منهج التمحيص والوعي في قراءة التاريخ والزعامات
هاوين أنور عبد الله - بنت الكورد
في عالمٍ تتلاطم فيه أمواج الدعاية السياسية والتضليل الإعلامي، يصبح التمحيص والوعي أمرًا ضروريًا عند قراءة التاريخ والحكم على الزعامات. فما أكثر ما سُطِّر من أكاذيب وتزييف، وما أكثر الشخصيات التي تم تصويرها كأبطال، بينما تثبت الحقائق أنهم لم يكونوا سوى طغاة ومستبدين أهلكوا أوطانهم وشعوبهم.
في الإسلام، نجد علم الجرح والتعديل الذي أرسى منهجًا علميًا دقيقًا في نقد الروايات، فكان لا يُقبل حديثٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلّا بعد التحقّق من عدالة الراوي وأمانته. وهذا المنهج، وإن كان وُضع لضبط نقل الحديث، فإنه صالح ليكون ميزانًا نزن به كل ما يُروى من أخبار، سواء عن الماضي أو الحاضر.
قال الله تعالى :[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ](الحجرات: 6).
وذلك، لأن نشـر الأخبار دون تدقيق، ودون إرجاعها إلى أهل التخصّص والملمّين بالحدث، ممّن هم أعلم بحقيقة الأمر، قد يؤدّي إلى الفوضى والفتن.. كما في قوله تعالى: [وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِۦ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ](النساء: 83).
إنّ التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو انعكاس لصـراعات القوى والمصالح، حيث تعمل الأنظمة المختلفة على إعادة تشكيل الروايات بما يخدم أجنداتها. ولهذا، لا بدّ من قراءة التاريخ بعين نافذة ناقدة، والبحث في تعدد المصادر، والتمييز بين الحقيقة والدعاية.
لقد رأينا كيف يُعاد تشكيل صورة الزعامات وفقًا لمن يكتب التاريخ، وكيف تتحوّل بعض الشخصيات إلى “رموز وطنية” رغم سجلها الحافل بالجرائم والانتهاكات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك؛ الرئيس العراقي صدام حسين، الذي يسعى البعض لتقديمه كزعيم قومي، بينما تثبت الحقائق والتقارير الدولية تورّطه في جرائم إبادة جماعية بحقّ العراقيين جميعًا، ومن بينهم السنة والشيعة والأكراد.
هل صدام حسين: زعيم، أم مستبد؟
عندما ننظر إلى سجل حكم صدام حسين، نجد أنه مليء بالكوارث السياسية والعسكرية والإنسانية، ممّا يجعله أحد أكثر الحكّام ديكتاتورية في العصـر الحديث. ولعل من أبرز الجرائم التي ارتكبها نظامه:
1 - التنازل عن السيادة الوطنية:
•كان صدام حسين أوّل رئيس عراقي يتنازل عن شطّ العرب لصالح إيران في اتفاقية الجزائر 1975، والتي كانت بمثابة إذلال للعراق، وتقليص لسيادته المائية.
•كما تنازل عن أراضٍ لكل من تركيا والسعودية والأردن، ممّا أدّى إلى محو مناطق كاملة من خارطة العراق، مثل منطقة الحياد، وطريبيل، وما وراء جبل قنديل.
2 - حروب عبثية دمّرت العراق:
•دخل صدام حسين في حربٍ مدمّرة مع إيران (1980-1988)، تحت ذريعة استعادة أراضٍ كان قد تنازل عنها سابقًا في اتفاقية الجزائر، ما أسفر عن مقتل مليون عراقي، وتدمير الاقتصاد العراقي بالكامل.
•احتل الكويت عام 1990، ممّا جلب على العراق كارثة عسكرية واقتصادية، حيث تعرّض الجيش العراقي لهزيمة مذلّة أمام تحالفٍ دولي، وأدّت العقوبات الاقتصادية اللاحقة إلى معاناة الشعب العراقي لسنوات طويلة.
3 - حملات القمع، والتصفية السياسية:
•أَعدمَ صدام العديد من رفاقه في حزب البعث، مثل: شفيق الكمالي، وعبد الخالق السامرائي، وحردان التكريتي، وأقام نظامًا بوليسيًا يُعدم فيه المعارضون لمجرد الشك في ولائهم.
•قمع انتفاضة 1991 في الجنوب وكوردستان باستخدام القوّة المفرطة، ممّا أدى إلى مقتل عشرات الآلاف، وتهجير مئات الآلاف إلى الحدود الإيرانية والتركية.
4 - جرائم الإبادة الجماعية:
•حملة الأنفال (1988): والتي قتل خلالها ما بين 50,000 و100,000 مواطن كوردي من النساء والرجال والأطفال والشيوخ، وتمّ تدمير آلاف القرى، ودفن السكان في مقابر جماعية.
•مجزرة حلبجة (1988): قصف المدينة بالأسلحة الكيميائية، مما أسفر عن مقتل 5000 شخص معظمهم نساء وأطفال.
5 - التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي:
•قام بتهجير الأكراد من مناطقهم، ومنح أراضيهم للعرب الموالين لـه، في محاولة لتغيير التركيبة السكانية، خاصة في كركوك والمناطق الشمالية.
6 - أبشع أساليب القمع والتعذيب:
•استخدام أساليب وحشية في الإعدام، مثل دفن الأحياء، والتفجير، وقطع الألسنة، وبتر الأذان، لمن يخالفون أوامر النظام.
•كان ابناه (عدي، وقصـي) يمارسان التعذيب شخصيًا، إضافة إلى اغتصاب النساء، وقتل المعارضين بطرق بشعة.
7 - انهيار العراق في نهاية حكمه:
•بدأ حكمه بحرب ضد إيران، وأنهاه بهزيمة.. بدأ حكمه بحرب ضد إيران، وأنهاه بهزيمة مذلـّة أمام القوات الأمريكية عام 2003، حيث هرب من بغداد تاركًا العراق في دمار كامل، حتّى تمّ القبض عليه.
•خلّف العراق وراءه 400 مليار دولار ديونًا، واقتصادًا منهارًا، ومجتمعًا ممزقًا نتيجة حروبه وسياساته الطائشة.
حقيقة “القائد الضـرورة” التي صدّعت رؤوسنا من كثرة ترديدها، على الرغم من هذا السجل الحافل بالجرائم، نجد من يمجّد صدام حسين، ويصوّره على أنه زعيم عظيم. ولكن الحقيقة أن من يمجّدون الطغاة إمّا أنهم مستفيدون من حكمهم، أو أنهم يجهلون الحقائق، أو تأثّروا بالدعاية التي تسعى لإعادة تلميع صورتهم.
إن صدام حسين لم يكن قائداً وطنياً، بل كان دكتاتورًا دمّر العراق، وأهلك شعبه، وسلّمه للعدو.. بدأ حكمه بالحروب وأنهاه بالهزيمة، ولم يحقّق أيّ انتصار، بل كان مجرّد صانع للأزمات والكوارث.
حروبه كلّها لم تكن إلا خدمةً لأسياده. حارب إيران لا بدافع حماية “السنّة” كما زعم بعض المبهورين، بل خوفًا من تمدّدها، وبأوامر صهيونية أمريكية. حارب الكويت ظلمًا وعدوانًا، فحصد ملايين الضحايا بين قتيل وجائع ومهجّر. أما “ضربه لإسرائيل”، فكان مسـرحية هزيلة، لم تزد عن كونها صواريخ دعائية للتعمية على ولائه الحقيقي للغرب. وعندما حانت ساعة الحقيقة، سقط سقوط الجبناء: جيش يوصف بخامس أقوى جيوش العالم تلاشى أمام الأمريكان في أيام معدودة، وهو نفسه اختبأ كجرذ في بالوعة، يستجدي الحياة، قبل أن يلقى نهايته على أيدي من استخدموه ثم تخلّوا عنه، كما يفعل الاستعمار دائمًا بعملائه.
إن التمحيص والوعي عند قراءة التاريخ ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة لحماية الذاكرة الجماعية من التزييف. فلا بد أن نستخدم المنهج النقدي، ونبحث في المصادر الموثوقة، ونرفض الأكاذيب الدعائية التي تسعى لتبييض صفحة الطغاة.
إن جرائم صدام حسين ليست وجهة نظر أتصوّرها أنا، ومن مثلي، بل هي حقائق موثّقة في التقارير الدولية، وشهادات الناجين، والوثائق التاريخية. لذا، فإن مسؤوليتنا أن نكون منصفين للضحايا، وأن نكشف الحقيقة كما هي، دون تزييف أو تبرير. فالتاريخ يُكتب بأقلام المنتصرين، لكن الحقيقة لا تموت إلّا إذا سمحنا لها أن تُدفن تحت ركام الأكاذيب.
والأهمّ من كل ذلك - في نظري - أن لا يبقى أبناء الأمّة العربية والإسلامية خاضعين للإعلام، مذعنين لزعامـاتٍ صنعها لهم الأعداء كأصنام تُعبد من دون الله، فتُقدَّس رغم ظلمها، وتُبرَّر جرائمها، وتُعاد صناعتها مرةً بعد أخرى لقيادة الأمة نحو الهلاك الدائم!
ملاحظة مهمة:
لا يدفعني إلى هذا النوع من الكتابة تعصّبٌ لجنس أو قومية، ولا تحيزٌ أعمى يشوّه الحقيقة، أو يطمسها؛ تشفيًا أو نكايةً بأحد. فالحقيقة لا تُقرأ بمنظار الجاهلية البغيضة، ولا يُحكم عليها وفق الأهواء، بل تُطلب بالبحث والتمحيص والتجرد من كل ما يشوّش إدراكها. إنّ ما أكتب محاولة متعبة، أسعى بها إلى المساهمة في إحياء وعي الأمة، ودعوتها إلى التحرّر من الاستكانة لفوضى المعلومات التي تعصف بعصـرنا، فتجعل الحقّ باطلًا، والباطل حقًا، وتقلب الصادق كاذبًا، والكاذب صادقًا.
إنها فتنة كبرى، تعصف بهذا العصـر الموبوء بالصـراعات السياسية الدامية، وهي إحدى أمارات الساعة التي نشهدها رأي العين، ومع ذلك يصـرّ الكثيرون على إغلاق بصائرهم عنها، ويأبون تنقية عقولهم من الأباطيل والفساد والعبث المشين الذي يحاصـر عقيدتنا السوية. وما أكتبه هنا ليس إلا دعوة للمراجعة، وتمحيص التاريخ والزعامات، حتى لا نكون ضحايا التزييف والتضليل، فنعبد أصنامًا صنعها لنا الأعداء، وننحني لمن لا يستحق منّا إلّا المحاسبة والمساءلة، ثم الاعتراف بما فينا من قصورٍ في فهم الأمور، وبما قصـّرنا فيه من مجاهدةٍ في التبصّر بالحقّ والتفقّه فيه.
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون