الإصلاح، التغيير، التجديد... مواطن الخلل والعلاج
يونس فيصل كينجو الجرجري
1))
أودُّ أنْ أشير إلى بعض مواطن الخلل عند المسلمين اليوم؛ في النفس، وفي العقل، وفي القلب.
فأزمة المسلمين في هذا العصـر ليست أزمة نقصٍ في الدِّين ذاته، وإنما هي - في جانبٍ كبير منها - أزمة فكرٍ ومنهج، وأزمة فهمٍ للدِّين، وكيفيّة التّعامل مع نصُوصه، واستيعاب مقاصدها، وتنزيلها على واقع الحياة تنزيلاً صحيحاً (أي: أزمة في فقه التديُّن).
فنحن نعاني خللًا في فهم النصوص القرآنيّة، وإدراك مقاصدها، كما نعاني ضعفاً في فهم نصوص السنة النبوية، وكذلك نعاني قصوراً في قراءة السيرة النبويّة قراءةً واعيةً تربط بين النصِّ والواقع، وتربط بين المبدأ والظّرف الّذي نزل أو وقع فيه.
فنحن اليوم ليست لدينا إشكالية في فقه الدين؛ لأنّنا نؤمن بمصدر الدين، وهو الوحي (القرآن والسنّة)..
ولكن الإشكالية الكبرى تكمُن في فقه التديُّن؛ أي: كيف نسقط الوحي على واقع الحياة، وكيف نفهم النصوص في ضوء الواقع؟ ومتى نطبِّق الآية الفلانية؟ وهل الآية الفلانية مناسبة للواقع، والظرف، والمكان، والزمن؟
وهذه هي القضية الأساسيّة الّتي نحتاج إلى الانتباه إليها.
ونستطيع أنْ نشبه الارتباط ما بين فقه الدِّين وفقه التديُّن، بمثال الطبيب والصيدلي، فالصيدلي يحفظ أسماء الأدوية، ويعرف تركيبها وخصائصها، وهذه هي مهمّته الأساسية.
فالصيدلي لا يمكن أنْ يشخِّص حالة المريض، ولا يقرّر نوع العلاج المناسب لكل حالة، وإنْ كتب العلاج في بعض الحالات، فقد يفشل في حالات كثيرة؛ لأنّ مهمّة الصيدلي هي حفظ الأدوية ومركبّات الأدوية، أمّا الطبيب فهو الّذي يعيّن حالة المريض ويُشخِّصُها، ويعرف ما الّذي يحتاج إليه المريض.
ومن هنا يمكن أنْ نشبّه فقه الدِّين بمعرفة الأدوية وحفظها (عمل الصيدلي).
بينما يشبه فقه التديُّن عمل الطبيب الّذي يعرف كيف ينزل العلاج في موضعه الصّحيح.
وكذلك الأمر في تراثنا الإسلامي، فالمكتبات زاخرة بكتب العلم والمعرفة، قديمها وحديثها، وفي مقدِّمتها القرآن الكريم، وأحاديث رسول الله ﷺ، لكن وجود النصوص وَحْدَها لا يكفي، ما لم يوجد من يفهمها فهماً صحيحاً، ويربطها بواقع الناس وظروفهم، أمّا الاكتفاء بحفظ النصوص، ونقلها دون فقهٍ وبصيرة، فقد يُؤدِّي إلى تنزيل الأحكام في غير مواضعها، ثمّ يُقال بعد ذلك: هذا هو الدِّين، ولا يجوز لأحد أنْ يناقش أو يراجع!
وهنا يظهر موطن الخلل؛ غياب فقه التديُّن لدينا.
ولذلك، علينا أنْ ندرك مشكلتنا، وهي أنّه لا بُدَّ من وجود أشخاص ماهرين (أطباء)، وهم العلماء العاملون الّذين يمتلكون العلم بالنصّ، والفهم للواقع، والقدرة على تنزيل أحكام الدِّين على حياة الناس بتفاصيلها وتعقيداتها.
فالمشكله ليست في عدم وجود العلاج! وإنّما في عدم وجود المعالج! وفي غياب مَنْ يُحسن التّشخيص والعلاج!
(2)
كان فقه الدِّين يسير جنباً إلى جنب فقه التديُّن؛ لأنّ رسول الله كان التطبيق العملي للوحي.
أمّا بعد عصـر الرسالة، فقد بدأت جهود العلماء والمفكرين تنصبّ في وضع آليّات لفهم الوحي (القرآن والسنة)، وتمّ وضع الأصول والقواعد لمعرفة مراد الله تعالى ورسوله؛ أي أصول وقواعد كيفيّة التعامل مع القرآن والسنّة، وكيفيّة إنزالها في واقع الناس اليوميّ، وكيفيّة التعامل مع مستجدّات العصر ومشاكله.
وبدأ الاجتهاد في فقه التديُّن، للوصول به إلى القرآن والسنّة.
ثمّ ظهرت اجتهادات الأئمة الكبار في الفقه: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل. وهي ضوابط وقواعد لجعل السلوك اليوميّ ومستجدّات العصـر (فقه التديُّن)، تسير وَفْق الوحي (القرآن والسنّة) (فقه الدِّين).
ونجد في هذا العصـر تطوراً كبيراً وهائلاً في وضع الآليات والضّوابط والقواعد في فهم القرآن والسنة، مع وضع الضّوابط والقواعد للسّلوك اليوميّ والمستجدّات العصـرية ضمن ضوابط فهم الدِّين، وهذا جهدٌ جبّار، وفهم وإدراك للدِّين؛ لأنّ الدِّين جاء ليقوّم سلوك الناس سياسيّاً، واجتماعيّاً، واقتصاديّاً ضمن إطار الوحي الإلهي، وهو في النهاية لمصلحة الإنسان في الدُّنيا والآخرة.
غير أنّ الأجيالَ اللّاحِقة مالَت إلى التّقليد، والنقل، والحِفْظ للمورُوث أكثر من العِناية بالاجتهاد والنظر والاستنباط، فأصبح ذلك هو الاتِّجاه السَّائِد في كثيرٍ من البيئات العلميّة، مع وجُودِ نماذج عديدة من المُجتهدِين والمجدِّدين.
وهنا بدأ الانفصال ما بين فقه الدِّين وفقه التديُّن، بين تقييم السّلوك اليوميّ ومستجدّات العصـر وَفْق ضوابط الوحي (القرآن والسنة)، وبدلاً من إيجاد الحلول لمستجدّات العصـر ضمن ضوابط الوحي؛ أصبح التقليد ونقل القديم، دون الالتفات إلى مشكلات العصـر وحاجاته، هو السائد، ولم يبق هنا فقهٌ يتعامل على أساسه الإنسان، ليُنظِّم حياته اليوميّة المعاصرة، ومشكلاته، ضمن فهم الدِّين والوحي.
واستمرّتِ المشكلة، مع جهود قليلة لحلّها، ولكن دون جدوى، حتّى أصبح الواقع ومشكلاته أكبر وأوسع من عقول الّذين كانوا يهتمون بفقه الدِّين وحفظه، وبدأ التخلّف عن الواقع والحياة، وانعزل الإسلام كليّاً عن الحياة، إلى أنْ جاءتِ الصَّحوةُ على أيدي رجالِ الأمّةِ، وعلمائها ومُفكِّريها بمختلفِ مدارسهم واتِّجاهاتهم، ليُعيدوا النَّاس إلى فقه الدِّين.
واستجابت الأمّة الإسلاميّة لهذا الخير الكبير والدَّعوة المباركة، وشاع بين النّاس أنّ (الإسلام هو الحل)، باعتباره تعبيراً عن فقه الدِّين والوحي (القرآن والسنّة)،
وأصبح رائجاً في المجتمع أنّ الإسلام صالح لكلِّ زمانٍ ومكان، وأنّه قادرٌ على تقديم الهداية والحلول لمختلف شؤون الحياة، فتجدّدت صلة النّاس بدينهم،
وآمنوا بأنّ الإسلام هو الحل، وأنّ الوحي وفقه الدِّين ينبغي أنْ يكونا حاضرين في توجيه الحياة.
ولكن بقي السُّؤال الأهمّ: أين الآلية؟ أين فقه التديُّن؟
ما هي الضوابط والقواعد الّتي تضبط السّلوك اليوميّ، ومستجدّات العصـر في ضوء الوحي الإلهي؟ كيف نختار النصّ القرآني أو الحديث النبويّ، لننزله على واقع النّاس وقضاياهم المُتجدِّدة؟
مِنْ أين نبدأ؟
هَلْ نبدأ بالحكم والسِّياسة؟ أم بالاجتماع والاقتصاد؟ أم بالعَلاقات والمواثيق الدوليّة؟ إنّ كلّ ذلك يحتاج إلى فقهٍ للتديُّن يُراعي طبيعة الإنسان وحاجاته، ويفهم المجتمع ومتطلباته، ثمّ يضع الضوابط والقواعد المناسبة، مع مراعاة الواقع والظروف المحليّة والدوليّة، وصولاً إلى تنزيل هدي الوحي على الحياة.
إنّ البداية الصّحيحة تكون بفهم الوحي وَفْق قواعدِ علوم القرآن والسنة، وأصول الاستنباط، مع التثبّت من صِحّة الأحاديث سنداً ومتناً، وفهم مقاصدها ودَلالاتها، إلى جانب فهم طبيعة الإنسان والمجتمع، والواقع ومتغيرات العصـر.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مجمعٍ فقهيٍّ للتديُّن، يضمُّ نخبةً من المتخصصِّين في مجالاتٍ متعددة؛ منهم:
• العلماء والمجتهدون في علوم القرآن والسنّة.
• علماء النفس.
• علماء التربية.
• علماء التخطيط والإدارة.
• علماء العلوم السياسية.
• علماء الاقتصاد.
ليتكامل النظر الشـرعي والإنساني والواقعي، ويعاد صياغة العقل المسلم وسلوكه على أسس راسخة؛ من أجل فهم الواقع فهماً صحيحاً، وفهم الوحي ومقاصده فهماً دقيقاً، ثمّ تنزيل هدي الوحي على الواقع تنزيلاً واعياً يُحقِّق مُراد الله، ومصلحة الإنسان.
وما حدث ويحدث من نكباتٍ سابقة في حياة الأمّة؛ من تعطيل الوحي، كان بسبب عدم وضع ضوابط فقه لسلوكِ الإنسان، ليفهم من خلاله الوحي الإلهي، ثمّ لينزله على الواقع، ويمارس حياته اليوميّة وَفْق ضوابط الوحي الإلهي، والمُراد الإلهي، وهو مطمئن مرتاح..
وما يحدث للأمّة الآن من ظهور (القاعدة) و(داعش)، وغيرها، دليلٌ واضِح على ما نقول، ولو كانت هناك ضوابط وقواعد ما تجرّأ أحدٌ أنْ يعلن الخلافة خلال ساعاتٍ وأيّام، ولا تجرّأ على إباحة دماء النّاس وأعراضهم.
ولقد استغلَّ الغرب هذا المفهوم عند المسلمين، وبدأوا يزرعون أناساً لهم ولع بالدِّين وحُبٌّ، مع عدم فهمٍ للواقع، ولا فهمٍ صحيحٍ للوحي، ليكونوا أداةً لقتل المسلمين، واقتتالهم فيما بينهم.
وما (داعش) منّا ببعيد..
وطبعاً هذا شيءٌ بحاجةٍ إلى جهدٍ كبيرٍ، ومؤسَّساتٍ لتقومَ به، ويحتاج إلى تكاتف المؤسَّساتِ الإسلاميّة الكبيرة من أجل بلورة فقةٍ لواقعِ المسلمين الآن..
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون