البعد التاريخي والجغرافي في ستة أحداث إعجازية قرآنية

دراسات 🕔 2026/07/06 ✍️ عبد الباري رؤوف سليمان
البعد التاريخي والجغرافي في ستة أحداث إعجازية قرآنية

د. مهندس عبد الباري رؤوف سليمان الملاح

مركز الرشد المجتمعي/ موصل

"وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ"

إن إضافة البعد التاريخي أو الجغرافي أو كليهما إلى الحدث أو القصة الحقيقية يُثري مغزاها ويعمّق تأثيرها في نفس الإنسان، ولقد خصّ القرآن عدداً من الأحداث المعجزة بهذه الإضافة، مع التأكيد على أن الله جعلها آياتٍ مشهودةً ومنظورةً للناس، وأعطاها صفة الاستدامة، حيث جاء هذا التاكيد بالتعقيب عليها بتعبير: [وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ]، أو [وَجَعَلْنَاهَا وابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ]، أو [وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً]، أو [وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً]، أو [وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً]، أو [وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مسَاكِنِهِمْ]، أو [فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً]. لقد ذكر القرآن الكريم الكثير من المعجزات الكبيرة والأحداث المعجزة التي تخرق السنن الكونية بإذن الله، ولكنّنا هنا استقصينا ما ذكره القرآن من أحداثٍ إعجازية ارتبطت بتاريخ أو جغرافيا، وعقّب القرآن عليها، وخصّها بالتعبيرات التي ذكرناها، وهي ستة أحداث نذكرها ونتدبرها حسب ورود آياتها البيّنات في سُوَرِ القرآن الكريم.

• الحدث الأول: عُزير (الموت والبعث في الدنيا).

• الجغرافية: القرية (بيت المقدس)، مدينة العيزرية، 2كم شرق القدس المحتلة. وهناك قبر يعتقد أنه للعزير، وملاصق له مسجد «العزير»، وبجانبه أيضاً كنيسة الروم الأرثوذكس اليونانية. ومن معالم العيزرية دير قديم، بالإضافة إلى مسجد سيدنا العزير، والكثير من المعالم الأثرية؛ مثل: القناطر، ومغارة )العيزر(، التي حدثت بها المعجزة الكبرى، وبئر (العد)، وقد بناه أهالي القرية قبل نحو مِئَتي عام بالقرب من البيارة، و(البرج) وهو من الآثار الصليبية، و(خان الحوض) وقد بناه عبد الملك بن مروان على طريق العيزرية – أريحا، ليكون استراحة على طريق بيت المقدس.. يعود تاريخ المدينة إلى العصور الكنعانية.

• المعجزة: الموت، ثم الإحياء.

قال تعالى:[أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إلىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إلىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إلى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ](البقرة – 259).

تتحدث هذه الآية عن رجلٍ من بني إسرائيل اسمه (عزير)، وقد اختلفت الروايات هل هو نبيٌّ في بني إسرائيل، أم هو رجلٌ صالح فيهم. وقد جاء ذكر اسم عزير في القرآن الكريم في قوله تعالى: [وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ]. وفي كل حال، إنها معجزة مشهودة أجراها الله تعالى على جسد عزير، وعلى طعامه وشـرابه، وعلى حماره، حيث أماته الله مائة عام، ثم بعثه، وذلك بعد أن تعجَّب وسأل عن قرية (يقال إنها بيت المقدس بعد تدميرها من الغزاة): كيف يحييها الله وهي خاوية على عروشها؟

جاءت هذه المعجزة في إحياء الموتى (جسد عزير، وجسم الحمار)، ثم لِتَكسـِر وتُعطّل عاملَ الزمن والبيئة في التأثير على جسد عزير (أنه لم يَهرم ولم يَبل)؛ وعلى طعامه وشـرابه (أنه لم يتسنّه= أي لم يَفسد ولم يتغيّر)، بينما تفعَّلَ عاملُ الزمن والبيئة في تأثيرهما على حماره (أنه بَلي، وأصبح عظاماً)، مع أنهم جميعاً (الجسد والطعام والشـراب والحمار) في بيئةٍ واحدةٍ، وفي مكان واحد، وفي زمن واحد.

ويتبين من الآية أنّ عزيراً قد شَهِد عِياناً مَشاهِدَ إحياءِ حماره؛ حيث بدأت برفع عظام الحمار، وتركيبها بعضها فوق بعضٍ (معنى [ننشِزُها]: نرفع بعضها على بعض، و نُركِّبُ بعضها على بعض)، ثم شَهد إكساء العظام لحماً، وهذه مشاهدةٌ فريدة في الحدوث، سجّلها القرآن ليجعلها بتفاصيلها آية للناس إلى يوم القيامة.

 الحدث الثاني: ولادةٌ من دون أب : (عيسى عليه السلام وأمّه مريم )

 التاريخ: مريم وابنها عيسى عليه السلام وابتداء القرن الأول الميلادي.

 الجغرافيا: بيت لحم-فلسطين.

 المعجزة : حِمل سيدتنا مريم بعيسى عليه السلام بكلمة من الله، وولادته، وكلامه وهو طفل، ومعجزاته، بإذن الله.

قال تعالى: [وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ](الأنبياء –الآية91).. [قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا](مريم – الآية 21).

ذكرت الآية 91 من سورة الأنبياء معجزة مولد عيسـى من مريم ابنة عمران دون أن يمسّها بشـر، فجعل الله تعالى مريم العذراء وابنها آيةً للعالمين. إنها آية فريدة في حدوثها، وقد شهدها الناس، وأثبتها المولود عيسـى -عليه السلام - وهو يكلّم الناس في المهد [قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا]، فهي معجزة مشهودة تاريخاً وجغرافيةً، أرادها الله تعالى أن تكون آيةً للعالمين، تثبت قدرة الله المطلقة في الخَلْق، وأن السُنن الكونية الجارية هي بيد الله يُغيّرها متى شاء وكيف شاء.

ولقد ربط القرآن بين خَلق آدم وخَلق عيسى، فقال تعالى: [إنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون]. وقد جاءت معجزة خلق عيسـى بعد طغيان الجانب المادي على الحياة عند اليهود، وغفلوا عن الله تعالى، وعن سُننه، ونسوا مواثيقهم وعهودهم معه سبحانه، فكانت هذه المعجزة المشهودة تذكيرأ لهم وللعالمين بقدرة الله المطلقة. وقد أيّد الله تعالى عيسـى - عليه السلام - بعددٍ من المعجزات الأخرى آياتٍ لهم إن كانوا مؤمنين:

[وَرَسُولًا إلىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ](آل عمران-الآية 49).

ومن جميل ما قرأت في حكمة خلق عيسى - عليه السلام - من أنثى دون ذكر، ما نشـره الدكتور أحمد محمد زين المنّاوي في موقع (طريق القرآن)، حيث قال: إذا فكّرت في هذا الكون المرئي من حولك، تلاحظ أن المخلوقات فيه لا تعدو أن تكون واحدًا من أربعة: إمّا إنسانًا، وإمّا حيوانًا، وإمّا نباتًا، وإمّا جمادًا، وهذا ما يُعرف عند العلماء بالقسمة الرباعية. وإذا فكّرت في النوع الإنساني نفسه تجده يخضع لهذه القسمة الرباعية، حيث يهب اللَّهُ عزّ وجلّ لمن يشاء إناثاً فقط، ويهب لمن يشاء الذكور فقط، أو يجمع لمن يشاء بين الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيمًا. وكذلك هي القسمة الرباعية في أصل هذا النوع الإنساني، حيث خلق اللَّهُ عزّ وجلّ أبانا آدم بلا ذكر ولا أنثى، وخلق أمَّنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية البشـر من ذكر وأنثى، ثم لتكتمل هذه القسمة الرباعية كان لا بدّ من أن يكون من البشـر من هو مخلوق من أنثى بلا ذكر، وكان ذلك هو المسيح عيسـى بن مريم، الذي أراد اللَّهُ أن يكون في خلقه بهذه الطريقة آيةً للناس على كمال قدرته سبحانه وتعالى.

ولو تفكّر أهل الكتاب في الحكمة من خلق عيسـى -عليه السلام- لما تشتّتت بهم الأهواء، حتى أنزله اليهود إلى حضيض الجُناة، ورفعه النصارى إلى مقام الألوهية، وكلاهما على باطل..

 الحدث الثالث: نجاة سفينة نوح وأهلها من الطوفان: [فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِوَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ](العنكبوت- 15).

[وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِر وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ](القمر 13-15).

* التاريخ: 4000 عام قبل الميلاد: وفي صحيح البخاري، عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام.

* الجغرافيا: جبل الجودي في المنطقة من شمال العراق إلى الجنوب الشـرقيّ من تركيا (على الأرجح).

* المعجزة: الطوفان، ونجاة سفينة نوح - عليه السلام -، ورسوَّها على جبل الجودي.

من الأحداث الكبرى التي حدثت في عصـر نبوّة نوح هو الطوفان، والذي جاء ذكره في القرآن الكريم في العديد من السور: [فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍوَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِر](القمر- 12-13).

وقد أنجى الله تعالى نوحاً - عليه السلام - ومن معه في السفينة، وأبقى السفينة آيةً للعالمين: [فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ]. [وجعلناها آية للعالمين]، أي: وجعلنا تلك السفينة باقية؛ إمّا عينها، كما قال قتادة: إنّها بقيت إلى أوّل الإسلام على جبل الجودي؛ أو نوعها، جعله للناس تذكرة لنِعَمهِ على الخلق. جاء في تفسير السعدي: "أو أن الضمير يعود إلى السفينة وجنسها، وأن أصل صنعتها تعليم من الله لعبده نوح، ثم أبقى الله تعالى صنعتها، وجنسها، بين الناس، ليدلّ ذلك على رحمته بخلقه وعنايته، وكمال قدرته، وبديع صنعته".

وقد ذكر القرآن الكريم في الآية 44 من (سورة هود) بأن السفينة قد رَسَتْ على (جبل الجودي)، والجودي سلسلة جبلية متصلة بجبال طوروس، وأغلب المفسـّرين والمؤرّخين يقولون إن جبل الجودي يقع في شمال العراق، قرب الحدود مع تركيا وسوريا، بمحاذاة مدينة جزيرة ابن عمر (الجزيرة/جَزيرة بوطان حاليًا في محافظة شـرناق التركية، قريبة جدًا من زاخو في العراق).

تذكر المصادر الإسلامية أنّ جزيرة بوطان هي البلدة التي أسّسها النبي نوح على سفح (جبل الجودي)، في ذات الموقع الذي استقرّت فيه سفينته بعد الطوفان، وفيها يوجد قبره.

* الحدث الرابع: آثار فيها آية: (قوم لوط عليه السلام):

[إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ](العنكبوت 34- 35).

[وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ](الذاريات – 37).

* التاريخ: القرن الثامن عشر قبل الميلاد ، لوط - عليه السلام-.

* الجغرافيا: البحر الميت، غور الأردن، قرى (سدوم) و(عمورة).

* المعجزة : مطر بلدة قوم لوط بحجارة من سجيل، وقلب عاليها سافلها.

جاء في تفسير ابن كثير: "جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلّتهم بحيرة منتنة خبيثة". [للذين يخافون العذاب الأليم] ففي ذلك عبرة للمؤمنين.. وذكروا أنها نزلت على أهل البلد، وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينما أحدهم يكون عند الناس يتحدث، إذ جاءه حجرٌ من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمّره، فتتبعهم الحجارةُ من سائر البلاد، حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد".

وفي تفسير القرطبي: "الآية المتروكة نفس القرية الخربة. وقيل: الحجارة المنضودة التي رُجموا بها هي الآية".

وقال الشيخ الشعراوي - رحمه الله - في تفسيره: "فالعبرة باقية بأهل سَدُوم كلّما مرّ الناس بقُراهم. لذلك قال الله عنها آيَةً بَيِّنَةً".

ومن الآيات القرآنية التي ذكرت قرية قوم لوط، التي كانت قريش تأتيها في رحلاتهم، والتي جعل الله عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارةً من سجيل منضود، هي الآية 40 من (سورة الفرقان)، والآية 82 من (سورة هود):

[وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا](سورة الفرقان-40).

[فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ](سورة هود-82).

 شواهد تاريخية وجغرافية:

ذكر القرآن الكريم قصة نبي الله لوط وقومه في العديد من السور، وعرض جوانب متعدّدة من القصّة، منها البعد التاريخي والجغرافي، مع التأكيد على الصفة التي خصّ بها حدث العقوبة الإعجازي لقوم لوط، بأن جعل الله تعالى مدينتهم عاليَها سافلَها، وأمطر عليهم حجارةً من سجّيل منضود. وقد جاء ذكر الزمان والمكان للحدث في أكثر من آية: [وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ](الحجر 76-77)، أي إن آثار دمار قرى قوم لوط تقع بمكان واضح مشهود على طريق سفر أهل مكة إلى الشام.. وقد جاء تأكيد ذلك في الآيات 137-138 من (سورة الصافات): [وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ]، وجاء في تفسير ابن كثير: "وقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات: سدوم، وهي العظمى، وصعبة، وصعوة، وعثرة، ودوما". وفي كل ذلك تثبيتٌ للبعد الجغرافي لهذا الحدث، والتذكير بأنه آية للمؤمنين في قدرة الله تعالى وسننه الفاعلة، وفي الوقت نفسه هو تنبيه بأن يعقل المشركون ما يرونه من عقاب الله تعالى للمكذبين.

- هناك دليلٌ كافٍ للاعتقاد بكون (وادي الأردن) طريقاً مسلوكةً في الاتجاهات كافةً فيما مضـى، ذلك أن سلوك القادم على ناقته من جزيرة العرب إلى بلاد الشام- وادي عربة مروراً بالبحر الميّت، يكون أسهل عليه من صعود مرتفع مدينة العقبة؛ وكذلك فإنه توجد نتائج لأبحاث حديثة تدعم هذا الاعتقاد أكثر وترسيِّه، حيث تثبت وجود طرق وممرات على طول امتداد الشاطئ الشـرقي للبحر الميّت، فقد كان أهل الجزيرة العربية يسلكون إلى بلاد الشام طريق الشاطئ الشرقي للبحر الميّت عبر وادي الأردن.

كان لوط ممَّن آمن بدعوة عَمّهِ إبراهيم -عليه السّلام-، وهاجر معهُ من العراق إلى الشام، ثُمّ رجع إلى سدوم، وتزوّج منهم، فأرسله الله -تعالى- إليهم، وإلى ما حولها من القُرى، فآمن معهُ ابنتاه، وكفرت به زوجته، وكانت تنقُل لقومها أخباره وما يأتي عليه من ضيوف، فهلكت مع قومها بالعذاب، فانحصـر الإيمان في بيت لوط -عليه السّلام-، وأنجاه الله ومن آمن معه.

معلومات تاريخية وآثارية:

- كثير من المفسـرين والباحثين يربطون موقع العذاب بالمنطقة الجنوبية من البحر الميّت (قرب غور الصافي بالأردن). المنطقة هناك منخفضة جدًا عن سطح البحر، وتُعرف بانها أخفض نقطة على وجه الأرض.

- توجد رواسب كبريتية وحجارة سوداء يُقال إنها من بقايا "الحجارة المسومة" التي ذُكرت في القرآن.

- بعض المواقع الأثرية المكتشفة جنوب البحر الميت، مثل باب الذراع و النميرة، يرى بعض الباحثين أنها مدن تعود إلى زمن لوط.

- وجدت بقايا آثار وحُفَر في مناطق جنوب البحر الميّت وشرقه، تُعطي دلائلَ على مدنٍ ٍمدفونةٍ أو مدمرةٍ من العصـر البرونزي؛ لذلك ارتباطها بالقصة القرآنية وارد تاريخياً وجغرافياً.

- هلاك قوم لوط كان في القرن الثامن عشـر قبل الميلاد، ويُقال إن حياة نبيِّهم كانت ما بين 1861-1686 ق.م.

- ويُعتقد بأن البحر الميّت حدث من الزلزال الذي جعل عاليها سافلها، وصارت أخفض من مستوى سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وأنه تمّ اكتشاف آثار مدن قوم لوط على حافة البحر الميّت.

الحدث الخامس :.آثار مساكن: (عاد و ثمود):

• التاريخ: نبي الله هود، بين 3000-2000 ق.م/ نبي الله صالح، بين 2000-1000 ق.م.

• الجغرافيا: عاد سكنوا الأحقاف، قريباً من حضرموت من بلاد اليمن.

ثمود: سكنوا الحِجر، قريباً من وادي القرى.

• المعجزة: إهلاك قوم عاد بالطاغية، وإهلاك قوم ثمود بريحٍ صرصرٍ عاتية.

[وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ](العنكبوت- 38).

لقد ذكر الله تعالى في قرآنه الكريم قوم عاد (ونبيُّهم: هود)، وقوم ثمود (ونبيُّهم: صالح) في كثير من السور، وقد تم ذكرهم جمعاً أو إفراداً في كثير من الآيات البيّنات، وأشار ت إلى وجودهم الزمني بعد زمن نوح عليه السلام مباشرةً، حيث جاءت عادُ أولاَ، ثم بعدها ثمود، كما أشارت الآيات إلى وجودهم المكاني في (الأحقاف) و(الحجر)، وكما سيأتي ذكرُه.

وقد ذكر القرآن آثار دمار عاد، وآثار ثمود، في خطابه للعرب المشـركين خاصةً، بأنهم قد تبيّن لهم هذه الآثار، فهم يعرفونها ويمرون عليها. جاء في تفسير ابن كثير: "عاد قوم هود كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قريبة من حضـرموت بلاد اليمن. وثمود قوم صالح، وكانوا يسكنون الحجر قريباً من وادي القرى. وكانت العرب تعرف مساكنهم جيداً، وتمر عليها كثيراً".

إن تسمية سورتين في القرآن بالإسماء الصـريحة (الأحقاف) و(الحجر) لمساكن أقوام، وارتباطهما بالبعد المكاني والبعد الزماني، وما ذكره القرآن من تفاصيل حياة هذه الأقوام، وحضارتها، وتفاصيلِ إهلاكهما، له دلالةُ واضحةٌ على أهمية الأحداث الكبيرة الخاصة بقوم عاد وقوم ثمود، والتي تستدعي الوقوف عندها بالبحث والشرح والتحليل والعبرة.

- الأحقاف: عاد الأولى، قوم هود -عليه السلام-

أشارت الآية 21 من (سورة الأحقاف) إلى الوجود المكاني، وهو موقع سكن قوم هود: [وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ].

الأحقاف جمع حِقْف، وهو الكثيب المعوج من الرمل. (المعجم الوسيط، ومعجم المغني، وتفسير ابن عاشور). (صورة للأحقاف في جنوب صحراء الربع الخالي)

وجاء في تفسير الماوردي في تعريف الأحقاف: "الأحقاف جمع حِقْف، وهي ما استطال واعوج من الرمل العظيم، ولا يبلغ أن يكون جبلاً". وقد كان وادي حضرموت قديماً وحديثاً يسمى بوادي الأحقاف، وقد كان معروفاً في عهد الجاهلية وما قبله، ثم في العهود الإسلامية (الحامد، صالح بن علي 1423 هـ. تاريخ حضـرموت ، صنعاء، اليمن: مكتبة الإرشاد. ج 1).

قال ابن إسحاق: هي ما بين عمان وحضرموت. وقال ابن عباس: هو واد بين عمان ومهرة. وحالياً تطلق منطقة الأحقاف على الأجزاء الشـرقية من حضـرموت اليمنية، ومحافظتي المهرة وظفار العمانيتين.

وقد وصف القرآن الكريم عاد بقوله تعالى: [إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ](الفجر)، يشير هذا الوصف إلى أنها بلد بلغت من التقدم والقوة بحيث أصبحت لا مثيل لها في زمانها.

جاء في تفسير القرطبي: "يعني: مثل عاد، والهاء عائدة على عاد، وجائز أن تكون عائدة على إرم، لما قد بيّنا من قبل أنها قبيلة. وإنما عُنِيَ بقوله: لم يُخْلق مثلها في العِظَم والبطش والأيد". ويذكر القرآن وجودهم الزماني ويؤكد على أن زمنهم كان بعد نوح عليه السلام، وقد أنعم الله عليهم بأن جعلهم خلفاء من بعده، وزادهم في الخَلق بسطةً في القوة والطول:

[وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ](الأعراف‏:‏ 69).

وذكرت الآيات 132-134 من (سورة الشعراء) تفاصيل أكثر فيما أمدّهم الله تعالى من أسباب الحضارة حيث القوة الجسدية والمادية من الثروات الزراعية والأنعام، والثروة البشـرية من البنين، والثروات المائية من الجنات والعيون: [وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ]. ولكن قوم عادٍ طغوا، واستكبروا في الأرض، حتى قالوا: [مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً]، فأجابهم الله تعالى: [أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً]، وأراهم الله قدرته فأهلكهم [‏بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ‏](‏سورة الحاقة 6-8)‏.‏ وهكذا كان هلاك عاد بريحٍ صرصرٍ (الشديدة العصوف في برد) عاتية، استمرت سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حسوماً، أي (متتابعة لا تنقطع).

كثير من المصادر التاريخية والآثارية تكلّمت عن اكتشافات في آثار إرم ذات العماد، ذكرت أن مدينة (إرم) أو «عُبار» قد تعرضت إلى عاصفة رملية عنيفة (ريحٍ صرصرٍ عاتية)، أدت إلى غمر المدينة بطبقات من الرمال وصلت سماكتها إلى حوالي 12 متراً، كما يُعتقد أن إرم ذات العماد مدفونة في موقع (أعمدة الرجاجيل).

من المصادر العلمية في هذا المجال هو ما يتمّ نشـره من بحوث ومقالات في الموقع الإلكتروني: (موقع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة)، ومنها المقال الموسوم: (الأحقاف مساكن قوم عاد)، للدكتور منصور أبو شريعة العبادي / جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وقد تمّ توثيق المعلومات بالصور من (كوكل ايرث). جاء في هذا المصدر /بداية الاقتباس: "وإذا ما اعتمدنا على أن معنى الأحقاف هو ما استطال وأعوج من الجبال الرملية، كما عرَّفها الماوردي في تفسيره، فإن منطقة الأحقاف لا يمكن أن تكون إلّا في الجزء الجنوبي من الربع الخالي، وذلك لخلو بقية شبه الجزيرة العربية والشام والعراق، وكذلك مصـر، من مثل هذه الجبال الرملية المستطيلة والمعوجة. وتشكل منطقة الأحقاف جزءًا كبيراً من الربع الخالي، وهي كامل الجزء الجنوبي منه، وتمتد من الغرب إلى الشـرق على شكل شريط بطول يزيد عن ألف ومائتي كيلومتر، وبعرض يتراوح بين خمسين وثلاثمئة كيلومتر. وتقع بداية جبال الأحقاف الرملية من جهة الغرب في داخل اليمن، على بعد مئة وخمسين كيلومتر شرق مدينة صنعاء. أما نهايتها، فتقع من جهة الشـرق في الإمارات العربية على بعد مئة كيلومتر من مدينة العين على الخليج، وذلك عند واحة (لوا )، كما هو واضح في الصورة التالية، والتي تظهر فيها منطقة الأحقاف باللون البني، كما وردت في (جوجل إيرث). (منطقة الأحقاف كما مؤشرة - غوغل ايرث)

لقد حدد القرآن الكريم أن قوم عاد كانوا يعتمدون على مياه العيون المنتشـرة بين كثبان الأحقاف، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: [وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ](الشعراء 132- 134). ومن غير المستغرب أن تتفجر هذه العيون من بين رمال هذه الصحراء القاحلة، إذا ما علمنا أن كميات هائلة من مياه الأمطار التي تسقط على مرتفعات اليمن وعمان، المحاذية للأحقاف من الجهتين الغربية والجنوبية، تصبّ في رمال الأحقاف. إن مياه الأمطار الموسمية التي تسقط على سلسلة جبال حضرموت وعمان، والتي يبلغ طولها أكثر من ستمئة كيلومتر، وبعرض يزيد عن مئتي كيلومتر، تصل في النهاية إلى رمال الأحقاف من خلال عدد كبير من الأودية. وبما أن مستوى مياه العيون التي يتم حفرها فيما بين الكثبان يتأثر تأثّراً مباشراً بكميات الأمطار التي تهطل على سفوح الجبال، فإن قوم عاد كانوا يستبشـرون خيراً عندما تنزل الأمطار على أوديتهم، مصداقاً لقوله تعالى: [فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ](الأحقاف-24). وتنتهي بمئة متر، ولذلك فإنّ المياه الجوفية تتجمّع بشكل كبير تحت رمال الصحراء، وتسير ببطء باتجاه واحة ليوا الإماراتية.

إن المياه التي تصبّ في رمال الأحقاف، الممتدة من اليمن غرباً إلى الحدود اليمنية العمانية بطول سبعمئة كيلومتر، لا تكاد تستقر فيها، بل تجري باتجاه الشـرق، بسبب ميلانها الكبير، فهي تبدأ بارتفاع ألف ومئة متر، وتنتهي بارتفاع مئتين وخمسين متراً. أما الجزء الذي يمتدّ من الحدود اليمنية العمانية إلى نهايتها في الإمارات، مروراً بالسعودية، بطول خمسمئة كيلومتر، فإن ميلانها منخفض جداً، حيث تبدأ بمئتين وخمسين متراً،

ومن الواضح من الصورة التالية أن المكان الأكثر احتمالاً لمساكن قوم عاد هي الأحقاف الموجودة في المنطقة العمانية، وذلك لأسباب كثيرة، أوّلها أن هذه المنطقة تغذّى بالمياه من واديين عظيمين، تمتد تفرعاتها النهائية على مدى مائتي كيلومتر من جبال حضـرموت وعمان"/انتهى الاقتباس.

مدينة إرم ذات العماد: تقع مدينة إرم ذات العماد في منطقة جزيرة العرب بين اليمن وعمان، وسبب تسمية المدينة بالأحقاف يعود إلى معنى الرمال في الصحراء، فقد كان مكان إقامة قوم عاد في صحراء ظفار التي تبعد عن الجهة الشمالية من مدينة (صلالة) حوالي خمسين كيلومتراً، وحوالي ثمانين كيلومتراً من مدينة (ثمريت).

في بداية عام 1990 امتلأت الجرائد العالمية الكبرى بتقارير صحفية تعلن عن: «اكتشاف مدينة عربية خرافية أسطورية مفقودة», «اكتشاف مدينة عربية أسطورية»، «أسطورة الرمال (عبار)», والأمر الذي جعل ذلك الاكتشاف مثيراً للاهتمام هو الإشارة إلى تلك المدينة في القرآن الكريم. ومنذ ذلك الحين، فإن العديد من الناس؛ الذين كانوا يعتقدون أن «عاداً» التي روى عنها القرآن الكريم لا يمكن اكتشاف مكانها، لم يستطيعوا إخفاء دهشتهم أمام ذلك الاكتشاف، فاكتشاف تلك المدينة - التي لم تُذكر إلّا على ألسنة البدو - قد أثار اهتماماً وفضولاً كبيرين. كل الروايات في الغالب تشير إلى أن «عاد» هي أحد الشّعوب العربيّة البائدة التي سكنت في المنطقة الممتدة ما بين اليمن وعُمان.

- الحجر: ثمود قوم صالح - عليه السلام:

(خارطة ظهر فيها مواقع الحجر والمدينة المنورة وتبوك)

وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم في الحجر مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، من البتراء الواقعة في الأردن.. وقد مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قراهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى (تبوك) سنة تسع .وقد سمّى القرآن ثمود بأصحاب الحجر، وكما موضح ٌ في الخارطة حيث موقع الحجر بين موقع المدينة وموقع تبوك، والمُؤشّر كلٌ منها بالسهم الأسود.. جاء في (موقع مكتبة الملك عبدالعزيز العامة): تقع مدائن صالح على بعد 22 كم شمال شرق مدينة العلا، و400 كم شمال غرب المدينة المنورة، و500 كم إلى الجنوب الشـرقي من البتراء، الواقعة في الأردن.. لقد ثبت لدى الباحثين أن الأنباط هم أوّل من استوطن الِحجر (مدائن صالح)، وقاموا بتعميرها. ويرى الباحثون أن أصل الأنباط من الجزيرة العربية، وأرضهم أغلبها صخرية.. وتعدّ مدائن صالح أحد أهم المواقع الأثرية التي تمتلكها الُعلا خاصة، والمملكة العربية السعودية عامة؛ وهو من المواقع الفريدة أثرياً، وقد أكسبته البيئة المحيطة به مهابة التاريخ وعظمة الماضي، بتكويناته المعمارية العجيبة.. كما جاء في (موقع القيس): فيها مئات الجبال المنفصلة عن بعضها بشكل هندسي رائع، حتى ليخيل إليك أنك تسير بين شوارع من جبال؛ بعضها أحمر، وبعضها رمادي، وغرابيب سود، وكل جبل من هذه الجبال منحوت نحتاً فنياً رائعاً، بحيث إن كل جبل يعدّ سكن عائلة مستقلة عن الأخرى، ثم ترى عند مدخل الجبل دهليزاً مفرغاً بالأيدي الجبارة الناحتة، وسلّماً من الصخر، كالمصعد، تصعد به إلى بعض المجالس الجبلية الجميلة، وبعض المصاعد يوصلك إلى غرف واسعة، وأمامها عرضة لها مقدمة جبلية، فيها نحت كالشباك، تطلّ منه نوافذ صغيرة، ويدخل من هذه النوافذ نور الشمس والريح، حتى إن الهواء إذا انطلق بشدّة في جوف هذه الجبال خلته أصواتاً غريبة. وتزيّن الأبواب والنوافذ معظم الجبال، سواء منها النصفية أو الأثلاث؛ وعليها نقوش قديمة الحفر، وبعض الكتابة الثمودية، وهي توحي باسم صاحب الجبل المنحوت، وتاريخ نحته، وأفراد أسرته.

[وَإلىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ](هود 61).

واضحٌ من هذه الآية دعوة نبي الله صالحاً قومه إلى التوحيد، مُذكّراً إيّاهم بأن الله تعالى هو الذي أنشأهم من هذه الأرض، واستعمرهم فيها، أي: جعلهم عمّارها وسكّانها، وفي هذا التعبير إشارةٌ إلى أن الله تعالى قد وهبهم أسباب الحضارة في الأرض، حيث يبنون القصور في السهول، وينحتون بيوتهم في الجبال.. وفي الآية 74 من (سورة الأعراف) قال لهم نبيهم صالح أن يذكروا آلاء الله عليهم، ولا يعثوا في الأرض مفسدين، بعد أن جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد، ومكّنهم في الأرض، أي مكّن لهم فيها وسهّل الأسباب الموصلة إلى ما يريدون ويبتغون، حيث يتخذون من السهول قصوراً، وينحتون من الجبال بيوتاً. وقد أكّد القرآن تذكيرهم بآلاء الله، وأن لا يعثَوا في الأرض مفسدين.. والعبث هو أشد الفساد، وهو السعي للإفساد. وقال قتادة: لا تسيروا في الأرض مفسدين: [وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا، فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ](الأعراف 74).

ومع كل هذا وذاك، كذّبت ثمود رسولهم صالح - عليه السلام -، وعقروا الناقةَ التي أخرجها الله لهم آية مبصـرةً: [وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا](الإسراء 59)، فأهلكهم الله تعالى بالطاغية. قال قتادة: أي بالصيحة الطاغية، أي: المجاوزة للحد، أي: لحد الصيحات من الهول [فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ](الحاقة-5).

الحدث السادس : نجاة فرعون ببدنه .

 التاريخ: 1213 ق.م. - موسى عليه السلام – فرعون موسى (رمسيس الثاني)/الأسرة التاسعة عشرة. الجغرافيا: مصر – البحر الأحمر.

 المعجزة: انفلاق البحر وغرق فرعون وجنوده، ونجاة فرعون ببدنه.

قال تعالى: [فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ](يونس-9). قد تكون هذه الحادثة الإعجازية هي الفريدة في نوعها، لأنها انفردت بالاحتفاظ بجسد أحد ملوك الفراعنة، أنجاه الله تعالى بعد أن أغرقه وجنوده في البحر الأحمر. وهي تعتبر كذلك واحدة من أيام الله التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل في زمن نبيّهم موسى - عليه السلام-.

حَكمَ مصر عدة سلالات أو أسر من الفراعنة وعلى مدى عدة قرون، وقد أرسل الله تعالى موسى وأخيه هارون -عليهما السلام - إلى بني إسرائيل، الذين سكنوا مصـر بعد أن جاء يعقوب مع بنيه إلى مصـر، بدعوة من ابنه يوسف - عليهما السلام-. وقد أرسل الله موسى في زمن الفرعون رمسيس الثاني (المعروف أيضًا باسم رمسيس الأكبر، والذي يُعدّ واحدًا من أعظم فراعنة مصر في الأسرة التاسعة عشـرة، وحكم مصـر مدةً طويلة امتدت حوالي 66 عامًا - من 1279 إلى 1213 قبل الميلاد تقريبًا). معلوم أن فرعون لم يؤمن بدعوة موسى - عليه السلام -، وبعد أن خرج موسى شرقاً باتجاه البحر الأحمر، للعبور إلى الأرض المقدسة، وأتبعهم فرعون وجنوده لكي يلحقوا بهم، ولما وصل موسى وقومه البحر الأحمر أمره الله تعالى بأن يضـرب بعصاه البحر، فانفلق البحر، ونجا موسى ومن معه وعبروا إلى الجانب الآخر، ولمّا أدرك فرعون الغرق آمن بالله وحده، فقال الله تعالى: [آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ](يونس 91-92). (مومياء الفرعون - رمسيس الثاني- في المتحف القومي بالقاهرة)

وهكذا نجا فرعون ببدنه بإذن الله لكي يكون لمن خلفه آية؛ ووفق مصادر حديثة فإنّ مومياء رمسيس الثاني موجودة الآن ضمن قاعة المومياوات الملكية في المتحف القومي للحضارة المصرية في القاهرة، إلى جانب فراعنة آخرين من الأسرة التاسعة عشـر والعشـرين.. وقد وجد بعض الباحثين (مثل موريس بوكاي) آثارًا على جسده قد تدل على موت مفاجئ في الماء، مع علامات تحلل جزئي في الأنسجة، مما يتفق مع قوله تعالى: [فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً](سورة يونس-92)، وبهذا تكون المومياء المحفوظة متوافقة ومنسجمة مع الحقيقة القرآنية.

تلك كانت ستّةٌ من الأحداث الإعجازية تم استقصاؤها من القرآن الكريم لها ارتباط بالبعد التاريخي أو الجغرافي وفيها تخصيص الاستدامة المشهودة للناس. لا بد لنا من أن نسعى لتوثيق تاريخ وجغرافية ما لم يتم توثيقه زمناً أم موقعاً من هذه الأحداث الإعجازية، فهي أحداث قد خصّها الله لتكون آياتٍ مشهودة للعالمين.

--

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

مواد ذات صلة

تحوّلات الفكر والسلطة الدينية في التشيّع الاثني عشري.. دراسة نقدية في الكتابات الاستشراقية الغربية

تحوّلات الفكر والسلطة الدينية في التشيّع الاثني عشري.. دراسة نقدية في الكتابات الاستشراقية الغربية

يُعدّ تطوّر المرجعية الشيعية من الموضوعات المهمة في دراسة التاريخ الفكري والمؤسسـي للتشيّع الإمامي الاثني عشـري، لما تمثّله من تحوّل تدريجي في مفهوم السلطة الدينية ودورها في المجتمع والدولة. وقد حظي هذا التطوّر باهتمام عدد من المستشـرقين والباحثين الغربيين الذين حاولوا تتبع نشأة سلطة العلماء الشيعة وتطوّرها، منذ عصـر غيبة الإمام الثاني عشـر، مرورًا بتبلور مكانة الفقيه وتوسّع صلاحياته، وصولًا إلى ظهور مؤسسة المرجعية والتقليد (المرجعية) بصورتها الأكثر تنظيمًا خلال القرن التاسع عشـر. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المرجعية لم تظهر دفعة واحدة بصورتها المعاصـرة، وإنما تبلورت تدريجيًا، ولا سيّما منذ أواخر القرن التاسع عشـر، لتصبح مؤسسة دينية ذات شبكات واسعة تتجاوز حدود الدولة، مستندة في جانب من استقلالها إلى الموارد المالية والشبكات العلمية والاجتماعية. وقد اختلف المستشرقون في تفسير هذا التطوّر؛ فمنهم من ركّز على العوامل الفقهية والعقدية المرتبطة بمفهوم النيابة عن الإمام الغائب،

قراءة في المنهج التجديدي والإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني

قراءة في المنهج التجديدي والإصلاحي للعلامة ناصر سبحاني

تمثّل سلسلة الدراسات التي نشـرناها في مجلة (الحوار) الغرّاء قراءة فكرية منهجية في أطروحات العلامة الشهيد ناصر سبحاني التجديدية والإصلاحية. ولم يتوقّف الطرح عند حدود الترجمة والسيرة السطحية، بل تجاوزها إلى تفكيك المشـروع الفكري للأستاذ، عبر مستوياته المعرفية والعقدية والمنهجية والإصلاحية، ممّا يجعلها مدخلاً رئيساً لدراسة مدرسة سبحاني الفكرية.

النبيّ في مهاد الحزن والفرح

النبيّ في مهاد الحزن والفرح

في القراءة الشائعة لسيرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، يُرى الحزن غالبًا على هيئة سلسلة من المصائب: اليتم، والفقر، والتكذيب، والطرد، وعام الحزن، والهجرة، والحرب. لكن إذا لم ننظر إلى هذه الوقائع بوصفها حوادث متفرّقة فحسب، بل قرأناها من داخل القرآن ومنطق التربية النبويّة، انكشف نظام أعمق. ففي هذه القراءة، لا يكون الحزن ظلًا عارضاً على حياة النبيّ، بل طريقاً لصناعة القلب، وتوسيع المسؤولية، وإيصال الرحمة من الباطن إلى التاريخ.

سنن سقوط الدول وانهيار الحضارات في فكر ابن خلدون.. دراسة في ضوء مقدمة ابن خلدون

سنن سقوط الدول وانهيار الحضارات في فكر ابن خلدون.. دراسة في ضوء مقدمة ابن خلدون

يرى ابن خلدون أن انهيار الدول ليس حادثة مفاجئة في الغالب، بل نتيجة لمسارٍ اجتماعي وسياسي واقتصادي وأخلاقي يبدأ بالضعف التدريجي ثم ينتهي بالعجز عن المحافظة على الدولة. وقد بسط ذلك في المقدمة ضمن حديثه عن أطوار الدولة وأسباب فساد العمران واختلال العصبية والترف والظلم.