قصة واقعية/ ختم على جرح الطفولة
عمر إسماعيل رحيم
القرية تحترق
كان ذلك في أواخر السبعينيات، يومًا رماديًّا انطفأت فيه الألوان في قريتنا الصغيرة بين الجبال.
لم أكن هناك حين داهمها الجنود، فقد كنت في أربيل، لكنّ الخبر وصلني، کما انتشـر الخبر في کل مکان كالصاعقة: الجيش طوّق القرية فجراً، واعتقل أكثر من مئة رجل، بين غلامٍ لم يكتمل عوده، ورجلٍ في كهولته، وشيخٍ قد خطّ الشيبُ جبينه. كان يوماً أسودَ لا يُمحى من ذاكرة القرية، يومًا خيّم فيه الخوفُ حتى على الحجارة.
روى لي أحد الذين أفلتوا من الطوق، أن العساكر نزلوا كالسيل، کان لا يسمع إلّا صراخ النساء وركض الأطفال خلف شاحناتٍ عسکرية تبتلع الرجال إلى مصيرٍ مجهول. بقي الغبار عالقًا في هواء القرية أيامًا طويلة، كأنّ الأرض نفسها تأبى أن تتنفس.
كنت في أربيل حين سمعت الخبر.. ولم يفلت من أقاربي سوی أحد أعمامي، وکان وقتها في الجبال يحتطب دفعاً لغائلة برد الشتاء.. حتی أخي الذي يکبرني بعامين فقط – كنت في الثالثة عشـرة من عمري - اعتقل هو الآخر.. شعرتُ أن العالم قد ضاق بي فجأة.. لم أدرِ هل أركض نحو القرية، أم أهرب من هذا الحزن الذي لا أقدر على احتماله.. وفي تلك الليلة، ظلّ وجه أبي يطاردني بين النوم واليقظة.. رأيته مرفوع الرأس، عابسًا في وجه الجند، كأنه يقول لهم:
"الكرامة لا تُعتقل".
لكنّهم أخذوه.. وبعد أسبوع، أُطلق سراح الجميع، إلّا أربعة عشـر رجلًا، كان أبي بينهم.. وحين سمعتُ أنّ الحكم صدر بالسجن المؤبّد، شعرتُ كأنّ الحياة قد انهارت من أساسها، وأنّني دخلتُ زمنًا آخر، لا يرحم.
بيت الطين
عدتُ إلى القرية بعد أسابيع، فبدت كأنها شاخت في ليلة واحدة.. لا ضحك أطفالٍ، ولا صوتُ منجلٍ في الحقول.. فقط وجوه شاحبة، وأبواب موصدة.
في بيتنا الصغير المبنيّ من الطين، كانت أمّي تجلس قرب الموقد، تطعم النار بقطعٍ من خشبٍ رطب لا يشتعل بسهولة.. كان إخوتي وأخواتي الأربعة الباقين ملتفين حولها كالعصافير، کلهم کانوا أصغر من أن يدركوا ما جرى.
لم تتكلّم أمي كثيرًا.. كانت تنظر إلى السقف الواطئ، وكأنها تحاور الغيب بصمت.. ملامحها تقول كلّ شيء: الخوف، الصبر، والحيرة أمام مسؤولية ستة أفواه بلا معيل.
في تلك الأيام، عرفتُ معنى أن تنضج قبل أوانك.. كنت أنظر إلى وجهها كل صباح وأقول لنفسي:
_ لا بدّ أن أفعل شيئًا، لا بدّ أن أكون أنا الأب الغائب.
لكن كيف؟ لم يكن في القرية عمل، ولا مال، ولا بابٌ يُطرق.. حتى المدرسة أصبحت ترفًا لا نقدر عليه.
طريق أربيل
اضطررت أن أترک المدرسة، لأنّي قد اجتزت المرحلة الابتدائية، وکان عليّ أن ألتحق بالصفّ الأوّل المتوسط، ولم يکن في القرية مدرسة متوسطة، فکان علي أن أذهب إلی کويسنجق أو إلی أربيل، وهذا يحتاج إلی مصاريف لم يکن باستطاعتنا تأمينها، وعلی هذا قرّرت ترك دراستي.
حاولتْ أمّي أن تُبقي على حلمي في الدراسة.. ذهبتْ إلى أقارب، إلى معلّمين، إلى من كانوا يعرفون أبي، لعلّهم يجدون حلاً، لکن دون جدوی.. كانت الأبواب تُغلق ببطء، وبصمتٍ أكثر إيلامًا من الرفض الصريح.
وحين أيقنتْ أن لا جدوى، جلستْ أمامي ذات مساءٍ، وقالت بصوتٍ مبحوح:
_ يا بُنيّ، العلم لا يُنسى، إنْ لم تدرسه في الكتب، فادرُسه في الحياة.
في تلك الليلة، لم أنمْ.. بقيتُ أحدّق في السقف الطيني، وأستعيد كل شيء: خطوات أبي وهو يخرج من البيت كلّ مرّة.. صوته وهو يوصيني أن أكون قويًا، وصدى كلماته التي لم تكتمل.
بعد مضـيّ حوالي عامين من اعتقال أبي، علمت أن في أربيل مدرسة ثانوية باسم "ثانوية المعهد الإسلامي"، تمنح کل من يقبل فيها من الطلاب مبلغاً من المال شهريًا يکفي لمصاريف طالب.. كانت تلك المعلومة كأنها باب من نورٍ فُتح في الجدار المسدود.. حزمتْ أمّي لي بعض الملابس والحاجيّات الأخری، ثم مسحت على رأسي، وقالت:
_ اذهب، لعلّ الله يجعل لك طريقًا.
غادرتُ القرية مع الفجر.. الطريق الطويل كان أشبه بالرحيل عن النفس نفسها.. كانت الجبال تودّعني بصمتها، والريح تهمس بأسماء الغائبين.
المعهد الإسلامي:
وصلتُ أربيل متعبًا.. كانت المدينة تعجّ بالحركة، لكنها غريبة عنّي، صاخبةٌ كأنها لا ترى أحدًا.. بعد جهدٍ، وجدتُ بعض المعارف والأصدقاء الذين دلّوني علی مکان "ثانوية المعهد الإسلامي" في مبنى قديم متواضع.. وکان يقع في حي "بيريژيان".. جدرانه متصدّعة، لكنّ فيها شيئًا يبعث الطمأنينة، كرائحة الكتب القديمة.
حين قُبلتُ، أحسستُ أنني أستعيد شيئًا من نفسـي، ووجدت بعض أصدقاء من قريتي کانوا يدرسون أيضاً.
لم يكن لديّ مكان أسكن فيه، فاستأجرتُ غرفة صغيرة من الطين في حيّ “سيتاقان”، مع أحد طلاب القرية نفسها.. كانت الغرفة لا تتسع إلا لسـريرين وطاولة من خشبٍ مائل.. سقفها المنخفض يتصبب ماءً كلما أمطرت السماء، لكنّها بالنسبة إلينا كانت مملكتنا الصغيرة.
في الليل، كنا ندرس على ضوء فانوسٍ أصفر، نتقاسم الرغيف، ونحلم بالمستقبل.. وكنتُ، في لحظات السكون، أسمع في داخلي صوت أبي يردّد:
_ العلم هو السلاح الذي لا يُصادر.
مختار القرية
کان بإمکاني أن أتقاضى مبلغًا بسيطًا شهريًا، لكنه كان بالنسبة إليّ ثروةً، يكفيني لأشتري بعض الطعام، وأدفع أجرة الغرفة، وأرسل الباقي - بعض المرات – إلى والدتي.. لکن في البداية کان يلزمني أن أقدّم طلباً موقّعاً من مختار القرية وشاهدين.. وکان المختار هو الذي وشا بأبي وأهل القرية.. کتبت الطلب، ووقّع لي شاهدان، ثم ذهبتُ إلى (کويسنجق)، وکان بيت مختار القرية -الذي يسمّی "مام حاجي"- هناک.. طرقت الباب، فتحه أحد أبنائه.. دخلتُ غرفته الخاصة، كان يجلس علی سرير، ويبدو عليه التعب والمرض.. لکنّه ما إن رآني حتّى اعتدل وأظهر نفسه متكبّرًا في جلسته، كمن يتلذذ برؤية الآخرين واقفين بين يديه.
سلّمتُ عليه بأدب، وقدّمت أوراقي.. قرأها بصمت، ثم قال ببرودٍ متعمّد:
_ لا، لن أوقّع.
نظرتُ إليه بدهشة.. قلت:
_ ولماذا؟ أوراقي صحيحة.
قال، وهو يرفع حاجبيه:
_ هكذا.. لا أرى داعيًا للختم.
كان في عينيه شيء من التجبّر، كأنه يختبرني.. ربما كان يخاف أن يعرف أحدٌ أني "ابن المعتقل"، وربّما كان يتلذّذ بشعور القوّة أمام من لا حول لهم ولا قوّة.. لكنّي لم أتوسّل إليه، لم أرجُه.. کرامتي كانت أثقل من حاجتي.
کرّرت: لماذا لا تختم لي؟
_ قال متلعثماً: أنتم أغنياء جدًا!
تجمّدتُ مکاني.. قلبي الصغير لم يحتمل تلك المفارقة.. قلت له بصوتٍ يرتجف:
_ مام حاجي، أنت تعرف حالنا.. لقد ذهب کلّ ما لدينا إلى أجرة المحامي الذي وکّلناه عن أبي المعتقل.
لكنه لم يصغِ.. قال ببرود جارح:
_ قلتُ ما يجب أن أقول.
قلتُ موضّحاً:
_ إن إعطاء هذا المبلغ للطلاب في هذه المدرسة نظام، لا علاقة له بالغنى والفقر، کل من يقبل في هذه المدرسة يتقاضی هذا المبلغ، ولو کان ابناً للوزير.
وعندما رأيتُ إصراره علی عدم الختم، حملت أوراقي وخرجت، دون أن أرجوه أو أتوسّل إليه، لکن كان في صدري حرارة صامتة، خليط من الحزن والعزّة.. هناك لأوّل مرة في حياتي فهمت أنّ العالم لا ينصفك إنْ لم تعرف كيف تقف شامخًا أمامه.
كانت كرامتي وعزتي أثقل من کل حاجتي المادية.. قلت له بهدوءٍ ثابت:
_كما تشاء.
ثم حملت أوراقي وخرجت.
التمرّد الطفولي
في الطريق، تملّكني غضب غريب، شعورٌ بالظلم لم أعرفه من قبل.. صوت في داخلي يقول: "لا بدّ أن تُفهمه، ولا بدّ أن يتجرّع هو أيضاً مرارة عنجهيته وظلمه".. وفي هذا الوقت قفز إلی ذهني أن أشتکيه.
سألت المارّة عن دائرة الأمن، أشاروا إلى مبنى رمادي، مهيب، له بابٌ حديدي.
ذهبت، ودون أيّ تأخير دخلت بخطواتٍ صغيرة، لكن بعينين ثابتتين.. تحدّثت مع أوّل من التقيته، وشرحت له موقفي.. لا أدري إن كان مسؤولاً، أم موظف استعلامات فحسب، کنت لا أعي هذه المراتب، کل ما أعرفه هو أن أوصل صوتي إلی أحد ينصفني.
أدخلني الرجل إلى غرفة المدير..
فقلت لە، دون مقدّمات:
_ لماذا جعلتم هذا "مام حاجي" مختاراً لقريتنا؟
تفاجأ الرجل، سألني:
_ لماذا؟
قلت ببراءةٍ ممزوجة بمرارة:
_ إنه رجل كاذب، إنه ظالم! لقد وشا کذباً بأهل القرية، وعرّضهم للاعتقال وهم أبرياء، وكان والدي واحدًا منهم!
نظر إليّ مطولًا، ثم أمرني أن أذهب وأنادي المختار لإحضاره فورًا.
خرجتُ من الأمن وأنا أرتجف، لا من الخوف، بل من شعور غريب بأنني انتصـرت لوالدي الغائب.
هرولتُ إلی بيت المختار، وأبلغته بأن مدير الأمن يطلبک فوراً، قال لي ببطء، وقد فهم الأمر!
_ أنت ارجع، وأنا سأتبعک وآتي إلی مدير الأمن.
قلتُ:
- طيب..
أسرعتُ بالرجوع، کمن ينتصر ويسرع لإبلاغ الناس بانتصاره.
وقفت أمام المدير ثانية..
قال لي: أين المختار؟
قلت: سيأتي.
قال:
_ ارجع إليه وقل لە فليأتيني مسرعاً، ودون أيّ تأخير.
هممتُ أن أعود إلی بيت المختار، فإذا بە قد حضر.
حين وصل المختار أمام المدير، تغيّرت ملامح وجهه.. صار صوته خافتًا كأنه يبتلع لسانه.
وبّخه المدير أمامي، وغضب عليه غضباً شديداً، شتمه، صرخ في وجهه، ثم قال له:
أحضر ختمك، واختم طلب هذا الصبي!
تردّد الرجل، همس:
_ ليس لديّ استمپاء (الحبر الذي کان يختم بە الأوراق).
قال له المدير:
_ هاتِ الختم..
ولم ينتظره المدير.. بل نزع الختم من يده، وختم طلبي، ثم ألقی الختم إلی المختار.
طأطأ المختار رأسه، وتصبّب عرقاً.. وهمّ بالخروج.
وقبل أن نخرج، قال المدير يخاطبني بصوتٍ سمعه المختار:
_ كلّما كان لـديك عمل، لا تذهب إلی مام حاجي بنفسك.. تعال إلى هنا، نحن نبعث إليه ونجلبه کي ينجز لک ما تريد.
لم أجبْ.. فقط نظرت إليه طويلًا، وشعرت للمرة الأولى أن العدالة يمكن أن تولد من قلب الخوف.
هرولتُ إلی النقليات.. ركبتُ السيارة عائدًا إلى أربيل.. كانت الريح تضـرب وجهي من النافذة، أحسست أنني خفيف كأنني تحرّرت من عبءٍ ثقيل.
لكن بعد أن قطعنا شوطاً من الطريق، أحسست أن أوراق الطلب ليست في جيبي.. بحثت عنها تحت المقعد، وأرضية السيارة، فلم أجدها.. تيقّنتُ أنها وقعت مني.. نزلت من السيارة مسرعًا، ركبت سيارة أخری عائدًا إلى كوية.. كأنّ القدر أراد امتحاني مرةً أخرى..
في النقليات بحثتُ عن الأوراق.. رآني من بعيد الموظف الخاص، وناداني مبتسمًا، وقال:
_ تعال.. الشيء الذي تبحث عنه عندي.. فهرولت إليه، ناولني الملف بلطف.
أخذته بيدين مرتجفتين، وشعرت أن الورقة المختومة التي فيه، لم تكن ختمًا على معاملةٍ إدارية، بل ختمًا على جرحٍ قديمٍ في قلبي.
شکرتُ الموظف کثيراً، ورکبت سيارة أخری، وقفلت راجعاً إلی أربيل.
في تلك الليلة، حين عدت إلى غرفتي في أربيل، جلست على سريرٍ مائـل، أتأمّل سقف الطين المتشقق.
فهمتُ للمرة الأولى أن الظلم لا يُسقط الإنسان إلا إذا سمح له، وأنّ الكرامة لا تحتاج إلى عمرٍ كبير، بل إلى قلبٍ لا يرضى بالمهانة.
كنت ما أزال في الثالثة عشرة، لكنني خرجت من تلك الحادثة كمن جاوز الأربعين.
وما زلت إلى اليوم أسمع صدى تلك الكلمة الأولى التي قلتها للمسؤول في دائرة الأمن:
_ إنه رجل کاذب!
صحيح أنها كانت صرخة طفلٍ بريء، لكنها في عمقها كانت ولادة إنسانٍ جديد.
الختم الثاني
مضت أسابيع، ثم عادت إدارة المدرسة وطلبت أوراقاً وتأييداً من دائرة نفوس کويسنجق.. فذهبتُ إلی دائرة النفوس لإنجاز معاملتي، وکانت تحتاج أيضاً إلی ختم المختار.. كانت دائرة النفوس مكاناً مکتظاً بالمراجعين، والضجيج يملأ القاعة.. وقد رآني أحد أصدقائي الذين جاءوا قبلي إلی دائرة النفوس لنفس الأمر، وكان قد أنجز معاملته قبلي، وذهب إلی المختار، وأخبره بأن عمر لديه المعاملة نفسها، وقد يأتيك بعد قليل.. ولمّا كان مام حاجي خائفاً من أن أعود إلى مديرية الأمن، وأن يذهبوا هم ويجلبوه من أجل إنهاء معاملتي وختمها، لذلک أسرع بالمجيء إلی دائرة النفوس، وکنت منهمکاً في إنجاز المعاملة، فإذا بي فجأة أرى المختار وجهاً لوجه، يقف متردّدًا، كمن أتى في مهمةٍ لا يودّ أن يعرف بها أحد.. تقدّم نحوي بخطواتٍ سريعة، وقال بصوتٍ خافت:
_ عمر، جئتُ لأجلك!
تجمّدتُ لحظة.. نظرتُ إليه، فلم أرَ ذلك الجبروت القديم.. كان وجهه باهتًا، وعيناه مضطربتان.
قلت له:
_ لكنني لم أنجز معاملتي بعد.
قال: طيّب، سأنتظرك. فقط أكمِل، وسأختم لك بنفسي.
انتظَرَ مدّة.. ثم جاءني وقال متنهّدًا:
_ أنا مريض، لا أتحمّل الوقوف والانتظار کثيراً، سأعود إلى البيت.. حين تُنهي أوراقك، تعال إليّ لأختمها.
يبدو أنه تلقّی درساً قاسياً في المرة السابقة، فصار أكثر تعقّلاً.. أو ربما كان يحاول أن يُصلح خطأه الأوّل.. وکل ذلک لا بدافع الندم، بل خوفًا من أن أذهب مرة أخرى إلى دائرة الأمن، فيجلبوه قسراً.
في تلك اللحظة، شعرتُ بشـيءٍ من الانتصار الهادئ.. ليس انتصار الكراهية، بل انتصار الكرامة.. وفي هذه المرّة دفعتُ له بعد أن ختم معاملتي مئتين وخمسين فلساً.
خرجتُ من عنده، والورقة بين يدي كانت تحمل الختم.. لكنني كنت أعلم أن الختم الحقيقي وُضع في داخلي، على جرحٍ ظلّ مفتوحًا منذ اليوم الذي اعتقلوا فيه أبي.
كنتُ كلما تذكّرت وجه أمّي يوم ودّعتني إلى أربيل، ووجهي أنا يوم خرجت من بيت المختار مرفوع الرأس، أدركتُ أنّ الظلم لا ينتصـر، وأنّ النفس الكريمة لا تُهزم، وإن بدت مهزومة.
لقد علّمتني تلك التجربة أن الظالم يعيش في خوفٍ دائم من المظلوم، وأنّ المظلوم الصادق مع نفسه يحمل في صمته قوّةً لا يعرفها الجبّارون.
والآن، بعد سنين طويلة، حين أستعيد ذلك الطفل الذي كنتُه، أشعر أن كل ما حدث لم يكن إلا طريقًا نحو الوعي.
ذلك الختم لم يكن توقيعًا على ورقة، بل توقيعًا على قلبي، ختمًا على جُرح الطفولة الذي علّمني أن الكرامة لا تُشترى، وأنّ الفقر لا يعيب من ظلّ واقفًا في وجه الانكسار.