المؤتمر الصحفي للأمين العام للاتحاد الإسلامي الكوردستاني

إعداد وتحرير: سرهد أحمد

  في الذكرى السنوية الـ(31) لإعلان الاتحاد الإسلامي الكوردستاني، أكّد الأستاذ صلاح الدين محمد بهاء الدين، الأمين العام للاتحاد، أنّ إقليم كوردستان يواجه أزمة حقيقية بسبب الخلافات بين القوى السياسية والمشكلات المتعلّقة بنظام الحكم، ممّا أدّى إلى وضع يصعب الخروج منه بسهولة.

وقال الأستاذ صلاح الدين: “اليوم نرى أنّ منطقتَيْ النّفوذ اللتين تشكلّتا؛ أصبحتا            – للأسف – بمثابة دولتين، وهناك اختلاف في طريقة التعامل مع كافة القضايا بين هاتين المنطقتين، ممّا يعني أن الشعب أصبح منقسماً، والوطن ممزّقاً، وهذا يترك تأثيراً خطيراً على الأجيال القادمة أيضاً”.

وفيما يتعلّق بمشكلة رواتب الموظفين، أكّد أن: “الراتب، الذي هو أمر أساسي ومهمّ جداً في حياة أيّ مواطن، أصبح اليوم ملفّاً معقّداً يعاني منه هذا الشعب”.

وبشأن المشاركة في التشكيلة الحكومية العاشرة المرتقبة لإقليم كوردستان، شدّد الأستاذ صلاح الدين على أن الاتحاد الإسلامي الكوردستاني لن يشارك، قائلاً: “لا يمكننا أن نكون جزءاً من هذا الواقع القائم”.

في جزء آخر من حديثه، تحدّث الأمين العام للاتحاد الإسلامي عن عملية السلام في تركيا، ووصفها بأنها “خطوة جديدة”، كما شدّد على ضرورة إيجاد حلّ سلمي للمناطق الكوردية في سوريا من خلال الحوار.

وبخصوص استفتاء عام 2017، جدّد الأمين العام التأكيد على أن الاتحاد الإسلامي الكوردستاني يدعم حقّ الشعب الديمقراطي في إجراء الاستفتاء، لكنه أشار إلى أن “المشكلة كانت في التنفيذ، وتوقيته”.

نصّ حديث الأستاذ صلاح الدين محمد بهاء الدين، في المؤتمر الصحفي الذي عقده بحضور مندوبي القنوات الإعلامية الكوردية، بمناسبة الذكرى السنوية لإعلان الاتحاد الإسلامي الكوردستاني:

مرحباً بكم جميعاً، شكراً جزيلاً لكم. في هذه المناسبة، نحتفل اليوم بذكرى 6/ 2، حيث مرّ 31 عاماً على الإعلان الرسمي للاتحاد الإسلامي الكوردستاني. نقدّم التهاني لأنفسنا، ولشعب كوردستان عامّة، ولكل أعضاء الاتحاد الإسلامي، ولكل مناصري الإسلام في العالم. نأمل أن نكون قد نجحنا، وأن نستطيع مستقبلاً تحمّل المسؤوليات وتحقيق الأهداف التي تعهّدنا بها، وأن نكون على مستوى المنهج الذي اخترناه، بإذن الله.

أيّها الأعزاء، عندما بدأ الاتحاد الإسلامي، كان بلا شك خطوة جديدة، لأن العمل الإسلامي في كوردستان له جذور دون شك. فشعب كوردستان مسلم، وكان للإسلام وجوده وتأثيره عبر التاريخ، لكن في تلك المرحلة، كان هناك حاجة لنهج جديد واستعداد مختلف، ليس فقط كامتداد لما سبق، بل بأسلوب متجدّد. بـدأنا العمل السياسي كحزب، إلى جانب الاهتمام بالدعوة والتربية، وكل ذلك بأسلوب سلمي، حيث لم نعتمد على السلاح، على الرغم من أن السلاح كان هو السائد آنذاك. لم يكن حزبنا قائماً على خلفية عسكرية، وكان ذلك أمراً مهمّاً في ذلك الوقت.

لم يكن الطريق سهلاً، بل كان مليئاً بالصـراعات الداخلية، والتحديات الكبيرة. في بعض الأحيان، كان ينظر إلينا على أننا ظاهرة غير مألوفة، وكان هناك من يتساءل: “كيف يمكنكم النجاح دون سلاح؟” أو يقول: “رؤيتكم لهذه البلاد غير ممكنة التطبيق”، ومع ذلك، مضينا قدماً حتى اليوم.

لقد تبنّينا فهماً وسطياً ومتوازناً للإسلام، كما أننا – في مسألة الهوية القومية – نرى أنفسنا جزءاً من شعب كوردستان، ونؤمن بأن خدمة شعبنا واجب علينا. وقد أكّدت لنا التجارب – خلال هذه السنوات – صوابيّة تفكيرنا وممارستنا. وانطلاقاً من نوايانا الصادقة؛ ركّزنا على العمل الثقافي والفكري والفني، وكلّ ما يخدم شعبنا الكوردي.

نحن نعمل لخدمة مجتمعنا في منطقتنا، وليس من باب المنّة، بل هو التزام علينا. وخلال هذه السنوات الـ(31)، واجهنا الكثير من العقبات والمصاعب، وبعضها كان صعبًا للغاية. أحيانًا كان هناك سوء فهم من حولنا، أو ربما أخطأنا نحن أنفسنا، لكن في النهاية، لا يمكن تحقيق أيّ إنجاز دون تحدّيات.

ما هو مهم داخل أنفسنا، بلا شك، هو أننا نولّي أهمية كبيرة للبحث عن أحدث الأساليب والطرق في العمل، سواء من خلال الانتخابات، المؤتمرات، إعداد اللوائح والبرامج، أو اتّباع المسارات الداخلية المطلوبة، وكل ما هو ضروري لأي مجتمع لديه رؤية ومسار وأهداف محدّدة.

حتى نهاية عام 2024، عقدنا تسعة مؤتمرات، وبحمد الله، كان المؤتمر التاسع ناجحاً. كما كان العام الماضي عاماً مليئاً بالنشاط السياسي والحراك، حيث شهدنا عمليتي انتخاب على مستوى العراق وكوردستان، بالرّغم من وجود تحدّيات كبيرة. ولقد تمكنّا من تحقيق بعض التقدّم فيهما، ليس تماماً كما كنّا نرغب، ولكن وَفْق الإمكانات المتاحة.

كانت الانتخابات الأولى في عام 2021 لبرلمان العراق، والانتخابات الثانية في عام 2024 لبرلمان كوردستان. منذ عام 1996، كنّا جزءاً من الحكومة، وندرك تماماً كيفية هيكلة وإدارة حكومة إقليم كوردستان، وكيف يعمل النظام الحاكم. شاركنا في الحكومة بطرق مختلفة، لكننا انسحبنا منها بعد الكابينة الوزارية الثامنة، بعدما وجدنا أن الفرص داخلها لم تعد متاحة، وكان من الصعب علينا الاستمرار في ظلّ الوضع القائم.

يمكن القول إن نظام الحكم في كوردستان ليس له خارطة طريق واضحة، حيث يواجه تحدّيات ناجمة عن سيطرة الحزبين الرئيسين، إلى جانب المشاكل المرتبطة بالأوضاع العراقية والإقليمية. صحيح أن الحكومة قائمة على تحالفات، لكنها لا تعمل كما ينبغي، ولهذا كان من الأفضل لنا الانسحاب من الكابينة الثامنة، وعدم المشاركة في الكابينة التاسعة. أما بالنسبة للكابينة العاشرة، فقد قدّمت لنا دعوات عديدة للمشاركة، وكان هناك اهتمام كبير بإشراكنا في تشكيلها، لكننا رفضنا ذلك، لأننا لا نستطيع أن نكون جزءاً من واقع لا يتماشى مع رؤيتنا.

نحن قوّة اجتماعية وفكرية، قد يكون لدينا عدد أقل من الجماهير، لكن الأهمّ أنّنا نتمسّك باستقلالية القرار، الموقف، النهج، والمسار، وهذا أحد المبادئ الأساسية لوحدتنا. وبحمد الله، نحن نواصل المسيرة على هذا النهج حتى الآن.

نحن لا نسعى إلى الحكم، فهذا واضح، بل نحن في صفوف المعارضة، ولكن بطريقة خاصة بنا، بتميّزنا، ولا نريد أن نقع في فخ شيء لا نقتنع به، أو نشكّ فيه. لذلك، كثيراً ما يتمّ انتقادنا بأننا لا نتصـرّف كمعارضة حقيقية، لكن هذا هو أحد أشكال الصمت أمام الظلم والفساد والاتهامات الموجودة. بالتأكيد، لا يمكننا تغيير مواقفنا لمجرّد إرضاء الآخرين، ولا نقبل بذلك. فلا ينبغي أن تكون السياسة خالية من الأخلاق، ولا يجوز للإنسان أن يتصـرّف بلا أخلاق في لحظة معيّنة، أو يتّخذ مواقف غير أخلاقية، فالأخلاق مفهوم شامل وأساسي بلا شك.

بما أن السياسة تشكّل جزءاً مهمّاً من حياة المسلم والإنسان الواعي، فكيف يمكن أن تمارس السياسة بدون أخلاق؟ لهذا السبب، لا يمكننا أن نكون معارضة شعبوية، أو مجرد أصوات فارغة، لأن هذا نهج خاطئ لا يمكن أن يبني دولة. صحيح أن السلطة في كوردستان ارتكبت أخطاء كبيرة، وهذا أمر واضح حتّى بالنسبة لها، لكن الحل لا يكون بتحميل أنفسنا والشعب المسؤولية دون معرفة العواقب. لذلك، نحن لا نتّفق مع هذا التوجّه، وندرك أن هناك قضايا وطنية وقومية واستراتيجية يجب أن نتعامل فيها مع جميع القوى الفاعلة في الساحة.

إذن، سواء كنا في السلطة أم في المعارضة، فالأمر يخصّ جميع أبناء شعب كوردستان، لأنه قضية عامة تهمّ الجميع. في العديد من الدول، تتعاون المعارضة والسلطة أحياناً لمواجهة قضايا معيّنة، عندما يكون ذلك ضرورياً، ولكن فيما يخصّ حقوق المواطنين، التي يجب أن يتمتّع بها الجميع، فمن المؤكّد أنّنا مطالبون؛ بأنْ نكون موحّدين، ونعمل مع قوى المعارضة حتّى نحقّق التغيير المنشود، وخاصة في العمل البرلماني، الذي له أهمية كبيرة.

لذلك، يمكننا القول إن معارضتنا لها طابعها الخاص، فمع القوى التغييرية السياسية، هناك تفاوت في القرب والبعد بيننا. ومع القوى الإسلامية، نحن الأقرب والأكثر اتّفاقاً في الأهداف، على الرّغم من احتمال وجود بعض الاختلافات في الأساليب والتكتيكات، لكن من الناحية الاستراتيجية، نحن موحّدون. أما مع القوى الوطنية الأخرى، فلدينا نقاط مشتركة في بعض الجوانب، ولكن لدينا أيضاً اختلافات كثيرة، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بالحقوق، والظلم، والفساد، والسـرقة، حيث لا يمكننا بأيّ حال من الأحوال المجاملة في هذه القضايا.

وفي هذا السياق، أودّ بعجالة أن أمرّ على نقطتين مهمتين: السلطة في إقليم كوردستان تواجه اليوم أزمة عميقة لا يمكن الخروج منها بسهولة، لأنها تتّخذ بعض القرارات المتسـرّعة، وتريد أنْ تتعامل مع الجميع وكأنهم إمّا معها أو ضدّها، وهذا أمر غير مستساغ. في العمل السياسي عليك التعامل مع الإمكانات والقدرات المتاحة لديك، ومع موازين القوى، فالوقت والفرص لهما دور حاسم، وفي بعض الأحيان تكون لديك فرصة، وأحياناً لا.

أمّا ما نشهده اليوم، فإن مسألة الرواتب التي تعدّ حاجة أساسية لكل مواطن، قد تحوّلت إلى قضية ضخمة تمثّل همّاً لهذا الشعب، حيث نرى المواطنين يعبّرون عن استيائهم؛ ومن هذا المنبر نوجِّه لهم تحياتنا وتقديرنا، لأنهم يمثّلون صوت جميع أبناء كوردستان، فقد خرجوا إلى الشوارع، واعتصموا، وتحمّلوا العناء للتعبير عن استيائهم من هذا الوضع، ليس بسبب أمور أخرى، بل فقط من أجل الرواتب، وهو حقّ أساسي لهم. هذه أزمة حقيقية، ومعالجتها لا تتمّ بمجرد الرغبة، بل تحتاج إلى حلول حقيقية.

أما عن الانقسامات الداخلية، فنحن نعلم أن الحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، في صراع منذ حوالي 60 إلى 70 عاماً، وهذا أمر واضح، لكن يجب أن يدرك الطرفان أن تجاوز الخلافات كان مفيداً لهما في بعض المراحل، بينما كان الصـِّراع بينهما في مراحل أخرى مضـرّاً لهما، وللشعب بأسره. إذاً؛ الاقتتال لم يعد خياراً، ولدينا تجربة طويـلة تثبت أن النزاعات الداخلية والتخريب المتبادل أمر مشين وغير مقبول.

الشعب اليوم منشغل بهذه الأزمات، لكنه في النهاية سيعبّر عن استيائه بطريقة أخرى. إقليم كوردستان بات رهينة لهذه الخلافات السياسية، لا سيّما بين الحزبين الرئيسيين، وهذا أمر غير مقبول، فهو مسؤولية كبيرة يجب الاعتراف بها. لا أقول هذا من باب التمنّي، بل من باب الضـرورة. نظام الحكم يجب أن يكون مؤسّسياً، والمسؤول يجب أن يكون قادراً على تغيير طريقة إدارته للحكم والوزارات والمؤسسات، وإلا فإن الأوضاع لن تتغير. في العالم كله، النظم السياسية تقوم على مؤسّسات حقيقية، والشعب يجب أن يكون ملتزماً بها.

الآن نرى أن منطقتَيْ النفوذ هاتين – اللّتين كانت موحّدة في السابق -، قد أصبحتا دولتين منفصلتين. طريقة التعامل مع جميع القضايا في هذه المنطقة تختلف عن المنطقة الأولى. هذا لا يعني أن إحداهما على صواب والأخرى على خطأ، ولكن الأمر يعكس حقيقة أن الشعب قد انقسم، والوطن قد انقسم، وهذا يترك آثاره على الأجيال القادمة أيضاً. لدينا مشاكل عديدة مع بغداد، ومع الدول المجاورة للإقليم، وهناك قضايا كبيرة تحتاج إلى معالجة.

يجب أن تتّحد القوى السياسية الحاكمة في الإقليم – على الأقل – بدافع المصلحة العامة. ينبغي عليهم العمل معاً لتشكيل حكومة موحّدة، وإدارة مشتركة، أو أن يسمحوا لحزب واحد بالحكم، بينما يكون الآخرون في المعارضة. لكنّهم لم يتمكّنوا من فعل ذلك حتى الآن، ولم يتمكّنوا حتّى من التوصّل إلى توافق لتشكيل حكومة موحّدة. لذلك، فإن الإقليم يواجه تحدّيات كبيرة وخطيرة.

لا أحد يقف بجانبنا بشكل واضح، فالشعب والمصالح الدولية قد انتظروا طويلاً، وربما لن يطول انتظارهم أكثر من ذلك. لهذا، فإن الإقليم يواجه أزمة حقيقية، تتراوح بين مشكلات الرواتب، إلى القضايا الاستراتيجية في الاقتصاد والسياسة وطبيعة الحكم.

العلاقة مع بغداد واضحة جداً، فالدستور قد نظّم هذه العلاقة منذ عام 2003، عندما اتّفقت الأحزاب السياسية؛ بما في ذلك الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني والقوى الأخرى، وتمّ وضع دستور يحدّد الحقوق والواجبات. يمكننا حلّ القضايا عبر هذا الدستور، ولكن خارج هذا الإطار، من خلال وسائل أخرى، أو بالاعتماد على الأوهام والوعود الكاذبة، لن نصل إلى أيّ نتيجة. الإقليم هو كيان فيدرالي، ويجب عليه تنسيق العمل مع بغداد لتحقيق الانسجام في إدارة الأمور.

مهما كان نوع التغيير، إذا استمرت الانقسامات والخلافات بيننا، وإذا لم نكن متماسكين، فلن يكون التغيير في صالحنا، بل سيكون ضدنا.

لقد حدث تغيير كبير في (سوريا) خلال فترة قصيرة، حيث انتقل الحكم من نظام بعثي استمرّ لمدّة أكثر من خمسين عاماً، إلى نظام مختلف تماماً. لا نعرف بالضبط ما سيحدث، ولكن من الواضح أن هناك تغيّرات كبيرة في الأفق. هذه التغيّرات قد تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط بشكل جذري.

وما حدث في (غزّة) لم يكن مجرّد قضية مقدّسات، أو حقوق شعب، بل كانت حرباً من نوع غير متوقّع، لم يكن أحد يتوقّع اندلاعها بهذه الطريقة. فبعد السابع من أكتوبر، شهدنا طيلة خمسة عشـر شهراً؛ القتل والتدمير والتشـريد، ليصل الأمر في النهاية إلى المفاوضات والإجبار على القبول بوقف إطلاق النار والهدنة.

هذا النمط من التغيير ليس جديداً؛ فقد حدث في لبنان، ثم في سوريا، وربما لن يكون مستبعداً أن يحدث في أماكن أخرى. هذه القضية ليست بسيطة، ولذلك يجب أن نكون في كوردستان والعراق مستعدين لمثل هذه التغيّرات بشكل من الأشكال. فهل نحن جاهزون؟ الجواب غير واضح!

على أيّ حال، فإن قضية (سوريا) تحمل بعداً قومياً يتجاوز القضايا الأخرى، لأن هناك شعباً كوردياً، وهو جزء مهمّ من معادلة المنطقة. الفشل في هذه القضية خطير، والنجاح ليس سهلاً في ظلّ الظروف الحالية. فمن جهة، هناك حرب ضد دولة كبيرة مثل (تركيا)، التي أصبحت طرفاً مباشراً في النزاع، ومن جهة أخرى، هناك قوى مسلّحة مختلفة، إضافة إلى الـدعم الذي يتلقّاه طرف معيّن من دولة قوية ذات نفوذ عالمي، تدعمه حالياً من أجل مصالحها، لكن هل هذا الدعم مستمر؟ ماذا لو استعادت دمشق قوّتها، كما حدث في العراق؟ هذا قد يغيّر المعادلة تماماً.

لذلك، فإن قضية شمال شرق سوريا، بالنسبة للمسألة الكوردية بشكل عام، قضية بالغة الأهمية. يجب أن نوليها الاهتمام الكافي، وأن نتعامل معها بجدّية.

نحن، كطرف كوردي (الاتحاد الإسلامي)، ندرك أن هذه القضية حسّاسة، وقد تحدّثنا عنها بقدر الإمكان دون أن نرتكب أخطاء قد تؤدّي إلى إحباط الأمل الكوردي هناك. من خلال التواصل مع التيارات الإسلامية في سوريا، ومن خلال العلاقات مع تركيا، التي لها تأثير على هذه القضية، وكذلك عبر التواصل مع قوى الأمر الواقع هناك، مثل قوات سوريا الديمقراطية والقيادات الموجودة في المنطقة، نأمل أن تدار الأمور بطريقة صحيحة، وألا تُكرّر الأخطاء السابقة.

هذه الظروف أدّت إلى تشكيل إدارة ذاتية هناك، وقد تواجه تحدّيات عديدة، لكن لا يمكن التغاضي عنها. فكما أن أيّ تحرّك سياسي خارجي يجب أن يحسب له ردّ الفعل المضاد، فإن الوضع في سوريا أتاح فرصة لحكم ذاتي كوردي، لكنه بحاجة إلى تنظيم وإدارة سليمة. ويجب أن تبنى الحلول في دمشق لتشمل جميع المناطق السورية، عبر الحوار والتفاهم، وليس عبر السلاح والضغط.

  بالنسبة لشمال كوردستان، فإن تركيا بلا شك دولة كبيرة ومؤثرة في قضايا المنطقة، ولها مصالح مع الدول الكبيرة والصغيرة، وكذلك مع دول الإقليم، وخاصة في سوريا، كما أن لها وجودًا في كوردستان العراق، بسبب الظروف التي نعرفها. كما أن لها تعاملات خاصة مع نفسها، وهناك خطوات سلام تمّ التوصل إليها، وهو أمر يستحق التقدير. ولكن بلا شك هناك عقبات في طريقها. ومع ذلك، من الجيد أن الأمور تسير حتى الآن نحو الأفضل، وربما تصل إلى مستوى معيّن من الاستقرار. ولكن هذا يعتمد على طريقة التعامل والقراءة الصحيحة للفرص.

بشكل عام، هذا موضوع مهم، لأنه إذا تحقّق السلام في شمال كوردستان، فسيكون ذلك مبعث ارتياح لجميع أجزاء كوردستان الأخرى. ومن الواضح أن هناك سلامًا جديدًا، والقوى السياسية الكوردية تتحرّك في اتّجاه تحسين الأوضاع وتعزيز تلك الجهود.

 أكتفي بهذا القدر، وأترك الأمر لكم، وإن شاء الله سأكون في خدمتكم.

نصّ الأسئلة التي طرحت في المؤتمر الصحفي، وإجابات الأستاذ صلاح الدين عليها:

السؤال1: شكرًا أستاذ على هذه الفرصة. لدي ثلاثة أسئلة، سؤال يتعلق بالشأن الداخلي لإقليم كوردستان، وسؤال عن سوريا، وسؤال عن تركيا.

بالنسبة للشأن الداخلي لإقليم كوردستان، الاتحاد الإسلامي الكوردستاني كحزب مختلف، نقول إنه مختلف لأنه يشارك في السلطة، لكنه يختلف عن الأحزاب الحاكمة، كما أنه يختلف عن الأحزاب الأخرى في المعارضة. لديكم رؤية للإصلاح، وكنتم جزءاً من الحكومة، وأيضاً في المعارضة، من وجهة نظركم، في أيّ تجربة تمكّنتم من تنفيذ برنامجكم الإصلاحي بشكل أكبر؟ عندما كنتم مشاركين في السلطة، أم عندما كنتم في المعارضة؟

السؤال الثاني: بالنسبة لسوريا، من الواضح أن هناك تغيّرات حدثت هناك، وهناك طرف إسلامي سياسي يحكم في دمشق. كيف يمكنكم كحزب إسلامي كوردي سياسي في كوردستان الاستفادة من الوضع الجديد في سوريا لصالح الكورد؟ ما هو دوركم في المفاوضات بين النظام الجديد في دمشق والإدارة الذاتية في المناطق الكوردية بسوريا؟ كيف يمكنكم أن تلعبوا دوراً لصالح الكورد هناك؟

السؤال الثالث: بالنسبة لتركيا، بعد توقّف مشـروع السلام مع الكورد لعدّة سنوات، عاد الآن مرّة أخرى. لا نعلم إلى أين ستصل الأمور هذه المرّة. رغم أنكم أشرتم إلى أنه مشـروع جديد، فكيف يمكن للاتحاد الإسلامي أن يلعب دوراً في دعم السلام بشكل عام، وبالأخصّ لصالح الكورد في شمال كوردستان؟

الأستاذ صلاح الدين: بلا شك، التفاوت نسبي، أي يمكن أن نرى فرقاً كبيراً في بعض الأمور، وأقلّ في أمور أخرى، لكن بشكل عام، فالإصلاح مسألة قرآنية مقدّسة. ومع ذلك، فإن الإصلاح، على أرض الواقع، يتمّ من خلال الحكومة، أو قد يتمّ داخل حدود حزب معيّن، أو في موضوع محدّد، أو حتّى يمكن لشخص أو مجموعة من الناس إجراء إصلاحات داخل منازلهم، أو على نطاق أصغر. لكن الإصلاح المقصود هنا هو الإصلاح السياسي والإداري، وهو ما يجب أن تقوم به الحكومة.

كنّا جزءاً من الحكومة، وفي الواقع، لم يكن الوزير يتمتّع بسلطات كافية، لكنه كان يمتلك رؤى مختلفة. في فترة من الفترات، كانت هناك قضايا تتعلّق بالحرب ضد (داعش)، وفي فترات أخرى كانت هناك أزمة في قضايا التمويل والموارد الداخلية، وأحياناً كانت العائدات النفطية أفضل قليلاً. ومع ذلك، فإن النظام لم يكن مستقرّاً بالكامل، ولهذا قلت إن المزاج يتغيّر أحياناً.

هناك جانب آخر، حيث يحدث أحياناً أن المسؤول لا يسمّي ما يفعله إصلاحاً، لكنه ينقل منصباً من شخص لآخر، ليس لأنه يريد الإصلاح، بل لأن ذلك الشخص قريب منه، أو من عائلته، فيعتبر ذلك إصلاحاً.

ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أنه إذا كان هناك فساد، أو مشكلة شخص، فعلينا تقديمه للشعب، ومحاسبته، بدلاً من استبداله بشخصٍ آخر بسبب اعتبارات أخرى. الإصلاح في الحكومة ممكن، لكن فرصتنا في الإصلاح كانت متفاوتة حسب المراحل. في بعض الفترات كانت الأمور أفضل، وكان الوزراء يتمتّعون بصلاحيات أوسع، بينما في فترات أخرى كانت هذه الصلاحيات أقلّ. أمّا في الحكومة الحالية (التاسعة)، فلم نكن جزءاً منها لنتمكّن من معرفة الأمور بشكل دقيق، لكن ما نسمعه هو وجود العديد من الإغلاقات والتقييدات.

بالنسبة للوضع في (سوريا)، فمن الواضح أنه لا يمكن اعتبار ما يحدث هناك عودة إلى النظام السنّي، لأن سوريا كانت لفترة طويلة تحت حكم (البعث)، الذي كان عَلَويّاً بالأساس، وبالتالي كان السنّة يعانون التهميش. لكن منذ عام 2011، ومع الربيع العربي، اندلعت ثورات وصراعات، وكان أغلب المسلّحين من السنّة. الوضع الحالي يوضّح أن الجماعات الإسلامية ليست موحّدة، لكنها عموماً تتبع الاتّجاه الإسلامي والسنّي، ولهذا السبب نريد أن يكون لنا دور في ذلك، على الرّغم من أنّنا لا نملك القدرات نفسها التي يمتلكها الآخرون، ولا نعرف بعض الجهات الإسلامية بشكل جيّد، لكن هناك شخصيّات تعمل على الدعوة الإسلامية بعيداً عن السياسة والعسكرة، ونحن نعرف بعضهم؛ سواء في الأوساط الكوردية أم العربية، وتركيا أيضاً لها تأثير على المشهد السوري.

إذا نظرنا إلى التجربة في (روجآفا) (شمال شرق سوريا)، فقد كانت في البداية مدعومة من نظام الأسد، ثم لاحقاً حصلت على دعم من الولايات المتحدة، لكنها لم تثبت نفسها تماماً وفق رؤيتها الخاصة، بل اضطّرت إلى التكيّف. ومع ذلك، اتّخذوا بعض الخطوات التي قد لا تتماشى مع التركيبة السورية، مثل (الدستور) الذي وضعوه، حيث تضمّن بعض الأمور غير المألوفة، بحجّة أنهم يريدون تمثيل جميع المكوّنات. لكن في النهاية، ما يعطي الأمل هو أن السيد (مظلوم عبدي) (قائد قوات سوريا الديمقراطية) لديه فهم أعمق للمشاكل، ويأخذ بعين الاعتبار الظروف الإقليمية والدولية بشكل أكبر

إن فهم السيد أحمد الشرع هو فهم واضح.. إنه إسلامي بلا شك، لكنه ليس إسلاماً مغلقاً يفرض الأحكام الشرعية على الناس، بل يبدو أكثر انفتاحاً.

إذا قمنا بتحليل هذه الأمور، فهناك أمل، طالما أن هناك مجالاً لذلك، ولهذا السبب نعمل بجديّة في هذا الاتجاه، وبالتأكيد ندعم كل من يعمل في هذا المجال. يجب ألا يكون غرب كوردستان ضائعاً، أو يتحوّل إلى منطقة مستنزفة، كما لا ينبغي أن تضيع التجربة الكوردية هناك. وفي الوقت نفسه، يجب ألا تُهدم سوريا كدولة تعيش الآن حالة إعادة بناء، لأن أي ضرر يلحق بها سينعكس علينا أيضاً.

أما بالنسبة لتركيا، كما ذكرت، فقد جُرّبت سياسات الانفتاح سابقاً في السنوات الماضية، لكنها لم تنجح. ولكن هذه المرّة، بما أن البدء جاء من قبل هذه الشخصيات المؤثّرة؛ مثل (باغجلي)، وغيرهم، أو على الأقل تمّ الاعتراف بهذا التوجّه، ووصلت المباحثات إلى السيد (أوجلان)، فهذا تطوّر جديد. إذا لم ينجح، فسيكون الضرر كبيراً، والعودة إلى الوراء ستكون كارثيّة. لذا، هناك أمل في تحقيق نتائج إيجابية، حتى لا تصل الأمور إلى طريق مسدود بلا حلول. دائماً، في أيّ سياق سياسي، يجب علينا أن نقوم بما هو ممكن، وندع غير الممكن إلى مرحلة أخرى. وفقاً لما رأيناه حتى الآن، وما لاحظناه من المسؤولين، فإن الأمل قائم بإذن الله.

السؤال الرابع/ حول المشاركة السياسية في كوردستان: القوى السياسية في إقليم كوردستان شاركت في العملية السياسية، لكنها – برأيي – لم تصل بعد إلى المستوى الذي يجعلها تعكس تطلّعات الشعب الكوردي. ألا تفكرون في الاتحاد الإسلامي في مراجعة التجربة والعمل بجدية مع الأطراف الإسلامية الأخرى لإنشاء تحالف إسلامي مشترك؟

السؤال الخامس/ حول الهيمنة السياسية: خلال العقود الـ 34 الماضية، ظلّت الأحزاب الكبرى (الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني) مهيمنة على المشهد السياسي، واحتكرت الانتخابات، بينما لم تتمكن الأطراف السياسية الأخرى، بما في ذلك الإسلامية، من تحقيق اختراق حقيقي. هل ترون أن هذه العملية السياسية كانت سليمة وعادلة، أم لا؟

السؤال السادس/ حول التغيّرات الإقليمية: ذكرتم أن هناك تغيّرات كبيرة في المنطقة، فهل تعتقدون أن هذه التغيّرات ستصل إلى العراق؟

 الأستاذ صلاح الدين: بلا شك، رغبة كل مسلم هي تحقيق الوحدة والتضامن، لكنّنا كنّا جزءاً من هذا المجتمع، وتحمّلنا مشاكله وآلامه، سواء أردنا ذلك أم لا. لسنا معصومين، فنحن بشر، وربما يكون أحد أسباب الوضع الحالي هو طبيعة مجتمعنا ذاته.

أما بالنسبة للمشروع الإسلامي في كوردستان، فقد مرّ بمراحل مختلفة، ولديه خصائصه الفريدة. لقد حاولنا مراراً؛ بجهود مشتركة مع (جماعة العدل)، وأحياناً مع (الحركة الإسلامية)، وأحياناً بجهودنا الخاصة، لكن لم نصل بعد إلى نوع من الوحدة. قد تكون هناك أسباب أخرى لذلك، لكن بشكل عام لم نفقد الأمل، لأن المجتمع الكوردستاني مسلم بطبيعته، ولم يحدث بين أفراده أيّ اقتتال داخلي على أسس دينية، وهذا أمر مهمّ.

عندما كانت هناك نزاعات، توفّرت الإمكانيات الماديّة، وربما حتى الفكريّة، ولكن لم تحدث انقسامات عميقة. ولهذا، فإن التيار الإسلامي في ذاته ليس في حالة مثالية، ولكنه أيضاً لم يُقصَ تماماً. هناك تباينات واختلافات في وجهات النظر، لكنها ليست حواجز نهائية.

أما فيما يخصّ العملية الانتخابية والسياسية، فإن إحدى المشكلات هي أن الانقسامات غير الطبيعية أدّت إلى اضطرابات، ولكن في المستقبل، قد يكون هناك وعي أكبر، وحراك سياسي أكثر وضوحاً. وهذا يتطلّب المزيد من التقارب والعمل المشترك.

بالنسبة إلى ما حدث خلال السنوات الماضية، منذ عام 1992 وحتى الآن، فإن الحزبين (الديمقراطي والاتحاد الوطني) يتصدّران المشهد، أحياناً يتراجعان، لكنهما يظلّان في المقدّمة. لا أعرف كيف يمكن تسمية هذا الأمر -ربما هندسة، أو تصميم، أو شيء من هذا القبيل – لأن التسمية جديدة، لكن الواقع قديم. هناك عدّة قضايا متشابكة: هل هذا مطلوب أم لا؟ ربما يكون كذلك، ولكن من الذي يتحكّم فيه، وكيف؟ هذا غير معروف حقًا.

في النهاية، هناك نتائج يمكن رؤيتها، لكنّ الأيدي التي تتحكّم فيها غير مرئيّة. لو كان الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني أطبّاء يعالجون أنفسهم، لكانوا قد توحّدوا، أو على الأقل كانوا أكثر انسجاماً مما هم عليه الآن، وكان ذلك سيكون لصالح الشعب، ولصالحهم أيضاً. لكن بالتأكيد، مع كل الدعم والتشجيع، أو حتّى الأخطاء الموجودة، لا يبدو أنهم سيتوحّدون. في النهاية، هناك اتّجاهات مختلفة، وكل يتصرّف بناءً على ما يراه مناسباً.

لكن هذا لا يعني أننا محرومون من اتّخاذ القرار.. لا، لدينا أيضاً خطوطنا الحمراء، ولدينا أسبابنا الإسلامية التي قد تمنعنا أحياناً من التحرّك، وأحيانًا أخرى يمكننا التصرّف. على كل حال، الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني استمرا في مسارهما هذا حتى الآن، يتقدّمان ويتراجعان، لكنهما لا يزالان في المقدمة. لا ينبغي أن نجعل هذه المسألة عقدة مرتبطة بالماضي، الأهمّ هو ماذا سيفعلان من أجل هذا الشعب، كيف سيخدمانه؟

عندما تذهب إلى طبيب، لا تسأله عن دينه، أو عن صلواته، أو حتّى عن معتقده، بل تهتمّ فقط بمدى كفاءته في عمله. إذا كان القادة حكّاماً عادلين، وإذا لم يكن هناك فساد، لما اضطررنا إلى الانشغال بهذه القضايا. المشكلة الحقيقية الآن هي حالة الفوضى والصراعات الداخلية التي يعيشونها، فهم أنفسهم غير موحّدين، وأفعالهم متناقضة أمام الشعب. لذلك، نحن الآن في هذه المرحلة التي ينبغي أن نكون حذرين فيها، حتّى لا يزداد الوضع سوءاً.

إذا تحدّثنا عن الدين في هذا السياق، فقد يزداد الأمر تعقيداً. لذلك، الوضع السياسي الحالي غير صحي، لكنّه أيضاً ليس في أسوأ حالاته.. حتى في الانتخابات التي تجرى في أنحاء العالم كافّة، توجد دائماً عمليات تزوير وتلاعب، لكن ربما يكون الوضع عندنا أكثر حدّة.

بالنسبة للتغيير في العراق، فلا يوجد ضمان لحدوثه. الأمر أصعب مقارنةً بمناطق أخرى، لذا، على أولئك الذين يهتمّون بالشأن العراقي؛ من الأصدقاء والحلفاء، أن يدركوا أن التغيير لن يأتي بسهولة، بل ينبغي أن يفكّروا في مصلحة العراق، بقدر ما يهتمّون بمصالحهم الخاصة.

السؤال السابع/ بشأن البرلمان والحكومة: لقد أُجريتِ الانتخابات، لكن البرلمان لم يُفعّل كما ينبغي، فما هو تفسيركم لعدم تفعيل البرلمان؟ وهل فكّرتم في تغيير مواقفكم، أو قراراتكم للمشاركة في الحكومة، لتجاوز هذه المرحلة؟

الأستاذ صلاح الدين: البرلمان بلا شك تأخّر بسبب الفوضى، فليس هناك تخطيط حقيقي. لم نصل إلى نتيجة، رغم المحاولات لإشراك الآخرين في اتّخاذ القرار، لكننا لم ننجح. في النهاية، نحن لسنا مستعدّين لتغيير موقفنا، لأننا نرى أن الوضع الحالي في كوردستان ليس سليماً، ويحتاج القادة الحاليون إلى إصلاح أنفسهم قبل لوم أيّ طرف آخر. البرلمان ليس المشكلة الوحيدة، بل الحكم بشكل عام صعب في ظلّ هذا الوضع. إذا شارك الجميع الآن، فقد تكون هناك خسائر كبيرة، ونحن لسنا مستعدين لمواجهة مثل هذه المخاطر. لكنني أعتقد أن الضغوط قد تؤدّي إلى حلول؛ مثل تشكيل حكومة، أو إعادة تنظيم الأمور، وسيكون البرلمان جزءًا من هذه الحزمة.

أمّا بشأن العلاقة مع تركيا، فلدينا علاقات قديمة معها، مع (حزب الرفاه)، و(حزب الفضيلة)، و(حزب السعادة)، وكلّ تلك الجهات. لدينا أيضاً علاقات وطيدة مع (حزب العدالة والتنمية) منذ نحو 20 عاماً، لكننا لم نستغلّ هذه العلاقات لمصلحتنا الخاصة، ولم نستخدمها ضدّ أيّ طرف آخر. لقد التقينا بمسؤول تركي رفيع المستوى، وهو شخص متعلّم وأكاديمي محترم، وتحدّثنا معه بشكل أساسي عن الوضع في (سوريا)، وكيف تطوّرت الأمور هناك، وكيف يمكن توضيح بعض القضايا. أمّا فيما يخصّ حكومة إقليم كوردستان، فقد كان الحديث عنها قليلاً جداً خلال الاجتماع، لأنهم يعلمون أننا لا نشارك فيها، وليس من عادتنا تغيير مواقفنا بسهولة.

السؤال الثامن/ حتى لو كان ذلك في مصلحة الشعب؟

الأستاذ صلاح الدين: هل مصلحة الشعب تعني تكرار تلك التجربة الّتي لم تنجح أساساً، كيف يمكن أن يكون ذلك؟! إذا كانت مصلحة الشعب تقتضي ذلك؛ فلا شك أننا يجب أن نكون هناك. ولكن الحكومة إذا فرضت أجندتها بنسبة 90%، فإنها تعطيك هامشاً ضئيلاً؛ وتقول لك “هَلُمَّ وأكمل”، فهي تفرض الأمر. إذا نظرت إلى الحكومات الأخرى، فليس من السهل تحديد المصلحة!

   بإيجاز، نعم، كان هناك تساؤل بهذا الشأن من قبل نائب وزير الخارجية التركي، وكان يعلم الإجابة، وكان وقت اللقاء قصيراً.. من الطبيعي أن ترغب الأطراف المختلفة في مشاركتنا، إيران ترغب، تركيا ترغب، بغداد ترغب، حتى دولة رئيس الوزراء الاتحادي (محمد شياع السوداني) تحدّث معنا عن ذلك، وكذلك السيد (عمار الحكيم) تحدّث عن ذلك أيضاً، الأمر واضح. ولكن رغبتهم تنطلق من العَلاقات التي لديهم مع أطراف السلطة. هذه الرغبة لا يمكن أن تفرض موقفها علينا.

  أمّا بالنسبة لسوريا، كما قلت، فإن الوضع في سوريا مختلف تماماً. عندما يكون الشخص من جماعة مسلحة، ثم فجأة يصبح رئيساً، فهذا ليس أمراً بسيطاً. لم أقرأ عنه (أعني: السيد أحمد الشرع)، لا أعرفه، ولم أقابله، وليس لديّ أيّ معلومات عنه. ولكن إذا نظرت إلى سيرته الذاتية، فهو شخص ذكي جداً، حذر، وله علاقات أعمق مع بعض المؤسسات، ويخطّط لخطواته. لذا، من المؤكد أن الإدارة الذاتية في (روج آفا) قد درسوا الوضع. إن لم يكونوا قد درسوه جيداً، فقد التقوا به، ولكن كان يجب أن يكون هناك تفاهم أفضل، ويجب أن يكون الحوار هو الوسيلة للوصول إلى حلّ، وليس التوّرط في القتال، أو التحالف مع طرف ضد آخر، لأن (روج آفا) لن تتحمّل ذلك. هناك تركيا من جهة، ومن جهة أخرى هناك صعوبة الوضع، تجعل من المستبعد ذلك. لذا، أعتقد أنهم فهموا الأمر، وأجروا محادثات مفيدة. لهذا السبب جاء السيد (مظلوم عبدي) إلى هنا، والتقى بالسيد (مسعود بارزاني)، وهذه خطوة إيجابية.

السوال التاسع: ماذا بشأن دستور سوريا؟

الأستاذ صلاح الدين: الدستور الذي قدّمه الإخوة في (PYD)، في حينه، غير واقعي للغاية، وقد تمّ إعداده بسرعة كبيرة. لقد افترضوا أن الدستور جيّد، لكنهم لم يدركوا أنه لا يمكن بناؤه على أرض متحرّكة. يجب أن يكون الدستور مستنداً إلى استقرار، ويجب أن يأخذ جميع المكوّنات في سوريا بعين الاعتبار. هناك العديد من المكوّنات، ويجب أن يُؤخذ المواطنون في الاعتبار، ويجب أن تكون الدولة دولة مدنية، وليس دينية، وهذه من القضايا التي طرحها (أحمد الشرع)، وهو مستعدّ لها. في هذا السياق، فإن الكورد سيحصلون بالتأكيد على مكانتهم. وبعد ذلك يمكن أن يصبح النظام فيدرالياً، ويمكن التوصّل إلى نتيجة عبر الحوار. ولكن فرض طرف على طرف آخر سيؤدّي إلى نتائج سيّئة، وجميع السوريين متّفقون على أن ما فعله (PYD) لن يدوم، ولا يمكن أن يستمر. في بعض الأحيان تُمنح الفرصة، ولكنها لا تستمر طويلاً، لذلك يجب أن يكونوا أكثر مرونة. ومن المؤكّد أن هناك دولًا أخرى تتحدّث عن هذا، مثل (فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة)، و(تركيا) لديها موقف قوي بشأن هذا الأمر.

السؤال العاشر: هل تعتقد أن الاتّفاق حول تسليم 400 ألف برميل من النفط إلى حكومة العراق، مقابل إرسال بغداد الميزانية الكاملة لإقليم كوردستان، هو اتّفاق جيّد؟ خلال زيارتكم الأخيرة الى تركيا، ولقاؤكم بنائب وزير الخارجية التركي، وبـ(علي رضا)، مسؤول ملفّ العراق؛ هل جرى الحديث عن الرحلات الجوية المعلّقة من مطار السليمانية الدولي؟

الأستاذ صلاح الدين: الاتّفاق هو دائماً أفضل حلّ بين بغداد وأربيل. التفاهم والحوار هو ما يؤدّي إلى نتيجة. في بعض الأحيان تتضرّر أربيل، وأحياناً تتضرّر بغداد، ولكن الأفضل أن يكون هناك اتّفاق. ولكن إذا حاولتَ فرض الأمر، وأخذتَ موقفاً متصلّباً، فلن يتمّ حلّ المشكلة. يجب أن يكون هناك وضوح في مواد الدستور، ثم اللجوء إلى المحكمة الاتّحادية، وهناك مؤسسات أخرى يمكن أن تكون جزءاً من الحلّ، أو يمكن للأحزاب التي لها علاقات تاريخية أن تجد مخرجاً. لكن كلّ هذا يجب أن يتمّ عبر الحوار. إذا كان هناك اتّفاق، فهو شيء جيد، ولكنني أخشى ألّا يكون اتّفاقاً حقيقياً. إذا كان هناك اتّفاق جيّد، فقد يكون هناك بعض الخسارة الآن، ولكن لاحقًا سيكون هناك مكسب. أمّا بالنسبة لزيارتي إلى تركيا، فقد قال البعض إن لدينا علاقات مع الأتراك، وتركيا بشكل عام، ولا سيّما مع حزب العدالة والتنمية. نحن لا نعتبر أنفسنا تابعين لحزب العدالة والتنمية، لكن لدينا علاقات جيّدة مع وزير الخارجية التركي، وهو صديق لنا. عندما ذهبت، لم يكن موجوداً، لكني التقيت بعلي رضا، وهو المسؤول عن الملف العراقي. لقد كان سفيراً في بغداد سابقاً، وعاد الآن إلى منصبه في وزارة الخارجية مسؤولاً عن ملف العراق. لديهم معرفة عميقة بتفاصيل العراق، والكورد، والعلاقات بينهم. لكن بشكل عام، قلق تركيا الرئيسي هو ملف (PKK)، وكيفية إيجاد حلّ له. لقد تحدّثنا عن الحلول السلمية والسياسية. تركيا سعيدة بأن هناك تقدّماً في هذا المجال، ولكن الأهمّ هو أن يكون هذا التقدّم مدروساً بعناية، وهو أمر إيجابي. يجب أن تدعم الأطراف الكوردية، وخاصة الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، أيّ حلّ سلمي للمسألة الكوردية في تركيا. إذا حدث ذلك، فسيكون إنجازاً كبيراً للكورد على المستوى العالمي، لأن الكورد في تركيا يشكّلون نسبة كبيرة، ولهم تأثير. جميع الأحزاب التركية الآن تضمّ شخصيات كوردية، والكورد جزء من جميع المؤسسات. ولكن حتّى الآن لم ينضمّوا كمكوّن كورديّ، بل كأفراد تحت عنوان المواطنة التركية. إذا نجحت هذه العملية السلميّة، فستكون إنجازاً استراتيجياً كبيراً لكوردستان. يجب أن يكون هناك بعض الفهم الذاتي، ولهذا السبب أتحدّث معكم حول وعي الناس في هذه المنطقة. الفهم الذاتي في هذا الموضوع يتطلّب تجاوز فكرة أن الأتراك أعداء، وأن هناك شوفينية. هذه ليست لغة الخطاب السياسي، بل لغة أشخاص ليس لديهم رؤية واضحة لحلّ المشكلة. تركيا دولة كبيرة، وهي جزء من الناتو، ولها وجود في المنطقة، ولديها تاريخ يمتدّ لـ 600 عام. لديها قوات عسكرية في ليبيا، وقطر، وأماكن أخرى. لا يمكن حلّ هذه الأمور بالكلام فقط. علينا أن نعمل على تحسين أوضاعنا نحن أولاً، والمطالبة بحقوقنا بأنفسنا، فهذا واجبنا.. على سبيل المثال، لماذا تحدث هذه الأمور في منطقة السليمانية؟ لماذا يتمّ رفع التعليق عن رحلات المطار هناك؟ لماذا تتم مناقشة هذه الأمور؟ لكل شيء أسبابه. نحن لا نمتلك كل تفاصيل هذه الأمور، لأنها تتعلّق بمصادر المعلومات، ودوائر الاتّصال الخاصة بها. لكن بشكل عام، علينا أن نأخذ في الحسبان أن جزءاً من كوردستان يعاني من صراع، وهناك من ينفي وجود هذا الصراع، ولكن علينا الحديث عن الحلول. وحتّى عند الحديث عن القضية الكوردية وحلّها، فإن البعض يخلطها مع قضية (حزب العمّال الكوردستاني).. هذه مشكلتهم، وليست مشكلتنا.. ما يهمّنا هو أن يحصل الكورد في تركيا على حقوقهم الثقافية والسياسية والدستورية. حالياً، لا يوجد ذكر للكورد في الدستور القائم. في الماضي، كان لهم وجود في البرلمان، لكنّه لم يكن ناجحاً، بسبب سوء الاستخدام. عندما نجح (حزب الشعوب الديمقراطي) في السنوات السابقة، لم يتمكّن من تحقيق الكثير، لأسباب متعدّدة. لكن المهمّ هو أن نبحث عن الحلول، ونقيّم إمكانياتنا وإمكانيات الطرف الآخر أيضاً. أرى أن تركيا تسير على طريق جيّد، إذا تمكنّا جميعاً من تبنّي خطاب إيجابي. لهذا، أطلب من جميع القوى السياسية الكوردية، رغم الخلافات بيننا، أن تتبنّى خطاباً إيجابياً تجاه قضايا (روج آفا)، وشمال كوردستان وشرقها، وأن يكون خطابنا قائماً على ترتيب البيت الداخلي، وتهدئة الأوضاع. هذا أمر مهمّ لتحقيق أهدافنا القومية، وهو واجب أخلاقي يتحتّم علينا إدراكه.

السؤال الحادي عشر: هل 31 سنة كافية لحزب سياسي، إذا نظرنا إلى الأحزاب الأخرى التي لها تاريخ يمتد لـ 50 عاماً؟ عندما أُعلن عن الاتحاد الإسلامي الكوردستاني، كنتُ شابًا، والآن أصبحت كبيراً في السنّ، لماذا لم تستطع الأحزاب الإسلامية – خلال هذه السنوات – الحصول على أكثر من ثمانية مقاعد؟ ما السبب؟ إذا كان ردّكم أن الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني قوّيان، ولديهما سلاح، فما هو دوركم إذن في العملية السياسية؟ أليس من الأفضل تشكيل حركة خدميّة، مثل (حزب الخدمة) في تركيا، تركّز على إصلاح أوضاع الناس؟ أليس ذلك أكثر فائدة لكم؟ إذا كانت العملية السياسية لا تسمح لكم بإحداث تغيير، فما الفائدة من وجودكم فيها؟

الأستاذ صلاح الدين: بالتأكيد، نحن حزب سياسي، ولكن إذا كان نهجنا ضعيفاً، فهناك أمران يجب معالجتهما. الأوّل يتعلّق بنا، إذ يمكننا تعديل بعض أساليبنا وخططنا، والثاني يتعلّق بالبيئة المحيطة بنا، ومدى تقبّلها لنا. نحن لا نرغب في المواجهة المباشرة، لكن – كما يقول التاريخ – لمّا كان التيار الإسلامي في منطقتنا بقيادة شخصية مؤثّرة مثل الشيخ عثمان عبدالعزيز، فما كان يجدر أن تحدث مشاكل كبيرة. لكن لأنه كانت هناك مخاوف من اتِّجاه الناس نحو الإسلام؛ وزيادة نفوذ التيار الإسلامي، فقد ظهرت المشكلات بشكل تدريجي، حتّى وصلت إلى مستوى النزاع المسلّح وإراقة الدماء.

  هذا التوجّه الراديكالي الكوردي ليس عقبة، فنحن كإسلاميين لسنا جهلة. لم نحمل السلاح، لكن الناس كانوا مسلّحين، ولم يكن لديهم استعداد للتصويت لنا، فكيف نتوقّع منهم القتال لأجلنا؟ نحن ندرك الواقع جيّداً. البعض يقول إن الانتخابات كانت مزوّرة، ربّما هناك بعض التزوير، لكن هناك أيضاً دعم شعبي لهذه الأحزاب. نحن، كإسلاميين، لم نتمكّن من كسب هذا الدعم، لأننا لم نربط مصالح الناس بنا؛ كما فعلت الأحزاب الأخرى.

على سبيل المثال، إذا كنت تملك شركة، فعليك أن توحّد إدارتها حتّى تحميها من الانهيار. نحن اضطررنا إلى التكيّف مع الواقع، فلو تركنا الأمور من دون ضبط، لكان من السهل أن يتأثّر الشباب بالأفكار المتطرّفة أو العنيفة. إذن، هناك وجود للإسلاميين، لكن الوجود السياسي للإسلاميين ليس قويًا بما يكفي. هناك مستوى معيّن من القبول، لكنه محدود بظروف البيئة السياسية. علينا أن نعي إمكانياتنا وإمكانيّات خصومنا، فالأوضاع لن تبقى كما هي إلى الأبد، والعالم متغيّر. في النهاية، لا ينبغي أن نكون متشائمين بشأن مستقبلنا.

السؤال الثاني عشر: ماذا تعني عندما تسنح لكم الفرصة؟

الأستاذ صلاح الدين: لا أعرف كيف، ولكن الأهمّ هو أننا نقوم بعملنا، وإذا لم يُتح لنا هذا العمل، نقوم بشيء آخر. وهذا “الشيء الآخر” له أشكال متعدِّدة. نحن مستمرون.

السؤال السادس عشر: أنتم حزب معارض، فلماذا لا تمثّلون صوت احتجاج الناس؟ على سبيل المثال، هناك مظاهرات وإضرابات في السليمانية، وأنتم حزب، لديكم – وفقًا للمعلومات المتاحة – حوالي 35 ألف عضو وكادر ومؤيّد، فلماذا لم تستطيعوا توجيه أنصاركم إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم، والمطالبة بحقوقهم؟ سأذكّركم بثلاث مواقف اتّخذتموها، والتي جعلتني أطرح هذا السؤال عليكم؛ كاتحاد إسلامي. الأوّل: في انتخابات مجالس المحافظات لعام 2014 في السليمانية، كان بإمكانكم توحيد مقاعدكم مع مقاعد حركة التغيير (گۆڕان)، وإدارة المحافظة دون مشاركة الاتحاد الوطني، ولكنكم لم تفعلوا ذلك. كما أنكم، بالمقابل، لم تُقْدِموا على المشاركة مع الاتحاد الوطني، بدون حركة التغيير. لماذا كان موقفكم هكذا؟  الثاني: في عام 2015، عندما انتهت ولاية السيد مسعود بارزاني كرئيس لإقليم كوردستان، كان لديكم 10 نواب في البرلمان، وعندما طُرحت مسألة تعديل قانون الرئاسة، شارك (5) من نوابكم في الجلسة، وقاطعها الـ (5) الآخرون. لو شارك جميع نوابكم، لتمّ التصويت على تعديل القانون، وبالتالي لم يكن السيد مسعود بارزاني ليبقى رئيساً للإقليم. لماذا كان موقفكم بهذه الطريقة؟ أنتم شاركتم في الاستفتاء، مما ساهم لاحقاً في تدهور أوضاع إقليم كوردستان؛ لماذا مواقفكم غير واضحة، وتثير التساؤلات؟

الأستاذ صلاح الدين: أوضحت منذ البداية أننا مختلفون، ولا نحبّ تقليد الآخرين. نحن مقتنعون بأن هذا النظام السياسي إمّا أن يسقط أو يبقى، لكنّه لن يتحسّن، لأنه متجذّر بعمق. اليوم، شخص معيّن، في حزب معيّن، يفقد كل سلطته، لكنه لا يفعل شيئاً، بل يصبح جزءاً من الظلم. ولكن عندما يتغيّر موقعه، فجأة يتحوّل تجاهنا إلى (مارتن لوثر)! هذا خطأ. يجب أن يكون الشخص صادقاً مع نفسه في جميع المواقف، وليس فقط عندما يخسر السلطة. بالنسبة لقضية محافظة السليمانية، لم أكن في موقع اتّخاذ القرار حينها، ولكن ممّا سمعته، كانت هناك قناعة بأن تسليم المحافظة لحركة التغيير، وإبعاد الاتحاد الوطني سيؤدّي إلى مشكلة، ولن يكون خطوة إيجابية. ولذلك قرّروا عدم المشاركة في هذا الصراع، وقالوا: نحن لا ندخل في هذا الموضوع، فلتتفاوضوا أنتم مع الحزب الديمقراطي. أمّا بخصوص رئاسة الإقليم، فقد كتبت مقالاً حينها، واقترحت حلاً لتغيير رئيس الإقليم، لكن كان يجب أن يكون ذلك بطريقة صحيحة، وليس عبر أزمة سياسية تمتدّ لعقود. المسألة لم تكن مجرد تصويت داخل البرلمان، بل كانت قضية حسّاسة ومصيرية. ولذلك لم يكن موقفنا متسرّعاً. بالمجمل، نحن لا نسعى إلى إسقاط الأحزاب الأخرى، أو المشاركة في الصراعات الداخلية، بل نركّز على مصالح شعب كوردستان ككل، وهذا ما يوجّه قراراتنا السياسية.. أمّا بالنسبة للاستفتاء، فأنا شخصيًا كنت مقتنعاً به، وربما هناك من ندم عليه لاحقًا، لكنني لم أندم. زرت (تركيا) في ذلك الوقت، وتحدّثت معهم، وكنت صريحاً في القول بأن الاستفتاء هو حقّ طبيعي لأيّ شعب يريد تقرير مصيره. لم يكن ذلك خطأً بحدّ ذاته، لكن المشكلة كانت في التخطيط والاستراتيجيات التي اتُّبعت بعده. فقد كانت هناك اتّفاقات في الخفاء، وخطط مسبقة بين بغداد وبعض القوى الإقليمية، ممّا أدّى إلى نتائج غير متوقّعة. ولكن من حيث المبدأ، لم يكن الاستفتاء بحدّ ذاته قراراً خاطئاً. فنحن من البداية، وحتّى المرحلة الأخيرة، كنت مع الاستفتاء، ذهبت وصوّت، وذهبت والتقيت بالسيد مسعود بارزاني في أربيل، ثم ذهبت إلى تركيا للدفاع عن القضية، وعدت إلى دهوك، وإذا كنتم تذكرون، عقدت مؤتمراً صحفياً هناك، وقلت إن الاستفتاء جاء بعد الفجوة التي حدثت بين إقليم كوردستان وتركيا. قلت: “اعتبروني واحداً منكم”، فأين الخطأ في ذلك؟ كلّ مواطن له الحقّ في القيام بذلك، وكل أمّة لها الحق في اتّخاذ هذا القرار. كيف تردّ على هذا الأمر؟ هذه مشكلتك، لكن من أنت حتّى تمنعني وتعاقبني بسببه؟  لذلك، قضية الاستفتاء تختلف عن غيرها من القضايا، لأنها ليست مجرد مسألة حزبية، بل قضية وطنية. نحن نتحدّث عن المسائل القومية والوطنية.

السؤال الثالث عشر: برأيكم، هل هناك مشكلة كوردية تعرف باسم (حزب العمّال الكوردستاني)؟ 

الأستاذ صلاح الدين: منذ البداية كان لدينا قناعة واضحة، وأكرّرها مرة أخرى الآن، أن القضية الكوردية تختلف عن الأحزاب الكوردية، فهما شيئان مختلفان تماماً. القضية الكوردية قضية عادلة، إنها قضية حقوقية؛ هناك أمّة تعدادها 45 مليون شخصاً، وليس لها كيان سياسي، وتمّ تقسيمها بين هذه الدول بالقوّة، لكنها تظلّ أمّة ذات حقوق تاريخية. هذا الحقّ لا يُنسى بمرور الزمن. هذه الأمّة يجب أن تحصل على حقوقها، وأنا لا أدعو إلى إشعال الفوضى أو الحروب، لكن كلّ جزء من كوردستان يجب أن يتّفق مع حكومته ودولته ضمن إطار معيّن. في العراق، وصلنا إلى (الفيدرالية)، وفي سوريا قد يكون الأمر مختلفاً، لكن في النهاية، إنكار هذه الحقوق، وعدم الاعتراف بالأمّة الكوردية، هو خطأ كبير، خطأ أخلاقي، ويخالف المنطق. الكورد ليسوا أتراكاً، الكورد ليسوا عرباً، الكورد أمّة قائمة بذاتها. لا يوجد خطأ في أن تكون كوردياً، لكن أن تُجبر على التنكّر لهويّتك، فهذا غير مقبول. هذه قضية عمرها 100 عام، وما زالت مستمرة. النقطة الثانية: لا شك أن هناك قوى سياسية كوردية تختلف فيما بينها، بعضها صحيح وبعضها خاطئ، بعضها صادق وبعضها لا، وهذا أمر طبيعي في السياسة. هناك أحزاب قدّمت خدمات لشعبها لسنوات طويلة، وأخرى لم تفعل شيئاً سوى التلاعب بالمشاعر. السؤال هنا ليس عن القضية الكوردية نفسها، بل عن الأحزاب السياسية. القضية الكوردية مشروعة، لكن الأحزاب قد ترتكب أخطاء، قد تبيع القضية، قد تجهل كيفيّة إدارتها، وقد تكون غير مؤهّلة لذلك. أمّا حزب العمال الكوردستاني (PKK)، فهو كغيره من الحركات الكوردية، قد يكون محقّاً في بعض القضايا، وقد يكون مخطئاً في أخرى. لا يمكن تصنيفه ككتلة واحدة، وإرساله إلى الجحيم. هناك أشخاص مخلصون داخل الحزب، وهناك أشخاص سيّئون أيضًا. لكن لا يمكن بسبب حزب معيّن، أن يتمّ شطب القضية الكوردية بأكملها. لهذا السبب، عندما نتحدّث مع المسؤولين الأتراك، نقول لهم: إذا كنتم لا تريدون حزب العمّال الكوردستاني، فلا تنعتوا كلّ الكورد بوصف الإرهاب، بل امنحوهم حقوقهم. هذه هي القضية. يجب تحقيق السلام مع الشعب الكوردي، يجب التوصّل إلى اتفاق، يجب تلبية المطالب المشروعة. لا يمكن استخدام حزب العمّال الكوردستاني كذريعة لإنكار حقوق الكورد. لهذا السبب، نرى أن هناك تحرّكاً إيجابياً الآن في الاتّجاه الصحيح، وهم يعملون من أجل السلام، وهذا أمر مهمّ. المصالحة والتفاهم أمران ضروريان. على سبيل المثال، زيارة (أوجلان) قد تكون خطوة جيّدة. الحوار معه ضروري، لأنه خبير، ويفهم كيفيّة إدارة الأمور. نأمل أن تكون هذه الخطوات إيجابية، وأن يتحقّق الخير إن شاء الله.. الشعب الكوردي هو شعب تعداده 45 مليون نسمة، يجب أن يكون له دور مهم في الشرق الأوسط.. إذا أردنا أن نكون قادرين على قيادة كوردستان، فإن القيادات الكوردية قادرة على استعادة المكانة القيادية الكوردية، طالما أن الشعب الكوردي لديه القدرة على التغيير والتحرّك.

السؤال الثالث عشر: كيف ترون مستقبل الحشد الشعبي في العراق؟

الأستاذ صلاح الدين: الحشد الشعبي هو قوّة مسلحة تأسّست بعد مواجهة (داعش)، وتمّ تأسيسها بناء على فتوى من آية الله السيستاني. وبعد فترة، أصبح لهم دور مهمّ في الحكومة العراقية. لكن الوضع لم يكن دوماً جيّداً، حيث تشكّلت جماعات أخرى هدّدت الوضع، وبعض هذه المجموعات كانت تفتقر إلى التنسيق، وكانت تضرّ بالعراق بشكل كبير. هذه الجماعات تقوم بتحرّكات خطيرة، وهو ما كان يسبب مشاكل للعراق وإيران على حدّ سواء.

السؤال الرابع عشر: بشأن الجبهة الداخلية، هل هناك مشاكل داخل الاتحاد الإسلامي، في المؤتمر التاسع حدثت بعض المشاكل والخلافات؟

بلا شك هناك تباين في وجهات النظر، لا أحتاج إلى الحديث عن ذلك.. وبشأن ترشّحي لمنصب الأمين العام، كنت متردّداً، إلا أنني وجدت نفسي أضع كل شيء في خندقين؛ ولكن من الواضح أنني كنت أعرف تماماً أن تنظيمات الاتحاد قد عقدت كونفرانساتها، وخلالها تمّ تعديل مادة في النظام الداخلي، انسجاماً مع رغبتهم في بقائي في منصبي لدورة أخرى. هذا لا يعني عدم وجود شخص مؤهّل للمنصب، بل على العكس هناك شخصيات كفوءة، ولديها تاريخ طويل في هذا المجال.

السؤال الخامس عشر: لماذا لم تتطوّر الحالة الإسلامية في كوردستان؟

الأستاذ صلاح الدين: ربّما يكون هناك مراوحة للأحزاب الإسلامية، لكن الحالة الإسلامية هي في تنامٍ مستمر، فهناك نشاطات واسعة لا تخطئها العين.. المهمّ في النهاية، ينبغي أن نتكاتف، ونفكّر في المصالح العليا، وأن نعمل على تحسين الوضع المدني والإنساني في المنطقة.. من خلال تعزيز السياسة الواضحة، والتنمية السليمة للحقوق، يمكننا أن نساهم في تحسين أوضاعنا.. ونحن لا نقصد تهديد أحد، أو التسبب في تعكير الأمن، بل العكس نريد العمل على تقوية أواصر التعاون.

في الختام أشكركم جميعاً، فأنتم وسائل الإعلام جزء من المهمّة التي نقوم بها. الإعلام له دور كبير، على الرغم من وجود انتقادات، لكنه يؤدّي دوراً حيويّاً، كما في الدول المتقدّمة، فإذا كان هناك تغيير في مواقف الساسة والحكام، فللإعلام فضل في ذلك، لأنه يمارس نوعاً من الرقابة على أداء السياسيين وأصحاب السلطة.. شكراً جزيلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى