أفق التعليم/ ما وراء السبورة (2)

مقالات 🕔 2026/07/06 ✍️ سهام ريكاني
أفق التعليم/ ما وراء السبورة (2)

سهام ريكاني

مدرّب تربوي – دهوك

كان يُنظر إلى الفصل الدراسيّ دائِماً على أنّه مساحةٌ ساكنة، سبورةٌ بيضاء، مقاعِدُ منتظمة، ومعلّم يُلْقي المعلومات على طلبتِه. لكن في الحقيقة، التعليم الحقيقي يبدأ حين نتجاوز حدود هذه الصورة النمطية؛ فما يحدث "وراء السبورة" ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو مختبر حي لصناعة الإنسان وتطوير مهارات الحياة. حيث تُبنى العقول لا مجرد الدفاتر، ويتحوّل الاهتمام من الأدوات الجامدة (كالسبورة) إلى الإنسان النابض بالحياة (الطالب).

الغرفة الصفيّة الّتي تجري فيها عمليّات ذهنية واجتماعية تفوق في أهميتها محتوى الكتاب المدرسي، والمهارات الّتي يكتسبها الطالب أثناء الحوار والعمل الجماعي داخل الصف، تعلّم الطالب كيفية التفاوض، توزيع الأدوار، وإدارة الاختلاف، وهي مهارات لا يمكن تعلّمها من القراءة الفرديّة. والمناقشة هي الأدوات الحقيقية التي سيستخدمها في سوق العمل وفي حياته الخاصّة.

فعندما يتوقّف الطالب ليسأل "لماذا؟" بدلاً من "ماذا؟"، فإنّه يبني مهارة تحليلية تميّزه في عالم يفيض بالمعلومات المضلّلة، وحينئذٍ يحاول الطالب تحويل التمارين الأكاديميّة إلى تحديّاتٍ واقعية، والعمل على تنمية القدرات الفطرية في مواجهة العقبات بمرونة.

لقد ولّى زمن "التلقين".. الدور الحديث للطالب هو أن يكون محرِّكاً أساسيّاً في تطوير العملية التعليميّة، فعندما يشارك الطلاب في تقييم طرق التدريس، أو اقتراح مواضيع للنقاش، تتحوّل البيئة التعليمية من نظام قسـري إلى نظام تشاركي.. ففي التعليم التقليدي، كان المعلم "الناجح" هو من ينهي المقرّرات الدراسية في وقتٍ قياسي، وكأنّ الحصّة سباق مع الزمن والورق.. لكن الحقيقة أنّ تراكم المعلومات ليس تعليماً، وأنّ حشو الأدمغة ببيانات تنتهي صلاحيتها بانتهاء الاختبار، هو "هدرٌ تعليمي".. والصّفحة الواحدة الّتي تُثير نِقاشاً حادّاً، وتدفع الطالب للبحث والتحليل، أثمن من كتاب كامل يُقرأ بآليّةِ الصّمتِ والقبول.

كيف يطوّر الطلاب تعليمهم؟

- التغذية الراجعة (Feedback): ملاحظات الطلاب الصّادقة حول ما يفهمونه، وما يجدون فيه صعوبة، هي البوصلة الّتي تُوجِّه المُعلِّم لتعديل أسلوبه.

- التعلّم بالأقران: عندما يشـرح طالبٌ لزميله، فإنّه لا يُرسِّخ المعلومة فحسب، بل يسهم في بناء بيئة تعليمية لغتها بسيطة وقريبة من مداركهم.

- الأسئلة الارتدادية: عندما يجرؤ الطّالب على قول "أنا لا أتّفق"، أو "لماذا حدث هذا؟"، فهذا الضجيج هو بذرة التفكير النقدي.

إنّ جودة التعليم لا تقاس بعدد الصفحات المنجزة، بَلْ بحجم "الضجيج الإيجابي" داخل الصف.. التفاعل بين المعلّم والطّالب، وبين الطلّاب وأنفسهم، هو ما يحوّل المعلومة الجافّة إلى تَجْرِبة حيّة.. هذا التفاعل يكسـر حاجز الخوف، ويجعل من الخطأ "فرصة للتعلّم" لا سبباً للإحراج.. التعليم ليس ملءَ وعاءٍ، بَلْ هو إيقاد شعلة" (وليام بتلر ييتس)، وهذه الشعلة لا تتقد إلّا بالاحتكاك الفكري المستمرّ داخل الصف.

فلنجعل من كل فصلٍ دراسيّ مختبراً لبناء العقول، لا مجرّد مخزنٍ للمعلومات، ولنثق بقدرة جيل اليوم على صياغة مستقبل التعليم.. "إن السبُّورة ليست إلّا وسيلة إيضاح، أمّا الجوهر الحقيقي فيكمُن في تلك المهارات الخفيّة الّتي تُبنى، وفي الأدوار الحيويّة الّتي يلعبها الطلّاب بوصفهم قادةً للتغيير، ولا نقيس نجاح الفصل الدراسيّ بمدى نظافة السبُّورة أو امتلاء الدفاتر، بَلْ نقيسه بمدى ارتفاع أصوات الطلّاب بالأسئلة الجريئة.

إنّ الجوهرَ الحقيقيَّ هو تلك المهارات الخفية الّتي تُنْسَج بين السطور؛ هي الثقة الّتي يكتسبها طالب خجول حين يقود فريقاً، وهي المرونة الّتي يتعلّمها آخر حين يخطئ ويحاول من جديد..

السبُّورة وسيلة، والطلّاب هم الغاية والقادة.

--

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

مواد ذات صلة

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

مأساة الاغتراب وتصدع الأجيال.. من اغتراب المكان إلى اغتراب الهوية, ومن مأساة الشتات إلى إمكان النهوض

ليس الاغترابُ مجرّدَ انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، ولا هو مسافةٌ تُقاسُ بعددِ الأميال التي تفصلُ الإنسانَ عن موطنه؛ إنّما قد يكونُ الاغترابُ الأشدُّ وقعًا حين تعبرُ الأجسادُ الحدودَ، بينما تتعثّرُ الأرواحُ في البحثِ عن موطنٍ يجمعُها، وتجدُ الأجيالُ نفسَها موزّعةً بين جذورٍ لم تعش تفاصيلَها، وواقعٍ نشأت فيه حتى غدا جزءًا من تكوينها وذاكرتها.

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

الحياة الطيّبة والجزاء الأخروي

ن الأخطاء التي رسّختها بعض الخطابات الدينية أنها حصـرت جزاء العمل الصالح في الآخرة، حتى صار يُقال للإنسان: اعمل صالحاً وانتظر الثواب بعد الموت، وكأن الدنيا لا سنن فيها، ولا جزاء فيها، ولا أثرَ عمليًا للعمل المتقن المنضبط بمرجعية الله. ومن هنا نشأت مقولة مضلّلة مثل: “الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن”، ثمّ استُعملت لتبرير العجز، والفقر، والتخلّف، وسوء الإدارة، وفشل كثير من المسلمين في تسخير مقدّرات الأرض التي جعلها الله مجالاً للاستخلاف والعمل والعمران. لكن القرآن لا يؤسّس لهذا الفهم. فالقرآن لا يجعل العمل الصالح مجرّد فعل خيري محدود، ولا يحصـر أثره في الصدقة والإحسان الفردي، بل يقدّمه بوصفه بنية عمل راشدة، منتجة، نافعة، منضبطة، تصلح بها النفس، والأسرة، والسوق، والحرفة، والإدارة، والقضاء، والطب، والهندسة، والتجارة، والسياسة، وسائر مجالات العمران. فالعمل الصالح في القرآن ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل هو كل عمل يقع في موضعه الصحيح، ويؤدّي وظيفته بإتقان، ويمنع الفساد، ويزيد الحياة صلاحاً، ويندرج تحت مرجعية الإيمان، لا تحت الهوى والمصلحة المنفلتة.

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

مليارديرات بقرار إداري.. عشرون عامًا من «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان: من دفع، ومن قبض؟

ثمّة صفقةٌ تُعقد منذ عشـرين عاماً فوق رؤوسنا وبأموالنا، ولم يوقّع أحدٌ منّا عليها: الدولة تضع الأرض، والمواطن يضع المال، وطرفٌ ثالث - لم يدفع ثمن الأرض ولم يموّل البناء - يقبض الأرباح وينضمّ إلى نادي المليارديرات. هذه ليست حبكة فيلم، بل السيرة الفعلية لمشاريع «الاستثمار» السكني في العراق وإقليم كوردستان منذ صدور قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006. عشـرون عامًا ارتفعت فيها اللافتات وامتلأت الطرقات بصور الأبراج، وبقي سؤالٌ واحد معلّقًا في الهواء: من استثمر في من؟

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

أفق التعليمظ المعلّم في ميزان العصر (3)

يُمثل المعلّم في "ميزان العصـر" نقطة الارتكاز التي لا يميل ميزان الحضارة إلّا بها، ولقد شهد دور المعلّم في السياق التربوي الحديث تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد ذلك "الخزّان للمعلومات" الذي يصبّ معارفه في عقول الطلاب، بل ارتقى ليصبح مهندساً للعملية التعليمية وميسّـراً لها. ولا زال التعليم أرقى العَلاقات الإنسانية وأعمقها تأثيراً في مسيرة المجتمعات، وفي قلب هذه العملية يقف المعلّم كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأن مهنة التعليم هي المهنة الوحيدة التي لا تموت بموت صاحبها، بل تتناسل في عقول الأجيال. وفي "ميزان العصـر" الحالي، الذي يتّسم بالسيولة الرقمية والتغيّر المتسارع، يجد المعلّم نفسه أمام تحدٍّ مصيري: هل يظلّ حارساً لمعارف قديمة، أم يتحوّل إلى مهندس لمستقبل لم تتّضح معالمه بعد؟