الذكاء الاصطناعي والبهجة!
بكر أبو بكر – فلسطين
ممّا لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي يشكّل خلاصة ذكاءات البشـرية في مواضيع مختلفة، خاصة تلك المرتبطة بنمط التفكير الرأسي المنطقي، ولربما يتخذ هذا الذكاء سماتٍ من ذكاءات أخرى؛ مثل الذكاء المكاني، أو الجانبي أو العاطفي، نسـجًا على ما يقلّب من خلاله الشابكة (الانترنت) فيفاجئك بما لم تعلم.
ومما لا شك فيه "أن لكل جديد بهجة" أو لذة. فما بـالك أن تقوم الآلة بكتابة مقالٍ أو قصة أو بحث أو تحليل سياسي، أو تقديم ورقة سياسات، أو تقدير موقف، أو حتى كتابة كتاب كامل مكمّل! (وهذا بعيداً عمّا تمتلكه الآلـة من قدرات تتعلّق بالصور، والمرئيات، والكثير...)… إنها بهجة ما بعدها بهجة!
هذا الذكاء الذي اختزل التفكير أو استبدله بسؤال تُلقيه في وجهه، قد فتح الطريق لمساحات جديدة من العمل تُغنيك عن البحث المضني من جهة، وتغنيك عن تقليب الأمر على أوجهه، عوضًا عن السـرعة والسهولة واليُسر، ما قد يغريك بتعطيل العقل والاعتماد الكلي على الآلة.. وهنا تصبح البهجة نعجة تُذبح!
إنّ للذكاء الاصطناعي - كما لكل جديد - بهجةً، كما قلنا، ولكنه ما بين اليُسـر والسهولة والسلاسة والكتابة الوافرة، هناك المقدرة على التمحيص والتدقيق والتنخيل التي يمتلكها، لكنك أنت أيضاً تمتلكها كما تمتلك القلم، فلا تجلس متفرّجًا على ما يُقدّم لك كأنـّه كتاب مُنزّل، أو رأي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!
ليس في استخدام أيّ آلةٍ بأس، فالبشـرية وآدابها وعلومها تتطوّر، وهذه سنّة الحياة، ولكنك إنْ خلوْتَ من الخلفية الإيمانية والثقافية الفكرية الحضارية التي صنعتك عاقلًا، فميّزتْكَ عن سائر الكائنات، تتحوّل إلى مُستقبِلٍ أبديّ مطواعٍ أمرَ غيرك؛ سواء أكان إنساناً متحكّمًا أو آلة، أو أسيرًا لقوالب جامدة نشأت عليها.
إن الاعتماد الكلّي على عقول الآخرين، أو جائحة عواطفهم، أو قدراتهم التدليسية على التأثير بك، أو على آلة مثل الذكاء الاصطناعي، تحوّل الإنسان -بإرادته- الى سجين، ثمّ إلى مغفّل أو غبيّ شيئًا فشيئًا، هذا إذا لم يكن غبيًا من الأصل!
عرّف ابن الجوزي التغفيل أو الغباء بقوله: "هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب، مع صحة المقصود"، وقال: إن الحماقة أو"الحُمْقَ، فسادٌ في العقل أو الذهن"، وقال: إن "العقل ينمو بالتعلّم والتحصيل والدربة والمِران، كالجارحة التي تكتسب المهارة من دوام العمل".. كذلك من الأمور التي تنمِّي العقل شغله -كما قال ابن الجوزي- "بالتفكّر، والنظر في عواقب الأحوال، والاستدلال بالشاهد على الغائب".
في الغباء غفلةٌ وقلّة فهم، فكيف سيتسنّى لك الفهم إنْ كان اعتمادك "الكلي" على غيرك من أشخاص أو آلات، مثل الذكاء الاصطناعي أو غيره.. وهنا فرّق العلماء بين الغباء والجهل، فالجهل نقصٌ في المعلومات، يمكن علاجه بالتعلّم، أمّا الغباء فهو غياب القدرة (وحديثًا غياب الرغبة والاستسهال، والبلادة) على الفهم واستخدام المعرفة! فما بالك بمن يؤجّر عقله طوعًا لا كرهًا!
ويؤثر عن المؤرخ والفيلسوف "برتراند راسل" قوله: "يولد الشخص جاهلاً وليس غبيّاً، يصبحُ غبيّاً بالتعليم"! والمقصود بنوع التعليم النمطي الذي يقتل الفضول والإبداع بالطبع، فما بالك عندما يصبح "العلم" والمعرفة مرتبطًا بـ"كبسولات الثقافة"، أو "فقاعة المعلومات"، من المقتطفات أو المرئيات (الفديوات)، أو المدونات الصوتية (بودكاست) على الشابكة (انترنت)، أو وفق ما يقوله فقط الذكاء الاصطناعي حيث لا تعليم ولا يحزنون، فسنجد أمامنا فردًا أصيل البلاهة والغباء منعدم الشخصية!
يقول الكاتب الأمريكي "إيرل نايتينجيل": "لا بدّ لكل إنسان أن يولد جاهلاً، وأن يعيش في الجهل لفترة من الزمن. ولكن إن بقي جاهلاً، فذلك ذنبه وحده. إنّ الكفاح ضد الجهل الذي يخوضه كل فرد طوال حياته، يجب أن يكون شأناً فردياً وشخصياً."
وفي الحكمة الصينية: "من يسأل سؤالاً يكون جاهلاً لخمس دقائق، ومن لا يسأل يبقى جاهلاً إلى الأبد".. كلنّا نولـد جاهلين، لكنّ البقاءَ جاهلاً خيارٌ، فبدون نوع من التعليم يظل الإنسان تائهاً.. ويقول الفيلسوف الصيني في الكونفوشية "لي جي": إن "الجوهر (حجر اليشم) لا يصبح تحفة فنية دون صقل، والإنسان لا يبلغ الحكمة دون تعليم واختبار".
حديثًا ظهر في علم النفس الحديث مصطلح "متلازمة الغباء الوظيفي (Functional Stupidity)، ويحدث هذا عندما يتوقّف الأفراد عن التشكيك في الوسائل المتبعة داخل العمل أو الحياة.. وبكلمات أخرى يصف هذا المفهوم حالة يقوم فيها أشخاص أذكياء وذوو كفاءة عالية بإيقاف قدراتهم النقديّة عمداً داخل العمل، والهدف المقصود لدى هؤلاء الموظفين صحيح تماماً، وهو: الحفاظ على عملهم أو وظيفتهم، وتجنّب المشاكل، وتسيير العمل، لكن الوسيلة غبية وهي الامتثال والخضوع الأعمى، وإلغاء التفكير النقدي، وتجاهل الأخطاء الواضحة.
وهنا، ومن كل ما سبق، تبرز أهمية التعلّم المستمر "من المهد إلى اللحد"، كما قالت العرب، وضـرورة القراءة العميقة والكتابة الذاتية، وأهمية الحوارات وخوض التجارب، والاستفادة منها، كما أهمية تشغيلك للآلة الربانية المعجزة (أي العقل) بالتفكّر والتأمّل والتدبّر والنظر والتمحيص، الذي لن يكون موجودًا إذا كان العقل أو الذاكرة لا تحتفظ بشيء.
يقول المولى عز وجل: [وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ] (النحل: 78)، فلماذا جعل هذه الحواس، إنْ لم تُستخدم في النظر والتفكّر والاستخلاف والإعمار للحياة؟!
بمعنى آخر؛ إن الانسان المفكّر المتدبّر القارئ الكاتـب صاحب النظرية، الذي يمتلك مرجعية صلبة وأدوات بحثية صحيحة، والذي ينتقد ويستفيد من تجاربه، سيكون بمقدوره أن يستخدم الآلة أو أي وسيلة أو طريق بثقة وبلا وجل، ويستخدمها بما يفيده بلا عجل، ويستخدم ذلك بتوازن كمساعد شخصـي دون الإخلال بالعمل.
إن الأدوات خارج العقل الإنساني، مهما بعثت البهجة أو يسـّرت الأمر أو زيّنته عظيمًا، تظلّ بنت عقلك أنت -نعم، وعقول غيرك الكثير، صحيح - فلا تتحجّر أو تحطّم عقلك أو تؤجّره لغيرك؛ أكان إنسانًا أم آلة، ولا تستغنِ أبدًا عما وهبك إيّاه الخالق - عز وجلّ - درة ثمينة للاستخدام، فتقعد [ملومًا محسورًا].
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون