شعراء من واحة الأدب الإسلامي (2)
د. منجد مصطفى بهجت* - ماليزيا
كنت في عام 2001 قد جمعت - مع إخوة لي أعضاء قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلاميّة العالمية، في ماليزيا- عدداً طيّبًا من تراجم الأدباء من أرجاء العالم الإسلامي الواسع، وأصدرناها في كتاب بعنوان: "تراجم مختارة للأدباء الإسلاميين في القرن العشـرين" واليوم بعد ربع قرن على إصدار ذلك الكتاب، تتيح لي مجلة الحوار الفصليّة التعريف بهؤلاء مرّة أخرى، مع لمسات فنية عنهم..
أحمد سالم باعطب
حياته: ولد أحمد سالم سعيد باعطب في (المكلا – حضـرموت) سنة 1355ه/ 1936م( )، تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، ثم تخرّج في جامعة الملك سعود بالرياض –كلية التجارة- وحصل على بكلوريوس اقتصاد وعلوم سياسية عام 1386هـ، عمل في الخطوط الجوية السعودية مدققاً للحسابات، ثم بمؤسسة النقد العربي السعودي، وتدرّج في وظائفها حتى رتبة مساعد مدير إدارة التدقيق الداخلي، أُحيل على التقاعد عام 1409ه( ).
شارك في المناسبات الوطنية الجنادرية، ومهرجان الشعر العربي الأول بالإسكندرية عام 1997م، ونشـر في الصحف والمجلات السعودية، وهو عضو بنادي الرياض ونادي جدة الأدبيين، وشارك في أُمسيات في النوادي الأدبية في جدة ومكة والمدينة والدمام وأبها وجازان وحائل ومنتدى الشيح أحمد المبارك والشيخ عبد المقصود خوجة.
حصل على الجائزة الثانية في نادي الطائف الثقافي عام 1400هـ، وفي الملتقى الأدبي بأبها عام 1407ه( )، وكتب عنه نقاد كثيرون منهم: شكري فيصل، وبدوي طبانة، والعوضي الوكيل، ومحمد بن سعد، وحسن الهويمل، وسعد أبو الرضا، وبكري شيخ أمين وغيرهم.
وتوفي عام 1431ه/ 2010م.
آثاره: له خمسة دواوين مطبوعة: (الروض الملتهب 1980، عيون تعشق السهر 1988، أسراب الطيور المهاجرة، 1998، رباعيات مخضّبة).
وفي مجال التأليف: (عبد العزيز الرفاعي، صور ومواقف، جزءان، كتاب الإثنينية، في 12 مجلداً).
والمؤلفات المخطوطة: (الوطن، ولاء وانتماء، (ديوان شعر)، رحلة في رياض الشعر والعروض، (شعر ونثر)، رحلتي مع النقاد، (نثر)، بعض ما ترك الزمن، (نثر).
خصائصه الفنية:
خاض (باعطب) في موضوعات الشعر التقليدية، وتناولت أشعاره قضايا المجتمع والوطن والأُمة الإسلامية، فضلاً عن الموضوعات العاطفية.
يحرص (باعطب) على التجديد في شعره، ولا سيما في ديوانه الأخير (أسراب الطيور المهاجرة)، ومن أنماط التجديد ما سمّاه شعر التفعيلة المقيّدة، وهو تسمية جديدة لما عرف باسم الشعر الحر، وكذلك الأوزان المزدوجة، وهو تجديد في البيت الشعري ذي الشطرين، وذلك بالتنويع في عدد تفعيلات البيت الواحد بأن يجعل صدر البيت في بيتين وعجزه من ثلاث تفعيلات، واستخدامه بحر الكامل التام المرفل، وكذلك المذال، وهو مما لم ينظم فيه إلّا القليل ( ).
ومن النقاد ( ) الذين ذكروا خصائص شعره: شكري فيصل، إذ أُعجب بثقافة الشاعر المزدوجة، وأنها ترتبط بثلاثة أشياء: تأجّج إحساسه بالواقع العربي، واعتزازه بالماضي، منطلقه العقدي وإيمانه الواضح، قدرته على الملاحظة الدقيقة. وأن ثلاثة أدوات فنية يسّرت له سبيل الإبداع، هي: قدرته على إنشاء الحوار، وموهبته في تنويع الشكل الموسيقي، وتمكنه من استخدام اللغة بين الجزالة والسلاسة.
وقد أُعجب عامر العقاد بديوانه (قلب على الرصيف)، ووجد فيه أُسلوبًا شعريّاً متميزًا، ولا سيّما قافيته الرقيقة المواتية، ومقدرته على الموافقة بين رقّة الصياغة ورقّة القافية، وقدرته على التشخيص والحركة، ومهارته في استخدام الأوزان. ويرى عبد الفتاح العدوي أن نبرة السخرية تغلب على شعر باعطب، وهو يتفرّد بهذه النبرة بين شعراء هذا العصر، كما أن الشاعر ذو قدرة فذّة في الوصف.
ويشخص محمود مفلح ( ) في باعطب دقّته في استخدام الألفاظ والصور، بحيث لا يسمح للفظة ضعيفة أو صورة باهتة في ثنايا القصيدة رغم طول نفسه، وأنه مصـرٌ على التميّز والفرادة في أشعاره. ويرى راضي صدوق أن شعره تقليدي البناء والنسيج، ملتزم بالنموذج الموروث للقصيدة العربية ( ).
أنموذج من شعره:
يا نفس ( )
ناداك ربّكِ للخيرات فابتهــلي يا نفسُ، واستيقظي من غفلة الكسل
ويمّمي روضة الإحسان، إنّ بهــا نهراً من النور يجلو الهـمّ، فاغتسلي
هذي ليالي الهدى بالطّهر عابقـةٌ فجدّدي طيب أيامي بهــا وصِلِي
شهرُ الصيام لنا كانت به سيـرٌ في جبهة المجد خطّت أروع المـثل
يومٌ ببدرٍ كتبنا فيه ملحمـــةً ميمونة الذكر من تاريخنا، فَسَلي
ويوم حطّين فوق النجم مؤتلـقاً تضوعُ أطيابه في السهل والجبــل
أجيالنا طهَّرت من نوره دمَهــا عنوانُ وحدتِها في خطبها الجلــل
إذا ألمّ بها كابـوسُ فُرْقتـــها تذكّرت ضرباتِ القائد البطــل
وشمرتْ في ثيابٍ عن سواعدهـا واستأصلت شوكة العدوان والدخل
الدين قوتنا الأولى وعدتـــنا ونحن بالدين كنّا سادةَ الــدول
يا نفسُ حاضرنا يشكو تمزُّقــه يأوي إلى ظلّةٍ موبوءةَ القلـــل
أراكِ أسرفتِ في لهو وتسليــةٍ تقودك الرغبات الهوج للزلـــل
إن الذين أذاعوا عمرهم سَـفهاً تجرَّعوا الهون في حلّ ومرتحـــل
أين الشموع التي كانت هنا زمناً؟ أضأتها بسماتٍ في فـــم الأمل
كمْ بتُ أنظم من آلائهـا دُرري وكمْ نسجتُ على لألأئها حُـللي
زماننا مهجٌ مَرضى وألسنـــةٌ تقيّحت بصديد الكذب والحيــل
لا تفتحي لضروب الشك نافـذةً كيلا تكوني طعام اليأس والملــل
ولا تمــــدي يداً للشر طائعةً كيلا تزيدي بها في رحلتي عِلــلي
واستنفري العزم والإقدام، واعتصمي بالصبر والصدق والإخلاص في العمل
واســتوطني قمم العلياء في شمم واستلهمي النصر من أمجـادك الأول
أحمد محمد جمال
حياته:
ولد في مكة المكرمة سنة 1343ه( )، وبها نشأ، وتخرّج من المعهد العلمي السعودي سنة 1359هـ، وأخذ نصيبه من التعليم الحر على شيوخ حلقات الحرم المكي.
شغل مناصب شرعية كثيرة، منها: المحكمة الشـرعية الكبرى، ورئاسة القضاء، ووزارة الداخلية.. كتب المقال الصحافي في عهد مبكر، في (صوت الحجاز)، وعمل سكرتيراً في جريدة البلاد السعودية، ثم في صحيفة الندوة مديراً لتحريرها. عيّن في عام 1387ه عضواً بمجلس الشورى، وأُستاذًا لمادة الثقافة الإسلامية بجامعتي أُمّ القرى والملك عبد العزيز، ولم يزل يمارس عمله حتى توفّاه الله بالقاهرة في 9 ذي الحجة 1413هـ/ 1993م.
كان للشيخ أحمد نشاط إذاعي من خلال الأحاديث التي كان يقدّمها؛ أدبية وتاريخية وثقافية. وقد أسهم الشيخ في توجيه الحياة الثقافية في بلاده خاصة، وفي العالم العربي بشكل عام، من خلال مشاركاته الثقافية المتنوعة في الفقه، والاقتصاد الإسلامي، وتميّز بخطاب عصـري للمرأة وللأُسرة المسلمة، وعني بالتربية الإسلامية، يتجلى هذا واضحاً في مؤلفاته المتنوعة الكثيرة.
آثاره:
ذكر بعض الباحثين حوالي عشـرين كتابًا أو رسالة ألّفها الشيخ أحمد، معظمها في المجال الدعوي والتربوي، ونشير إلى أهم كتبه الأدبية:
الطلائع: ديوانه الأول، طبع في دار الثقافة، مكة، سنة 1336، ثم كانت طبعته الثانية باسم (وداعاً أيها الشعر) مكة، 1397.. وواضح من العنوانين أن الديوان يمثّل مرحلة من مراحل حياته، وحينما غيّر عنوانه، أراد أن يتفرّغ للدعوة من خلال القنوات الأخرى.. ونأى بكشحه عن الشعر، وكأنه يزري بالعلم والعلماء.. ومن مؤلفاته الأدبية الأخرى:
1. على مائدة القرآن، دار الكتاب العربي، مصر، 1373هـ.
2. من أجل الشباب، المكتبة الصغيرة، الرياض، 1395هـ.
3. القصص الرمزي في القرآن، ط2، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، د.ت.
4. القصص الرمزي في الإسلام، مكة المكرمة، د.ت.
5. سعد قال لي (قصة)، دار الثقافة، مكة المكرمة، 1364هـ.
6. تحقيق كتاب (الإعلام بأخبار البلد الحرام).
خصائصه الفنية:
يرى الباحثون أن الشاعر ممن انتصـر لقضية الأخلاق، وشخّصوا مساوئ العصـر، وأنه انحاز إلى الموضوعات التقليدية في الغزل والمدح، كما أنه مثل طبقة الشعراء الأكاديميين الذين يسيطرون على السوق، ويستأثرون بأسمائه الكبرى، لهم القافية وعمود الشعر، كما لهم الأدب والدين وتدريسهما، ولهم المدرسة الموقّرة فيه، فتكرّست بهم أُسلوبية الأدب والحياة الأكاديمية، وبين يدي طبقته تكوّن الفريق الثاني من الأُدباء.
ونشأ صراع بين الفريقين يتبارون في الكتابات، ويتقارضون النقد والمدّ والجزر ( ). وتوهّم بعض الدارسين حين ذكر أنه ممن تركوا دواوين كثيرة، وما ترك إلا ديوانًا واحدًا بطبعتين، وفي عنوانين مختلفين، تقدمت الإشارة إليهما آنفاً.
ولئن كان (الشيخ أحمد جمال) رومانسـيّ النزعة في ديوانه، فإنه في الوقت ذاته مثّل التيار المحافظ في أشعاره، وزاوج بين النظريتين التراثية والحديثة.. وصفه أحد الباحثين بأنه شاعر موهوب متأثر بروح العصر، ويجنح إلى التجديد ( ).
وقد تناولت أشعاره - فضلاً عن الشعر الذاتي في مرحلة الشباب - واقع الأُمّة العربية والإسلامية، والمناسبات الدينية، والجانب الإنساني ( )، وقد غلبت النزعة الإسلامية على تجربته الشعرية. وقد خصّ أحد الباحثين خصائص الشيخ أحمد الأُسلوبية بوضوح الفكرة، وبساطة الأُسلوب في عرض مشـرق سهل الفهم. صدر عن رابطة العالم الإسلامي كتابها الشهري دعوة الحق سنة 1416هـ (أحمد محمد جمال، الداعية المفسر الأديب)، شارك فيه ثمانية باحثين، بالإضافة إلى أبنائه ( ).
أنموذج من شعره:
لم نبن دنيا.. ولا ديناً حميناه ( )
بالأمس كنا ولاة الكون نعمـره بالعدل والفضل؛ أدنـاه وأقـصاه
والسلم نؤثرها، والحرب نسعرها لا نعتدي، ووقـانـا النصر عقباه
واليوم، ما بالنا من بعد رفـعتنا! في الـكون نزحف زحفاً في زواياه
أموالنا، أراضينا، وأنـفسنــا نهب العدو تجريـهن كـفّــاه
إني لأفتح عيني في مواطنـنــا على كثير غثاء السيل جــدواه
نقلّد الغرب، أو نلغو بسالفنـا لم نبن دنيا، ولا ديناً حميــنـاه
وله قصيدة بعنوان (مصابرة الحياة)، حاكى فيها إيليا أبو ماضي ( ):
(كن جميلاً ترى الــوجود جميلا) في سكون الدجى وفوضى النهار
في رجــاء الفـؤاد بعد قنـوط أو هـزيم الجــهاد بعد انتصار
في هجير الشقـــاء حيث تخاف المـوت فيه، وعـنـد أمن العثار
في قتام السمـاء، أو هيجــة الر يــح، ســــــــواء وهدة الأسـحـار
في شرود الـرقاد، فـي فـزع الأ حـلام، في روعة الخيال الساري
كن جميلاً، وكن قوياً، ترى العيش - جميلاً - فـي لــيله والـنهار.
* بطاقة تعريف:
الدكتور منجد مصطفى بهجت، ولـد في مدينة كركوك عام 1947، وأنهى تعليمه المدرسي في أربيل عام 1964. التحق بجامعة بغداد، وحصل منها على شهادة البكالوريوس في اللّغة العربيّة سنة 1968، وعلى الماجستير من جامعة الأزهر عام 1973، وأعقبها بالدكتوراه من الجامعة نفسها عام 1982.
--
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون