مجهولون في الأرض معروفون في السماء
بشار ناڤگوندي
بعد فتح نهاوند على يد المسلمين، بقيادة الصّحابي الجليل النعمان بن المقرن - رضي الله عنه -، في عام 21 للهجرة، وصل البشير إلى الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، فسأل الخليفة البشير: ماذا فعل النعمان بن المقرن؟ وكان يحبّه، قال: استشهد يا أمير المؤمنين. فبكى عمر. وقال: من أيضاً؟ قال: فلان، وفلان، وفلان، وذكر عدداً من الصحابة الّذين يعرفهم عمر، والخليفة يبكي على فراق الأحبّة والصّالحين. ثمّ قال: وآخرون من أفناد الناس، ممّن لا يعرفهم أمير المؤمنين. فجعل عمر ينتحب من البكاء، وارتفع صوته، وهو يقول: وما ضرّهم ألّا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشّهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر.
إنّ عقدة الأنا، وحبّ الظهور، والرّغبة في السّيطرة كانت وما تزالُ من الأسبابِ الّتي تبرزُ أسوأ ما في النفسِ البشـريّة في مختلف مجالات الحياة، ولذلك نرى القرآن الكريم يُعالج هذا الجانب من طبيعة الإنسان، إذ خلّد الأفعال أكثر من الأسماء، وربّى النفوس على الإخلاص في العمل، بعيداً عن طلب الشُّهرة، أو السّعي إلى الظهور، إحقاقاً للحقّ وابتغاء وجه الله، لذلك أطلق عليهم [رجال]، فالأبطال المجهولون هم الّذين ينصـرون الحقّ في مواقف حاسمة، حيث ذكر القرآن الكريم نماذج من هؤلاء الأبطال المجهولين الّذين لا يعرفُ أحدٌ أسماءَهم: [وَجَاءَ مِنْ أَقْصـَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ] (يس/20)، جاء في الوقت الّذي كذّب أهل المدينة الرسل واستهزأوا بهم، فكان موقفه مسانداً لهم، فكانت النتيجة المباشرة هو الفوز بالجنة: [قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين] (يس/26-27)، والآخر تدخَّل في الوقت المناسب لإنقاذ حياة نبي الله موسى بعد أنْ تمّ التخطيط لقتله: [وجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَـى الْمَدِينَةِ يسْعَى قَالَ يا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يأْتَمِرُونَ بِك لِيقْتُلُوك فَاخْرُجْ إِنِّى لَك مِنَ النَّاصِحِينَ] (القصص/20)، مَنْ مِنَّا يعرف اسم هذا الرَّجل؟ لكنّه معروف عند الله بموقفه الكبير.
مَنْ مِنَّا يعرفُ اسم المؤمن من آل فرعون الّذي كان يكتم إيمانه؟ أمّا موقفه العظيم أمام فرعون وبطانته، فكان عظيماً خلّده الخالق في قرآن يُتْلى إلى يومِ الدِّين: [وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ] (سورة غافر/28)، إذ دخل في نقاشٍ فكريّ مع أهله وشعبه محاولاً الدفاع عن رسالة موسى - عليه السَّلام - وإقناعهم أنْ يتركوه يدعو بدعوته، حتى لَوْ لم تؤمنوا به فدعوه ولا تمنعوه.
إنّ موقفه يعتبر من المواقف العظيمة الّتي تستحق الذكر، في مجتمع يدّعي قائده الألوهية ويقول أنا ربكم الأعلى، وشعب فاسق مطيع للطاغية، يقوم هذا الرّجل الفريد من نوعه بالدِّفاع عن رجل يدعو إلى عبادة الله الواحد، وترك عبادة الطاغية، الّذي هو بنفسه من أقربائه، فماذا يضرّه إن لم نعرف اسمه؟
إنّ وصول الإنسان إلى المكانة الّتي تؤدِّي إلى تخليد أعماله يتطلّب التغلّب على حظوظ النفس، وتحمّل ما تكرهه هذه النفس.. مثال ذلك ما فعله رجال طالوت الملك؛ تلك القلّة من أفراد جيشه الّذين تمكّنوا من اجتياز الاختبار الّذي ابتلاهم به الله: [فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَـرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة/249).
تلك الثلّة القليلة الّتي اجتازت الاختبار الصّعب، تمكّنوا من هزيمة جيش جالوت القوي، بفضل تغلّبهم على أنفسهم والإيمان الّذي وقر في قلوبهم بأنّ الله ناصرهم على الأعداء.. فالقرآن هنا يُعلِّمنا أنّ مفتاح النجاح هو ترويض النفس على تحمّل ما تكره، والابتعاد عمّا تحبّ عند اللزوم، بذلك يتمّ بناء أمّة قوّية قادرة على عمارة الأرض وبناء مجتمع قوي.
إنّ وجود القادة الأقوياء له أثرٌ كبير في بناء الدول والنهوض بالأمّة، لذلك نرى المصادر التاريخية تركّز دوماً على الرموز والقادة عند الإشارة إلى الأحداث التاريخيّة الفاصلة، لكن ما لا يتمّ التطرّق إليه هو دور الجنود المجهولين الّذين ساهموا في تلك الأحداث، فمَنْ مِنَّا يعرف اسم الجنود الّذين أطلقوا قذائف المنجنيق على سور القدس أثناء محاصرته وفتحه من قبل الجيش الإسلامي عام 1187م بقيادة صلاح الدين الأيوبي؟ ومَنْ يعرفُ أسماء الجنود الّذين كانوا ينقلون الإمدادات إلى هذا الجيش أثناء المعركة؟ ومَنْ يعرفُ أسماء العلماء وأئمة المساجد الّذين دعوا للجيش الإسلامي المحاصر لبيت المقدس؟ لا أحد يعرفهم إلّا أنّهم معروفون عند الله، ودورهم كان حاسماً في الحدث التاريخي المفصلي.
إنّ الأنقياء الأخفياء هم الجنود المجهولون الّذين يعملون ولا يحبّون أنْ يراهم أو يمدحهم النّاس، فالموضوع متعلّق بالنفس البشـريّة، ومدى قدرة الإنسان على التخلّص من حظوظ النفس، والخروج من دائرة الأنا إلى دائرة الجماعة والأمّة، بحيث يصبّ الجهد في مصلحة الجمع، فيتحوّل الأفراد إلى خليّة عمل شبيهة بخليّة النحل، حيث العمل الجماعي المنظّم، وتخطّي المطبّات والأشواك الموجودة في الطريق، وصبّ الجهد في الخلية الرَّئيسة في نهاية النّهار، فتكون النتيجة عسل مختلف ألوانه فيه شفاءٌ للناس والمجتمع والأمّة.
يذخر تاريخنا بنماذِج مُشْـرقة من الجنود المجهولين الّذين تجسّدت التربية الإسلاميّة في نفوسهم وعملهم، منهم صاحب الثقب (أو النقب)، الّذي باتت قصته أنموذجاً حيّاً للإخلاص في العمل، والتضحية بالنفس في سبيل الله، فبينما كان مسلمة بن عبد الملك على رأس جيش للمسلمين يحاصرون قلعة عظيمة للروم، وكانت القلعة استعصت على جيش المسلمين؛ لارتفاع أسوارها، ولإغلاق جميع المنافذ إليها، الأمر الّذي ساعد جنود الروم على الصمود والقتال، فأخذوا يقذفون جيش المسلمين من أعلاها، فازداد تعب جنود المسلمين وإنهاكهم، الأمر الّذي دفع قائد الجيش، الأمير مسلمة، إلى حثّ جُنده على التضحية والإقدام كي يُحْدِث بعضهم في ذلك الحصن ثغرًا أو نقبًا، فتقدّم من وسط الجيش جندي مُلثّم غير معروف، وقذف بنفسه إلى جهة الحصن غير مبالٍ بسهام الأعداء، ولا خائف من الموت، حتّى أحدث فيه نقبًا كان سببًا في سقوط الحصن، ودخول الجيش إليه، ففرح مسلمة بذلك كثيرًا.
بعد المعركة جمع القائد "مسلمة بن عبدالملك" الجيش، ونادى بأعلى صوته: مَنْ أحدث النقب في باب القلعة فليخرج لنُكافئه، فلم يُجبه أحد، فعاد في الغد وأعاد كلامه، ولكن دون رد، وفي اليوم الثالث وقف مسلمة؛ وقال: أقسمتُ على من أحدث النقب أن يأتيني أيّ وقت يشاء من ليل أو نهار، وإني أمرت حاجبي بإدخاله عليَّ حين يأتي، وكان يريد أنْ يخصّه بجزء من الغنائم ويمجّده. وفي المساء دخل الرّجل إلى خيمة مسلمة، فلما صار بين يديه، قال له: إنّ صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثة شروط؛ هي: ألّا تبعثوا باسمه في صحيفة إلى الخليفة، وألّا تسألوه مَنْ هو، وألّا تأمروا له بشـيء. قال مسلمة: فذلك له. فقال الرّجل في استحياء: أنا صاحب النقب! ثم ولّى مسـرعًا.. فكان مسلمة لا يصلّي بعدها صلاة إلّا دعا فيها قائلا: "اللهُمَّ اجعلني مع صاحبِ النقب يومَ القيامة"!
هذه هي الروحيّة المطلوبة لدى المسلم في حياته، أنْ يكون همّه الوحيد هو تقديم الخدمة والعطاء، وكلّ ما لديه في سبيل الله، وخدمة للرِّسالة الّتي خلق من أجلها، متأمّلاً الأجر من الله وَحْدَهُ، بعيداً عن الأضواء والمدح والثناء، والّتي تعدُّ من أخطر الأمور الّتي قد تؤدّي إلى إفساد عمله، وإدخاله في دائرة الأنانيّة وميول النفس، ومن ثَمَّ الوقوع في شراك الرِّياء وفقدان الأجر.. ومن هنا تأتي الأحاديث النبويّة وتعاليم الشـرع الكريم الّتي تؤكد إخلاص النيّة لله في أيِّ عمل، والابتعاد عن كلِّ ما من شأنه التأثير على سلامة الصَّدر والنيّة.
كانت الأمّة عبر القرون المنصـرمة تذخر بهكذا نماذج من الرِّجال المؤمنين الّذين صدقوا الله في أعمالهم وحياتهم، كلّ جيل يورّث الجيل الّذي يليه هذه المعاني الروحيّة المرتبطة بجوهر الإيمان الحي في نفوس المسلمين، ما يدفعهم إلى بذل الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض بإخلاصٍ تام. وعندما بدأت الصّحوة الإسلاميّة في القرن العشـرين، استطاع أبناء الدعوة الإسلامية - إلى حدٍّ كبير - تجسيد هذه المبادئ قي نفوسهم، فبرزت نماذج ربانية مؤثّرة على السّاحة، تمكّنت من إصلاح جزء كبير مِمّا أفسده الآخرون في المجتمع، بحيث يعمل آلاف الجنود المجهولون داخل خليّة الدّعوة إلى الله ليل نهار، ليصل المنتوج إلى الأمّة والمجتمع، والّذي غالباً يكون خالصاً وذا أثرٍ بالغ في نفوس أفراده.. وهذا سرُّ استمرار هذه الدّعوة وأصحابها لعقود طويلة وما زالوا، فالأساس الحقيقي لهذه الدّعوة هم الجنود المجهولون الّذين يحملون على ظهورهم همومها وآلامها، ليصلوا بها إلى الناس بأبهى صورة، بعيداً عن الأضواء، فمَنْ مِنَّا يعرفُ أسماء آلاف الدُّعاة والمُصْلحين الّذين نشـروا الخير والإصلاح في مجتمعاتنا عبر عقود من الزمن، لا أحد يعرفهم.. إلّا أنّ تأثيرهم معروف، وإنتاجهم - بفضل الله وتوفيقه - ملموس، وماذا يضرُّهم إنْ لم نعرفهم؟
هذه الدّعوة هي الّتي أنجبت رجالاً لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله، والجهاد في سبيله في الأرض الّتي بارك الله ما حولها، خير رجال هذه الأمّة، الّذين واجهوا الأعداء بصدورهم، وضحّوا بأنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الله، وتحرير الدِّيار المقدَّسة من دنس الغزاة، هؤلاء الجنود المجهولين فوق الأرض وتحتها ما الوا يُقدِّمون نماذج شبيهة بأنموذج (أبو نقب) وأمثاله في تاريخنا المشـرق، يعلّموننا أنّ عدم معرفتنا لهم لا يضـرّهم ولا يثنيهم عن مواصلة الجهاد والتضحية؛ لأنّه يكفيهم أنّهم معروفون عند الله، وتلك لعمري قمّة الشـرف والرّفعة والمكانة.
[مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضـَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] (الأحزاب/ 23).
المصادر:
1- القرآن الكريم.
2- ابن كثير، عماد الدِّين أبو الفداء إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 1991م.
3- ابن الأثير، علي بن أبي الكرم محمد، الكامل في التاريخ، ت: محمد يوسف الدقاق، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط4، 1407ه-1987م.
4- ابن قتيبة الدينوري، عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1418ه.
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون