النص المشؤوم

قصة: علي صالح ميران - ترجمة: سالم الحاج

  كان يسير الهوينى على امتداد الطريق الطويل، وهو مستغرق في التفكير.. لم يكن يعرف جيداً إلى أين هو ذاهب.. عجیب، الناس يشكون من أزمة الوقت، بينما هو لا يكاد وقته ينقضي.. كان يتأبط – كعادته – بعض الكتب الكبيرة.. وصل إلى (كشك) بائع الصحف.. وهناك رأى العدد الجديد من صحيفة (…)، فسارع إلى شرائها.. شرع في تصفّحها حالاً.. وعندما وصل إلى الصفحة الخامسة، كانت تحتلّها قصيدة طويلة لصاحبه (م).. نفس القصيدة التي قرأها في أمسية جماهيرية الأسبوع الماضي.. تعجّب لسـرعة نشـرها، وهمهم مناجياً نفسه: لا بد أنها قصيدة جيدة، فرضت نفسها!

بعد جولة في السوق.. قرّر أن يعود إلى البيت.. كان يسير وهو يقرأ في القصيدة، ويرتطم بالناس يمينا وشمالاً.. فجأة اصطدم رأسه بشـيء صلب.. نظر، فإذا بمظلة إحدى عربات الباعة المتجولين.. خجل، التفت يميناً ويساراً، ثم طوى الصحيفة، وأسرع في السير إلى موقف الباصات.. لم يكن قد فهم شيئاً مما قرأ في الطريق.. ولكيلا يحقر نفسه، ولا يتّهمها بالجهل وضيق الأفق، أخذ يناجي نفسه: “وهل يقرأ الشعر هكذا؟! الشعر الحديث اليوم أمر مختلف.. إنه يجرّ القارئ إلى آلاف الدهاليز والأحاجي المغلقة.. قراءة النص الشعري تحتاج إلى حضور فكري ذهني وجسدي ممتاز.. وربما حتى الجمهور العريض الذي استمع إلى هذه القصيدة، لم يفهمها بسهولة.. ولكن الذي يحيّرني أن بعض الذين حضروا تلك الأمسية، وكانوا مستغرقين في نوم لذيذ طوال الوقت.. رأيت أحدهم قبل أيام، وهو يتقدّ حماسة في الحديث عن هذه القصيدة الطويلة”.

وصل إلى موقف (الباصات) وهو غارق في مثل هذه الأفكار.. وفي (الباص) أقبل على القصيدة مرة أخرى، وضاع بين كلماتها.. ولم ينتبه إلى نفسه إلا وقد تجاوز المكان الذي كان يجب أن ينزل فيه.. رفع صوته طالباً النزول.. ونزل مسـرعاً.. وفي الطريق، وقبل أن يصل إلى المنزل قرأ القصيدة مرّة ثالثة.. ومع أن الكلمات كانت جميلة وذات ظلال، إلا أنه لم يستطع أن يؤلّف منها معنى متكاملاً.. كان يتمتم مع نفسه: “يا سيدي.. الشعر الحديث له أسس ومبادئ ورؤيا حديثة.. يجب أن تنكبّ عليه بكل وعيك وأحاسيسك، حتى تستطيع أن تفهمه.. فهو ليس شعراً عادياً تقتحمه بنظرة.. الشعر معاناة، تكشف عن الجوانب الداخلية من الإنسان.. والقارئ يجب أن يستسلم أمام كاتبه أنى توجّه به.. لا أن ينصب من نفسه (بطلاً) على النص.. نعم.. فكل كلمة من هذا الشعر اللعين تحمل رمزاً ودلالة”!

 وفي البيت.. رتّب لنفسه مكاناً، بعد صلاة العشاء، واستلقى على بطنه، منكبّاً على القصيدة من جديد.. وهو يلعب برجليه في الهواء.. وحذّر زوجته وأطفاله بأن لا ينبس أحد منهم ببنت شفة!

شـرع يتأمّل القصيدة من جديد.. واستطاع في القراءة الثانية – إلى حدّ ما – أن يربط البداية بالوسط.. فجأةً قطع ابنه الأكبر سلسلة أفكاره؛ قائلاً:

–  ماما ، هل أذهب إلى بيت جدّي ؟

زعق في وجهه:

– اللعنة عليك و.. أحمق.. ألم أقل تكلّموا بهدوء، وبلا ضجيج!

ثم عكف مرّة أخرى على القصيدة.. ولكنه لم يستطع لحدّ اللحظة أن يدرك مرامي وأغراض الشاعر.. قلّب نفسه على الظهر، ووضع يديه تحت رأسه، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، وهو يحدّق في سقف الغرفة.. سأل نفسه وهو مستغرق في التأمّل: “حسن.. ولكن لماذا لا أفهم.. هل ذهبت هدراً كل جهودي وقدراتي الأدبية؟ وتمتم مع نفسه: (الأبقار تغنّي على الأسلاك الكهربائية غربة روحها…).. أيّها الناس.. بالله عليكم، کيف تصعد البقرة فوق الأسلاك الكهربائية، وتغنّي…؟! حسن، أنْ تغنّي، فهذا لا بأس.. ثم استدرك قائلاً: ” لا لا.. يجب أن تصعد.. ولماذا لا تصعد؟! من الواضح أن البقرة تذهب إلى كل مكان.. وإذا لم يكن كذلك، فكيف استساغها الجمهور، أو كيف أجازها مسؤول الصفحة الأدبية.. نعم.. ربّما (البقرة) دلالة على شيء ما! ولكن دماغي أنا لا يعمل”..

وبعد طول تأمّل وتفكير، خطرت له فكرة.. وقال: “ربّما لا يكون هذا شعراً”.. ولكنه سرعان ما تراجع عن ذلك قائلاً: “ليس شعراً؟! تالله إنني لغريب الأطوار.. هل كل ذلك الجمهور العريض.. كانوا مغفّلين؟! فما عدا الذين كانوا مستغرقين في النوم، كان الجميع يهزّون له الرؤوس.. وأحياناً، مع كل كلمة كانوا…”.

عدّل من جلسته مرة أخرى، وشرع يتأمّل القصيدة من جديد.. كان البيت قد حلّه سكون غريب، وكأنه (طاحونة) انقطع عنها الماء.. لا نأمة تصدر عن أحد.. كان يضـرب بخياله في عرض بحر الشعر المترامي.. كاد يقترب من اقتناص دلالة.. معنى.. ويظفر بفهم بنية الشعر.. ولكنّه لم يكن شيئاً يستطيع التحدّث به غداً في (مجكو)، عندما يلتقي الأصدقاء.. لم يكن قد بقي الكثير ليصل إلى خط النهاية، ويكسـر الطلسم.. ولكن الرجل عندما يلازمه سوء الحظ يصادف أموراً غريبة!

فجأة.. آه.. تعالى صراخ الأطفال بسبب التلفزيون.. أحدهم يريد برنامج (الكاميرا الخفية)، والآخر يريد (أفلام الكارتون).. تزايد صياحهم.. وانقطعت سلسلة الإلهامات الشعرية – وتحوّل ما نسجه بلمحة واحدة إلى (أنكاث).. فقد عقله، وطار صوابه.. وقفز من مكانه كالنمر، وأخذ يضرب الأطفال يميناً وشمالاً.. وقفت زوجته تدافع عن الأطفال:

– ما الذي دهاك يا رجل؟! لماذا تفعل هذا؟!

+  ألم أقل التزموا الهدوء. اسكتوا..

– یا رجل.. ولماذا نسكت، ما الذي فعلناه؟!

+  حسن إذن. سأبيع التلفزيون غداً..

– والله لن تبيعه، التلفزيون هو الشيخ الوحيد الذي بقي لنا.. لقد بعت كل شيء.. وارتفعت أصواتهم شيئاً فشيئاً.. بكاء الأطفال، وصياحهم، وأصوات (القط والفأر) في التلفزيون، جعلت من الأمر كأنّه ميدان معركة.. قفز باتجاه التلفزيون، وأغلقه:

– ما هذا؟ لماذا تطفئ التلفاز؟ سأفتحه حالاً..

+  فتح…! عليّ الطلاق إنْ فتحته..

– يا رجل، بالله عليك.. ما الذي دهاك.. انظر إلى عينيك كأنها جمرتان تتقدان.

قالت زوجته ذلك، واتجهت إلى التلفزيون لتفتحه، وهجم هو عليها ودفعها ليبعدها.. سقط التلفزيون على الأرض فجأة.. ولكن أيّ سقوط؟! وكأنما قد ضـربه أربعة رجال بالأرض.. وكان ذلك هو الصوت الأخير.. إذ ساد البيت هدوء ثقيل.. وسيطرت الدهشة على وجوه الجميع.. تراجعت زوجته إلى الوراء، وأسندت ظهرها إلى الجدار.. وضعت وجهها بين كفيها، وانخرطت في البكاء…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى