سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل ودورها في استشراف المستقبل
د. دحام إبراهيم الهسنياني
اقتضت حكمةُ الله تعالى وإرادتُه أنْ يجعل لكلِّ شيءٍ سبباً، وألّا يجري في هذا الكون حدثٌ ولا يقع أمرٌ إلّا بعلمه وإرادته، ووفق سننه الجارية في خلقه؛ تلك السنن الثابتة الّتي لا تتحوّل ولا تتبدّل.
قال تعالى: ]قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَـانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[(الأنعام: 11).
]سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً[ (الإسراء: 77).
والحالة هذه، فإنّ المتتبع لسنن الكون ومجرياته؛ يجدها تسير في نسق منتظم يمكن أنْ يشكّل تصوّراً عن طبيعة هذه الحياة، وماذا يراد منها، وكيف ينبغي لها أنْ تكون.
وتشغل السنن الإلهية حيّزاً واضحاً من مفردات هذا الدِّين، ولا أكون مغالياً إنْ قلت إنّ فهم السنن الإلهية يشكّل دعامة أساسيّة من دعائم الفهم الشَّامل للإسلام.
إنّ الناظر في آيات القرآن الكريم ليجد الآيات الكريمة الكثيرة الّتي تغطّي الحديث عـن السنن الإلهية، وفي هـذا ما فيه من أهمية لهذا الموضوع. وتلك الرعاية والعناية بهذا الموضوع في القرآن الكريم، إشارة واضحة إلى ضـرورة أنْ يعتني به المسلمون، وأن يولوه من الأهمية ما يستحـقّ، كسائر مواضيع القرآن العظيم.
وتظهر أهمية الحديث عن السنن الإلهية في كون السبيل لمعرفة سنة الله؛ هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم، وسنة نبيه الكريم محمّد e، فما فيهما هو القول الفصل ()، وأعظم بها من غاية، وأعظم بها من سبيل، تلك الّتي تدلّنا على الله تعالى.
وتتميّز السنن الإلهيّة أنّها من عند الله تعالى، ولأنّ الأمر كذلك فـإنّ هذه السنن الإلهية تختصّ بخصائِصَ تتناسب مع كونها من عند الله تعالى، ولعلّنا في هذه الدِّراسة لا نريد الإسهاب في هذا الأمر إلّا بالقَدْرِ الّذي يُوضِّح المعالم ويفي بالغرض.
ومن هذه السنن: سنة الله تعالى في التدافع والصِّراع بين الحضارات.
والتدافع بين الحقّ والباطل سنّة جارية وَفْق مقادير ربانية محكمة، وإنّه لمن المهم جدًّا أنْ يعرف المسلم ملابسات هذا التدافع؛ ليكون على بيّنة من أمره، وليتّخذ فيه لنفسه موقفًا صحيحًا مُوافِقًا لمراد الله تعالى.
وسنّة الله تعالى في الصِّراع والتدافع ماثلة اليوم، وفي عصـرنا، أكثر من أيّ وقت مضـى، ممّا يحدونا إلى الوقوف على هذه السنّة الإلهية بجديّةٍ واهتمام.
تعريف التدافع: دفع: "الدّال والفاء والعين أصلٌ واحد مشهور، يدلُّ على تنحيَة الشـيء. يقال دَفَعْتُ الّشـيء أدفعُه دَفْعاً، وَدافع الله عنه السُّوءَ دِفاعاً؛ وَالمدفَّع: الفقير، لأنّ هذا يدافعه عند سؤالِهِ إلى ذلك"(). وفي اللِّسان: "الدَّفْع: الإِزالة بقوّة. وتَدَافَعُوا الشـيءَ: دَفَعَـه كلّ واحد منهم عن صاحبه، وتدافَع القومُ أَي دَفَعَ بعضُهم بعضاً"(). "والمُدَافَعَةُ: المماطلـةُ، واسْتَدْفَعْتُ اللَّهَ الأَسْواءَ، أي طلبتُ منه أنْ يَدْفَعَها عنِّي. وتَدَافَعَ القومُ، أي دَفَعَ بعضُهم بعضًا"(). "وَدَفَعْتُ الْقَوْلَ رَدَدْتُهُ بِالْحُجَّةِ". "وكلُّ ذلك مشتقٌّ من أنّ بعضَه يدفَعُ بعضاً"(). ويمكن أنْ يُخلص هنا إلى أنّ الدفع فيه معنى المغالبة على أمر، أو الصِّـراع عليه بين اثنين، سواء أكان بين شخص وشخص أو بين أمّة وأمّة، أو حتّى بيـن حقّ وباطل، وبين خير وشـرّ، ليتقرّر أحدهما ولو بالقوة، فهو "صِراعٌ وقتال بين النّاس"().
والتدافع بين الحقّ والباطل، أي بين أصحابهما، أمرٌ لا بدَّ منه وحتمي لأنّهما ضِدّان، والضِدّان لا يجتمعان، ولأنّ تطبيق أحدهما يستلزم مزاحمة الأخر وطرده ودفعه وإزالته، أو في الأقل إضعافه ومنعه من أنْ يكون له تأثير في واقع الحياة. فلا يُتصوَّر إذن أنْ يعيش الحقّ والباطل في سِلْمٍ من دون غلبة أحدهما على الآخر، إلّا لعلّة؛ كضعف أصحابهما، أو جهلهم بمعاني الحقّ والباطل ومقتضيات ولوازم هذه المعاني، أو ضعف تأثير هذه المعاني فيهم.
إنّ كلمة (تدافع) تعني في اللغة: الإزالةُ بقوّةٍ، فتدافع الحقّ والباطل؛ أي: تدافع أصحابهما، يكون بقوّة، حيث يسعى كلّ من أهل الحقّ والباطل إلى تنحية الآخر عن مكانه ومركزه والغلبة عليه. فأهل الباطل لا يكفيهم بقاؤهم على باطلهم، وإنّما يسعون إلى محق الحقّ وأهله، وإزالة هذا الحقّ بالقوّة، وصدّ الناس عنه ببذل المال وبالقتال، وبكلّ ما يرون فيه قوّة وقدرة لتحقيق ما يريدون().
ويجب على المسلم أنْ يقف موقفًا صحيحًا وصارمًا في هذا التدافع بين الحقّ والباطل، "عليك بطريق الهدى، ولا يضـرّنك قلّة السالكين، وإيّاك وطرق الضّلالة، ولا يغرّنك كثرة الهالكين". يقول الله تعالى: ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْـرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُـرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُـرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[ [39- 40: الحج].
والسنّة الإلهيّة في التدافع واضحة هنا، أيّما وضوح، ذلك أنّ الله تعالى قضـى بأنّ التدافع سنّة إلهية، وأنّ هذا التدافع لا بدّ منه ليبقى الصّالح ويندثر الطّالح، ليحيى من حيّ عن بيّنة، ويهلك - بالتالي - من هلك وخسـر عن بيّنة، فلا ظلم يقع هنا ولا هناك، بَلْ كلٌّ يجني حصاد ما اختار؛ إنْ في صف الفائزين، وإنْ في صف الخاسـرين الخائبين.
والناظر في الآية الكريمة يرى ويحسّ بذلك الشعـور الدّافئ، وتلك الطمأنينة الّتي تسـري في أعماق المسلم عندما يتلو هذه الآية الكريمة، الّتي تبدأ بتقرير النصـر للّذين ظلموا، وأنّ الله على ذلك لقدير، وتنتهي إذا انتهت بتقرير القاعدة الكليّة في أنّ الله تعالى ينصـر من ينصـره، وينصـر منِ انحاز إلى صفّ المؤمنين، وسلك دربهم، وأنّ الله هو القوي العزيز.
يأتي هذا الوعدُ بالنصـر أوّلاً، ثمّ يتبعه التّأكيد والتعقيب، بعد أنْ بيَّن الله تعالى منذ البداية أنّه سبحانه يدافعُ عنِ الّذين آمنوا؛ فتجتمع هذه المعاني كلُّها لتفيض بالسّكون والطمأنينة على قلبِ المؤمن، فلا تُرهبه قوّة، ولا يقفُ أمام نُورِه حاجِز، إذ يستمدُّ ثباته من وعدِ الله، ويقينه من معيّتِه وعنايتِه.
يقول سيد قطب - رحمه الله تعالى -: "إنّ قوى الشـرّ والضّلال تعمل في هذه الأرض، والمعركة مستمرّة بين الخير والشـرّ والهدى والضّلال؛ والصِّـراع قائمٌ بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أنْ خلق الله الإنسان.
ثمّ يقول: والصّوامع أماكن العبادة المنعزلة للرّهبان، والبيع للنصارى عامّة، وهي أوسع من الصّوامع، والصّلوات أماكن العبادة لليهود، والمساجد أماكن العبادة للمسلمين، وهي كلّها معرّضة للهدم على قداستها، وتخصيصها لعبادة الله، لا يشفع لها في نظر الباطل أنّ اسم الله يذكر فيها، ولا يحميها إلّا دفع الله النّاس بعضهم ببعض. أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الّذين ينتهكون حرمتها، ويعتدون على أهلها. فالباطل متبجّح لا يكفّ ولا يقف عن العدوان، إلّا أنْ يدفع بمثل القوّة الّتي يصول بها ويجول"().
ويجيب سيد قطب -رحمه الله- عن الحِكْمة من تقرير الجهاد، طالما أنّ الله تعالى ضمن أنّه يدافع عن المؤمنين، وأنّه لا محالة ناصرهم؛ فيقول: "والّذي ندركه نحن البشـر من تلك الحِكْمة، ويظهر لعقولنا ومداركنا من تَجَارِبنا ومعارفنا، أنّ الله سبحانه لم يرد أنْ يكون حَملَةُ دعوته وحماتها من «التنابلة» الكسالى، الّذين يجلسون في استرخاء، ثمّ يتنزّل عليهم نصـره سهلاً هيّناً بلا عناء، لمجرّد أنّهم يقيمون الصّلاة. لقد شاء الله تعالى أنْ يجعل دفاعه عنِ الّذين آمنوا يَتِمُّ عن طريقهم هم أنفسهم، كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة. فالبنية الإنسانيّة لا تستيقظ كلّ الطّاقـات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر؛ وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كلّ قوتها لتواجه القوة المهاجمة... والأمّة الّتي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كلّ خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفّر كل استعدادها، وتجمع كلّ طاقاتها، كي يَتِمَّ نموّها، ويكمل نضجها، وتتهيّأ بذلك لحمل الأمانة الضّخمة والقيام عليها"().
وفي هذا أيضاً إجابةٌ عن التدافع القائم بين الحقِّ والخير، من جهة، وبين الباطل والشـرّ، من جهة ثانية، فالمطلوب من الجانب الخيِّر ألّا يراهن على إيمان بلا عمل، وأنّ النصـر في تدافعـه محكوم بنتيجته لصالحه دون غيره، دون أنْ يبذل الأسباب، ويقدّم كامل الاستحقاقات ليكون مؤهّلاً لتنزّل الحسم في هذا التدافع لصالحه.
ثمّ إنّ الإمام الرّازي يذكر أنّ "عادة الله -سبحانه- أنْ يحفظ دينه بهذا الأمر، ويقصد التدافع"().
وفي بحر العلوم: "أنّه لولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض بالجهاد، وإقامة الحدود، وكفّ الظلم؛ ودفع المشـركين بالمؤمنين، لغلب المشـركون فقتلوا المؤمنين"().
ودفع الله بعض النّاس ببعض، يكون "بإظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهـدة، ولولا ذلك لاستولى المشـركون على أهل المِلل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنّصارى بيعاً، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد"().
إنّ أصحاب الحقّ ودعاة الخير مطالبون بأنْ يمتلكوا أدواتِ التدافع الّتي تضمن لهم أنْ يديروا دفّة الصِّـراع لصالحهم، دون الاعتماد على الكلام المفرغ عن العمل وبذل الجهد.
ويعلّق الإمام أبو السعود في تفسيره على وعد الله تعالى بنصـر المؤمنين؛ فيقول: "وعد لهم بالنصـر وتأكيد لما مرّ من العدّة الكريمة بالدّفعِ، وتصـريح بأنّ المراد به ليس مجرّد تخليصهم من أيدي المشـركين، بَلْ تغليبهم وإظهارهم عليهم. والإخبار بقُدرته تعالى على نصـرِهم وارد على سننِ الكبرياء، وتأكيده بكلمة التَّحقيقِ واللامِ لمزيد تحقيقِ مضمونِه، وزيادة توطينِ نفوسِ المؤمنين"().
وهذا التدافع ضمن سنّة الله تعالى يدفع الله به الأذى والخراب عن كلِّ مظاهر الخير؛ من صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. يقول الشوكاني في تعليقه على هذه الآية: "والمعنى: لولا ما شـرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشـرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض. وقيل: المعنى: لولا هذا الدّفع لهدّمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسـى الصّوامع والبيع، وفي زمن محمّد المساجد. قال ابن عطية: هذا أصوبُ ما قيلَ في تأويل الآية"().
ولابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في معنى الكلام قولان؛ أحدهما: أنّ معناه: "لولا أنّ الله يدفع بمـن أطاعه عمّن عصاه، كما دفع عن المتخلّفين عن طالوت بمن أطاعـه، لهلك العُصاة بسُـرعة العقوبة، قاله مجاهد. والثاني: أنّ معناه، لولا دفع الله المشـركين بالمسلمين، لغلب المشـركون على الأرض، فقتلوا المسلمين، وخرّبوا المساجد، قاله مقاتل"().
وأخيراً نستحضـر قول الإمام النسفي في التدافع، إذ يقول: "ولولا أنّ الله تعالى يدفع بعض النّاس ببعض، ويكفّ بهم فسادهم، لغلب المفسدون، وفسدت الأرض، وبطلت منافعها من الحرث والنسل. أو: ولولا أنّ الله تعالى ينصـر المسلمين على الكافريـن، لفسدت الأرض بغلبة الكفار، وقتل الأبرار، وتخريب البلاد، وتعذيب العباد"().
ما يستفاد من هذه السنة في استشراف المستقبل:
اقتضت سنّة الله تعالى أنْ يبقى الصِّـراع والتدافع قائماً بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وأنّ الأيّام في هذا الصِّـراع وذاك التدافع دولٌ بين النّاس، ليميز الله الخبيث من الطيّب، وليتقرّر أنّ الزّبد - بكلِّ عنجهياته وجبروته، وما يبدو للعيان من كثرته وسطوته - يبقى زبداً سـرعان ما يذهب جفاءً، وأمّا ما ينفع الناس وما خلق النّاس من أجله، وهو الحقّ، فيمكـث في الأرض صامداً، متحدِّيـاً كلَّ أصنافِ الطّواغيت على مرِّ الزّمان والمكان.
إنّ سنّة التدافع والصِّـراع تثير في نفس المؤمن مزيداً من المشاعر والشعور بالمسؤولية تجاه ما ينبغي عليه في واجبه نحو دينه وأمّته، فهو مدعوّ لامتلاك أسباب النّجاح والفوز، ومقدّرات الحسم في تدافعه مع الباطل، وإلّا كانت الغلبة للشّيطان وأعوانه، ولفسدت الأرض، وانتشـر الظلم والطغيان. وهذا ما نرى بوادره في عالمنا اليوم.
على المسلمين اليوم أنْ ينهضوا من سُباتهم الّذي طال، والّذي آنَ له أنْ ينكشف، ليستلموا دورهم الّذي أراده الله تعالى لهم.
إنّ النظر في سنّة الله تعالى في التدافع وصِراع الحضارات من منظور القرآن الكريم، يجعل المسلم على بيّنة من أمره في استشـرافه للمستقبل، عندما يشعر ويعيش ذلك التدافع وهذا الصِّـراع، ليدرك في المحصلة أنّه هو من يملك زمام المبادرة في توجيه دفّة الصـراع، والسير به نحو النصـر والحسم، ومِنْ ثَمَّ نحو المستقبل المنشود.
المسلم في هذا الكون، بما يملك من إيمان بالله تعالى، وخصوصيّة بتلقيه العلم الربّاني الّذي لا ينخرم ولا ينثلم، ولا يأتيه الباطل ولا الخلل لا من بين يديه ولا من خلفه، لأنّه تنزيل من حكيم حميد مجيد عالم قاهر ظاهر، أقول: المسلم هو الفائـز في النِّهاية، بما يملك من هذه الأدوات، وقبل ذلك وبعده بما حباه الله من معيّته في أنّه يدافع عنه، ووعده له سبحانه له بالنصر والتمكين.
إنّ استشـراف المستقبل في التصوّر الإسلامي ليس ضَرْبًا من التّنجيم، أو مجرّد اعتمادٍ على المُعْطيات التقنية المجرّدة، بَلْ هو منهج علميّ وتربويّ متكامل ينطلق من السنن الإلهيّة في الكون والحياة، ويستند إلى الفكر المقاصدي الّذي يُوازِن بين المآلات والوسائل، ويعتمد على العمل الجاد، والتوكل الحقيقي على الله تعالى. وبهذا التصوُّر، يقدّم الإسلام نموذجًا فريدًا يجمع بين الإيمان والعمل، وبين الرؤية والبصيرة، ليُؤسِّس لحضارةٍ لا تتوقف عند حدود اللّحظة، بَلْ تُخطط للمستقبل بيقين، وتصنعه برؤية واعية وإرادة رشيدة.
إنّ استشـراف المستقبل، من منظور هذه السنّة، يبدو واضحاً وجليّاً من خلال متابعة نهايات صراعات الحضارات والتدافع الّذي سطّره القرآن الكريم، والّتي اشتركت النِّهايات فيها جميعاً بأنْ كانت الغلبة والنصر لمن كان مع الله تعالى.
ونحن مدعوون اليوم إلى أنْ نرجع إلى القرآن الكريم نستلهم منه الدروس والعبر فيما يخـصّ سنّة التدافع، لنعرف ما علينا فعله، حتّى تكون نهاية أمرنا الفوز والنصـر، والخروج من مستنقع الـذلّ والإهانة الّذي يعيشـه المسلمون اليوم؛ بسبب ابتعادهم عن مصدر عزّتهم وكرامتهم.
إنّ الباطل مهما بدا قويًّا، ومهما حصل لـه من الغلبة أحيانًا؛ فإنّه ضعيف في حقيقته وذاته، وغلبته مؤقتة، وعاقبته الهزيمة والخسـران والاندثار. أمّا الحقّ، فهو قويّ في ذاته وحقيقته، وأهله - وإن بدا منهم ضعف - فإنّ الله الغالب سبحانه، يخرجهم من حال الضعف إلى حال القوّة وينصـرهم، ويجعل الغلبة والعاقبة لهم.
والعلماء معنيـّون - وبشكل أخصّ - في استلام دورهم في إدارة هذا الصِّـراع، وتوجيه ذاك التدافع، فهم الأقدر على مقابلة الحجّة بالحجّة، وهم الأنسب في مخاطبة أولي الأمر بالحكمة والبيان والموعظة والإحسان، ليضعوهم أمام مسؤولياتهم أمام الله تعالى أولاً، ثمّ أمام شعوبهم الّذين سيسألونهم أمام الله تعالى، عن تفريطهم في صياغة حياة العزّة والكرامة لأمّتهم.. دون أنْ يكون العلماء بمنأى عن هذا السؤال وتلك المحاسبة.
على أنه يجب أنْ يكون في عقيدة كل مسلم أنّ الإسلام بكل مقوّماته غالب لا مغلوب، وأنّ حسم الصِّـراع لا محالة من نصيب هذا الدِّين، فلقد تعرّض الإسلام إلى ضرباتٍ وتدافعاتٍ كثيرة وقاسية على المدى الضّارب في التاريخ، إلّا أنّه كان يخرج من كلِّ ذلك، وفي كلِّ مرَّةٍ منتصـراً، لا تزيده الأحداث إلّا تأكيداً وتقريراً بأنّه الدِّين الخالد، ومن ثَمَّ فإنّ العـودة إلى هذا الدِّين؛ هو الضمانـة الأكيدة على البقـاء والاستمرار بكلِّ عزّةٍ وقوَّة.. وفي هذا يقول سيد قطب - رحمه الله تعالى -: "إنّ سنة اللّه في نصـر المؤمنين المقرّرة بإخبار اللّه وإعلامنا بها في القرآن الكريم؛ هي سنة مؤكّدة يقيناً لا يخامرنا فيها ذرّة من الشك، ولا تنتقض أو تتزعزع بما يُرى من واقع المسلمين في كونهم مغلوبين لا غالبين، ومقهورين من قبل أعدائهم غير منصورين عليهم، لأنّ هذه السنّة هي في (نصـر المؤمنين)، والمؤمنون هم من يكونون مؤمنين بأوصافٍ ومقاييسَ ومعاني الإيمان الّتي بيّنها اللّه تعالى في كتابه العزيز، وبيّنها رسوله الكريم في سنّته النبويّة الكريمة المطهّرة، لا أنْ يكونوا مؤمنين بمقاييسهم وتخيّلاتهم وأمانيهم.. فعدم انتصارهم على أهل الباطل، يعني أنّ الإِيمان المطلوب منهم، وما يستلزمه هذا الإيمان ويقتضيه من صفاتٍ وأفعال، غير متحقّق فيهم، وبالتالي فهم لا يستحقّون نصـر اللّٰه الموعود به للمؤمنين. فعليهم أنْ يراجعوا أنفسهم، ويعرضوها ويعرضوا أحوالهم وأفعالهم وما هم عليه، على معاني الإيمان ومقتضياته، ويزنوها بميزانه، ليعرفوا الخلل الّذي هم فيه، والنقص الموجود فيهم، فيقوموا بالتّصحيح والتقويم، وتدارك ما فاتهم، وتحقيق معاني الإيمان في نفوسهم، وثمرات هذا الإيمان في خارج نفوسهم، حتّى يدخلوا في مضمون سنّة اللّه تعالى في نصـر المؤمنين، وفي متعلّق إخباره تعالى: )وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ( (الروم: 47) ().
الحرب بين أهل الحقّ وأهل الباطل سجال، والعاقبة للحقّ وأهله:
إنّ الله - عزّ وجلّ - يداول الأيّام بين أهل الحقّ وأهل الباطل، فيغلب أهل الحقّ حينًا، ويُغلبون حينًا آخر، ومن حكمته في ذلك: تمحيص المؤمنين، وفضح المنافقين، وتمييز الطيِّب من الخبيث، كما قال الله تعالى: )وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ( (آل عمران: 139- 141)، ومن الحِكَم في ذلك أنّ هذه الدّار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر، فيداول الله الأيّام بين النّاس، يومًا لهذه الطائفة ويومًا للطائفة الأخرى؛ لأنّ هذه الدَّار الدُّنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدَّار الآخِرة، فإنّها خالصة للّذين آمنوا، ومن الحكم أيضًا: أنّ الله يبتلي عباده بالهزيمة والبلاء؛ ليتبيّن المؤمن من المنافق؛ لأنّه لو استمرّ النصـر للمؤمنين في جميع الوقائع، لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء؛ تبيّن المؤمن حقيقةً، الّذي يرغب في الإسلام، في الضرّاء والسـرّاء، واليسر والعسـر، ممّن ليس كذلك.. ومن الحكم أيضًا: اصطفاءُ الشُّهداء؛ لأنّ الشَّهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلّا بما حصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين أنْ قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه نفوسهم؛ لينيلهم ما يحبّون من المنازل العالية والنعيم المقيم" ().
يقول سيد قطب - رحمه الله -: "والقرآن الكريم يردّ المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض. يردّهم إلى الأصول الّتي تجري وَفْقها الأمور. فهم ليسوا بدعاً في الحياة: فالنواميس الّتي تحكم الحياة جارية لا تتخلّف، والأمور لا تمضـي جزافاً، إنّما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشّفت لهم الحِكْمة من وراء الأحداث، وتبيّنت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النِّظام الّذي تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحِكْمة الكامنة وراء هذا النِّظام، واستشـرفوا خط السَّير على ضوء ما كان في ماضي الطّريق، ولم يعتمدوا على مجرّد كونهم مسلمين، لينالوا النّصـر والتمكين بدون الأخذ بأسباب النصـر، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول... فإنْ كنتم مؤمنين حقّاً فأنتم الأعلون. وإنْ كنتم مؤمنين حقّاً فلا تهنوا ولا تحزنوا. فإنّما هي سنة الله أنْ تصابوا وتصيبوا على أنْ تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص. إنّ الشدَّة بعد الرَّخاء، والرَّخاء بعد الشدَّة، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس، وطبائع القلوب، ودرجة الغبش فيها والصَّفاء، ودرجة الهلع فيها والصَّبر، ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح!. عندئذٍ يتميّز الصفّ، ويتكشّف عن: مؤمنين ومنافقين، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم. ويزول عن الصفّ ذلك الدخل وتلك الخلخلة الّتي تنشأ من قلّة التناسق بين أعضائه وأفراده وهم مختلطون مبهمون!. والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين. والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور. ولكن الأحداث ومداولة الأيّام بين النّاس تكشفُ المخبوء وتجعله واقعاً في حياة النّاس، وتحوّل الإيمان إلى عملٍ ظاهر، وتحوّل النِّفاق كذلك إلى تصـرُّفٍ ظاهر، ومِنْ ثمَّ يتعلّق به الحساب والجزاء. فالله سبحانه لا يحاسب النّاس على ما يعلمه من أمرهم، ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم. ومداولة الأيّام، وتعاقب الشدَّة والرَّخاء، محكٌّ لا يُخطىء، وميزان لا يظلم. والرَّخاء في هذا كالشدَّة. وكَمْ من نفوسٍ تصبر للشدَّة وتتماسك، ولكنّها تتراخى بالرَّخاء وتنحلّ. والنفس المؤمنة هي الّتي تصبر للضـرَّاء ولا تستخفها السـرَّاء، وتتجه إلى الله في الحالين، وتوقن أنّ ما أصابها من الخير والشـرّ فبإذن الله". "وقد كان الله يربّي هذه الجماعة - وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشـريّة - فربّاها بهذا الابتلاء بالشدَّة بعد الابتلاء بالرَّخاء، والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنّصـر العجيب - وإنْ يكن هذا وهذه قد وقعا وَفْق أسبابهما، ووَفْق سنن الله الجارية في النّصـر والهزيمة. لتتعلّم هذه الجماعة أسباب النّصـر والهزيمة. ولتزيد طاعة لله وتوكلاً عليه والتصاقاً بركنه. ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين"()r
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون