منهج العلامة ناصر سبحاني في استنباط الأحكام الفقهية، وجانب من آرائه الأصولية (الحلقة  23)

د. عمر عبد العزيز

في الحلقة السالفة أنهينا الحديث عن نظرة العلامة ناصر سبحاني حول شروط الرواة والمرويات في الحديث، وتناولنا تأكيد الشهيد على أهمية الحديث سنداً ومتناً، والتحقيق في متن الحديث بجانب سنده، معياراً للتقييم، والتأكد من صحة المتن مع صحة الإسناد..

   في هذه الحلقة نتحدث عن طرق الاستدلال، والقواعد والضوابط الشرعية، وملاحظات العلامة سبحاني على منهج علماء الأصول فيها.

لا شك أن إطار علم أصول الفقه يضم مواضيع جدّ مهمة، على رأسها:

ا ـ الحكم، ويليه ما يتعلق بالحاكم (الشارع)، والمحكوم فيه، أي: المكلّف به، والمحكوم عليه، أي: المكلّف.

ب ـ أدلة الأحكام الشرعية، أو مصادر التشريع.

ج ـ طرق استنباط الحكم من الأدلة، ويرتبط بها الحديث عن رعاية أمرين: أحدهما يتعلّق بضوابط اللغة العربية، وثانيهما يتعلّق برعاية مصالح العباد.

دـ ثم يأتي الحديث حول التعارض والترجيح.

هـ ـ ثم الحديث عن المجتهد الذي يقوم بذلك، وما يتعلّق بالمقلّدين.  

   ويشير سبحاني – في مقدمة محاضراته المخصّصة لعلم الأصول – إلى أن مهمة استنباط الأحكام من أدقّ المهام، وهو بحاجة إلى فهم شروط الاستنباط وقواعده وطرقه. ولإبراز أهمية شأن الاستنباط يذكّر بالتقسيمات العديدة للأدلة:

   فمن ناحية الاتفاق عليها، والاختلاف فيها: تقسّم إلى أدلة مجمع عليها، كالقرآن والسنة، ومختلف فيها، كالاستحسان وغيره.

   ومن ناحية كونها عقلية أو نقلية: يصنّف القرآن والسنة ـ ويليهما الإجماع والقياس ـ في قائمة الأدلة النقلية، وغيرها – مما اختلف فيه – في قائمة الأدلة العقلية.

   وكذلك من ناحية حجيّتها: تقسّم إلى قطعية، هي الكتاب والسنّة المتواترة، ويليهما الإجماع – عند الكثيرين -، وظنيّة، وهي غيرها مما فيه الخلاف، كالذي يثبت بروايات الآحاد، أو غير ذلك من الأدلة التفصيلية([1]).

   وبما أن طرق الاستدلال تتعلّق مباشرة بضوابط اللغة العربية، والضوابط الشرعية المستنبطة من القرآن الكريم، فلا بد في البداية من إلقاء ضوء على كلتا الضابطتين، تتخلله ملاحظات الشهيد سبحاني حول كلا المجالين:

   أولاً/ القواعد اللفظية الأصولية:

   يمكن القول بأن أساس علم الأصول، وعمدته، هو كيفية استنباط الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب والسنّة، وطرق الاستدلال بها. وهناك من قال: “إن موضوع أصول الفقه بيان طريق الاستنباط([2]). وبما أن الألفاظ التي وردت في تلك النصوص ليست في درجة واحدة؛ سواء من حيث وضوح المعنى وخفائه، أو من حيث الدلالة وطرق الاستنباط، فلذلك تعدّدت الأساليب، فقد يُعرفُ الحكمُ من ظاهر عبارة النصّ، وقد يحتاج إلى ما يسمى باقتضاء النصّ، أو إشارة النصّ، أو دلالته.

   وهكذا، فإن فهم النصّ يتوقّف على معرفة الأساليب البيانية المعتمدة في اللغة العربية، وتقسيمات دلالات الألفاظ؛ من حيث الوضوح والخفاء، أو من حيث الدلالة ـ كما قلنا ـ، أو من حيث الشمول وعدمه، أو من حيث نوع الطلب، هل هو أمر أم نهي؟

   إذاً، تفسير النصوص الشرعية، ودلالات ألفاظها، وطرق الاستنباط فيها، موضوع واحد، يشكّل جوهر علم الأصول، ومن خلاله يفهم المرء جانباً من سر اختلاف فقهاء المسلمين([3]). وسبب هذا معلوم، وهو كون القرآن والسنّة عربياً، وكون معاني نصوصهما موافقة لمعاني ما يعرف بكلام العرب ولغته وأساليبه. هذا فيما يتعلّق بأصول اللغة العربية وقواعدها، والألفاظ أو دلالات الألفاظ، أو علاقة الألفاظ بمعانيها.

   ثانياً/ القواعد والضوابط الشرعية:

   وهناك قواعد شرعية عديدة ـ إلى جانب القواعد اللغوية أو اللفظية ـ تتعلّق هي الأخرى بفهم النصوص الشرعية، وأبرزها ما عولج في المباحث التالية:

  • مقاصد التشريع، أي أهداف الأحكام الشرعية.
  •  مسائل الناسخ والمنسوخ في الأحكام.
  •  بحوث التعارض والترجيح، أي القواعد والضوابط التي تدفع التعارض الظاهري بين بعض النصوص، كي لا تتعارض ـ في النهاية ـ مع الأحكام.

  ولقد أكّد العلامة سبحاني على أن الله سبحانه قد فصّل الحديث عن الاعتقاديات، وكذلك عن ثوابت الأحكام، كما وضع لمتغيّرات الأحكام وجزئياتها ضوابط وقواعد عامة، وهي نوعان في نظره: منها ما يؤخذ من مضامين الآيات ومدلولاتها، ومنها ما صرّح به القرآن تصريحاً، مثل: التعاون على البرّ والتقوى، وردّ الإثم والعدوان، ورفع الحرج، وغير ذلك([4]). قال العلامة سبحاني في ذلك: “إن الهدى الإلهي ينقسم إلى (اعتقاديات) و(قيم)، أو إلى (تصوّرات) و(أحكام)، فالاعتقاديات والتصوّرات كلّها مبيّنة بتفصيلٍ في كتاب الله، لا يحتاج الإنسان إلى شيء بعدها. أما القيم والأحكام، فتنقسم إلى قسمين: قسم منها غير مرتبطة بالظروف المكانية والزمانية المختلفة، بل هي صالحة لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، فهذا مذكور بتفاصيله في كتاب الله كذلك. وأما القسم الثاني، فأحكام مرتبطة بظروف الحياة المختلفة، ولاختلافها ـ من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن قوم إلى قوم ـ فهي كثيرة لا يمكن للبشر إحصاؤها، فلم يفصّل الشارع فيها، لصعوبة تلقّيها كلّها من قبل الإنسان. ولو أنزل الله أحكام كل ما يتعلق بهذا القسم بالوحي، لاقتضى أن ينزّل من الكتب والرسالات ما لا يتحمّله البشر. ولذلك ـ وبدل ذلك ـ قرّر قواعد كلية عامة، يستنبط فيها المجتهدون في كل عصر، وفي كل ظرف، ما يحتاجون إليه على ضوئها من الجزئيات والأحكام المستجدة التفصيلية..”([5]).

   ثالثاً/ ملاحظات سبحاني على منهج علماء الأصول في طريقة الاستدلال:

   للعلامة سبحاني ملاحظة منهجية على طريقة تعامل علماء الأصول مع مصادر التشريع، وطرق استدلالهم بها. فهو يرى – بداية – أن العديد من الفقهاء لم يجهدوا كثيراً في السعي لاستنباط الأحكام في ثنايا آيات القرآن، قدر جهدهم في البحث والتنقيب في الروايات، رغم تأكيدات علماء الأصول والفقهاء ـ أنفسهم ـ على أن القرآن تبيان لكل شيء، ورغم درك كثير منهم حقيقة المنزلة التبيينية للسنّة. ولكن يلاحظ أن استدلالات معظمهم بالروايات أكثر بكثير منه بالآيات القرآنية، رغم وجود عشرات الآيات التي يمكن أن يستشهد بها مباشرة.

   وهو يؤكّد في هذا أنه بالإمكان استنباط الأحكام من القرآن، سواء من خلال الألفاظ نفسها، أو من خلال الضوابط العامة والقواعد الكلية التي شرعها القرآن؛ كقاعدة التعاون على البرّ والتقوى، وقاعدة رفع الحرج، وقاعدة ردّ الإثم والعدوان، وغيرها من القواعد العديدة. وفي هذا كان شديد الإعجاب بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه لما قال: “إن عامة من ضلّ في هذا الباب ـ يقصد الاجتهاد في الاعتقاديات بالظن ـ، أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتّباع ما جاء به الرسول ﷺ، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلّوا”([6]). وينتقد الشهيد ـ بحسم ـ رأي الجمهور بتجويز تخصيص عموم نصوص الآيات بأحاديث الآحاد، عند التعارض بينهما، وأيّد علماءَ الحنفية، وبعض المالكيين، في وجوب ردّ أحاديث الآحاد، أو تأويلها، أثناء التعارض، فهم يقولون: “خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب والسهو والغلط. والكتاب دليل قاطع، فلا يقبل المحتمل بمعارضة القاطع”([7]).

   وكذلك نوّه الشهيد بأمر آخر يتعلّق بترتيب الاستدلال لدى كثير من الفقهاء والمجتهدين، فيؤكّد على أنه كان من المفروض أن يبحثوا في بداية كل فصل في كتب الفقه عن آية أو آيات تتعلّق بالحكم المتحدّث عنه في ذلك الفصل، ثم يلجأوا إلى ذكر الأحاديث المؤكِّدة والمبيِّنة. ويمثّل لذلك بما فصّله الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار) ـ الذي كان الشهيد يقدّره تقديراً فائقًا، ويرى فيه أنسب كتاب في الفقه المقارن ـ فيقول: “يلاحَظ أن الشوكاني يأتي ـ في باب صلاة الجمعة مثلاًـ فيذكر أدلة كثيرة من الأحاديث حول الجمعة، ثم بعد ذلك يشير عابراً: ومنها ـ أيْ من الأدلة لإقامة صلاة الجمعة ـ قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ](الجمعة/9)”([8]).

قلتُ: ما قاله الشهيد صحيح بصورة عامة، فكثير من كبار المصنّفين لم يراع هذه القاعدة التي أكّد عليها. والمثال ـ نفسه ـ الذي ذكره الشهيد ـ، أي موضوع عدم الاستدلال بآية الجمعة على أحكام صلاة الجمعة ـ قد تكرّر لدى كثير من الفقهاء، فلم يذكرها الإمام النووي (ت676هـ) في كتابه الوسيع (روضة الطالبين)، ولم يشر إليها ابن حزم في (المحلّى)، ولا سحنون التنوخي (ت240هـ) في (المدوّنة الكبرى)، وهي أعظم موسوعة في المذهب المالكي. بل هناك من قدّم ذكر حديث غريب على تلك الآية. فلقد ذكر العمراني (ت558هـ)                -صاحب الموسوعة الشافعية الكبيرة (البيان في شرح المذهب) – أن حديث: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة([9])، دليل على فضل الجمعة، وذلك بعد ذكر أحاديث تشير إلى آية الجمعة!”([10])

   ولا بد هنا من القول: إن الشهيد سبحاني كان ينبغي أن يشير إلى أن كتاب (نيل الأوطار) هو شرح لكتاب (منتقى الأخبار) لابن تيمية، الذي خصّه بجمع أحاديث الأحكام، رغم أن ملاحظة الشهيد تتوجّه إلى الشوكاني باعتباره شارحاً للكتاب، حيث كان بإمكانه أن يستند إلى الآية كأصل في موضوع صلاة الجمعة. ولكن ملاحظته في محلّها، والصورة متكررة – كما أشرنا – في معظم الكتب، ولدى أكثر المصنّفين، وفي أكثر أبواب الكتب الفقهية وفصولها.

النظرية المقاصدية، ومقاصد الشريعة، في تصوّر العلامة سبحاني:

     من عادة الأصوليين الحديث عن مقاصد الشريعة ومصالح العباد، في الأبواب والمباحث المخصّصة للمصادر الفرعية المختلف فيها؛ كالعرف والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب وغيرها. والحديث عن المقاصد يتمّ تحديداً في المباحث التي تخصّص لذكر ما يتعلّق بمواضيع المصلحة المرسلة.

   ولقد اتّفقت كلمة علماء الأمّة؛ قديماً وحديثاً، على أن مقاصد الشريعة تقوم على تحقيق مصالح العباد وجلبها، ودرء المفاسد والمضار. فلا شك في أن الحكمة من إرسال الرسل، وتشريع الشرائع، تحقيق المصالح لعاجل العباد وآجلهم. قال تعالى، في تعليل بعث الأنبياء: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط](الحديد/25). وقال: [رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ](النساء/165). وقال بحق خاتم النبيين محمد ﷺ: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ](الأنبياء/107). وأكّد في كتابه أنه أراد بالناس اليسر ورفع العسر، فقال: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ](البقرة/185)، ونفى أن يجعل حرجاً في الدين، فقال: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج](الحج/78). وهناك آيات عدّة تعلّل – مع ذكر بعض الأحكام- حِكَماً تبرز حكمة تشريعها، وهي جميعها لمصلحة العباد. ففي تعليل تشريع الوضوء يقول: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا]، وقال في آخر الآية: [.. مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ](المائدة/6). وفي الصلاة يقول: [وأقم الصلاة لذكري](طه/14)، وفي حكمة تشريع الصوم يعلّل بقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ](البقرة/183)، وقال في الزكاة: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا](التوبة/103)، وفي الحج: [وَأَذِّن في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ](الحج/27-28)، وهكذا في أمور أخرى يمكن ملاحظتها في تتبع كثير من آيات الأحكام.

   ولكي ندخل في إطار الموضوع لا بدّ من فهم معاني المقاصد والمصالح أولاً، ثم الخوض في الحديث عن أنواعها ومراتبها، مقارناً بين ما قاله الأقدمون من الأصوليين، وما أقرّه صاحبنا الشهيد سبحاني – رحمهم الله جميعاً -:

   أولاً/ النظرية والمقاصد في اللغة والاصطلاح:

1- النظرية: مصطلح حديث لم يستعمله الأصوليون والفقهاء، بل الذي ورد عنهم هو استعمال العلم النظري، أو إعمال النظر، أو كلمات مثل: نظري، وفي نظري، في إشارة إلى الجهد العقلي. أمّا الشوكاني، فلقد استعمل مصطلح (المسائل النظرية العقلية، والنظرية غير العقلية)، أثناء حديثه عن مقدمات الاستدلال الشرعي، حيث أشار إلى المقدمة الشرعية، والمقدمة النظرية”([11])، ولكننا نعني بها هنا الرؤية التي تبرز حقيقة المقاصد الشرعية، والتصوّر المعرفي الذي يوضّح إطارها وحدودها ومراتبها.

   2- المقاصد جمع مقصَد ـ بفتح الصاد ـ، وأصله من القصْد، بمعنى التوجّه والعزم. يقول العرب: قصَدَه وقصَد له، وإليه، وكلّها بمعنى واحد. ويأتي بمعنى استقامة الطريق، والاتجاه. يقال: قصدت قصده، أي: نحوت نحوه، وقصَده: أمَّه. والقصد: إتيان الشيء”([12]). وبناءً عليه، فإن تصريفات كلمة (قصد) المستعملة ـ في هذا الباب ـ أربعة ألفاظ هي: “أـ القصد، وهو مصدر مقيس لفعل المتعدي. ب ـ المقصَد بفتح الصاد، وهو اسم مصدر يدلّ على الفعل بواسطة المصدر، وهو مقيس. ج ـ المقصِد ـ بكسر الصاد ـ وهو يدل على المكان، أي على جهة القصد. د ـ المقصود، وهو اسم مفعول مقيس. ومعاني جميعها متقاربة”([13]).

   أما المقاصد في اصطلاح الأصوليين، فهي عند ابن عاشور: “المعاني والحكم الملحوظة للشارع، في جميع أحوال التشريع، أو معظمها.. ويدخل في هذا أوصاف الشريعة، وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها”([14]).

    3ـ أمّا المصلحة، فهي من الصلاح، وتأتي في اللغة ضد الفساد، يقال: أصلحه، ضد أفسده، والصلح: السلم، والمصلحة واحدة المصالح([15]). والمصلحة في اصطلاح الأصوليين لها تعريفات عديدة، تدور حول معنى واحد، هو جلب منفعة، أو دفع مضرة ودرء مفسدة. والتعريف الجامع الذي وجدته في كتب المتأخرين، بالاستنباط مما ذكره المحقّقون القدماء، هو: “أن المصلحة عبارة عن منفعة مادية أو معنوية، دنيوية أو أخروية، يجنيها المكلّف من عمله، بما هو واجب، أو مندوب، أو مباح. ودرء مفسدة مستدفعة، بالامتناع عن العمل، بما هو محرّم أو مكروه”([16]).

   ثانياً/ أنواع المقاصد الشرعية، ومراتبها:

   أثبت الاستقراء العلمي الذي اعتمده الأصوليون، أن الشريعة الإسلامية – في تفاصيلها – تحقّق المصلحة لبني الإنسان عموماً، بالمحافظة على ما اشتهر بالأمور الخمسة التي لا ينفك أحد منها عن النوع الإنساني، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، لأن المصالح – جميعها – تتوقف عليها، ولا تتم إلا بها. ولكن علماء الأصول اتفقوا على أن المصالح ليست على مرتبة واحدة، بل لها ثلاث مراتب، هي:

 1ـ  الضروريات 2ـ ثم الحاجيات 3ـ ثم التحسينيات أو الكماليات، وتفصيلها كما يلي:

   بداية، هناك تفاوت فيما بين تلك المراتب، فالضروري مقدّم ـ في الاعتبار ـ على الحاجي، والتحسيني متأخر عن الضروري والحاجي.. ولقد تحدث علماء الأصول ـ لا سيما من اهتم منهم بالجانب المقاصدي فيه ـ بالتفصيل عن تلك المقاصد، ومراتبها، وأهميتها، ومثّلوا بنصوص عديدة، لا سيما أئمة كبار كالشاطبي في (الموافقات) و(الاعتصام)، والعزّ بن عبد السلام في (قواعد الأحكام)، وتلميذه القرافي في (الفروق)، والغزالي في الإحياء، وفي (المستصفى)، والجويني([17]) في (البرهان)، وبعدهم: ابن القيّم في معظم كتبه، لا سيّما (إعلام الموقعين)، ومن المتأخّرين: الطاهر ابن عاشور، وعلال الفاسي، وغيرهم. ولعل الإمام الشاطبي هو أكثر المحقّقين كتابة عن المقاصد في كتبه، لذا أختار لذكر مراتبها وتعريفاتها ما حرّره في (الموافقات)، حيث خصّ مجلداً كاملاً لمناقشة موضوع المقاصد بنوعيها: مقاصد الشارع، ومقاصد المكلّف، وهنا أقتبس منه ما ألخّصه، إتماماً للفائدة. فهو – رحمه الله – يؤكّد على أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهي ثلاثة أقسام:

   1- الضرورية: ومعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين. ثم يشير إلى طريقة حفظها بإقامة أركانها، ثم درء الاختلال الواقع أو المتوقّع فيها، ثم يذكر ما يحفظ الضروريات الخمس.

2- أما الحاجيّات: فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق، المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقة. ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المتوقّع في المصالح العامة.

3- وأما التحسينيات: فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات.. ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق. وبعد ذكر أمثلة عديدة لكل منها، يشير إلى أن كل مرتبة من هذه المراتب المذكورة ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة. وذكر لها أمثلة أيضاً؛ كالتماثل في القصاص، أي أن القصاص في حد ذاته ضروري لحفظ النفس، ولكن التماثل مصلحة تكميلية ملحقة، كما أن منع الزنا ضروري، ولكن منع النظر إلى الأجنبية أُلحقَ به كمكمّل.. وهكذا([18]).

   ومن جانب آخر، قسّم الأصوليون المصالح إلى ثلاثة أنواع؛ باعتبار كونها معتبرة مقبولة، أو ملغاة مرفوضة، أو مرسلة متروكة، فهي:

1- مصالح معتبرة، وهي: التي قام الدليل على رعايتها.

2- مصالح ملغاة، وهي: التي قام الدليل الشرعي على إلغائها، لكونها تعارض مصالح أخرى، أو لكونها تجلب مفسدة.

   3- ومصالح مرسلة، أو متروكة. وهي التي تدخل في تصرّفات الشارع ومقاصده، ولم يقم دليل على اعتبارها أو إلغائها، وهو سبب تسميتها بالمرسلة، أو مطلقة عن دليل([19]).

   ورغم وجود بعض الخلاف بين المذاهب الأربعة في مجال الأخذ بالمصالح المرسلة، لكن في التحقيق والتمحيص يتبيّن أن الخلاف لفظي إلى حد كبير، والكل – في النهاية – يأخذون بها، والظاهر أن خلافهم ينصب في مجال التطبيق، أو مصاديق المصالح، لا غير.

   ومما ينبغي التنويه إليه هنا أن هناك من أضاف بعض الأمور على المصالح المذكورة، تتعلّق بالحقوق العامة بين الناس، فشيخ الإسلام ابن تيمية لا يرى حصر المصالح في الضروريات الخمس، بل يضيف إليها مسائل مثل العدل والحرية، وما يفيد تنظيم العلاقات العامة، أو ما سمّاه بحقوق المسلمين بعضهم على بعض([20]). ولأهمية هذا الموضوع اقترح العلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت: 1393هـ/1973م) إنشاء علم باسم (علم مقاصد الشريعة)، أو (علم المقاصد الشرعية)([21]).

   ثالثاً/ رؤية العلامة سبحاني في تصنيف الشريعة، وذكر المقاصد الشرعية:

   ولقد أتقن الشهيد سبحاني وأجاد في عرض شريعة الله، وتفسيرها بطريقة استقرائية، فقال: “شريعة الله ـ تعالى ـ تتألف من قسمين: 1ـ آيات بيّنات، لما بمعرفته والتسليم له يتحقّق الإيمان، من التصوّرات عن الله والكون والإنسان. 2ـ وخطابات آتية بما لا فلاح إلا باتّباعها من القيم والأحكام”([22]). ثم يؤكّد أن القسم الأول إخباريات، لا يمكن أن تتخلّف من شريعة لأخرى. أما القسم الثاني، فيرى أنه أصول وفروع، فأمّا الأصول فإنها يقال منها ما يقال في التصوّرات من عدم الاختلاف من شريعة لأخرى، وذلك أن شرع الله للشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل، وذلك بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بجلب ما هو لها مصالح، ودرء ما هو لها مفاسد. وهذه الأمور الخمسة لكل منها ـ في نظر سبحاني ـ جهات متعددة، ينزل لحفظه من كل منها أحكام جزئية قد تختلف من شريعة لأخرى، بل ومن ظرف لآخر، في شريعة واحدة. وهو يرى أن الأمور الخمسة ـ المشار إليها أعلاه ـ، التي أقرّها الأصوليون بجهاتها المتعددة، ثابتة في كل زمان ومكان، فتكون الأصول المتعلّقة بحفظها ثابتة ـ أيضاً ـ في كل الشرائع. إذاً، فالفروع هي التي فيها ما يختلف من شريعة لأخرى، بل من ظرف لآخر في شريعة واحدة، في خدمة ما يتعلّق بها من الأصول”([23]).

   وفي ذكر حقيقة جلب المصالح، ودرء المفاسد، عن طريق الأحكام، قال سبحاني: “إن مما لا يخفى أن الحكم إنما يتعلّق بأفعال المكلّفين… وهي منها ما لا ينفك من جلب مصلحة خاصة، أو دفع مفسدة كذلك، في أي ظرف كان، فلا أثر في كونه مأموراً به، أو منهياً عنه، للتطوّرات المكانية والزمانية، فتكون أحكامه ثابتة، ويكون بيانها في زمان ومكان، مغنياً عن بيانها في كل زمان ومكان..” (هذا فيما يتعلّق بالأحكام الثابتة)، وقال في (المتغيّرات): “ومنها ما هو في جلبه للمصالح، أو درئه للمفاسد، تابع لتلك التطوّرات، فيكون في الأمر به، أو النهي عنه، مقيّداً بها، فتكون أحكامه متفاوتة، لا يغني بيانها في ظرف، عن بيانها في سائر الظروف، بل لا بد في كل ظرف من بيان الحكم المتعلّق به فيه..”([24])

   وفي بيان الحكمة من هذا، والتأكيد على أن الأمر يتعلّق بمصالح الناس، وأن الله سبحانه لم يُرد ليُحْرِج الناس، بل أفسح المجال للعقل البشري، وهيّأ لأهل الاجتهاد، قال: “أما القسم الأول من الأحكام فمحصورة حصراً.. أما الثاني، فهي كثيرة، بحيث لو بُيِّن كلٌّ منها لكانت الكتب المشتملة عليها أكثر من أن يتمكن الإنسان من تلقّيها وحفظها، ولكان ذلك ـ إضافة إلى هذا الأمر ـ مناقضاً للحكمة التي اقتضت إعطاء الإنسان ما يتعلّق بأمر الاجتهاد والاستنباط من القدرات، فاستبدل بذلك بيان كليّات محصورة تشتمل على الجزئيات..”([25]).

   هكذا هي نظرة الشهيد إلى الأحكام الشرعية، فهي ـ عنده، كما عند الأصوليين ـ مبنيّة على تحقيق مصالح الناس في العاجل والآجل، وتعطيل المفاسد ودرئها، ومحاولة تقليلها، بحكم مقتضى الحكمة الإلهية في شريعته، التي هي رحمة كلها، وبمقتضى كون الله الخالق الآمر هادياً وحكيماً ورحيماً بعباده.

   هذا جانب مما توصّلنا إليه في عرض منهج العلامة ناصر سبحاني في استنباط الأحكام الفقهية، وجانب من آرائه الأصولية، وسنتحدث إن شاء الله في حلقة قادمة عن رأي العلامة ناصر في الاجتهاد، وشروطه، وحكم اتّباع المذاهب الفقهية .


1 – انظر: ناصر سبحاني، محاضرات في علم أصول الفقه، المحاضرة الأولى.

2 – محمد أبو زهرة، أصول الفقه، ص: 8.

3 – هذا ما خصّ له الأصوليون بحوث (أوجه الدلالات)، و(طرق الاستنباط). ينظر كمثال: بحوث الأدلة الشـرعية وعوارضها ولواحق الاجتهاد، في المجلد الثالث والرابع من كتاب الموافقات للشاطبي. ومن كتب المعاصرين: إمتاع العقول بعلم الأصول، د. زكريا المصـري، ص133-235، وأصول الفقه في نسيجه الجديد، د.مصطفى الزلمي، ص: 295-473، وطرق استنباط الأحكام من القرآن، د. عجيل جاسم، الكويت، ط2، 1418هـ.

[4] – انظر: ناصر سبحاني، محاضرات في أصول الفقه، المحاضرة الأولى.

[5]  – ناصر سبحاني، شرح الحديث الخامس من الأربعين النووية. (محاضرة).

[6] – ابن تيمية، مجموع الفتاوى, 3/312.

7 – علاء الدين السمرقندي، ميزان الأصول، تحقيق: عبد الملك السعدي، 1407ه/1987م/ مطبعة الخلود، ص434، نقلاً عن: أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء، للدكتور ماهر ياسين الفحل، دار الكتب العلمية، 1340هـ/2009م، بيروت.

8 – ناصر سبحاني، محاضرات أصول الفقه، المحاضرة السادسة.

9 – الترمذي، السنن، كتاب التفسير، رقم الحديث (3336)، وقال: حديث حسن غريب.

10 – أبو الحسن، يحي، بن أبي الخير (558هـ/1162م)، البيان في مذهب الشافعي، اعتنى به: قاسم محمد النووي، دار المنهاج، د.ت، 2/ 239.

[11] – الشاطبي، الموافقات، 3/89.

12 – انظر: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، 396. والرازي، مختار الصحاح، 536. والراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 672.

13 – عبد الله بن بيّة، علاقة مقاصد الشـريعة بأصول الفقه، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، القاهرة، 1427هـ / 2006م، ص:13.

[14] – الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة، تحقيق: الحبيب بلحوجة، 3/165.

15 – انظر: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، 293. والرازي، مختار الصحاح، 367.

16 – الزلمي، مصطفى، أصول الفقه في نسيجه الجديد، ص: 141. ولقد استنتج تعريفه هذا من ملخص كلام الشاطبي في الموافقات، والعزّ بن عبد السلام في قواعد الأحكام، وغيرهما.

[17] – هو: إمام الحرمين، أبو المعالي، عبد الملك الجويني، توفي 487ه/ 1094م.

[18] – راجع للتفاصيل: الشاطبي، الموافقات, 3/8 فما بعدها.

[19] – انظر: محمد أديب الصالح، مصادر التشريع الإسلامي، ص:290، 295، 298.

[20] – انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 32/234.

[21] – انظر لتفاصل مشروعه: إسمعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، 1416ه/1995م، ص: 98 فما بعدها.

[22] – ناصر سبحاني، أحكام شرعية، ص51.

[23] – انظر: المصدر نفسه، ص52.

[24] – ناصر سبحاني، الولاية والإمامة، ص: 138.

[25] – المصدر نفسه، ص 139.

مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى