رسالة إلى النائمين
بقلم: أ. د. عماد الدين خليل

أيّها النائمون في هذه الدنيا، أفيقوا..
أيّها التائهون عن الحقيقة الكبرى.. انتبهوا..
أيّها الذاهبون بعيداً وراء المناصب والدراهم والدنانير.. استيقظوا..
أيّها الغافلون عمّا ينتظرهم من حسابٍ عسير… افتحوا أعينكم جيداً..
أيّها السّادرون وراء الملذّات التافهة.. الراكضون خلف الشهوات الحقيرة.. أصيخوا إلى صوت النذير..
أيّها العميان.. أيّها الطرشان.. أيّها المصابون بعمى الألوان، افتحوا أعينكم وآذانكم جيداً لصوت النذير..
أيّها الحكام.. أيّها الطواغيت.. أيّها القتلة.. أيّها السفلة.. ما الذي تبقى من أعمار كل واحد منكم؟! عشـرون، ثلاثون، أو حتى أربعون عاماً، وستدّس أنوفكم بعدها في نار جهنم ورمادها..
أيها المفتونون بالسلطة، يريدون – لعشقهم لها – أن يورّثوها لأبنائهم، وأحفادهم.. ثم ما يلبث الأبناء والأحفاد أن يضيّعوها، ويضيّعوا معها ما اغتصبه آباؤهم من مال، في كل ما يخطر وما لا يخطر على البال من سفالات..
أيها المغرمون بتكديس الثروات بالحلال والحرام، ما الذي تعنيه لكم سوى أنها رزم من الأوراق المحشورة في الخزائن والمجرّات.. تتركونها، وتدلفون إلى القبور، غير آخذين معكم سوى الأكفان؟!
أيها التافهون؛ من المحقّقين والجلّادين، الذين تحوّلوا إلى أظفار حادّة بيد سادتهم، يغرسونها في أجساد المظلومين..
ما الذي ستحصدونه من سيّال العذاب والدماء التي سفكتموها، والسياط التي لسعتم بها ظهور المضطهدين، سوى أن تركتم أقدام الطواغيت التي وضعتم أنفسكم تحتها، تهرس رؤوسكم؟
أيّها الغارقون في شهوة الهروب من متاعب الدنيا، بالخمر والحشيش والأفيون وكل صنوف المغيّبات، لسوف تستفيقون بعد دقائق أو ساعات على جبال الهموم والاكتئاب، ثم تحاسبون على ما فعلتموه بأنفسكم..
أيّها المنتحرون الذين تجرؤا على خلق الله فقتلوا أنفسهم، لسوف يعاقبكم الله سبحانه وتعالى بأن يجعلكم بعد مماتكم تمارسون الانتحار دقيقةً بدقيقة، وساعةً بساعة، إلى أبد الآبدين..
أيّها المخدوعون بزخرف الحياة الدنيا وزينتها، لسوف تجدون أنفسكم بعد فترة لن تدوم طويلاً وقد غدوتم حطاماً..
أيّها الأغبياء الذين لم يملكوا أيّ قدر من الذكاء يجعلهم يميّزون بين ما هو أسود وما هو أبيض، فيساقون – دونما إرادة منهم – صوب وديان العذاب السحيقة في الدنيا والآخرة، لأنهم لم يُعملوا عقولهم التي وهبهم الله سبحانه وتعالى إياها..
أيها المسُوسون الذين فقدوا القدرة على التمييز بين الخير والشـر، واندفعوا ينهبون ويسرقون ويقتلون دونما حساب لما يمكن أن يتلقّوه نتيجة جنونهم هذا..
أيّها الناس انتهبوا.. فإن حياتكم الـدنيا لا تعدو أن تكون دقائق معدودات.. يوماً واحداً.. عشرة أيام.. ثم تغادرونها إلى القبور، حيث يبدأ الحساب العسير..
انتهبوا.. وأنتم تشيّعون هذا الميت أو ذاك.. إلى أنكم ستلحقون به بعد دقائق أو ساعات.. فعلام هذا كلّه؟ علام التشبّث بالسلطة، والمال، والانتفاخ والكبرياء، وهي كلّها لا تعدو هباءً من عمر الزمن؟!
أيّها العميان.. أيّها الطرشان.. أيّها الذين أقفلوا على عقولهم وأفئدتهم الأبواب.. ألم تحاولوا يوماً أن تستعيدوا شيئاً من قدرتكم على السمع والإبصار؟ من خفقان أفئدتكم، ونبض عقولكم، لكي تروا بأمّ أعينكم أنكم إزاء معجزة الخلق، وقدرة الخالق المطلقة، التي إذا أرادت شيئاً فإنما تقول له كن فيكون! وإبداعه الموصول الذي يفجّر في اللحظة الواحدة ألف لون.. ألف صيغة.. ألف إنجاز.. مما يغطّي بانوراما الحياة، فيزيدها غنىً وتنويعاً وإبداعاً وإحكاماً: [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (سورة لقمان: الآية 27)، [قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً] (سورة الكهف: الآية 109).
ألم تحاولوا أن تستعيدوا شيئاً من عقولكم وأفئدتكم.. شيئاً من سمعكم وأبصاركم.. لكي تجدوا أنفسكم وجهاً لوجهٍ أمام قدرة الله – جلّ في علاه – التي ما لها من حدود؟
انظروا إلى معجزة الأمطار التي تنبني حلقاتها الثمانية بعضها على بعض، حيث ينتفي منطوق الصدفة، أو سخافة القول بأن الطبيعة تسيّر نفسها.. أو تفاهة الاعتقاد بالمتغيّرات النوعية التي تترتب على المتغيّرات الكمية.. فها نحن الآن أمام استحالة رياضية وفيزيائية لدور الصدفة، في تحقيق هذا التوافق عبر مراحله الثمانية: الخزين الاستراتيجي الهائل من الماء في خمسة أسداس الكرة الأرضية، وشكمه عن الطغيان على اليابسة وإغراقها.. وتمليحه لكيلا يتعرّض للفساد الذي يدمر الحياة، وتسليط قدر مناسب من الحرارة القادمة من الفرن الذّري: الشمس، عليه، كي يتبخر ويفكّ ارتباطه بملوحته ويصعد إلى السماء.. ثم تشغيل دشالي الرياح لتحريك السحب المتشكلة في سماء المحيطات إلى أنحاء العالم: من موسمية، إلى تجارية، إلى عكسية.. ثم تلقيح السالب بالموجب، لإعادة الحالة المائية إلى البخار، وجعله يتساقط على الأرض.. ثم توزيع هذا الكم الهائل النازل من السماء، كي لا يذهب هدراً، إلى ثلاثة أقسام: أحدها يذهب لتغذية الأنهار التي شقّتها إرادة الله سبحانه وتعالى بكل اتّجاه: شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً.. وثانيها يذهب إلى باطن الأرض.. إلى المخازن الجوفية التي غلّفتها الإرادة الإلهية بثلاثة أسيجة محكمة، لا تنفذ منها قطرة من ماء.. وثالثها بتعرّضه للتجميد في أعالي الجبال، لكي ما يلبث في مواسم الصيهود أن يمارس دوره في تغذية الجداول والأنهار.. وإلى تقديم عروضه الجمالية المدهشة عبر الشلالات التي لا ينفد تدفّقها!
فأيّ صدفة هذه التي قامت على التسلسل المحكم الذي أريد منه إيصال القطرة العذبة إلى أفواه الزرع والضـرع والإنسان؟ وماذا لو بعدت الشمس قليلاً عن موقعها من الأرض، ألا يقود ذلك إلى تجمّد الحياة في دقائق ولحظات؟ وماذا لو اقتربت قليلاً.. ألا يؤدّي ذلك إلى احتراق العالم؟ من الذي وضعها في المكان المناسب تماماً؟ ثم من الذي جعلها تمارس دورها في تقديم هذه الوجبات السخية من الطعام للإنسان والحيوان؟ عن طريق ضوئها الذي يتعامل مع ثاني أوكسيد الكاربون وخضـرة النبات، فيمكّنها من التكاثر وإنتاج الفواكه، والأثمار؟
ألم تنتبهوا أيّها النائمون الذين أغفوا على أقفال عقولهم وأبصارهم عن رؤية معجزة الخلق، التي هذه إحداها فحسب؟ ثم ماذا عن معجزة العين ذات الآلاف من الحجيرات التي تتعامل مع فيزياء الضوء، فتعدّل الصورة المقلوبة، وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الأشياء والألوان والموجودات؟ ومع معجزة العين، التي قال عنها (دارون)؛ زعيم ما يسمّى بالإلحاد العلمي، في إحدى لحظات صحوته من نومه العميق عن حقائق الخلق: كلما فكرت في تركيب العين البشـرية هزّتني قشعريرة، أنا لا أعتقد بعدم وجود إله قدير يصنع هذا كلّه!
وماذا عن معجزة السمع بصناديقها الثلاثة المحكمة؟ واللسان بقدرته المدهشة على التذوّق والنطق الذي به يتميّز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى؟ وماذا عن معجزة السوائل المالحة لتعقيم العين، والمُرّة لمنع الأذن من استقبال المواد المؤذية؟ والعذبة لترطيب اللسان والفم؟ ماذا لو انعكست الآية، فأصبح العذب مُرّاً، وأصبح المرّ مالحاً؟ من الذي أحكم هذه الصنعة المدهشة في خلق الإنسان؟ أهي الصدفة التي صنعت هذا كلّه؟ أم هي الطبيعة العمياء التي لا تبصر ولا ترى؟!
وماذا عن تخلّق الجنين في رحم أمّه؟ ماذا عن الهندسة الإلهية المعجزة لوظائف الإنسان: الهضمية والتنفّسية والعصبية؟ ماذا عن طبيعة عمل العقل والفؤاد في قيادة حركة الإنسان وضبطها وتوجيهها؟ ماذا عن إخراج الحليب الصافي العذب من بين فرثٍ ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين؟ ماذا عن خلق هذا الجمال المدهش الذي لا حدود له في دنيا النبات والحيوان والطبيعة؟ ماذا عن الزهور ذات الروائح والألوان؟ والحدائق ذات البهجة؟ أهي الصدفة التي صنعت هذا كلّه؟ أم الطبيعة العمياء؟ أم تحكّم الكميّات بالنوعيّات، حسبما تقول به النظرية الديالكتيكية البائدة؟
أجيبوني أيّها الكسالى والنائمون، أيّها الغائبون عمّا يحيط بهم من معجزات الخلق؟ أيّها الملاحدة والفجرة والكفّار؟!
ثم ماذا عن الوزن المدهش المحسوب للجاذبية، التي لو ازدادت قليلاً لتباطأت حركة الإنسان، واقتضت منه زمناً متطاولاً، وهو يتنقل بالسلوموشن من مكان إلى مكان؟ ماذا لو خفّت قليلاً، فاستحال على الناس أن يثبّتوا أقدامهم على الأرض؟ ماذا عن الكتل الهائلة من الجبال، والتي وزّعت بشكل عادل على قارّات الدنيا، أليست لكي تمسك الكرة الأرضية من التأرجح، الذي تستحيل معه الحركة والحياة؟
ماذا عن منظر الشفق في أطراف السماء، والقمر إذا اتسّق بعد رحلته الشهرية؟ والغيوم المتراكمة عند حافات الأفق بألوانها الزرقاء والأرجوانية والرمادية والبرتقالية والسوداء، مَن الذي وهب العالم هذا القدر الهائل من الجمال؟ من الذي نوّع في خلق الحيوانات؛ أسماكاً وحيتاناً وبرمائيّات وحشرات ولبائن؟ و … و … بألوانها المدهشة، وحركاتها البديعة، ودورها المرسوم في تحقيق التوازن المطلوب من أجل استمرارية الحياة؟
مَن الذي صنع هذا كلّه، سوى قدرة الله سبحانه وتعالى المطلقة التي ما لها من حدود.. إرادته التي لا رادّ لها.. كلماته التي لا نفاد لها.. قوله للأشياء: كوني، فتكون؟!
أين الصدفة أيّها الأنعام؟ أم الطبيعة العجماء التي لا تفقه ما تعمل.. أم المتغيّرات النوعية التي تترتب على التراكمات الكميّة، حسبما تقول به أسطورة المادية الديالكتيكية التي عفا عليها الزمن؟
وأنتنّ أيّتها النساء اللواتي اخترن أن يدخلهن نفق الغيبوبة عن الحقائق.. دهاليز الدجنة والظلام.. فرفضن الالتزام بالتعاليم الإلهية، التي أرادت منهن أن يتغطّين، وألاّ يعرضن لحومهن للرائحين والغادين بثمنٍ بخس.. أن يتحوّلن إلى أدوات رخيصة للربح والإعلان.. أن يصبحن مكبّاً لنفايات الرجال.. أيّتها النساء اللواتي أمسك الشيطان بقرونهن، وساقهن إلى حيث يريد هو، لا ما يردن هنّ.. ما الذي ستحصلن عليه من تبرّجكن؟ من عريكن؟ من كشف أثديتكن، وأفخاذكن.. وإلى أن تصبحن أدوات.. مجرد أدوات لتفريغ شهوات الرجال.. ومهما طال بكنّ المطاف، فإن مصيركن بعد لحظات من عمر الزمن هو الشيخوخة وغياب الجمال، وتحولكن إلى البشاعة التي ينفر منها أقرب المقرّبين إليها؟!
ودائماً كنت أقول لطالباتي في الجامعة: إنكن تمارسن أكثر من خسارة وأنتن تمارسن هذا العشق للتهتك، وربّما للفجور.. خسارة الوقت.. وخسارة النقود على مواد التجميل.. وخسارة النضارة التي منحكن الله سبحانه وتعالى إيّاها.. ثم.. وهذا هو الأهمّ.. خسارة أولئك الباحثين عن الزوجات الصالحات.. فإن الإنسان، حتى لو كان فاسقاً، يفضّل – وهو يبحث عن شريكة حياته – تلك التي يطمئن على تحصنّها من اختراق الغرباء، وسلامة الذرّية من أيّة شبهة قد تحيق بأولئك الذين اندفعوا للزواج بالمتبرجات..
ثم إنكن وأنتن ترششن حفنات من العطور على وجوهكن وأجسادكن لكي يتلذّذ بها المحرومون، ستحرمون من رائحة الجنة.. ستبعدون أنفسكن عنها لمسافة سبعين ألف خريف.. وتلك هي الخسارة الكبرى..
أيّها النائمون.. أيّها الغافلون.. أيّها العميان.. أيّها الطرشان.. من الرجال والنساء.. استفيقوا قبل فوات الأوان.. إنها فرصتكم الأخيرة في حياتكم الدنيا، ولن تكون بعدها توبة أو غفران..
3 + 3 = 6، وأنتم أيّها السكارى والنائمون تختزلون الرقم الصحيح، فتقولون حيناً: سبعة، وحيناً: خمسة، فتقعون في الخطأ.. أتدرون لماذا؟ والجواب: أنكم قد أقفلتم على عقولكم الأبواب، فأصبحتم كالأنعام.. بل أضلّ من الأنعام!
أيّها النائمون.. أيّها الغافلون.. أيّها العميان.. أيّها الطرشان.. رجالاً ونساءً.. استفيقوا قبل فوات الأوان.. تلك هي صيحة الرسل والأنبياء والمصلحين على مدار التاريخ، وذلك ما أكّد عليه كتاب الله، وأعاد القول فيه المرة تلو المرة، لعلكم تفيقون قبل فوات الأوان، وضياع فرصة التوبة والغفران: [وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً] (سورة النساء: الآية 27). وصدق الله العظيم .