ممداني… بين كسر الفوبيا وإيقاظ الوعي الأمريكي

هاوين أنور عبد الله - بنت الكورد

من الآن فصاعداً، لا يُرفع لواء التكريم لأي رمزٍ إلا بعد تمحيصه على محكّ الحقيقة. فزمن التصفيق الأعمى قد ولّى، وزمن الرموز المصنوعة في العتمة انتهى.. المرحلة تقتضي غربلة كل اسم، وكل وجه، وكل خطاب، قبل منحه شرعية الاحتفاء.

إنّ كسر الفوبيا المزروعة في وجدان الإنسان، في أمريكا أو غيرها، لا يقتصر على تحرير خوفٍ فردي، بل هو دعوة لإطلاق طاقات رفضٍ جماعي للهيمنة الخفيّة التي تتحكّم بالسياسات، وتوجّه الإعلام، وتصنع الأفكار، وتشكّل العقول.. كل فكرة مُبرمجة، كل موقف مُصنّع، وكل وعي مُخدَّر، يجب أن يخضع للفحص والنقد، لتبدأ مقاومة القبضة المتجذّرة – المُهيّأة بعناية من الداخل، والتي صارت تتحكّم بمصائر الشعوب.

هذا هو المعنى الحقيقي للوعي: ألّا ننصاع لما يُفرض علينا، وألّا نستسلم لفوبيا صُنعت بإتقان، بل أن نعيد للضمير الجمعي حقّه في رؤية الحقيقة بوضوح، واختيار الطريق بلا أذرع خفيّة تمتدّ من وراء الستار.

وتبرز هنا علامة استفهام مشروعة في ظلّ الضجة التي رافقت فوز (ممداني) بمنصب عمدة مدينة صغيرة في (نيويورك).. السؤال الذي يلحّ هو: كيف وصل (ممداني) إلى هذا المنصب، الذي يُقال إنه أغضب المتنفذين في السياسة الصهيونية؟ وكيف – إن كان فوزه موجعًا لهم بالفعل – لم تتخلّص منه القوى الخفيّة، التي ما اعتادت يومًا التساهل مع من يقترب من خطوطها الحمراء؟

هذه المنظومة – بتاريخها المديد – لم تسمح حتى لِهَمْسٍ معارضٍ بالاقتراب منها، فما بالنا بشخصٍ يحقق انتصارًا انتخابيًا؟ ومع ذلك، يظهر (ممداني).. ويستمر.. وهنا تُثبَّت علامات الاستفهام في مكانها.

كثيرٌ من المسلمين استبشروا به لأنه كسر الفوبيا التي حاصرت المواطن الأمريكي طويلًا: الخوف من انتقاد المنظومة الصهيونية واللوبي المتنفذ المسيطر على الوعي الأمريكي.. لقد عاش الأمريكي العادي عقودًا محاصرًا بإعلام يصنع له وعيًا ناقصًا، ويحجب عنه حقيقة السياسات التي تُساء باسمه، لا سيما في العالمين العربي والإسلامي.

والمواطن الأمريكي – في عمقه الثقافي – بسيط، محدود الاطلاع، ضحية إعلام محلي أعاد تشكيل وعيه وفق مصالح طبقة سياسية متسلّطة.. أما من أدرك حقيقة النفوذ الخفي، فلم يكن يجرؤ على الإفصاح؛ فالثمن كان دائمًا فادحًا.

ثم جاء طوفان الأقصى ليقلب المشهد الأمريكي رأسًا على عقب.. لم يعد ممكنًا للإعلام أن يطمس ما يحدث في (غزّة).. المشهد الغزّي، وصمود المقاومة، وملامح القيادة التي برزت في شخصية محمد الضيف ويحيى السنوار، اخترقت الحاجز الإعلامي الأمريكي عبر (تيك توك) ومنصة (إكس)، ودفعت قطاعات واسعة للتساؤل: ما طبيعة السياسات التي تُدار باسمهم؟ ومع هذا التحوّل الذهني، بدأ الأمريكي يتململ من منظومةٍ صارت تُعامَل كإلهٍ يُعبد بحكم هيمنةٍ طويلة.

وسط هذا الاحتقان، وجد بعض الناخبين في خطاب ممداني متنفسًا مختلفًا، ومخرجًا من أزمات خانقة:

– تضخّم اقتصادي متصاعد،

– تفاقم المشرّدين الذين يفترشون شوارع نيويورك – خصوصًا مانهاتن – في مشهد أقرب إلى سقوطٍ إنساني،

– انفلاتٌ في الجرائم والاعتداءات،

– وانهيار اجتماعي واقتصادي شامل.

في ظل هذه التراكُمات، رأى الأمريكي أن تجربة جديدة قد تمنحه قليلًا من هواء الحرية المحجوب.

ورغم ذلك، يجب التأكيد أن (ممداني) لم يخرج تمامًا من شرنقة المنظومة الصهيونية السياسية.. فقد انتقد بعض الشخوص والممارسات التي أرهقت المواطن الأمريكي – خصوصًا في نيويورك – لكنّه لم يقترب من البنية العميقة للهيمنة، أو من جوهر النظام الدولي.

ومع هذا، يمكن النظر إلى الأمر كخطوة أولى نسبية من تيار يساري يحاول – ربما – خلق تحوّلات بعيدة المدى.. خطوات صغيرة قد تتراكم يومًا وتُنتج وعيًا إنسانيًا أعمق بقضية فلسطين، وتفتح للأمريكي نافذة على حقيقة الجرائم والفساد والشرور التي أخفتها حكوماته عنه عقودًا.

العالم اليوم يقف على أعتاب مرحلة تتغيّر فيها موازين الوعي قبل موازين السياسة.. وما يحدث الآن – على محدوديته-هو الشرارة الأولى في كسر الهيمنة السردية التي فرضتها القوى الصهيونية طويلًا على العقل الأمريكي.

ولعلّ هذه الشرارة تمهّد لوعيٍ أصفى وأعمق، يعي المظلومية، ويُدرك الحقيقة، ويستعيد إنسانيّةً شوهها الإعلام والسياسة والسلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى