مسارات/ حين تنتصر الإنسانية على حدود الجغرافيا

زوايا وأعمدة 🕔 2026/07/06 ✍️ سرهد أحمد
مسارات/ حين تنتصر الإنسانية على حدود الجغرافيا

لم تكن فاجعة غرق الطفلة (رقية) في غيابات نهر (زلم) بمنطقة هورامان مجرّد حدث عابر يضاف إلى سجل الأقدار الحزينة، بل تجلّت كملحمة وجودية اختبرت جوهر الكينونة البشـرية في أبهى صورها؛ إذ خطّ أهالي حلبجة وهورامان، على مدى أيام من التوجس والانتظار، وثيقة تاريخية في التآزر والتراحم، عكست أسمى قيم التضامن الإنساني.

فمنذ اللحظات الأولى لغيابها، تلاشت التمايزات الضيّقة والانتماءات الفرعية، وتوحّدت الإرادات خلف غاية أسمى: (كيف يعاد الأمل إلى قلب عائلتها المفجوعة؟). وفي هبّة جماهيرية عفوية، هجَرَ مئاتُ المتطوّعين شواغلهم اليومية لينخرطوا في خلايا إنقاذ وبحث دؤوب، جابوا خلالها التضاريس الوعرة، واقتفوا مسارات المياه الهادرة بين الشقوق والمنحدرات؛ مدفوعين بوازع أخلاقي متجذّر يرى في صون النفس البشرية واجباً مقدّساً يتخطّى حدود المكان.

ومع إسدال الستار على رحلة التقصـّي بالعثور على جثمان الراحلة الصغيرة، لم ينقض عهد الوفاء؛ إذ استحال الإقليم كاملاً إلى سرادق عزاء ممتد.. فاضت أعين مَن لم يعرفوها قطّ، وانحنت النفوس إجلالاً للوعةِ أسرةٍ اغتربت عن ديارها، لتجد في هذا الفضاء الحاضن وطناً بديلاً وصدراً حانياً.

لقد تجاوز المشهد الطقوس التقليدية للمواساة، ليُصبح تجسيداً حيّاً لروح كوردستان الجامعة، حيث تذوب المسافات وتتحطّم قيود الجغرافيا أمام تدفّق المشاعر الصادقة.

وفي موكب الوداع المهيب، اصطّف السكّان على جنبات الطرقات يذرفون دموعهم ويحملون ورودهم في تحية أخيرة، باثّين رسالة صامتة ومزلزلة أن الإنسانية الحقّة لا تحتاج إلى أواصر دم أو لغة مشتركة، بل إلى قلوب نابضة بالرّحمة.

لقد صاغ أبناء حلبجة وهورامان دثاراً أخلاقياً ملهماً للأجيال القادمة، يبرهن على أنّ عظمة المجتمعات لا تقاس بالشواهد العمرانية أو الوفرة المادية، وإنما بصلابة منظومتها القيمية، ومدى قدرتها على التلاحم في لحظات الانكسار البشري.

لئن غابت (رقية) جسداً، فإنّها ستبقى حاضرة في الذاكرة الكوردية، شاهدة على أنّ العَلاقاتِ الإنسانيّة تتخطّى حدود المكان، وتخفّف من وطأة الفواجع.

---

مجلة الحوار ǀǀ العدد ١٩٦ ǀ صيف ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

مواد ذات صلة

مسارات/ حين نقارع العنصرية بعنصرية أخرى

مسارات/ حين نقارع العنصرية بعنصرية أخرى

من المؤلم أن نتحدّث عن العنصرية في مجتمع عانى أبناؤه على مدى عقودٍ من سياسات التمييز والإنكار والإقصاء، ثم نغضّ الطرف عن مظاهر مشابهة قد يمارسها بعض أفراده تجاه الأقوام والمكوّنات الأخرى.

مرافئ/ نحت الآخر على صورة الأنا!

مرافئ/ نحت الآخر على صورة الأنا!

يميل الطبع الإنساني إلى الاختلاط بالآخرين والعيش معهم؛ فالأصل في الحياة البشرية المشاركة الاجتماعية لا العزلة، التعايش لا التباعد. فالإنسان - بعبارة علم الاجتماع - كائن اجتماعي بطبعه، منذ أن خلق الله الإنسان، وإلى أن يشاء الله أن يبقى على وجه هذه البسيطة إنسانٌ يتحرك وكائنٌ يتنفس! وتدوم هذه العلاقة وتتعمّق حين يتقبّل أحدنا الآخر باختلاف طباعه ومزاجه، وباختلاف رؤاه وتصوراته.

مرافئ/ المتوقع من الأكاديمي

مرافئ/ المتوقع من الأكاديمي

لا تعدّ الشهادة العلمية مجرّد وثيقة علمية، بل إنّ من يحامل هذه الشهادة مطالب بالإنصاف، وعدم التعميم أو إطلاق الأحكام المسبقة على الأشخاص والجماعات والمؤسسات.