عند سبحاني، مقارنة بغيره من المجدّدين المعاصرين (مثل مالك بن نبي، أو محمد إقبال) لإبراز التمايز في الطرح الإصلاحي.
5ــ في الجانب السياسي:
يجب إجراء دراسة مقارنة بين رؤية سبحاني للشورى والنظم الديمقراطية المعاصرة، لإثبات أن الفكر الإسلامي قادر على تقديم بدائل حضارية تفوق النماذج الغربية كفاءة وعدالة.
6ـ في جانب التوثيق التاريخي:
إن استشهاد العلامة ناصر سبحاني يمثّل محطّة هامّة في تاريخ الفكر الإسلامي -سيّما في كوردستان وإيران، والمحيط القريب منهما- لذا نوصي بجمع الوثائق والرسائل المتعلّقة بفترة اعتقاله، لتقديم صورة كاملة عن "أدب السجون" و"أدب الموقف" في حياة هذا العالم.
خاتمة عامة حول مشـروع العلامة ناصر سبحاني بين أصالة المنهج وضرورة التجديد:
إن حياة الشهيد ناصر سبحاني -بحقّ- هي مدرسة في "الصدق مع النص، والصدق مع الواقع". لقد أثبتت الحلقات العلمية التي قدّمناها أن الأصالة لا تعني الجمود، وأن الإصلاح لا يعني التحلل.. إن إرث الشهيد العلمي هو أمانة في عنق الباحثين، يتطلب مزيداً من الجهد لخدمة هذا الفكر الذي اتّسم بالعمق، والجرأة، والربانية.. وهذا الجهد الأكاديمي المتواضع، إذ يضع هذه النتائج بين يدي القارئ، فإنه يطمح أن يكون خطوة نحو إنصاف هذا العالم الفذ، وتجسيد مشروعه الذي نذر له حياته، وضحى من أجله بدمه.
إن دراسة فكر العلامة الشهيد ناصر سبحاني -كما لاحظتم- ليست مجرد استعراض لتاريخ شخصية إصلاحية في القرن العشـرين، بل هي غوص في تجربة فكرية استثنائية متميزة، حاولت تفكيك "الأزمة الحضارية" للأمة الإسلامية.. لقد أثبت ما نشـرناه حوله أن العلامة سبحاني امتلك رؤية مركبّة؛ فهو عالم متمكّن من أدوات التراث (الأصول، الفقه، الكلام، الفلسفة)، ولكنه في الوقت نفسه صاحب "رؤية نقدية" لم يقبل فيها تسليم القياد للموروث دون تمحيص، ولا للواقع دون تقويم.
خاتمة الخاتمة (رؤية استشرافية):
في ختام هذه الرحلة العلمية، لا يسعنا إلا أن نقرّر أن الأمة الإسلامية اليوم تمرّ بمنعطف تاريخي يشبه إلى حدّ كبير السياق الذي نشأ فيه فكر الشهيد ناصر سبحاني.. إن أزمة "الهويّة"، وتحديات "المادية"، لا تزال قائمة، بل ازدادت تعقيداً.
إن فكر العلامة سبحاني لا يمثّل صفحة من صفحات التاريخ قد طويت، بل هو "منهج حياة" صالح للبقاء.. وإن استشهاده لم يكن نهاية لمشـروعه، بل كان بذرة أثمرت في عقول الكثير من تلامذته والباحثين في فكره.. إن مهمة الباحثين اليوم ليست في "تقديس" هذا الفكر، بل في "تطويره" والبناء عليه.. ولقد كان ناصر سبحاني صوتاً للحق في زمن الغربة، وعقلاً راجحاً في زمن الانفعال، وقلباً نابضاً بالحب والتقوى في زمن القسوة.. وإن هذه الرسالة إذ تحاول الإحاطة بجهوده، فإنها تقرّ بالعجز عن الإلمام بكل أبعاد عبقريته، ولكنها تطمح أن تكون خطوة على طريق التوثيق والتعريف، ووفاء لأخ عزيز عاشره الكاتب قرابة تسع سنوات، وأشهد أنه نذر حياته ليقول كلمة الحق، ورحل وهو متمسك بها.
شكر خاص:
وفي النهاية أحمد الله سبحانه على أن وفّقني لإعداد ونشـر هذه الحلقات التي أخذت من وقتي وجهدي الكثير الكثير، أسأله سبحانه أن يتقبّلها ويجعلها في ميزان الحسنات.
كما وأشكر جميع الإخوة والأخوات من أهل الفكر والتحقيق الذين تـابعوا عن كثب قراءة الحلقات المنشورة، واتّصلوا بي منذ نشـر الحلقات الأولى للدراسة، وشجعوني على الاستمرار فيها، لا سيّما أخي الكبير والمفكر القدير الأستاذ (عابدين رشيد)، الذي قرأ الحلقات كلّها، وكان يتصل بي كل مرة، ويبدي إعجابه بمحتويات البحوث، ويرى في آراء العلامة سبحاني منعطفاً فكرياً مهماً، ويناشد بطبع الحلقات في صورة كتاب، ونشـره في الأوساط العلمية.
كما وأخصّ بالشكر الإخوة القائمين على إصدار مجلة (الحوار) العزيزة، الذين خصّصوا صفحات من مجلتهم الغرّاء لنشـر مقالاتنا هذه، فجزاهم الله عنّا وعن القرّاء خير جزاء.
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون