عبق الذكريات: في تأبين الأستاذ أحمد حمد أمين

أبواب أخرى 🕔 2026/07/06 ✍️ منجد مصطفى بهجت
عبق الذكريات: في تأبين الأستاذ أحمد حمد أمين

د. منجد مصطفى بهجت - ماليزيا

كنت أقلّب صفحات العدد الأخير من مجلة الحوار، فلفت نظري مقالة كتبت بعنوان (قصة واقعية)، ثم كُتب تحتها: بمناسبة رحيل الأستاذ أحمد حمد أمين.. قرأت الخواطر التي كتبها الأخ عمر إسماعيل رحيم، فنقلتني إلى عالم آخر يمتد إلى أكثر من نصف قرن، بسبب الاسم الذي لمع في ذاكرتي، والمقالة المباركة تندرج في بعض خصائصها في جنس الخاطرة أو المذكرات في تصنيف الأجناس الأدبية، جاءت بلغة سليمة ومعانٍ جليلة، وفّق فيها الأستاذ عمر إلى نقل مشاعره تجاه رحيل الشيخ أحمد حمد أمين.. قفزت الذاكرة إلى سنوات الستينيات، وعلى وجه الدقة 1964، فوجدت العنوان الفرعي الذي اختاره الكاتب موفّقاً إلى حدّ بعيد: الذين حملونا بصمت.. نعم، لم يحمل الشيخ أحمد الأخ عمر إسماعيل وحده، بل حملني أنا كذلك، وأخي المرحوم دكتور مجاهد مصطفى.. لكن إلى أين حمَلنا؟ حملنا على الاستقامة منذ نعومة أظافرنا، وحمّلنا الأمانة في حياتنا..

كنت يومها في المرحلة الدراسية الأخيرة قبل الجامعة..

واليوم حين أكتب لست مؤبّنا، وإن كان التأبين جزءاً ممّا أقول، لكنّي أحببت أن أؤكّد ما استفدته منه، ولست واحداً، وما استفاده منه كثيرون بإذن الله.. وتسجيل موقف دقيق في حياتي أتمثلُ فيها الرجلَ، وتتمثّل في الموقف الشجاعة في اتّخاذ القرار الذي لا يحتاج إلى أكثر من دقيقة! هذه الدقيقة التي كسبَ بها قلبي، وقلب أخي كذلك، يوم كنّا في سنّ الشباب وفي ميعته.. وجهٌ جديد يطرق الباب مستأذناً بالدخول.. كان ذلك هو الأسلوب الشائع في الاستئذان بالزيارة، ولم تكن الاتصالات الهاتفية موجودة على نحو ما هي عليه في هذه الأيام..

جاء يدعونا إلى الإسلام.. ويا لها من دعوة ثمينة، قبضنا ثمنها عاجلاً، ووعدنا ربنا بالثمن الآجل، إن شاء الله.. وزيارة الشيخ أحمد حمد أمين لم تكن مجرّد زيارة خالية من المضمون، بل كانت لبنة مبكّرة في بناء الشخصية الإسلامية، مصحوبةً ببعض الكتيبات والرسائل الدعوية.

تواصلتُ مع الأستاذ إياد؛ نجل المرحوم، ليصلني بمذكّرات أبيه، التي عشت معها بتفاصيلها، وتجلّى لي في المذكّرات الموسومة: (من التاريخ وللتاريخ)، الثنائيات في: البعد الوطني والبعد الإسلامي، وضرورة قطع الأمر فيهما، البعد الدنيوي والبعد الدعوي، والتوازن بينهما، البعد الواقعي والبعد المثالي، وعدم التردد فيهما.

إنها كليّات الأمور، فدقائقها يحدّثنا عن استواء شخصية المسلم في بيته، وإخلاصه في عمله خارجه، حين التزم الموضوعية في قرار تعليم التربية الإسلامية، بدلاً من التربية المسيحية سنة 1971، ص67. هي مذكّرات ومؤشّرات للأبعاد الدعوية في منطقة جغرافية محدّدة، في سنوات مضطربة من عمر العراق.

في البعد الأول ظهر لنا موقفه الصريح وهو يخاطب مسؤوله في العمل في المستشفى، بصراحة ودون مواربة.. وجرّ عليه الموقف عقوبتين متواليتين (لفت النظر) ص 63. وفي البعد الثاني كان صريحاً في تواصله المبكّر مع التنظيم الإسلامي، لتحقيق مصلحة شخصية ص 32، ثم كيف شرح الله صدره للصواب فيما بعد.. كذلك، حين تحدّث بشفافيّة وعفويّة عن رسالة غيرّت مجرى حياته ص 94.. وفي البعد الثالث، حين رفض الاستجابة لسياسة القطيع، والانصياع لدعوة التبرّع بالمال.. والتحلّي بالشجاعة هو الذي ثبّته على الموقف ص 80.

لقد كانت صلتي بالشيخ أحمد محدودة، بحكم أن إقامتي في أربيل انتهت سنة 1966، لكن حرارة كلمات الأخ عمر إسماعيل في آخر مقالته تناسب أن أتمثّل بها، فهي خير شاهد على قيمة الأخوّة والتضحية من أجلها، وذلك حين وصف دموعه وهو يودّعه بعد أن قرّر ترك الوطن إلى إيران: دموع صامتة هادئة.

والخلاصة، نجد المواقف تصنع الرجال، وتكشف نواياهم، ومدى التزامهم بالثوابت.. رجل أيُّ رجل، تشرّب بروح الإسلام حتى النخاع، وتيقّن أن النجاة لا تكون بغيره، وأن مسؤولية المسلم استنهاض أبنائه ليستأنفوا حياتهم الطيّبة، وأن المؤمن يؤجر حتفَ أنفه، ويرزق مرتبة الشهيد وإنْ مات على فراشه، كان رضا الله يمثّل أقصى أمنياته.. تقبّله الله في عليين، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى.

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

مواد ذات صلة

كتاب الحوار/ حاجي قادر كويي: العالم والأديب والمفكر الإصلاحي.. آلام (حاجي قادر كويي) ومآسيه (القسم الرابع)

كتاب الحوار/ حاجي قادر كويي: العالم والأديب والمفكر الإصلاحي.. آلام (حاجي قادر كويي) ومآسيه (القسم الرابع)

كان (حاجي قادر كويي) يعيش مأساة تراجيدية متكاملة، نسجت خيوطها من الألم والمرض والفقدان ومختلف صنوف المعاناة. فقد كانت حياته أشبه بلوحة واسعة رسمتها الجراحات والأحزان؛ حزن اليتم بفقدان الأب والأمّ، ومرارة الحرمان من الحنان الأبوي، والعيش من دون موجّه أو معين يستمد منه خبرة الآباء وتجاربهم.

شعراء من واحة الأدب الإسلامي (3)

شعراء من واحة الأدب الإسلامي (3)

يتجدّد لقاؤنا مع نماذج من الشعراء الذين أسهموا في إثراء الأدب الإسلامي المعاصر، مستمدّين من الإسلام رؤيتهم للإنسان والحياة، ومعبّرين عن قضاياهم وتجاربهم بلغةٍ تجمع بين جمال الفن ووضوح الفكرة. وفي هذا اللقاء نقف عند شاعرين من شعراء الأدب الإسلامي، هما: أحمد فضل شبلول، وأحمد يحيى بهكلي، لنتعرّف إلى حياتهما وتجربتهما الأدبية، وما تركاه من أثر في هذا المجال.

لمحات من خواطري

لمحات من خواطري

لا حياة بلا حضارة، ولا حضارة بلا دين، ولا دين كالإسلام. - ما أجمل الإنسان وهو يبتسم من صميم قلبه، وما أقبحه وهو يقهقه. - ما هي السعادة في الدنيا؟ هي الشعور بالفرح والانشـراح؛ كلحظات اللقاء بالأحبّة، وكشهود لوحة من لوحات الكون الجميل. - أعداؤنا يقاتلوننا غالباً بفن الإعلام، فيجب أن نقاتلهم نحن كذلك بأقوى من الإعلام، لأننا الأعلون! - كل مبتلى ببلوى. - يا أيها المؤمنون في العالم: لماذا لا تتحدون جميعاً كأمّة واحدة، وقد آخاكم الله تبارك وتعالى: [إنما المؤمنون إخوة]. أمَا آنَ لكم أن تتعارفوا وتتفاهموا وتتعاونوا؟ ألا تخافون ربّكم، أو ترجونه؟ إنه بكم لرؤوف رحيم. ألا قليلاً من الهمّة والصدق والشجاعة!

قصة واقعية/ ورقة من السماء

قصة واقعية/ ورقة من السماء

كانت سنة 1976 حين ساقني القدر إلى قريةٍ لم أزرها من قبل.. كانت رحلة قصيرة في ظاهرها، لكنها غيّرت مسار حياتي كله.. هناك، بين التلال الخضـراء وبيوت الطين الهادئة، کنت أبحث عن بيت شخص، أسأل هنا وهناک لعلّ أحداً يدلّني عليه، فوقعت عيني علی غلام في مثل سنّي، کان يبدو أمتن منّي، ولونه يميل إلی السمرة، فسألته عن البيت.