مرافئ/ المتوقع من الأكاديمي
د. يحيى عمر ريشاوي
لا تعدّ الشهادة العلمية مجرّد وثيقة علمية، بل إنّ من يحامل هذه الشهادة مطالب بالإنصاف، وعدم التعميم أو إطلاق الأحكام المسبقة على الأشخاص والجماعات والمؤسسات.
ومن أبرز الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الأكاديمي التواضع، مهما علا منصبه الأكاديمي والعلمي، أو اعتلى منصباً إداريّاً، أو ذاع صيته وشهرته بين الناس.. والمجتمع ينتظر منه أن يتعامل مع طلبته بروح إنسانيّة، وأن يكون ديدنه التشجيع لا التثبيط، التحفيز لا التعتيم.
كما من المتوقع أن يكون الأكاديمي ناقداً لا تابعاَ، متابعاً لا مستلماً، يتحرّى الصدق فيما ينشـر، وفيما يكتب أو يقول.. وأن يتحرّى الدقّة في اختيار ألفاظه، ويبتعد عن التجريح واتّهام الآخرين، فهو صاحب رسالة أخلاقية قبل أن يكون باحثاً وأكاديمياً.. ومن الغريب أن ينأى الأكاديمي بنفسه بعيداً عن مشاكل مجتمعه، ومعاناة شعبه، فالمتوقع منه أن يدافع عن المظلومين، وألّا يكون بوقاً للظالمين.
كما أن الناس تتوقع من الأكاديمي ألّا يكون أسيراً لما تعلّم، تتوقع منه أن يجدّد ما نهل، وأن يكون باحثاً في ثنايا الكتب، لا مجرد قارئ فقط.. فالأكاديمي متوقّع منه أن: يسأل، يستفسر، ينتقد، يحاور، يناظر، يشكّ.. متوقّع منه أيضاً ألّا يستسلم، لاينحاز، ولا يتملّق.
الشخصية الأكاديمية شخصية موسوعية ومتخصصة في آن واحد، موسوعيٌّ في درايته بأبجديّات معظم العلوم، ومتخصّص في مجاله إلى أبعد الحدود.
الأكاديمي يعترف بالخطأ حين يخطئ، ويراجع نفسه حين يُنتقد، ويتعلّم من غيره حتى لو تشيب أو تخرّجت على يديه أجيال وأجيال.. والمتوقع من الأكاديمي أن ينصح لا أن يجرح، وأن يذكّر لا أن يلقّن، وأن يبشـّر لا أن ينفّر.. والأكاديمي مهتم بمظهره، أنيق في ملبسه، مراعٍ لقواعد الذوق والأتكيت، مع ذلك فهو بسيط، مرن، سهل في تعامله مع الآخرين.
مع هذا وذاك، يبقي الأكاديمي إنساناً يُتوقّع منه أيضاً أن: يخطئ، وأن ينسـى، وأن ينفعل، وأن يجهل، وأن.. وأن.. وأن..، ولكن يظل المجتمع يتوقّع منه كل حسن، وكل جميل، وهنا تكمن عظمة المسؤولية وثقل الأمانة التي يحملها.
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون