كهنوت الحداثة، قرون بنيت بالإبادة وحضارة سقيت بالدم
محمد عزيز لوتري
لم يكن القرن العشـرون مجرّد مرحلة زمنية في تاريخ البشـر، بل كان زلزالًا حضاريًا هائلًا، اختلط فيه الدم بالنور، والعلم بالوهم، والعقل بالجنون.
لقد وُلِد العالم الحديث على بنية تحتية لم تُبنَ بالحجارة وحدها، بل شُيّدت على أنقاض الشعوب، وعلى جماجم الأمم التي أُبيدت باسم التقدُّم والحضارة.
العالم الجديد: حضارة على جثث الشعوب:
إنّ ما يُسمّى بـ«العالم الجديد» لم يكن اكتشافًا بريئًا، بل مشـروعًا استعماريًا واسعًا. فخلال ثلاثة قرون فقط، أُبيد ما يقارب 45% من سكّان القارات الجديدة، تحت ذرائع دينيّة زائفة، ومبرّرات حضارية واهية، وحجج سياسية تافهة.. لقد كانت الإبادة شرطًا غير معلن لقيام الحضارة الغربية الحديثة.
القرن العشرون: التقدّم على حساب الإنسان:
حين دخل العالم القرن العشـرين، ظنّ الإنسان أنّه بلغ ذروة العقل والعلم. لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة:
- فالتقدُّم الصناعي والتكنولوجي لم يُبنَ على رفاه الإنسان، بل على حروبه.
- أكثر من مئة مليون قتيل في قرن واحد، مقابل سبعة مليارات ناجٍ يحملون إرث الخوف والقلق وانعدام اليقين.
لقد كان القرن العشـرون قرن المفارقة الكبرى: قرن الكهرباء والطائرات والفضاء.. وفي الوقت ذاته، قرن المعسكرات، والمذابح، والقنابل النووية والحروب العالميّة.
بين الوهم والحقيقة:
هل أصيبت البشـريّة بعدوى الجنون؟ هل كان العلم خلاصًا للبشـرية، أم أنه تحوّل إلى عباءة جديدة للوهم القاتل؟
لقد ارتدى الجنون لباس المعادلات العلميّة، وتخفّى العنف خلف لغة الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والسياسة.
صار القتل «ضرورة تاريخية»، وصارت الحروب «توازنًا دوليًا»، وصارت الإبادة «إصلاحًا حضاريًا».
صراع العقل والخيال:
من صنع القرن العشـرين حقًا؟ لم يصنع القرن العشـرين العلماء وحدهم، ولا الفلاسفة وحدهم، بَلْ صنعته أيضًا الرِّوايات والمسـرحيات والسينما.
ونشأت مدارس عبثيّة، وخلاعيّة، وتشكيكيّة، شكّكت في كلِّ شيء: الحقيقة، الأخلاق، الدِّين، المعنى.
دخلت هذه الرؤية كلّ بيت عبر الشاشة، وأعادت تشكيل وعي الإنسان الحديث.
وفي المقابل، كانت النظريات العلمية الكبرى في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وعلم النفس والآثار تتقدّم بسرعة مذهلة.
لكن المفارقة أنّ الخيال الأدبي والأسطوري لم يكن خصمًا للعلم، بَلْ كان أحيانًا مصدر إلهامه.
هكذا اندلعت «الحرب الخفية» بين العقل والخيال، بين الواقع والأسطورة.
قرنان من الصِّراع: من ينتصر؟
على مدى مئتي عام، بدا أنّ العقل العلمي يحارب الخيال، لكن النهاية كانت مختلفة:
الخيال الروائي، المشبع بالأساطير، تسلّل إلى قلب النظريات العلمية، والقوانين السياسية، والمفاهيم الأخلاقية، وحتى الخطابات الدينية.
لم يعد الإنسان متأكدًا: هل يعيش في عالم الحقيقة، أم في عالم السرديات الكبرى الّتي صنعها بنفسه؟
الخلاصة الفكرية:
نعم، ربّما عشنا قرنًا من الجنون.. لكن الجنون لم يكن غياب العقل، بل إفراطه.
لم يكن نقص العلم، بَلْ تحوّله إلى أداة للهيمنة.
ولم تكن المشكلة في الخيال، بل في لحظة التقاء الخيال بالقوّة.
إنّ القرن العشـرين لم يكن مجرّد قرن دم ونور، بَلْ كان مِرآةً مرعبة للإنسان الحديث: حين يمتلك المعرفة بلا حكمة، والقوّة بلا أخلاق، والعلم بلا معنى.
أصلاً إنّ العالم الجديد في القرن التاسع عشـر والعشـرين، وحتّى اليوم، بمثابة الطابق العلوي الّذي بُنِيَ على أحداث القرن الــ ١٨ و١٧ و١٦، وهذه القرون الثلاثة هي حقبة انسلاخ الإنسان من إنسانيته؛ من خلال انسلاخه من القيم الدينية والأخلاقية والبساطة الّتي كانت تميّزه في العصور التي سبقت الأديان.. وفي هذه العصور الثلاثة، اكتشفت الدول الأوروبية - الّتي تشكِّل أقلّ من ١٠٪ من العالم - "العالم الجديد" في ثلاث قارات مساحتها ٤٥٪ من العالم، وقضوا على حوالي مائتي مليون إنسان في الخفاء، ودفنوا معهم حضارتهم وأحلامهم ودياناتهم وعلومهم.. فلا يدري العالم عن هؤلاء الشعوب شيئًا إلّا ما قاله الّذين ذبحوهم وأبادوهم.. ثمّ ما إنْ شبعَ هؤلاء حتّى سيطروا على ٥٥٪ من العالم، فاستولوا على إفريقيا وآسيا، وبنوا - بجماجم الشعوب - العالم الجديد، في هذه القرون الثلاثة.
"الحضارة الغربية الحديثة لم تُبْنَ بالعلم والتنوير فقط، بَلْ بُنيت حرفياً على جماجم ٢٠٠ مليون إنسان من ثلاث قارات".. هذا ليس رأياً - بل حقيقة تاريخية موثّقة تمّ تجميلها، ودفنها، وإعادة كتابتها.
* الجزء الأعمق: "الطابق السفلي المدفون":
أولاً: الجريمة التأسيسية (القرن ١٦-١٨):
يمكن النظر إلى القرون الممتدّة بين القرن السّادس عشـر والتاسع عشـر بوصفها مرحلة تأسيسيّة دامية في التاريخ الحديث، قامت فيها الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية على موجات هائلة من الإبادة والاقتلاع الحضاري، خصوصًا في الأمريكيتين وإفريقيا وأجزاء واسعة من آسيا. ولم تكن المسألة مجرّد حروبِ توسّعٍ أو صراعات نفوذ، بَلْ تحوّلات كبرى أُزيلت خلالها شعوب كاملة من الوجود، ودُفنت معها حضارات ومعارف وأنماط حياة امتدّت قرونًا طويلة.
ففي الأمريكيتين وحدهما وقعت واحدة من أضخم الكوارث البشـريّة في التاريخ. تشير التقديرات إلى أنّ عدد سكّان مناطق المكسيك وأمريكا الوسطى كان يقارب خمسةً وعشـرين مليون نسمة قبل وصول الأوروبيين سنة 1492م، لكن هذا العدد انهار بحلول عام 1650 إلى نحو مليوني إنسان فقط، أي إنّ ما يقارب 92% من السكّان اختفوا خلال أقل من قرنين. وفي منطقة (الأنديز) تكرّر المشهد بصورة مشابهة؛ إذ انخفض عدد السكّان من اثني عشـر مليونًا إلى مليون تقريبًا. أمّا أمريكا الشمالية، الّتي كانت تضمُّ قرابة ثمانية عشـر مليونًا ونصف المليون نسمة، فلم يبقَ فيها سوى نصف مليون تقريبًا بحلول منتصف القرن السّابع عشـر. وفي جزر الكاريبي كانت الكارثة أكثر فظاعة، إذ اختفت مجتمعات كاملة تقريبًا، بعدما تراجع عدد السكّان من نحو ثمانية ملايين إلى الصفر تقريبًا. وحتّى غابات الأمازون، الّتي كانت مأهولة بملايين البشر، فقدت معظم سكّانها خلال تلك الحقبة.
وتُقدّر بعض الدِّراسات أنّ الأمريكيتين وحدهما خسـرتا نحو خمسة وسبعين مليون إنسان، بنسبة إبادة وصلت إلى نحو 95% من السكّان الأصليين. وإذا أضيف إلى ذلك ما جرى في إفريقيا وآسيا خلال القرون الاستعمارية اللاحقة، فإنّ بعضَ التقديرات ترفع العدد الإجمالي للضحايا إلى أكثر من مئتي مليون إنسان.
لكن ما اختفى لم يكن بشـراً فقط، بَلْ عوالِم حضاريّة كاملة. فقد كانت إمبراطورية الإنكا، قبل سقوطها، واحدة من أكثر الدول تنظيمًا في العالم الجديد، عاصمتها (كوسكو)، وتمتلك شبكة طرق تمتدُّ عشـرات آلاف الكيلومترات، إلى جانب نظم إداريّة ومحاسبية معقّدة، وهندسة معماريّة مذهلة (ماتشو بيتشو)، ومع ذلك انهارت هذه الإمبراطورية خلال عقود قليلة بعد الغزو الإسباني.
والأمر نفسه حدث مع إمبراطورية الأزتك، الّتي كانت عاصمتها (تينوشتيتلان) من أكبر مدن العالم في ذلك العصـر، إذ قُدّر عدد سكّانها بمئات الآلاف، وكانت تفوق في حجمها كثيرًا من المدن الأوروبية الكبرى. وقد امتلك الأزتك تقاويم فلكيّة دقيقة، وأنظمة ري متطوِّرة، ومعرفة واسعة بالطب النباتي، لكن دولتهم دُمّرت خلال سنوات قليلة فقط بعد وصول الغزاة الإسبان.
أمّا حضارة المايا، الّتي امتدّت قرونًا طويلة، فقد قدّمت إنجازاتٍ مدهشةً في الرياضيّات والفلك، حتّى إنّها توصّلت إلى مفهوم الصفر بصورة مستقلّة، وحسبت السنة الشمسيّة بدقّة عالية. كما خلّفت آلاف المخطوطات والكتب، لكن معظم هذا التراث أُحرق في القرن السّادس عشـر، حين أمر الأسقف الإسباني (دييغو دي لاندا) بإتلاف المخطوطات باعتبارها “وثنية”، فلم ينجُ منها سوى عددٍ محدود جدًا.
ومع كل هذا الدّمار نشأت سرديّة استعماريّة حاولت تبرير ما حدث، عبر تصوير الأمريكيتين على أنّها “أرض بلا حضارة”، أو أنّ سكّانها كانوا شعوبًا بدائيّة ومتوحِّشة تحتاج إلى من يجلب لها المدنية. غير أنّ الوقائع التاريخيّة تكشف صورة مختلفة تمامًا؛ إذ كانت مدن مثل (تينوشتيتلان تضاهي)، بَلْ تتجاوز، كبريات المدن الأوروبيّة في ذلك العصـر من حيث التنظيم وعدد السكّان.
والأكثر إثارة أنّ بعض الدِّراسات الحديثة ذهبت إلى أنّ حجم الإبادة كان هائلًا إلى درجة أثّرت حتّى في مناخ الأرض نفسه. فقد أشارت دراسة منشورة في مجلة “ساينس” عام 2019 إلى أنّ الانخفاض الحاد في عدد السكّان الأصليين أدّى إلى تقلّص النَّشاط الزراعي على مساحات شاسعة، فتحوّلت ملايين الهكتارات إلى غابات من جديد، وهو ما أسهمَ في خفض مستويات ثاني أكسيد الكربون عالميًا، وربما كان أحد العوامل الّتي أسهمت جزئيًا في ظاهرة “العصـر الجليدي الصغير” بين القرنين السابع عشر والثامن عشر.
وهكذا لم تكن تلك الإبادات مجرّد أحداثٍ محليّة معزولة، بَلْ تحوّلات كبرى أعادت تشكيل العالم الحديث، ودفنت معها حضارات كاملة، بينما استمرّت السـرديّات الاستعماريّة طويلًا في إخفاء حجم ما جرى تبريره باسم “الحضارة” و”الاكتشاف”.
ثانياً: "الانسلاخ عن الإنسانية" - التحليل الفلسفي:
١. كيف برر الأوروبيون الإبادة؟
أ. الانسلاخ الديني: "الله معنا"
الوثيقة الرسمية: "المطلب" (١٥١٣). نصّ حقيقي كان يُقرأ للسكّان الأصليين قبل ذبحهم:
"نحن نطلب منكم.. الاعتراف بالكنيسة.. والبابا.. والملك.. كسادة.. وإذا لم تفعلوا.. سنشنُّ حرباً عليكم.. ونأخذكم عبيداً.. وكلّ الوفيّات ستكون خطؤكم، لا خطأنا".
المفارقة:
* كان يُقرأ بالإسبانية (السكان لا يفهمونها).
* أحياناً يُقرأ من على السفن قبل النزول.
* الغرض: تبرير قانوني - ديني للقتل.
٢. "الانسلاخ عن القيم": البساطة → الجشع..
الدليل الاقتصادي:
ثروة إسبانيا من الفضة الأمريكية:
* ١٥٠٠-١٦٥٠: شُحن ١٨٠ طنًا من الذهب و١٦,٠٠٠ طن من الفضة من الأمريكيتين.
* قيمتها اليوم: تريليونات الدولارات.
* المصدر: مناجم بوتوسي (بوليفيا) - ٨ ملايين عامل منجم ماتوا. "بوتوسي = أوشفيتز القرن ١٦".
ثالثاً: الطابق العلوي المبني على الجماجم:
١. "المعجزة الأوروبية" = سرقة عالمية:
السؤال: كيف أصبحت أوروبا (١٠٪ من العالم) تحكم ٨٥٪ منه، بحلول ١٩١٤؟
الإجابة التقليدية (الكاذبة): "التفوق الثقافي"، "العقلانية الأوروبية"، "الثورة العلمية".
الإجابة الحقيقية (الموثّقة):
أ. نهب الموارد: إذ نهبوا:
* الذهب والفضة من أمريكا اللاتينية، ومولوا الثورة الصناعية الأوروبية.
* القطن من العبيد في أمريكا، لصناعة النسيج البريطانية.
* السكر من الكاريبي، وكوّنوا ثروة لبريطانيا وفرنسا.
* المطاط من الكونغو البلجيكي، وخلّفوا ١٠ملايين قتيل (عهد الملك ليوبولد الثاني، ١٨٨٥-١٩٠٨).
* التوابل من إندونيسيا، لتمويل الإمبراطورية الهولندية.
* الأفيون من الهند والصين، وخاضوا حروب الأفيون (١٨٣٩-١٨٦٠).
الحساب البسيط من الهند وحدها:
* دَخْل بريطانيا من الهند (١٧٦٥-١٩٣٨): ٤٥ تريليون دولار (بأسعار اليوم).
"الثورة الصناعية موّلتها الإبادة والسّرقة، لا العبقرية فقط".
٢. القرن ٢٠ = استمرار الجريمة:
الخريطة الزمنية: ١٩٠٠-١٩٤٥: الاستعمار في ذروته: أوروبا تحكم ٨٥٪ من العالم.
* المجازر مستمرّة:
* هيريرو وناماكوا (ناميبيا، ١٩٠٤-١٩٠٨): ٦٥,٠٠٠-١٠٠,٠٠٠ قتيل - أوّل إبادة جماعيّة في القرن العشرون (ألمانيا).
* المجاعة البنغالية (١٩٤٣): ٣ ملايين - تشرشل رفض إرسال الطعام عمداً.
١٩٤٥-١٩٩٠: "إنهاء الاستعمار" الكاذب.
* الاستقلال السياسي، لكن:
* الاستعمار الاقتصادي مستمر (ديون، شركات متعدّدة الجنسيات).
* الحروب بالوكالة (الحرب الباردة):
* الكونغو (١٩٦٠-١٩٦٥): اغتيال لومومبا.
* فيتنام (١٩٥٥-١٩٧٥): ثلاثة ملايين قتيل.
* أمريكا اللاتينية: انقلابات بدعم أمريكي (تشيلي ١٩٧٣، الأرجنتين ١٩٧٦).
١٩٩٠- حتى اليوم: الاستعمار الجديد.
* حروب الموارد: العراق (٢٠٠٣) - النفط.
* الديون: صندوق النقد والبنك الدولي = استعمار مالي.
* الهيمنة الثقافية: هوليوود، ماكدونالدز، كوكاكولا.
رابعاً: لماذا لا يُدرَّس هذا؟
١. "التاريخ يكتبه المنتصرون"
الأمثلة:
* في المناهج الأمريكية: "عيد الشكر: احتفال بالصداقة بين الحجّاج (أي: المستوطنون الأوروبيون) والهنود". الحقيقة: بعدها بـ٥٠ سنة، ٩٠٪ من الهنود أُبيدوا.
* في المناهج البريطانية: "الإمبراطورية البريطانية: نشـر الحضارة". الحقيقة: نهب ٤٥ تريليون دولار من الهند وحدها.
* في المناهج الإسبانية: "كولومبوس: مكتشف بطل". الحقيقة: بدأ أكبر إبادة في التاريخ.
٢. استراتيجيات "غسل التاريخ":
التقنيات:
* أ. التسميات المخادعة: سمّوا "الإبادة" بـ"الاكتشاف"، و"الاستعمار" بـ"الاستكشاف"، و"العبودية" بـ"تجارة المثلث"، و"السرقة" بـ"التبادل الكولومبي".
* ب. التركيز على "الإنجازات": تُدرَّس الثورة الصناعيّة (١٧٦٠-١٨٤٠)، ولا تُدرَّس أنها مُوّلت بدماء عشرة ملايين عبد أفريقي.
* ج. "كلّنا أخطأنا": "العبوديّة كانت في كلِّ مكان" (صحيح، لكن...). العبودية الأوروبية كانت: صناعيّة، عابرة للمحيطات، عنصـرية، بملايين الضحايا. العبودية القديمة: محلية، أصغر، غير عنصرية.
خامساً: إعادة قراءة "نجاح العلم":
السُّؤال الصعب: "هل التقدّم العلمي الأوروبي نتيجة 'عبقرية' أم 'سرقة + إبادة'؟"
الإجابة المعقدة: كلاهما، لكن...
ما سُرِقَ أو مُوّل بالدِّماء:
- الجامعات: موّلتها تجارة الرّقيق (أكسفورد، كامبريدج، هارفارد).
- المختبرات: موّلها ذهب الأمريكيتين.
- الوقت للبحث: لأنّ آخرين (عبيد، مستعمرات) يُنتجون الطعام.
المثال الصادم:
جيمس واط (١٧٧٦) - اخترع المحرِّك البخاري، مُوّل من أرباح مزارع السكر الجامايكية (عبيد). النتيجة: "الثورة الصناعيّة بُنيت على ظهور العبيد".
سادساً: الخلاصة الكبرى المعدّلة:
الحقيقة الكاملة عن القرن ٢٠-٢١:
* الطابق العلوي (ما نراه): التقدُّم العلميّ، الديمقراطية، حقوق الإنسان، متوسط عمر ٧٣ سنة.
* الطابق السفلي (ما دُفن): ٢٠٠ مليون قتيل (القرن ١٦-١٩)، حضارات مُبادة، علوم مفقودة، ثروات منهوبة (٤٥ تريليون $ من الهند فقط).
المعادلة الكاملة: القرن ٢٠-٢١ =
- ١٠٪ فقط: عبقرية علمية حقيقية.
- ٣٠٪: بناء على معارف مسروقة.
- ٦٠٪: مُوّل بثروات منهوبة من ثلاث قارات على مدى ٤٠٠ سنة.
الحكم النهائي:
* القرن العشرون طابق علوي على أساس دموي.
- ٢٠٠ مليون قتيل في صمت (القرن ١٦-١٩).
- ١٠٪ من البشر (الأوروبيون) أبادوا وسرقوا من ٩٠٪ من العالم.
- الانسلاخ عن الإنسانية حدث فعلاً بتبريرات دينية وفلسفية وعلمية للإبادة.
- دُفنت حضارات كاملة معهم.
الكذبة الكبرى: "الغرب تقدّم بالعلم والعقلانيّة فقط".
ولكن الحقيقة: "الغرب تقدّم بالاحتلال + السّـرقة + الإبادة + ٤٠٠ سنة من النهب المنظّم".
والطابق المبني على الجماجم: كيف بنى ١٠٪ من البشـر حضارتهم بإبادة ٢٠٠ مليون. القرن العشـرون: الثمار المسمومة لأربعة قرون من الدم.
من كولومبوس إلى الآن:
٥٠٠ عام من السرديّات الكاذبة الّتي أخفت أكبر جريمة في التاريخ:
لقد وقعت الإنسانیة أكثر من مرّة، وأصبحت رهن اعتقال الأوهام والشكوك والخیالات من السوفسطائية العبثية الّتي استولت علی تفكیر الیونان لمدة 4 قرون، ودمّر الحقيقة المطلقة، حین قال (غورغياس، 485-380 ق.م):
لا شيء موجود؛ وإنْ وُجد لا يمكن معرفته، وإنْ عُرفَ لا يمكن نقله للآخرين.. وهذا مرادف لعدميّة معرفية مطلقة!
وجاء بعده (بروتاغوراس300 ق.م) قائلاً: إنّ الإنسان مقياس كلّ شيء. وحوَّل التمحور حول الحقیقة المطلقة، وقال: لا حقيقة موضوعية، وكلّ شيء نسبي حسب الفرد، فما تراه أنت حقيقة فهي حقيقة بالنسبة لك فقط.. وكانت النتيجة الفلسفية تدمير أساس الأخلاق!، وكذلك انتصار البربرية (المغول) علی بغداد أیّام العباسیین، وكذلك تغلب محاكم التفتيش علی الحضارة الأندلسیّة!. فهذه الأفكار الوحشيّة الّتي ادّعت أنّها حضارة قضت علی الحضارات الحقیقیّة.
وفي العصـر الحدیث ولدت السفسطة أیضاً، وذهبت الرواقية إلی الحتمية المادية في القرن 17. وقال (رینیه دیكارت 1596-1650): "أنا أفكر إذن أنا موجود"، وشكّ في كل شيء إلّا في الأنانیة، وجعل عقله أساس اليقين وفوق الوحي، وجعل الـ (أنا) محور الكون بدلاً من الله. ثم أكمل (فريدريش نيتشه 1844-1900)، في القرن 19، عمل (دیكارت) بإعلان موت المطلق، وقال: "إن الله مات، ونحن قتلناه". وجاءت الوجودية السارتریّة لتجعل الوجود قبل الماهية"، وقالت بعدم ثبوت الجوهر الإنساني.
وبهذا الشّكل انهارت الحضارة الأوروبية المسيحية، ولم یعد وجود للقيم المطلقة من الخير والشـرّ، بالسؤال النيتشوي: "إذا كان لیس هناك إله، فمن يقرّر ما هو خير وما هو شـر؟"، وكان جوابه: "إرادة القوّة"، أي "الإنسان الأعلى"، ومن هنا ولدت النازیة والعدمية الأخلاقية، وأنه لا معيار موضوعي للصّواب.
وهنا قال (جان بول سارتر، 1905-1980): "الإنسان محكوم عليه بالحرية".
الفكرة المحورية: وهذا یعني أنت تخلق نفسك بأفعالك، ولیس هناك قرارات مسبقة، بَلْ أنت تصنع المعنى الإيجابي أو السلبي، وهذا هو التحرُّر الكامل من الحتميّات. وبهذه المعادلة قال لنا إنّه لا أساس للأخلاق، بَلْ كلّ شيء "اختيار"، فإذا كان القتل خطأ عند الله، فعند سارتر: أنت تقرّر هل هي خطیئة أم لا! وهذه عودة للسفسطائية، لكن بلغة فلسفية أعمق.
وجاء بعده (ألبير كامو، 1913-1960): وقال إنّ العالم عبثيّ لا معنی له. وجعل أسطورة سيزيف مثله الأعلی، فـ(سيزيف) محكوم عليه بدفع صخرة لأعلى الجبل، والصخرة تسقط كلّ مرّة، ويكرّر ذلك إلى الأبد، ولا یوجد نهاية، ولیس هناك هدف من الحیاة، والإنسان يعيش حياة لا معنى لها، ثم يموت.
وهنا السُّؤال العبثي یفرض نفسه: "لماذا لا ننتحر إذا كانتِ الحياة عبثيّة؟"
وهنا یٲتي جواب كامو: "لا تنتحر، بَلْ: تمرّد على العبث، واخلق معناك الخاص رغم اللامعنى.. وإذا سٲلت: إذا كان كلّ شيء لا معنى له، فلماذا يكون التمرّد أفضل من الانتحار؟ یعطیك الجواب جرعة وهمیّة، اصنع الوهم بخیالك، وتمرّد على الحقیقة القاسیة، لأنّ الوهم یعطیك الأحلام والقصص والقوّة للحیاة..
والمحصلة 2500 سنة منذ السوفسطائیة الأوائل إلی الآن تآكل تدريجي لفكرة "الحقيقة المطلقة" و"المعنى المطلق".
النتيجة العمليّة: لیس هناك صواب وخطأ، بَلْ كلّها صحيحة وصائبة، وفي الأخلاق: لیس هناك خير ولا شر مطلق، بل هناك النسبية الأخلاقية، وكلها ثقافة صحيحة، وفي المعرفة: لیس هناك حقّ وباطل، بَلْ كلّه حقّ نسبيّ، وباطل في النهایة.
ومثلما قال بعض المتصوّفة الحلولیُّون والاتحادیُّون بأنّنا والعالم من حولنا لا وجود له حقیقة، بَلْ كلّه أوهام، وهذه الطرق السفسطیّة كانت دافعاً لولادة القسوة والبربریّة.. ولنلق نظرة على التاريخ:
شكّل الغزو المغولي للعالم الإسلاميّ، بين القرنين الثالث عشـر والخامس عشـر، واحدة من أعنف الكوارث الحضاريّة في التاريخ. فالمغول، الّذين اندفعوا بقوّة عسكريّة هائلة منذ عام 1206م، لم يكتفوا بإسقاط المدن، بَلْ دمّروا البنية العلمية والثقافية الّتي كانت تمثّل قلب الحضارة الإسلاميّة آنذاك. ففي (بخارى)، سنة 1220م، قُتل عشـرات الآلاف من السكّان، وأُحرِقت المكتبات والجوامع، ثمّ لحق بـ(سمرقند) المصير نفسه، حيث سقط فيها نحو خمسين ألف قتيل في العام ذاته. أمّا الكارثة الكبرى فكانت في (بغداد)، سنة 1258م، حين اجتاحها هولاكو، فقُتل مئات الآلاف من أهلها - وتذهب بعض التقديرات إلى ما يقارب المليوني إنسان - وأُحرقت “دار الحكمة” الّتي كانت من أعظم مراكز المعرفة في العالم. ولم تنجُ (حلب) هي الأخرى، إذ شهدت سنة 1260م مذابح واسعة قُتل فيها عشـرات الآلاف، ودُمّرت المساجد والمدارس ومراكز العلم.
وتُقدّر بعض الرِّوايات التاريخية عدد ضحايا الاجتياحات المغولية بعشـرات الملايين، حتّى قيل إنّهم قضوا على نسبة هائلة من سكّان العالم القديم آنذاك. ومع هذا الدّمار لم تخسـر المنطقة مدنًا وسكّانًا فحسب، بَلْ فقدت تراكمًا علميًّا وحضاريًّا امتدّ قرونًا طويلة. وكأنّ التاريخ أراد أنْ يقدّم درسًا قاسيًا مفاده أنّ الحضارة - مهما بلغت من الرُّقي - يمكن أنْ تنهزم أمام الوحشيّة المنظّمة، إذا كانت متفرّقة وضعيفة. فالمغول لم يكونوا أصحاب اختراعات أو نهضة علميّة، لكنّهم دمّروا مراكز العلم الّتي صنعت جانبًا كبيرًا من معارف العالم في ذلك العصر!
وبعد قرون قليلة، تكرّر مشهد السقوط الحضاري في الأندلس، ولكن بصورة مختلفة. فالأندلس، قبل انهيارها، كانت تمثّل أنموذجًا فريدًا للتعايش الثقافي والديني. وكانت (قرطبة) في القرن العاشـر واحدة من أعظم مدن أوروبا، يسكنها نحو نصف مليون نسمة، وتضمُّ عشـرات المكتبات، من بينها مكتبة قيل إنّها احتوت على مئات الآلاف من المخطوطات. كما كانت جامعاتها ومجالسها العلمية مفتوحة للمسلمين والمسيحيين واليهود، الّذين عاشوا معًا قرونًا طويلة في فضاء حضاري واحد.
لكن هذا العالم بدأ ينهار مع سقوط (غرناطة) سنة 1492م، حين دخلها المَلِكان الكاثوليكيان (فرديناند) و(إيزابيلا)، لتبدأ مرحلة جديدة من القمع الديني والسياسي. فصدر مرسوم الحمراء الّذي خيّر اليهود بين اعتناق المسيحية أو الرّحيل خلال أشهر قليلة، فاضطرَّ مئات الآلاف منهم إلى الهجرة. ثمّ تكرّر الأمر نفسه مع المسلمين سنة 1502م، حيث فُرض عليهم إمّا التنصّر أو المغادرة.
وفي ظلِّ محاكم التفتيش، الّتي استمرّت قرونًا، عاش النّاس أجواءً من الرُّعب والملاحقة، وتعرّضت الكتب والمكتبات للإحراق، وتحوّل الاختلاف الديني إلى تهمة قد تقود إلى السجن أو التعذيب أو الإعدام. وهكذا انتهت واحدة من أكثر التّجارِب الحضاريّة تنوُّعًا في أوروبا.
والمفارقة التاريخيّة اللافتة أنّ أوروبا الحديثة استفادت لاحقًا من علوم الأندلس وترجماتها ومعارفها في الطب والفلك والفلسفة والرياضيات، في الوقت الّذي كانت فيه تلك البيئة الحضارية نفسها تتعرّض للتفكيك والحرق والإقصاء. وكأنّ النهضة الأوروبية وُلِدت جزئيًا من إرثٍ حضاري كانت أوروبا نفسها تشارك في القضاء عليه.
الصِّراع الحقيقي بين رحم الخيال ورحم المختبر:
مقدمة فلسفية: الملاحظة الجوهرية:
ملاحظة في غاية العمق والخطورة. هنا نضع إصبعنا على الجرح الحضاري الحقيقي:
"المختبر يكسب واحداً، والرواية تكسب عشرة".
هذه ليست مجرّد ملاحظة إحصائية، بَلْ قانون سوسيولوجي يفسّـر لماذا ينتصـر العلم موضوعيّاً (البيانات، التقدُّم المادي)، بينما ينتصـر الخيال ذاتياً (القلوب، العقول، الجماهير).
التحليل من هذه الزاوية الحاسمة:
يمكن النظر إلى تاريخ الحضارات الإنسانية بوصفه تاريخَ “رحمين” كبيرين أنجبا العالم الحديث: رحم الخيال، ورحم المختبر. الأوّل تمثّله الآداب والفنون، ولا سيّما الرِّواية، والثاني تمثّله العلوم الطبيعيّة والتجريبيّة. وبين هذين الرحمين ظلّ الإنسان يتأرجح عبر العصور، يصنع المعنى بالسّرد، ويصنع القوّة بالعلم.
فالأشكال الأدبية لم تكن ثابتة عبر التاريخ، بَلْ كانت ابنةً مباشرة لبنية المجتمع نفسه. ففي اليونان القديمة، حيث كانت المدينة - الدولة هي الوحدة السياسيّة والاجتماعيّة، ظهر المسـرح بوصفه الشكل التعبيري الأبرز عند (سوفوكليس) و(يوربيديس) وغيرهما، لأنّ الجمهور كان يجتمع في فضاء واحد، ولأنّ الوظيفة الأساسيّة للأدب آنذاك كانت تحقيق “التطهير الجماعي” أو (الكاثارسيس). ثمّ جاءت الإمبراطورية الرومانية العسكريّة، فبرزت الملحمة والخطابة مع (فيرجيل) و(شيشـرون)، لأنّ الإمبراطورية كانت تحتاج إلى أدبٍ يمجّد القوّة ويبرّر التوسُّع والهيمنة. وفي العصور الوسطى، حين أصبح المجتمع ثيوقراطيًّا، غلبت القصص الدينيّة وسِيَر القديسين، إذ كانت الوظيفة الأساسيّة للأدب هي التربية الدينية وحفظ العقيدة. ثمّ جاء عصـر النهضة، فعادت الفردانية إلى الواجهة، وبدأ الإنسان يكتشف ذاته، فازدهر الشعر والمسـرح عند (دانتي) و(شكسبير) وغيرهما. أمّا منذ القرن التاسع عشـر وحتى اليوم، فقد أصبحت الرِّواية هي الشكل الأدبي المهيمن؛ لأنّ المجتمع الصناعي الحديث أنتجَ فردًا معزولًا يعيش داخل عالم شديد التعقيد، فغدت الرِّواية الأداة الأكثر قدرةً على استكشاف الوعي الفردي وتمزّقاته الداخلية، كما عند (تولستوي) و(دوستويفسكي) و(كافكا).
ومن هنا يمكن فهم لماذا يبدو الأدب أكثر انتشارًا وتأثيرًا من العلوم المختبريّة. فالمعرفة البشـريّة تتحرّك وَفْق “هرم معرفي” شديد التفاوت؛ إذ إنّ العلماء المنتجين للنظريّات العلميّة لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة جدًا من البشـر، ربّما لا تتجاوز 0.1% من سكّان العالم. يليهم المتخصِّصون القادرون على فهم العلوم الطبيعية وتعليمها، وهم قرابة 5% من السكّان. ثمّ تأتي طبقة القرّاء القادرين على استيعاب العلوم المبسّطة، وهم نحو 30%.. أمّا بقيّة البشـر، أي ما يقارب 65%، فهم إمّا غير مهتمين بالعلم أصلًا، أو عاجزون عن فهمه فهمًا حقيقيًا. بينما تصل الرِّواية والأدب إلى الغالبية السّاحقة من الناس، ليس فقط عبر القراءة، بَلْ من خلال الأفلام والمسلسلات والقصص الشفهيّة، حتّى لدى الأميين.
ولهذا السّبب أيضًا تبدو العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة أكثر حضورًا جماهيريًا من العلوم الطبيعيّة. فالإحصاءات العالمية الحديثة تشير إلى أنّ ما يقرب من 75% من طلبة العالم يتخصّصون في العلوم الإنسانيّة والاجتماعية، مقابل 25% فقط في العلوم الطبيعيّة والهندسة. وهذا يعني أنّ الأغلبيّة البشـريّة تعيش داخل عالم السـرديّات والمعاني والرموز، لا داخل عالم المعادلات والمختبرات.
غير أنّ هذه الهيمنة للسّـرد تحمل في داخلها خطرًا حضاريًا هائلًا؛ لأنّ السـرديّة كثيرًا ما تتغلّب على الحقيقة العلمية نفسها. فالديمقراطية الحديثة، القائمة على مساواة الأصوات، تصطدم بمشكلة خطيرة حين يتعلّق الأمر بالحقائق العلميّة؛ إذ يُصْبِح صوتُ عالم الفيزياء مساويًا لصوت شخص لا يملك أيّ معرفة. وقد بدا ذلك واضحًا في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016؛ فمع أنّ معظم الاقتصاديين حذّروا من الكارثة الاقتصادية، فإنّ الخطاب الشعبوي العاطفي انتصـر؛ لأنّ حملة “الخروج” استخدمت سرديّاتٍ بسيطةً وقوية من قبيل: “استعيدوا السِّيادة”، بينما اكتفى الخبراء بالأرقام والتحليلات الجافّة. وهكذا هزمت السرديّةُ البيانات.
وهذا ما يفسـّر أيضاً ما صار يُعرف اليوم بـ”عصر ما بعد الحقيقة”. ففي هذا العصـر لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بَلْ في انهيار الثقة بالحقيقة ذاتها. تبدأ العمليّة عادةً بتدمير الثقة بالمؤسّسات العلميّة والخبراء، ثمّ يُملأ الفراغ بسـرديّاتٍ بديلة: المؤامرات، والزواحف الّتي تحكم العالم، وإنكار اللقاحات، وإنكار التغير المناخي… ثمّ تتحوّل هذه السـرديّات شيئًا فشيئًا إلى “حقائق بديلة”، فيعيش النّاس داخل عوالم معرفيّة متوازية لا أرضية مشتركة بينها. ولعلّ المثالَ الأوضحَ على ذلك ما شهدته الولايات المتحدة بعد انتخابات 2020، حين اقتنع عشـرات الملايين بأنّ الانتخاباتِ مزوّرة، على الرّغم من فشل عشـرات الدعاوى القضائيّة في إثبات ذلك؛ لأنّ السـردية كانت أقوى من الوقائع القانونيّة.
وهنا يظهر القانون القاسي الّذي يحكم المجال الجماهيري: الكذبة البسيطة أسـرع انتشارًا من الحقيقة المُعقّدة. فقد لاحظ (جوناثان سويفت) - منذ القرن الثامن عشـر - أنّ الكذبة تقطع نصف العالم قبل أن ترتدي الحقيقة حذاءها، وأكّدت دراسات حديثة هذا الأمر، إذ أظهرت تحليلات ضخمة لوسائل التواصل أنّ الأخبار الكاذبة تنتشـر أسرع بكثير من الأخبار الصحيحة؛ لأنّها أكثر إثارة وغرابة وبساطة. فقولك: “اللقاحات تسبّب التوحّد”، أو “المهاجرون يسـرقون وظائفكم”، أو “التغيّر المناخي خدعة”، أسهلُ جماهيريًا من شـرح النظم الاقتصادية المعقّدة، أو التفاعلات المناخية، أو الدِّراسات الطبية طويلة الأمد. فالحقيقة تحتاج إلى شـرح وسياق وفهم، أمّا الكذبة فتحتاج إلى جملةٍ قصيرة وعدو واضح وحلّ بسيط.
ومع ذلك يبقى السُّؤال الأعمق: هل ستكون الغلبة النهائيّة للأدب أم للعلم؟
ثمة حجّة قويّة تقول إنّ الأدب هو المنتصـر الحقيقي عبر التاريخ؛ لأنّ الحضارات تسقط بينما تبقى نصوصها الأدبية حيّة. فقد سقطت الحضارة الإغريقية منذ أكثر من ألفي عام، لكن (الإلياذة)، و(مـسرحيات سوفوكليس) لا تزالُ حاضِرة. وسقطت (روما)، لكن (الإنيادة) و(خطب شيشـرون) بقيت. وانتهت الحضارة الإسلاميّة الذهبيّة، لكن (ألف ليلة وليلة) و(المعلّقات) لا تزالُ حيَّةً في الذّاكِرة الإنسانيّة. وحتّى الإمبراطورية البريطانية تراجعت، بينما بقي (شكسبير) و(ديكنز) و(أورويل). أمّا العلم، فإنّ كثيرًا من نظرياته القديمة يُمحى ويُستبدل: فيزياء أرسطو، ونظرية الأثير، وعلم الفراسة، كلّها اندثرت.. فالأدبُ العظيم باقٍ، أمّا العلمُ فمتجاوز باستمرار.
لكن في المقابل توجدُ حجَّةٌ أخرى لا تقلّ قوّة: الواقع لا يهتمّ بمشاعرنا. يمكنك أنْ تنكر الجاذبيّة، لكنك ستسقط إذا قفزتَ. ويمكنك أنْ تنكر الجراثيم، لكنك ستمرض إذا أهملت قواعد الصِحّة. والتّاريخ حافل بأمثلة حاسمة: فالطاعون الأسود لم توقفه الصّلوات وَحْدَها، بَلْ نجحت في مواجهته بدايات العَزْل الصحيّ. والسُّكّان الأصليُّون في الأمريكيتين لم تهزمهم السـرديّات، بَلْ هزمتهم الأمراض والمناعة البيولوجية. وحتّى ألمانيا النازية، بكُلِّ أسطورتها العِرْقيّة، سقطت أمام التفوُّق العلمي والصناعي. فالحروب قد تُشعلها القصص، لكن حسمها النهائي يَتِمُّ بالقوّة العلميّة والتقنية. الأدب يحكم القلوب، لكن العلم يحكم المادّة.
غير أنّ الخطر الحقيقي اليوم ربّما لا يكمُن في انتصار أحدِهما على الآخر، بَلْ في انفصالهما. فالعلماء باتوا يتحدّثون إلى بعضهم داخل دوائر مغلقة، بينما تعيش الجماهير داخل فقاعات سـرديّة تصنعها الخوارزميات. والنتيجة هي عالم بلا حقيقة مشتركة: المختبرات تستمرُّ في العمل، لكن الجماهير تُقاد بالسـرديّات والانفعالات، فتُتخذ قراراتٌ كارثيّة بناءً على الأوهام؛ من رفض اللقاحات، إلى إنكار المناخ، إلى الحروب المبنيّة على الأكاذيب.
ومع ذلك، فإنّ العَلاقة بين الخيال والعلم ليست عَلاقةَ صِراعٍ خالِص، بَلْ عَلاقة تفاعل عميق.. فالخيال كثيرًا ما سبق العلم نفسه. بَلْ يمكن القول إنّ كُلَّ اكتشافٍ علميّ كبير كان يومًا ما مجرّد فكرةٍ خياليّة أو تصوّر فلسفي.. فالثقب الأسود بدأ بوصفه فرضية متخيّلة عند (جون ميتشل)، في القرن الثامن عشـر، قبلَ أنْ تتنبّأ به النسبية العامة رياضيًا، ثمّ يُرصد فعليًا بعد قرنين تقريبًا.. والثقب الدودي ما يزال حتّى اليوم أقرب إلى الفرضية التخيلية.. والمادّة المظلمة لم تُشاهد مباشرة بعد، على الرّغم من مرور عقود على اقتراحها.. وحتّى مفهوم الزّمكان بدأ كتصوُّرٍ رياضيّ تجريديّ قبلَ أنْ تُؤكِّده الملاحظات العلميّة تدريجيًا.
والأمر نفسه ينطبق على فكرة السّفر عبر الزّمن؛ فقد ظهرت أوّلًا في رواية (هربرت ويلز) “آلة الزّمن”، قبلَ أنْ تفتح النسبية الباب نظريًا أمام بعض صور السّفر إلى المستقبل.. وحتّى الذرّة نفسها، الّتي تبدو اليوم أساس الفيزياء الحديثة، بدأت كتخمين فلسفي عند (ديموقريطس)، قبلَ أكثر من ألفي عام، وظلّت لقرون طويلة مجرّد فكرةٍ خياليّة بلا دليل مادي، حتّى بدأ العلم الحديث يكتشف الإلكترون والنواة والنيوترون.
ولهذا يمكن القول إنّ الخيالَ هو الرّحم الأوّل للاكتشاف. فالعلم لا يولد من الفراغ، بَلْ يبدأ عادةً بصُورةٍ متخيّلة، أو سؤال فلسفي، أو حدس أدبي، ثم يأتي المختبر لاحقًا ليختبر ويبرهن.
ومن هنا، فإنّ الحضارة المتوازنة ليست حضارة الأدب وَحْدَهُ، ولا حضارة المختبر وَحْدَهُ، بَلْ حضارة تجمع بين الاثنين: رحم الخيال الّذي يمنح الإنسان المعنى والهوية والتماسك الرمزي، ورحم المختبر الّذي يمنحه القوّة والحلول والتقدُّم المادي. فالحضارة الّتي تمتلك العلم وَحْدَهُ قد تتحوّل إلى آلةٍ باردة بلا روح، بينما الحضارة الّتي تمتلك الخيال وَحْدَهُ تبقى دافئة إنسانيًا، لكنها ضعيفة ومتخلّفة.
وربّما تكمُن المفارقة الأخيرة في أنّ العلم، على الرّغم من قوّته الهائلة، هشّ من جهة الحفظ والبقاء؛ لأنّه يحتاج دائمًا إلى مختبراتٍ ومؤسّساتٍ وأوعية تقنية معقّدة تحفظه وتنقله. فإذا انهارت تلك البنى، ضاع جانب كبير منه.. أمّا الأدبُ والخيالُ، فبإمكانهما النجاة بوسائل أبسط بكثير: الذّاكرة، والحِكاية الشفهيّة، والنقوش، والأغاني، والقصص الشعبيّة. ولذلك قد تموت مختبرات كاملة دون أنْ يبقى منها أثر، بينما تبقى قصّة واحدة حيّة في ذاكرة البشر آلاف السِّنين.
أهم المصادر والمراجع:
۱- المحرقة الأمريكية: غزو العالم الجديد، ديفيد ستانارد، المترجم: أحمد محمود، المركز القومي للترجمة، 2014م القاهرة.
۲-تاريخ الهند، شاشي ثارور، المترجم: عبد الإله النعيمي، دار الساقي، 2017، بيروت، لبنان.
۳-العالم الجديد: تاريخ إبادة، إدوارد جاليانو، ترجمة: بشير السباعي، دار الرواد، 2000، القاهرة، مصر.
٤-جدلية الاستنارة، ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، ترجمة: جورج جسور، دار التنوير، 2006، بيروت، لبنان.
٥- تاريخ العنف في القرن العشـرين، إنزو ترافيرسو، ترجمة: هويدا صالح، دار السطر، 2018، القاهرة، مصر.
٦- صناعة الواقع: الإعلام والسياسة، نعوم تشومسكي، ت: أنور الجمعاوي، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2011، بيروت، لبنان.
۷- مأساة الكونغو: الملك ليوبولد الثاني والإبادة المنسية، آدم هوكشيلد، ت: عبد المقصود عبد الكريم، المجلس الأعلى للثقافة، 2005، القاهرة، مصر.
۸- الإنسان ذو البعد الواحد، هربرت ماركوز، ترجمة: جورج طرابيشـي، دار الآداب، 1988، بيروت، لبنان.
۹- تاريخ الغرب: ما الذي جرى حقاً؟، جوناثان هيل، ترجمة: صفاء كنج، دار الساقي، 2012، بيروت، لبنان.
۱۰-قلق السعي إلى المكانة، ألان دو بوتون، ت: محمد عبد النبي، دار التنوير، 2018، القاهرة، مصر.
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون