كتاب الحوار/ حاجي قادر كويي: العالم والأديب والمفكر الإصلاحي.. لمحات من سيرة حياته (القسم الثالث)
عمر إسماعيل رحيم - نقله إلى العربية: سرهد أحمد
من المؤسف أن (حاجي قادر) لم يحظ في زمانه بمن يتابع حياته بعناية ويجمع أخباره بصدق وإخلاص، في وقت كان الوصول إلى معاصريه والحصول على المعلومات أمراً يسيراً قبل أن تمرّ السنوات، وتتلاشى الشهادات، وتصبح مهمة التوثيق أكثر صعوبة.
وكان بالإمكان آنذاك تدوين الكثير من الوقائع المهمة المتعلقة بحياته وشخصيته. إلّا أن الإهمال أدّى إلى حرمان تاريخنا من سيرة متكاملة لإحدى الشخصيات البارزة في أمتنا، وهي شخصية تستحقّ التقدير لما تمثّله من قيمة أدبية ووطنية ومصدر فخر واعتزاز للأجيال.
ومع ذلك، سنحاول في الصفحات الآتية عرض ما توفّر لدينا من معلومات أولية ومختصرة عن حياة (حاجي قادر كويي).
ولد (حاجي قادر كويي) - بحسب الدراسات والبحوث المتداولة - في قرية تقع بالقرب من مدينة كويسنجق، تعرف باسم (كور قرج). وقد اندثرت هذه القرية منذ زمن بعيد، ولم يبقَ لها اليوم أثرٌ واضح يُهتدى به إلى موقعها، أو يُعين على تحديده بدقّة.
ومع ذلك، فإن تحديد سنة ميلاده ظلّ موضع اختلاف بين من تناولوا سيرته، حيث تباينت الآراء حول هذا الموضوع بشكل ملحوظ.
غير أن الرأي الغالب يميل إلى أنه ولد في الفترة ما بين (1815–1816م) داخل أسرة ريفية محافظة، متشبّثة بالقيم الدينية الإسلامية والتقاليد الاجتماعية، ومفعمة بروح الالتزام والارتباط الثقافي والديني.
في المقابل، يذهب الأستاذ (مسعود محمد) إلى رأي مختلف، مستنداً إلى بعض التحليلات التاريخية والمقارنات المرتبطة بأحداث منسوبة إلى أسرته وروايات يرجّح أنها متواترة، ويرى وفقاً لذلك أن ميلاده كان في حدود (1824–1825م).
غير أن هذا الرأي لا يخلو من إشكال، إذ يمكن الاعتراض عليه من جهتين: أولاهما التشكيك في مدى صحّة وصف تلك الروايات بالتواتر كما يذكر، وثانيهما أن الاستنتاجات المبنية على المقارنة والتحليل لا تبدو حاسمة بما يكفي لترجيح هذا التاريخ بشكل نهائي، ممّا يبقي مسألة تاريخ ولادته محل نقاش واختلاف بين الباحثين.
بالمقارنة بين الآراء المختلفة، يبدو أن طرح الأستاذ (مسعود محمد) لا يقوم على يقين ثابت في هذا الشأن، إذ نجده أحياناً يقدّم تقديرات متفاوتة لأعمار الحوادث، فيقلّص مدّتها مرّة ويوسّعها مرّة أخرى، كما أنه يحاول في بعض الحالات ربط تحديد التاريخ بوقائع إدارية أو علمية، أو بسنة قيام إمارة معيّنة، وهو ما لا يبدو منسجماً دائماً مع طبيعة المادة التاريخية محلّ البحث.
وفي مواضع أخرى، يعتمد على المقارنة مع أحداث لاحقة، أو على روايات نقلت عن أشخاص ربّما اختلطت لديهم التواريخ نتيجة تقدّم السن أو ضعف الذاكرة، الأمر الذي يضعف درجة الاعتماد على هذه الاستنتاجات.
لذلك، لا أجد أن هذا الرأي يبعث على القبول الكافي، ممّا يجعل الرأي الأوّل أقرب إلى الصواب وأرجح من غيره.
أمّا اسم حاجي الكامل، فهو (عبد القادر بن الملا أحمد بن الملا صالح بن الملا أحمد الكبير)، وكانت والدته تدعى فاطمة، وقد أكّد حاجي بنفسه هذا النسب في أحد أبياته الشعرية:
أبي كان اسمه أحمد، وأنا أتذكّر ذلك
كان من أهل القرية، وأمّي هي فاطمة
ورغم أنه كان ينادى منذ صغره في محيط أسرته بلقب (حاجي)، فإنه اتّخذه لاحقاً كاسم أدبي ولقب شعري أيضاً. وقد قيل إن سبب هذه التسمية يعود إلى ولادته في شهر ذي الحجّة، ومن هنا أطلق عليه هذا اللقب.
إلا أن الأستاذ (آراس إيلنجاغي) يقدّم تفسيراً مختلفاً، إذ يوضّح أن إطلاق مثل هذه الألقاب كان شائعاً في بعض البيئات الكوردية، حيث كانوا ينادون الطفل المحبوب أو الشخص المقرّب داخل العائلة بلقب (حاجي) أو (كاكو) بدلاً من اسمه الحقيقي.
أمّا القول بأن لقبه مرتبط بأداء فريضة الحج، فلا يوجد حتى الآن ما يؤكّد أن (حاجي قادر) قد أدّى الحج، سواء بمفرده أو برفقة (الملا محمود)، جدّ الشاعر الكوردي المعروف (دلدار).
وبالإضافة إلى اسمه المعروف، فقد عرف (حاجي قادر كويي) بعدّة ألقاب وتسميات أخرى استخدمت في مصادر مختلفة. ومنها (حاجي عبد القادر عالم زاده)، و(الشيخ عبد القادر كويي)، إضافة إلى (حاجي قادر كورقرج).
أمّا فيما يتعلق بأصول أسرة (حاجي قادر كويي)، والعشيرة التي نشأ في أحضانها، فتشير المصادر التاريخية الموثوقة إلى أن جذورها تعود إلى منطقة (زهاو)، وتنتمي إلى قبيلة (دربندين).
ومع تصاعد الهجمات التي شنّها (نادر شاه الأفشاري)، شاه إيران آنذاك؛ على المناطق الحدودية التي كانت تقطنها العشيرة، اضطرت الأسرة إلى النزوح والتنقل لمسافات طويلة حتّى استقرّت في إحدى مناطق سهل كويسنجق.
ومع مرور الزمن، وتزايد أعداد أبناء العشيرة في تلك الأنحاء، أسهموا في بناء عدد من القرى وإعمارها، من بينها: سيكرتكان، وأومركمبت، وكاني لاله، وكورقرج، وكينله، وسيكاني - الينابيع الثلاثة، وكرمك، وغيرها من القرى التي ما تزال محافظة حتى اليوم على لهجتها المحلية وملامح تراثها وعاداتها الاجتماعية المميزة.
وقد فقد حاجي قادر والده في مرحلة مبكّرة من طفولته، الأمر الذي دفع والدته إلى اصطحابه إلى مدينة كويسنجق.
ومنذ سنواته الأولى بدت عليه ملامح النباهة وسرعة الفهم، ممّا شجّع والدته على إرساله، وهو في السابعة من عمره؛ لتلقّي العلوم الدينية في مسجد المفتي على يد (الملا أحمد الأومركمبتي)، الذي كان من أقربائه، وواحداً من أبناء العشيرة، إضافة إلى كونه ابن خال (حاجي قادر).
وبحسب المنهج الدراسي المتّبع آنذاك، أتمّ (حاجي قادر) المراحل الأولى من تعليمه داخل حجرة مسجد المفتي، حيث تلقّى مبادئ العلوم الدينية واللغوية.
غير أن حياته لم تخل من المحن؛ فبعد فترة قصيرة من فقدانه لوالـده، تعرّض لصدمة أخرى بوفاة والدته بعد عامين فقط من انتقالهما إلى كويسنجق، ليجد نفسه وحيداً في مواجهة ظروف الحياة القاسية.
عندئذٍ تكفّل (الملا أحمد الأومركمبتي) برعايته وتحمّل نفقاته، إلّا أن (حاجي قادر) لم يشأ أن يبقى عبئاً على أستاذه وقريبه، فدفعه شغفه العميق بالعلم إلى الجمع بين العمل وطلب المعرفة.
وتذكر المصادر أنه اضطر إلى التوقّف عن الدراسة لفترة مؤقتة ليعمل إسكافيّاً، طلباً للنفقات، حتى يتمكّن مستقبلاً من مواصلة مسيرته التعليمية.
وفي هذا السياق، ينقل الأستاذ (مسعود محمد) شهادة رجل معمّر ومتديّن يدعى (الشيخ رحيم)، بلغ من العمر نحو مئة وعشـر سنوات، أفاد فيها بأن (حاجي قادر كويي) عمل بالفعل إسكافياً لديه في إحدى مراحل حياته المبكّرة.
وبعد تلك المرحلة، انتقل (حاجي قادر) إلى حجرة (عبد الله جلي زاده) ليبدأ منعطفاً جديداً في مسيرته العلمية. ففي سنة (1270هـ) الموافق لـ(1853–1854م) توجّه برفقة (حاجي ملا عبد الله جلي زاده) إلى منطقة (بـالكايتي)، حيث واصل الاثنان تحصيلهما العلمي في قرية (شيخ وتمان) على يد (الملا محمد كاك عبد الله).
ومع عودة (الملا عبد الله جلي زاده) إلى كويسنجق، افترق الطريقان، غير أن (حاجي قادر) واصل رحلته في طلب العلم، متنقلاً بين مدن وبلدات شـرق كوردستان - إيران. فقد درس في (سردشت)، و(مهاباد)، و(شنو)، إلى جانب مناطق أخرى، واستمرّت رحلته العلمية ما بين 8 و9 سنوات. وخلال تلك الفترة، أتقن العلوم والمناهج الإسلامية التي كانت تدرّس لطلبة العلوم الدينية في الحجرات - الكتاتيب، حتى نال الإجازة العلمية في حدود عامي (1862–1863م).
ومن أبرز الروايات التي توثّق المرحلة التي قضاها (حاجي قادر كويي) في شـرق كوردستان - إيران، ما نقله الشاعر الراحل (مام هيمن) إذ أشار إلى أنه عثر في مدينة (سردشت) على كتاب يحمل على غلافه بيتين شعريين بخط (حاجي قادر) نفسه، وبحبره الخاص.
وتكشف هذه الأبيات جانباً من المعاناة الصحية والنفسية التي مرّ بها خلال تلك الفترة، حيث كان يعاني من مرض الصفراء، وقد نصحه البعض باستخدام نبات (الألوكة – التوت البري) علاجاً لمرضه، فقال معبّراً عن حالته:
في سردشت فتحت صفحة المحنة
لأبتاع الألوكة لعلّتي
لكنهم قالوا إن هذا دواء
لا ينال بالمال ولا يشترى
وبعد انتهاء رحلته العلمية في شرق كوردستان، عاد (حاجي قادر) عبر سهل (لاجان)، ثم سلك طريق (بالكايتي)، حتى وصل إلى (كويسنجق)، حيث أقام هناك مدّة من الزمن.
وخلال تلك المرحلة، توثّقت علاقاته بعدد من الشخصيات والأسـر المعروفة، من بينهم (الملا عبد الله جلي زاده)، إضافة إلى عائلتي (الحويزي) و(الغفوريين)، ولا سيّما مع (أمين آغا أختر)، و(حمه آغا كويه).
وفي فترة إقامته في كويسنجق، كرّس (حاجي قادر) جهوده للأدب والشعر بوصفهما وسيلتين للإصلاح الاجتماعي والتوعية الدينية، فعمل على نشـر الأفكار التنويرية والدعوة إلى الوعي بين أبناء المجتمع.
غير أن هذه الدعوات الإصلاحية لم تلق ترحيباً من قبل البعض، بل واجه بسببها معارضة شديدة، خصوصاً من قبل (الشيخ النبي الماويلي)، الذي كان يتمتّع بتأثير واسع بين الناس آنذاك.
وبعد مرور عامين أو ثلاثة أعوام من محاولاته الإصلاحية، أدرك (حاجي قادر) أن تأثيره في المجتمع ما يزال محدوداً، في حين كان الناس يزدادون التفافاً حول (الشيخ النبي الماويلي)، الأمر الذي ولّد لديه شعوراً بالإحباط وخيبة الأمل تجاه مشروعه الإصلاحي.
لذلك أصبحت لغته الشعرية أكثر حدّة وقوّة في مواجهة خصومه، ممّا أدّى إلى تصاعد التوتر بينه وبين الشيخ المذكور، حتى تجاوز الأمر حدود الخلاف الفكري واللفظي ليصل إلى التهديد بالاعتداء الجسدي عليه.
وفي سياق آخر، كانت أصداء الحراك الفكري الإصلاحي الإسلامي، الذي ازدهر في العاصمة العثمانية (إسطنبول) - بوصفها الحاضرة السياسية والثقافية الأهم في العالم الإسلامي آنذاك- قد وصلت إلى مسامع (حاجي قادر كويي).
وقد شكّلت تلك الأفكار، وما رافقها من نقاشات، دافعاً أساسياً لديه لاتخاذ قرار مغادرة كويسنجق، سعياً للانخراط في ذلك التيار الإصلاحي والمشاركة في توسيع آفاق مشـروعه الفكري والنضالي.
وكان لقرار الرحيل وقعٌ عاطفي بالغ على (كـيفي جوانرويي)، الذي ارتبط بـ(حاجي) بعلاقة صداقة متينة ومودّة عميقة، إذ لم يكن مجرد رفيق لـه، بل كان أقرب الناس إليه روحاً وفكراً.
وقد دفعه هذا الفراق إلى التفكير جديـّاً في الهجرة واللحاق بصديقه. وتتجلّى مشاعر الحنين والتعلّق بينهما بوضوح في قصيدة (أيها الدهر، لقد نصبت لنا كمينك بسهامك وقوسك)، حيث يرسم (حاجي) صورة مؤثّرة لألم البعد، قائلاً في بيت شعري:
إنّ كويه التي يقيم فيها كـيفي تبدو لي كأنها جنّة
أمّا إذا خلت منه، فلا أراها إلّا جحيماً موحشاً
إلّا أن الظروف حالت دون سفر (كـيفي) مع (حاجي قادر)، إذ غادر الأخير كويسنجق أوّلاً متوجهاً إلى إسطنبول، بينما اضطر (كـيفي) إلى البقاء بعد حادثة شهدتها البلدة. وتمثّلت تلك الحادثة في السجال الشعري الذي نشب بينه وبين (الشيخ رضا الطالباني)، والذي تجاوز حدود المنافسة الأدبية، ما دفع (الملا عبد الله جـهلي زاده) إلى الوقوف في صفّ الشيخ رضا، والاعتداء على (كيفي).
وقد تركت هذه التجربة جرحاً عميقاً في نفس (كـيفي)، فغادر مدرسة (جـهلي زاده) مكرهاً، تحت وطأة ما تعرّض له. وبرغم المحاولات العديدة لإقناعه بالتراجع عن قراره والعودة، فإنه تمسّك بموقفه، ولم يعد إليها مرة أخرى.
وثمّة جدل حول مسار رحيل (حاجي قادر) إلى إسطنبول، إذ يعتقد بعضهم أنه سافر رفقة (كـيفي) عبر أربيل ورواندز. ويشير الأستاذ (مسعود محمد) إلى وجود روايتين متباينتين بهذا الشأن: الأولى تؤكّد أنّ الرحلة كانت عبر أربيل ورواندز مع (كـيفي).
وأمّا الثانية، فهي رواية (الملا عبد الرحمن)، أحد أقرباء (حاجي قادر)، التي تقول إن (كـيفي) سافر عبر أربيل والموصل.
ومع ذلك، وبالنظر إلى أن (حاجي قادر) سبق (كـيفي) في الوصول إلى إسطنبول، فإن هاتين الروايتين قد لا تكونـان دقيقتان تماماً، وربما حدث تداخل أو اختلاط في سرد الأحداث وتحليلها.
وتدعمّت الرواية الأكثر مصداقية بذكريات سجّلتها (سينم خان بدرخان) في شريط فيديو، منقول عن عائلتها، سمعته بأذني، حيث قالت: "إن حاجي قادر كويي قام في عام 1865 برفقة الملا محمود الملا أسعد، والد الملا رؤوف أفندي، والد الشاعر دلدار؛ بالتوجّه عبر أربيل وبعدها الموصل؛ ثم إلى إسطنبول، لكن بعد فترة قضياها في الموصل منشغلين بالدراسة".
يبدو أن هذه الرواية هي الأقرب إلى الصواب، لأنها تستند إلى شهادات مباشرة رواها (حاجي) بنفسه.
أمّا فيما يتعلق بأسباب رحيله، فهناك من يرى أن (حاجي قادر) هرب من كويسنجق؛ خوفاً من الشيخ نبي. غير أن هذا الرأي يبدو سطحياً، ولا يعكس شخصية (حاجي قادر) القويّة وجرأته، وكذلك هو بعيد عن التحليل الواقعي والدقيق لإنسان بمثل هذه الشجاعة.
وكما يؤكّد الأستاذ (فرهاد شاكلي) قائلاً: "إذا علمنا أن شخصية تنويرية مثل حاجي لم تتوجّه إلى إسطنبول، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، لأسباب تافهة، بل لعلّه توجه إليها بحثاً عن مصادر غنيّة قد تسهم في تنوير فكره القومي وتوجهاته الأدبية".
وعليه أرى أنه لا يمكن النظر إلى رحلة (حاجي قادر) إلى إسطنبول على أنها مجرّد هروب من أتباع الشيخ نبي أو مضايقاتهم، بل على الأرجح كانت بحثاً عن مصادر معرفية جديدة تسهم في إثراء فكره القومي وتطوير توجّهاته الإصلاحية.
ولتعزيز هذا الطرح، ودحض الرأي السطحي الذي سبق ذكره، وبالتوافق مع وجهة نظر الأستاذ (فرهاد شاكلي)، يمكن إبراز النقاط التالية، قبل العودة لسـرد السيرة الحياتية لـ(حاجي قادر):
أوّلاً: لو كان الدافع الحقيقي هو مجرّد الهروب من الشيخ نبي وأتباعه، لكان بإمكانه الاكتفاء بالانتقال إلى أربيل، أو أيّ مدينة كبرى، مثل بغداد أو دمشق، أو العودة إلى شرق كوردستان، حيث يمكنه الاستقرار في قرية أو بلدة صغيرة لممارسة الإمامة والتدريس. فـ(حاجي قادر) كان يمتلك معارف واسعة وشبكة علاقات قويّة تؤهّله للعيش الكريم في أيّ مكان، بعيداً عن الخطر المباشر.
ثانياً: كان (حاجي قادر) شخصاً واعياً ومطّلعاً على صعوبات الحياة في إسطنبول، بما فيها التحديات السياسية والاجتماعية. فلو لم يكن يتمتع بالشجاعة والقدرة على مواجهة الصعاب، لكان من الممكن أن ينتهي به المطاف تائهاً في زوايا المساجد أو الخانات العثمانية، بعد مغادرته بلده، دون أن يحقّق مكانته المرموقة بين أصحاب النفوذ والسلطة.
كما أن قصائده الانتقادية الصـريحة للطبقة الحاكمة في الدولة العثمانية، والتي كان ينشدها جهاراً، تظهر أن الشيخ نبي لم يكن أكثر من تابع صغير للقابضين على السلطة، ممّا يجعل من غير المعقول القول إن حاجي يهاجر خوفاً، ثم يُظهر جرأةً لا تصدّق في قلب اسطنبول.
ثالثاً: ينتمي (حاجي قادر) إلى عشيرة (دربندي)، وهي عشيرة صلبة تحمل تاريخاً طويلًا في الدفاع عن موطنها ضد هجمات الصفويين، وهو ما يعكس ترسيخاً روحياً ونفسياً لمفاهيم الصلابة والتماسك الأسري والعشائري.
كما أن (حاجي قادر) كان الابن الوحيد للملا، ومن رجالات تلك العشيرة، ولم يمنعه ذلك من أن يصبح شاعراً وعالماً فذّاً؛ بل إن انتماءه لتلك العشيرة منحه رمزية ومكانة رفيعة في المنطقة.
ولم يكن حاجي مقطوعاً من شجرة بلا أقارب أو سند، بل على العكس تماماً، يظهر لنا -من خلال أبياته الشعرية - أنه كان يمتلك شبكة واسعة من الأقارب والروابط العائلية، حيث يقول في إحدى قصائده:
من قوشخانة حتى سفح القلعة
ومن بايز آغا إلى محلة القلعة
الجميع من أهلي وأقاربي
يرددون رحل (حاجي) من قلّة تقديرنا له..
بالإضافة إلى عشيرته وعائلته، ارتبط (حاجي قادر) بروابط المصاهرة والزواج مع عائلة (خادم السجّادة)، وهي عائلة معروفة ومرموقة ومحترمة في كركوك ونواحي كويسنجق، وكانت لـ (حاجي) علاقات وطيدة واختلاط وثيق معهم.
وفي هذا الصدد، تشير (بروين آسفي)، ابنة شقيق الشاعر (دلدار)، إلى أن: "محمود والد الملا رؤوف أفندي، كان ابن خالة حاجي قادري كويي. كما أن (زهوة خان)، زوجة الملا رؤوف أفندي، هي والدة الشاعر دلدار. وفي سياق هذه القرابة العائلية، زهوة هي ابنة خورشيد أفندي، وخورشيد أفندي هذا هو ابن عم حاجي قادر".
وتؤكّد (زينب خان) ابنة (الملا رؤوف أفندي) هذا الترابط العائلي الوثيق؛ في بيت شعري:
لقد كان حاجي قريباً لأمي
الكورد طردوه بأيدي الأعداء
وأمّا أولئك الذين كتبوا عن (حاجي قادر) بغرض النقد، فقد استندوا إلى عدد من أبياته، واستنتجوا من مدحه لأقاربه أنه كان بلا مأوى، أو أن أقاربه لم يكونوا مستعدين لمساندته في الصراعات التي خاضها.
لكن إذا تعمّقنا في سياق الأحداث والأشعار، يتّضح أن (حاجي قادر) لم يكن يتحدث عن حقائق وقعت بالفعل، بل عن توقّعاته لما كان يأمله من أقاربه بعد رحيله. فهو كان يتصوّر أن مواجهة المشاكل ستجعل البعض يلوم نفسه لاحقاً على تقصيرهم، ويقول: "ليتنا احترمنا حاجي قادر كما ينبغي".
برأيي، سبب رحيل (حاجي قادر) لا يعود إلى نقص الدعم أو الوحدة، بل إلى امتلاكه روحاً عالية وشجاعة، وترفّع عن الانخراط في دائرة غير عادلة وظالمة، إذ لم يكن مستعداً لأن يخضع أو يدخل في صراعات شخصية مع الشيخ المذكور، أو حتى مع أقاربه، بل اختار الرحيل كخيار كريم يحفظ كرامته ومبادئه.
ولم يكن من المستبعد أن يتوجّه (حاجي قادر) إلى إسطنبول، عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك، حيث كان نصف العالم يدار من هناك. فبالنسبة لشخص مثله، كانت المدينة تمثّل مكاناً يمكن العيش فيه بكرامة، غير أن الوصول إليها لم يكن سهلاً، فهي مدينة مزدحمة ومعقّدة، ولم يكن الهروب إليها من باب خوف عابر أو اختباء عشوائي، فالذهاب إلى إسطنبول كان يتطلب أسباباً كبيرة، مصالح معروفة، أو دعوات رسمية من حكام السلطنة العثمانية.. كما يشير الأستاذ (مسعود محمد) قائلاً: "حتى ذلك الوقت الذي ذهب فيه حاجي قادر، لم يكن هناك سوى شخص أو شخصين من تلك المناطق قد وصلوا إلى إسطنبول".
باختصار، لو لم يكن (حاجي قادر) يحمل رسالة وهدفاً تنويرياً سامياً، ويسعى لنشـر الوعي، لما كان ليخوض عناء رحلة شاقة تمتد لآلاف الكيلومترات عبر طرق وعرة، فرحلته لم تكن مجرّد هروب، بل امتداد لمشروعه الفكري والإنساني.
وكما أشـرنا آنفاً، بأن (حاجي قادر) توجّه صوب إسطنبول عبر طريق أربيل والموصل، إلّا أن المرحلة التي قضاها هناك ما تزال من أكثر الفترات غموضاً في حياته.
فالأحداث المرتبطة بإقامته الطويلة في إسطنبول لم يصلنا عنها سوى القليل، ولم تحفظ تفاصيل واضحة أو وقائع مؤكدة يمكن الاعتماد عليها بصورة حاسمة.
وما بين أيدينا اليوم لا يتجاوز إشارات متناثرة ومعلومات محدودة، بل إن قسماً كبيراً من شعره قد فقد ولم يصل إلينا.
ورغم ذلك، فإنّ ما تبقّى من أشعاره وأفكاره يمنحنا فرصة لقراءة رؤيته الفكرية والإنسانية بوضوح، إذ يمكن عبر تحليل نصوصه استكشاف ملامح وعيه ونظرته إلى الحياة والمجتمع.
كما يبقى الأمل قائماً في أن تكشف الأيام مستقبلاً عن وثائق أو معلومات جديدة تسلّط الضوء على تلك المرحلة المجهولة من حياته.
ومن خلال تتبّع بعض قصائده والمصادر التي تناولت سيرته، يمكن الإشارة إلى عدد من الملاحظات المتعلّقة بحياته في إسطنبول:
أولاً: تذهب أغلب الكتابات التي تناولـت حياة (حاجي قادر)، إلى أنه بعد وصوله إلى إسطنبول أقام علاقة قريبة مع عائلة (البدرخانيين)، وعمل معلّماً ومربيّاً لأطفالها. غير أن هذا الأمر لا يجد ما يؤكّده بوضوح في أشعاره، فباستثناء إشارات محدودة إلى بعض شعرائهم، لا يظهر حضور واضح لعائلة (البدرخانيين) في حياته الشعرية أو الشخصية، والأهمّ من ذلك أن المصادر القديمة، وخصوصاً تلك المرتبطة بالعائلة نفسها، لم تشـر بصورة صـريحة إلى هذه العلاقة.
ثانياً: تذكر بعض المصادر أن (حاجي قادر) كان يقوم بتدريس اللغة الفارسية للراغبين في تعلّمها. لكن طبيعة هذا النشاط ما تزال غير واضحة؛ فلا نعلم أين كان تقدّم هذه الدروس، هل كان ذلك في مسجد، أم مدرسة دينية، أم في مؤسسة تعليمية حكومية أو خاصة؟ كما لا نعرف ما إذا كانت تلك الدروس تقدّم ضمن حلقات محدودة، أو مناهج منتظمة، ولا إن كان يقوم بها تطوعاً أم مقابل أجر وراتب؟! وتبقى هذه التفاصيل، حتى اليوم، غامضة وغير محسومة.
ثالثاً: إذا ألقينا نظرة فاحصة على أشعار (حاجي قادر) وديوانه؛ يتّضح لنا أن حاجي لم يذهب إلى إسطنبول من أجل الاختباء أو العزلة، ولم يكن قابعاً في زاوية مسجد أو تكية، بل انخرط في الأوساط العلمية والفكرية في إسطنبول. وكان لديه اهتمام وشغف كبيرين بالمجالات العلمية، الفكرية، الأدبية، والسياسية أيضاً.
ففي بعض قصائده، يلاحظ أنه يقوم بتحليل الأحداث السياسية لعصـره، بل ويطرح بعض الاستشرافات السياسية.
وكما أشرتُ سابقاً، أرى أن (حاجي قادر) نتيجة لوعيه بضـرورة التغيير والإصلاح في موطنه، من جهة، وبسبب أفكاره السياسية والإصلاحية، من جهة أخرى، كان يتابع بدقّة كافة التحرّكات والتيارات الإصلاحية في إسطنبول والعالم الإسلامي آنذاك.
ومن جانب آخر، فإن مشاركته في تلك التيارات الإصلاحية، وتوسيع دائرة نضاله، هي التي دفعته للتوجه إلى إسطنبول.
ومع أنه لا تتوفر لدينا هنا أيّ معلومات أو وثائق تاريخية تثبت ذلك، إلّا أنني قمت بمقارنة فكر (حاجي قادر) بفكر السيد (جمال الدين الأفغاني). وأنا على يقين من أن هذين الرجلين قد التقيا وتحاورا وتبادلا الآراء، فكلاهما كانا شخصيتين بارزتين وحاملين للفكر الإصلاحي، وعاشا معاً في إسطنبول في نفس الفترة، وكانا يحظيان باحترام وتقدير السلطات العثمانية، وكان هناك تقارب فكري كبير بينهما، كما انخرط كلاهما بنشاط في الحراك الفكري والسياسي، ولذلك لا أظن أبداً أنهما لم يلتقيا.
رابعاً: كما يتّضح؛ فإن (حاجي قادري كويي) لم ينفصل تماماً عن جنوب كوردستان – العراق، وبالتحديد مدينته كويسنجق، بل كان يسعى دائماً - بحسب ما يتوفر له من أخبار ومعلومات- إلى إرسال آرائه وأفكاره الجديدة عبر قصائده إلى أبناء جلدته. وقصيدتاه الشهيرتان: (رأيت في روما)، و(كوردي من كويسنجق)، هما خير دليل على أن (حاجي قادر) لم يفوّت أدنى فرصة للوصول إلى معلومات تخصّ كوردستان بشكل عام، ومسقط رأسه (كويسنجق) بشكل خاص.
وكان يعيش دوماً، إن لم يكن بجسده؛ فبفكره ومخيّلته، مع أبناء كوردستان. وتعدّ قصيدته (ذات ليلة كنت جالساً بلا شمع ولا مصباح)، أنموذجاً حيّاً على هذا الخيال، حيث كان يبذل جهده لإرسال أشعاره ورسائله لضمان عدم انقطاع صلته بوطنه كوردستان.
خامساً: خلال تلك الفترة التي قضاها (حاجي قادر) في إسطنبول، اندلعت ثورة الشيخ (عبيد الله النهري).. وإذا ما قمنا بتفكيك الخطاب الثوري للشيخ عبيد الله، ومقارنته بالمضمون الفكري لأشعار (حاجي قادر)، فلن نجد أيّ اختلاف بينهما؛ إذ يمكننا تصنيف كليهما ضمن إطار الخطاب الإسلامي القومي، أو (القومية الإسلامية).
وعلى الرغم من عدم العثور على أيّ وثيقة تاريخية حتى الآن تثبت وجود علاقة مباشرة بين هاتين الشخصيتين، إلا أنني أرجّح بقوّة وجود صلة وثيقة وروابط متينة بينهما، وأن حاجي كان له دور بارز في تحريك هذه الثورة.
وفي هذا السياق يرى الكاتب (محمد حمه باقي) - أيضاً - أن (حاجي قادري كويي) كان المحرّك الأساسي لثورة الشيخ (عبيد الله النهري). ورغم أنني لا أعرف المستند الذي اعتمد عليه الكاتب في طرح هذا الرأي، لعدم توفر وثائق بين أيدينا، إلا أن رجاحة هذا التوجّه تبدو قوية.
على أيّ حال، فإنني أميل إلى الرأي ذاته، ولكن استناداً إلى قراءة تحليلية دقيقة لقصيدتي (أرض الجزيرة وبوتان)، و(يبدو أن هناك رسماً وقانوناً جديداً).. فمن خلال التأمّل في مضامين هاتين القصيدتين، يتّضح أن (حاجي قادر) لم يكن مجرّد فرد يعيش في محيط الثورة، أو متابعاً لأحداثها، بل كان أحد الأصوات التي صاغت خطابها الفكري، وكشف في شعره كثيراً من تفاصيل الأوضاع السياسية والمؤامرات التي استهدفت الثورة والشعب الكوردي بصورة عامة.
وعند قراءة ما بين سطور القصيدتين، وتحليل دلالاتهما، يظهر بوضوح أن (حاجي قادر) كان من الشخصيات التي وقفت إلى جانب الشيخ (عبيد الله النهري)، ودافعت عن مشروعه ومواقفه، وكان منحازاً إلى قضيته الفكرية والسياسية.
سادساً: عاش (حاجي قادر) في إسطنبول حياة اتّسمت بالفقر وضيق الحال. ولأنه لم يؤسّس عائلة، فقد انشغل معظم حياته بالعمل وتأمين متطلّبات المعيشة، دون أن يتمكن من جمع مال أو تكوين ثروة.
وفي السنوات الأخيرة من عمره، تعكس بعض قصائده معاناته من الشيخوخة والمرض وقسوة الظروف المعيشية.
وفي عام 1897م توفّي (حاجي قادر)، ووري الثرى بمقبرة (قره جه أحمد) في إسطنبول. ورغم أن الموقع الدقيق لقبره ما يزال غير معروف حتى اليوم، فإن ما يبعث على الارتياح هو أن ما تبقى من قصائده يمنحنا فرصة لفهم شخصيته وفكره وفلسفته الحياتية بصورة أكثر عمقاً ووضوحاً.
إن الإرث الذي تركه (حاجي قادر) لا يقتصـر على روحه القومية أو خدماته الجليلة لدينه وشعبه فحسب، بل يتمثّل أيضاً في مشـروعه الفكري والتنويري الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في الذاكرة الثقافية الكوردية.
ومن هنا، فإن سيرته تستحقّ المزيد من البحث والدراسة، كما ينبغي التعامل مع تجربته بوصفها أنموذجاً فكرياً وأدبياً جديراً بالاقتداء، والسعي إلى تتبع تفاصيل حياته وتراثه الفكري والأدبي بصورة أوسع وأدق.
وأمّا ما جرى معرفته حتى الآن من كتابات (حاجي قادر)، فيمكن تلخيصه في عدة محاور أساسية:
1- قصائده المنشورة: وهي جزء صغير من قصائد حاجي، وقد طبعت حتى الآن عدّة مرّات، ومن قِبل عدّة أشخاص، تحت اسم (ديوان حاجي قادري كويي). ومن بين هؤلاء، قام المرحوم (عبد الرحمن سعيد)، و(كيوي موكرياني)، وكذلك (محمد الملا كريم)، بتحقيق هذا الديوان بعناية وطبعه في مجلدين، ولكن دون كتابة سنة الطبع عليه. بالإضافة إلى ذلك، قام كل من (سـردار ميران)، و (كريم شارزا)، بالاستعانة بالعمل الذي أنجزه (حمه الملا كريم)، بنشر ديوان حاجي مجدداً مع بعض الدراسات والتحليلات.
2- كشكول - كرّاس كبير بخط يده، يضم أكثر من (٤٠٠) صفحة، وكان محفوظاً لدى عائلة (كيوي موكرياني).. ورغم محاولاتي العديدة للحصول على هذا المخطوط لاستخدامه في هذه الدراسة، إلّا أنه للأسف تعذّر الحصول عليه.
3- هوامشه على كتاب السيوطي: عندما كان طالباً في المدرسة الدينية، كتب هوامش على معظم صفحات كتاب السيوطي.. وهذا الكتاب موجود الآن لدى عائلة (ملا كويه الكبير)، والد الأستاذ (مسعود محمد)، وهذا ما أكّده الاخير بنفسه؛ بأنه استفاد كثيراً من مقولات (حاجي قادر) في ذلك الكتاب، وكان معجباً بها للغاية.
وقد بذلتُ جهوداً مضنية للوصول إلى الكتاب عن طريقهم، ولكن بذريعة أنه قد احترق، لم أحصل عليه هو الآخر.. ورغم أنني أشك في مسألة هذا الاحتراق، لأن مكتبة (الملا الكبير) قد احترقت قبل سنوات طويلة من ذلك، إلا أن كتاب الأستاذ (مسعود محمد) الذي ألّفه في السبعينيات، وكذلك المقال الذي نشـره الأستاذ (عبد الرزاق بيمار) سنة ١٩٧٣، يؤكّدان وجود ذلك الكتاب.
4- الديوان الكبير الذي جمعه (حاجي قادر) بنفسه تحت عنوان (الحمية القومية)، كان يتألّف من نسختين.. وقد أعده للطبع، إلا أن الظروف المالية الصعبة حالت دون إخراجه. ولاحقاً، سلّم نسخة من الديوان إلى (عبد الرزاق بدرخان) بغرض طباعته، لكن أحداثاً مؤسفة حصلت، إذ قامت جندرمة حكومة الاتحاد والترقي بالقبض عليه ومصادرة جميع ممتلكاته، ومن بينها ديوانه، ما أدّى إلى ضياعه.
لكن، يبقى الأمل قائماً في أن تظهر النسخة الثانية في المستقبل، ربّما بحوزة شخص مخلص وحريص، ليتمّ استعادة هذا الإرث الفكري الثمين ويتاح للباحثين والمهتمين فرصة الاطلاع عليه.
---
مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون