الكريسماس بين الجذور الوثنية والتأصيل المسيحي

المقدمة

 إنّ ميلاد السيد المسيح – عليه السلام -، أو تجسّده – حسب العقائد المسيحية -، يحتفل به في ثلاث مناسبات؛ هي: عيد الميلاد (تذكار الميلاد الجسدي)، وعيد رأس السنة؛ وهو عيد الميلاد حسب الشـرع اليهودي، وأساس التقويم الميلادي، وذكرى ختان المسيح؛ وعيد الغطاس، وهو الميلاد الروحي.

يحتفل الكاثوليك في 25 ديسمبر/ كانون الأول من كلِّ عام بعيد الميلاد المجيد (الكريسماس)، بينما يحتفل به الأرثوذكس في السابع من يناير/ كانون الثاني.

فما هو السبب في الاختلاف بين مسيحيي الغرب والشـرق في تاريخ الاحتفال بأعياد الميلاد (الكريسماس)، حيث تحتفل به الكنائس الغربية في 25 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، بينما تحتفل به الكنائس الشرقية في 7 يناير/ كانون الثاني من كل عام؟

وكما هو معلوم، فإنّ البابا (كريكوري الثالث عشـر) (1572 – 1585م) معروف في إصلاح التقويم الكريكوري، وإصداره بمعونة من الكاهن الفلكي (كريستوفر كلافيوس).. ومن الأسباب الموجبة للإصلاح؛ هو أن متوسط طول السنة في التقويم الجولياني – اليولياني، الّذي كان متبعًا لحينه، أطول نسبيًا من السنة الفلكية، بحيث كان تاريخ الاعتدال الربيعي – أي اليوم الذي يتساوي فيه الليل والنهار – يقع في 10 مارس/ آذار، بدلًا من 21 مارس/ آذار.

وكان ذلك بعد تصحيحه من قبل ملاحظات كلافيوس ويوهانز كيبلر، وتم تغيير الجدول الزمني عندما قال البابا كريكوري الثالث عشر إنّ اليوم التالي لـ 4 تشرين الأول عام 1582م سيكون 15 تشرين الأول عام 1582م، وأصدرت البابوية أمراً لـ(بين غافيسيماس) من أجل إصدار الجدول الزمني الجديد في 24 فبراير 1582م. وفي 15 تشـرين الأول عام 1582، حلّ هذا الجدول الزمني محلّ تقويم جوليان، الّذي يستخدم منذ عام 45 قبل الميلاد، وأصبح استخدامه عالمياً اليوم.. ولشهرة الجدول الزمني الذي وضعه البابا كريكوريوس الثالث عشر، فقد سمّي هذا الجدول الزمني بالكريكوري.

في البداية؛ كان جميع المسيحيين يحتفلون بعيد الميلاد في 25 ديسمبر/ كانون الأوّل، غير أنّ الاختلافَ القائِم اليوم بين الكنائس الغربية والشـرقية يُعْزى إلى تباين التقويم الّذي تستخدمه كل كنيسة، حيث تستخدم الكنائس الغربية التقويم الغريغوريGregorian Calendar ؛ نسبة إلى البابا غريغوريوس.. بينما تستخدم الكنائس الشـرقيّة التقويم اليولياني Julian calendar . ونتيجةً لهذا الاختلاف، نشأ فارقٌ زمني يبلغ ثلاثة عشـر يوماً بين التقويمين، وهو الفرق الّذي نجده بين التاريخين 12/25 و7/1، وهو اختلافٌ ناتجٌ عن خطأ في عددِ السنين الكبيسة في التقويم الجولياني، الّذي ظلّ معمولاً به في جميع الكنائس قبلَ أنْ تعتمد الكنيسة الغربيّة التقويم الغريغوري عام 1582م، والذي صحّح خطأ التقويم الجولياني. ولم تعتمد الكنائس الشـرقيّة التقويم الغريغوري، واستمرّت في استخدام التقويم الجولياني الأقدم، وذلك بسبب الصـراع بين الطوائف المسيحيّة الغربية والشرقية.

الكريسماس؛ بالإنكليزية Christmas) )، وكلمة ( Christmas) مكوّنة من مقطعين: المقطع الأول هو ( Christ)، ومعناها: (المخلِّص)، وهو لقب للمسيح، والمقطع الثاني هو (mas)، وهو مشتق من كلمة فرعونية معناها (ميلاد)، مثل (رمسيس) ومعناها (ابن)، وأصلها “(رع) أو (را) – مسيس”. وجاءت هذه التسمية بسبب التأثير الديني للكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى القرون الأولى (بحسب موقع “الأنبا تكلا”).

أمّا بابا نويل أو “سانتا كلوز” Santa Claus ، فهو شخصية خياليّة ارتبطت باحتفالات عيد الميلاد في الثقافة المسيحيّة، وتُصوّر عادةً على هيئةِ رجُلٍ مُسنٍّ، ممتلئُ الجسم، بشوش الوجه، دائِم الابتسام، وذو طابعٍ مرح، يرتدي زيّاً يغلبُ عليه اللّون الأحمر، وبحوافٍ بيضاء، وتغطّي وجهه لحية ناصعة البياض؛ وكما هو مشهور في قصص الأطفال؛ فإنّ بابا نويل يعيش في القطب الشمالي مع زوجته السيدة كلوز، وبعض الأقزام…”.

هل حصلتَ على هدية من بابا نويل؟ وهل تمنيّتَ الحصول على هدية منه في يوم من الأيام؟ هل تشعرُ بالسّعادة عندما ترى شخصاً يرتدي ملابسه، أو تشاهد فيلمًا من أفلامه؟ هل لبست القبّعة الحمراء الخاصّة به من قبل؟ إذا كانت إجابتك نعم، فأنت من ضحايا تزوير التاريخ، فالشـيء الّذي لا يعرفه الكثير منّا أنّ الرجل الضّحوك السمين الّذي يقضي حياته مسافراً لإسعاد الأطفال في مختلف أرجاء الأرض؛ ما هو إلّا شخصٌ مسيحي مستنسخ عن الإله النورماندي الاسكندنافي (أودين).

أمّا بابا نويل بالفرنسيّة؛ فهو “أبو الأعياد”، وهو اللّقب الّذي أطلق على (نيكولاس) أسقف مدينة (ميرا)، وقد أطلقت عليه الكنيسة بعد ذلك لقب قديس “سانت نيكولاس” أو “سانتا كلوز”، فهذا الرجل كان أحد الأساقفة الدّاعمين لبدعة (تأليه المسيح)، والقول بأنه إلٰه ابن إلٰه، وشارك في المجمع المسكوني الأوّل، الّذي عقد في مدينة (نيقية = أزنيك، التركية الحالية) عام 325م، وهذا الشّخص نفسه قام في ذلك المجمع بالاعتداء على الرّاهب (آريوس)، الّذي نادي بالتوحيد، وحصل على تأييد من كلّ مسيحيي العالم، فقام بضـربه بطريقةٍ وحشيّة أثناء عرض أدلّته بأنّ اللَّٰه واحد، وأنّ المسيح ليس ابن الله، وبدلًا من المناقشة المتحضـرّة تهجّم بكلِّ سفالة على (آريوس)، الأمر الّذي دفع الحاضـرين لطرده من المجمع، وتمّ سجنه بعد ذلك، قبل أنْ يخرج مجدّدًا، ويمارس إرهابه تجاه المسيحيين الموحّدين، ويدمّر الكنائس الموحّدة في المناطق الّتي كان هو أُسقفاً عليها، ويقتل ويعذّب كلَّ الموحّدين.

وقد تمّ إخفاء تلك الحقائق عن المسيحيين، فقرّرت الكنيسة لاحقًا ابتكار صورة مزوّرة عن قديسها المزيّف لخداع المسيحيين منذ نعومة أظافرهم علىٰ حبّ هذا الشخص الّذي حرَّف دين المسيح الأصلي، فقامت الكنيسة بسـرقة شخصيةٍ أسطوريّة موجودة في التراث الإسكندنافي لإله زحل الوثنيٍ، يتمثّل في رجل أبيض اللحية يسمّى “أودين”، كان يطير – حسب الأسطورة – بمركبة في الشتاء، ويوزّع الهدايا يوم 25 ديسمبر/ كانون الأوّل من كلِّ عام، فسرقت الكنيسة من “أودين” كل شيءٍ؛ من عربته الطائرة، وهداياه، حتّى طريقة طيرانه، ولحيته البيضاء، وألصقوها بقديسهم المزعوم (نيكولاس)، الّذي كان في حقيقة الأمر يقتل ويعذّب كلَّ الموحّدين.

أوّلاً: الحقبة الوثنية:

 إنّ البانثيون الإسكندنافي، أو مجمّع الآلهة، (أسكارد) هو موطن الآلهة، وهو المكان الّذي يمكن للمرء أنْ يجد فيه الإله (أودين)؛ الإله الأعلى منهم جميعاً. وكما هو معلوم فإنّ (أودين) – المعروف أيضًا باسم وودان Wodan – يُعدّ الإله الرئيس في الأساطير الإسكندنافية، ويوصف بكونه حكيماً للغاية، ويُصوّر عادةً في هيئةِ رجلٍ مُسِنٍّ أعور، وتمتازُ شخصيّتُه – إلى حدٍّ بعيد – بتنوّع خصائصها، وتعدّد وظائفها مقارنةً بغيرها من الآلهة المزعومة. هذا؛ ولا يقتصـر دوره على كونه إلهاً للحربِ يُستدعى في أوقاتِ الحرب، بل يمتدّ ليشمل مجالاتٍ أخرى، كالشِّعر، والموتى، والسِّحْر. ويرتبط الإله (أودين) مع جده الجرماني (فودن) أو (ودان)، وهو إله الملوك، ومعلّم الأبطال الصغار، الّذين غالباً ما يقدّم لهم هدايا سحرية، بالإضافة إلى كونه ملكاً لنفسه، فإنّ (أودين) هو شخص متجوّل، وكثيراً ما تُصوِّره الرواياتُ الأسطوريّة وهو يجوبُ العالم متنكِّراً في هيئاتٍ متعدّدة، من أبرزها هيئةُ الرّجل العجوز أحاديّ العين. في (نورس إيداس)، يظهر هذا المظهر بصورةٍ متكرّرة، حيث يتجلّى بوصفه حاملاً للحكمة والمعرفة.

وتُصوِّره المرويّاتُ الأسطوريّة غالباً؛ وهو يُرافق مجموعةً من الذِّئاب والغربان، كما يُنسب إليه ركوب الخيل على الحِصان السحري ذي الأرجل الثمانية، المعروف باسم “سليبنير” (Sleipnir). (هو المهر السحريّ الّذي عاد به لوكي بعد أنْ تخفّى على هيئة أنثى حِصان لإغواء سفادلفاري حِصان هيرمثرس)، وأصبح (سلبينير) الجواد الخاص بـ(أودين)، وينسب إليه القدرة على اجتياز العوالم، بما في ذلك السّير على الماء والهواء.. ويرتبط (أودين) بمفهوم الصّيد البري، ويقود مجموعة مضطربة من المحاربين الّذين سقطوا في السّماء.

وعلى أيّ حال، فأُودين إله تبجّله الشعوب الجرمانية في شمال أوروبا في وقت مبكر من القرن الثاني قبل الميلاد، ويتمُّ الاحتفال به خلال – عيد الميلاد Yule، وهو عطلة وثنيّة أقيمت في منتصف الشتاء؛ وبهذه الطريقة هل يعتمد عيد الميلاد على الإله أودين؟ تؤكّد الفلكلورية الأوروربية (ماركريت بيكر) أنّ: “ظهور بابا نويل أو الأب عيد الميلاد، الّذي يوافق 25 ديسمبر/ كانون الأوّل، يدين بالكثير لأودين، الجيفتبرغر الشمالي القديم ذو الرأس الأزرق، المغطّى بالعباءة، ذو اللحية البيضاء، الّذي ركب سماء منتصف الشتاء على حصانه ذي الثمانية أقدام، سليبنير، يزور شعبه بالهدايا”.

فضلاً عن ذلك، ما هي تقاليد – عيد الميلاد Yule؟

فيما يأتي بعض الطرق المعتادة للاحتفال بالانقلاب الشمسـي، وجديرٌ ملاحظته أنّ غالبيّة طقوسها تشبه تقاليد عيد الميلاد:

1- بناء مذبح عيد الميلاد.

2- صنع إكليل عيد الميلاد الخضـرة.

3- نسخ سجل Yule …

4- تزيين شجرة عيد الميلاد.

5- تبادل الهدايا المستندة إلى الطبيعة.

6- ردّ الجميل إلى الطبيعة.

7- الاحتفال في ضوء الشموع.

وكان الوثنيون؛ سكّان أوروبا الشمالية القدماء، يسمّون اليوم المقدس أيضًا Yule to، ويحتفلون بميلاد العام الشمسـي الجديد، وفقًا لـ Circle Sanctuary ، وهي مجموعة وثنية بارزة في أمريكا.. وفي هذا السِّياق يتوجّه العشـراتُ من هؤلاءِ الوثنيين بمن فيهم الكهنة إلى موقع Stonehenge (ستونهنج) الشّهير في إنكلترا؛ لإحياء طقوسٍ مرتبطة بالانقلاب الشمسي، بوصفه حدثاً رمزياً في معتقداتهم.

ويرجع بعض الباحثين بداية فكرة “شجرة عيد الميلاد” إلى القرون الوسطى بألمانيا الغنية بالغابات الصنوبريّة الدائمة الخضـرة، حيث كانت العادة – لدى بعض هذه القبائل الوثنيّة الّتي تعبد الإله (ثور) إله الغابات والرعد -؛ أنْ تزيّن الأشجار، ثمّ تقوم إحدى هذه القبائل المشاركة بالاحتفال بتقديم ضحيّةٍ بشريّة من أبنائها.

وخلال فصل الشتاء، يضع الأطفال أحذيتهم بالقرب من المدخنة، من خلال ملئها بالجزر أو القش كهدية لسليبنير؛ لأنه عندما طار الإله (أودين) الاسكندنافي، كافأ الصغار بترك الهدايا في أحذيتهم.. وفي العديد من البلدان الجرمانية، نجد هذه الممارسة، على الرغم من اعتماد المسيحية كديانة.. ونتيجة لذلك أصبح تقديم الهدايا مرتبطًا بسانت نيكولاس، في هذه الأيام فقط يتمّ تعليق الجورب بدلاً من ترك الأحذية بالقرب من المدخنة!

الأصول الوثنية للكريسماس:

ومن جانب آخر، فقد أجاب القسّ الإنجيلي (بات روبرتسون) – المرشّح السابق للرئاسة الأمريكية – على أسئلة قدّمت له في برنامج تلفزيوني حافل، وأكّد فيها أنّ أصول الكريسماس، وجميع مستلزماته – من الأشجار، وتبادل الهدايا، والشموع والتماثيل، وغيرها-؛ وثنية.

في ردّ على سؤال من قبل أحد الصحفيين، يجيب: حسناً، أخبرهم لدينا أصدقاء لا يحتفلون بعيد الكريسماس، ويقولون إنّ الـ 25 من ديسمبر/ كانون الأول يعدُّ عيداً وثنياً، أنا أتّفق أنّ المسيح قد لا يكون ولد في الـ25 من ديسمبر/ كانون الأوّل، لكنه ولد كما وصف في الكتاب المقدس، فكيف أردّ عليهم، أخبرهم بأنّهم على حق.

واستطرد قائلاً: “تعلمين يوم الانقلاب الشتوي، الّذي سيحلّ بعد يومين (من المقابلة)، كان أقصـر أيّام العام، والوثنيون كان لديهم ما يسمّى (ساترنيليا) (عيد ساتورن في الأساطير الرومانية)، كانت تُقام احتفالات سنوية قديمة للإله ساتورن إله الحصاد، وكانت الاحتفالات تبدأ في يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول، وتستمرّ يومين، ولكنّها أصبحت تمتد إلى أسبوع فيما بعد، وربما نشأت أصلاً عن كلمات شكر كانت تُرَدَّد في الاحتفال بذكرى الزراعة الشتوية. وبمرور السنوات فقدت أهميتها الزراعية، وأصبحت مناسبة للاحتفالات العامة، حتّى إنّ العبيد كانوا يُمنحون حرية مؤقتة ليفعلوا ما يحلو لهم في فترة العيد. وكانت تقام في عيد الإله زحل – ساتورن الولائم والزِّيارات، وتُمنح الهدايا والعطايا. ومن الهدايا المعروفة في هذه المناسبة الشموع، وتماثيل الطين الصغيرة.. وكان هذا العيد وقت انعدام القانون؛ لأنّ كلَّ القوانين كانت تعطّل، وكان المغنّون يطوفون الشوارع عراة، يغنّون، وكانت هناك حفلات للجنس الجماعي، كانت فوضى عارمة”.

وأضاف؛ بقوله: “عندما ظهرت الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا، لم يرغب الرومان، وغيرهم، في التخلّي عن أعيادهم، لذلك قالوا حسناً سنحوّلها إلى أعيادٍ مسيحيّة! وكان هناك راهب بدأ بإضافة الأمور.. إذا قرأت في (إنجيل لوقا) ستجدين أنّه تمّ عمل إحصاء عندما كان (كيرينيوس) (الحاكم الروماني على ولاية سوريا الرومانية)، حاكماً، وقاموا باستنساخ الزّمن الصحيح بناءً على عهد هؤلاء القادة، وتسلسلهم منذ تأسيس روما، وذلك منذ بدء التاريخ، وقد وصلوا إلى تواريخ قريبة، لكن أنْ نقول إنّ ميلاد المسيح كان في الـ 25 من ديسمبر؛ لأنّ الرُّعاة كانوا موجودين في الخارج في الحقول، والطقس هناك يُصْبِح بارداً في اللّيل، لا سيّما في منتصف فصل الشتاء.. لا أدري، لقد كانت هناك في حقول الرُّعاة في عشية الكريسماس، وكان الأمر لطيفاً، لكن الطقس بارد، ومهما يكن ما الّذي يحدث، أعني أنّ موضوع أشجار الهدال وثني.. أشجار الكريسماس.. وثنية.. تبادل الهدايا وثنية.. كلّ جزء من طقوس الكريسماس.. وثني.. لقد حوّلناها جميعاً إلى طقوس مسيحيّة، وهذا جيّد.. لقد أصبح لدينا وقت للاحتفال بالمسيح، لكن الحقيقة: أنّ هذه كلها طقوس وثنيّة”.

المذيعة: هذا بالنسبة للطقوس، المهم نيّة القلب. فكان جوابه: “لقد حوّلناها إلى طقوس مسيحيّة، نحن نحتفل باسم المسيح.. ونحتفل بميلاده.. وهو أمرٌ لطيف، وأنا مسـرور جداً، وأحبّ الكريسماس.. أخبركِ بأفضل كريسماس قضيته في حياتي: كان في (القدس).. لم نعمل أيّ من زينة الكريسماس، أو أي من هذه الأمور.. في عشية عيد الميلاد وقفنا في حقول الرُّعاة، وغنينا أغنية لمدينة (بيت لحم)، وفي اليوم التالي أقمنا قدّاساً.. وفي يوم الكريسماس عمَّدنا قرابة خمسين شخصاً في نهر الأردن.. لقد كان عيد كريسماس رائعاً”.

حسناً شكراً لهذه الأسئلة، وأرجو ألّا أكون قد صدمتكم، أنا لا أحاول أنْ أكون مبجّلاً هنا، لكنّ هذه هي الحقيقة.. وفي الأخير؛ قال: “لكن طقوس عيد الميلاد.. وثنيّة”.. المذيعة: لكن ذلك للاحتفال بالمسيح؛ فكان جوابه: لكنها طقوس وثنيّة حوّلناها.. لمسيحيّة.

ثانياً: الحقبة المسيحيّة:

 في سنة 2009م اكتشف علماء الآثار الأتراك قبر (سانتا كلوز) الأصلي، المعروف أيضًا باسم القديس (نيكولاس)، الواقع أسفل كنيسته الّتي تحمل الاسم نفسه، بالقرب من السّاحل التركي الجنوبي المطلّ على البحر الأبيض المتوسط.

على الرّغم من أنّ بابا نويل يستند في المقام الأوّل إلى القديس نيكولاس، وهو أسقف مسيحي من القرن الرابع من منطقة (ليكياLycia ) (جنوب غرب تركيا)، فإنّ هذا الرّقم يتأثّر بشدة – أيضًا – بالدين الإسكندنافي المبكّر.

عرف القديس نيكولاس بتقديم الهدايا للفقراء، وفي إحدى القصص البارزة، التقى رجلاً تقيّاً، لكنه فقير، لديه ثلاث بنات، قدّم لهم المهر لإنقاذهم من حياة البغاء.. في معظم البلدان الأوروبية، لا يزال القديس نيكولاس يصوّر أسقفًا ملتحياً يرتدي عباءة رجال الدِّين، أصبح قديسًا شفيعًا للعديد من المجموعات، لا سيّما الأطفال والفقراء والبغايا.

في فيلم BBC Two:”The Real Face of Santa” ، استخدم علماء الآثار تقنيات الطبِّ الشـرعيّ الحديثة، وتقنيات إعادة بناء الوجه، للحصول على فكرة عمّا بدا عليه القديس نيكولاس بالفعل.. حسب ناشيونال جيوغرافيك: “بقايا الأسقف اليوناني، الّذي عاش في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، يسكن في باري، إيطاليا. وعندما تمّ إصلاح القبو في كنيسة سان نيكولاس، في عام 1950م، تمّ توثيق جمجمة وعظام القديس، مع صور الأشعة السينيّة، وآلاف القياسات التفصيليّة. “

عندما وصل المستوطنون الهولنديون إلى (نيو أمستردام)، (وهي مستوطنة هولندية في القرن السّابع عشر، أُسِّست في الطرف الجنوبي من جزيرة مانهاتن شـرق أمريكا الشماليّة، وكانت مقرّ الحكومة الاستعماريّة في مستعمرة نيو نذرلاند (هولندا الجديدة). نشأت المستوطنة حول حصن أمستردام (Fort Amsterdam)، الّذي أُقيم في موقع استراتيجي في الطّرف الجنوبي للجزيرة، وكان الهدف منه حماية تجارة الفرو، الّتي كانت تديرها شـركة الهند الغربيّة الهولنديّة في نهر الشّمال (المعروف اليوم بنهر هدسون).. في عام 1624م، أصبحت نيو أمستردام امتدادًا إقليميًا للجمهوريّة الهولنديّة، وتمّ إعلانها عاصمة للمستعمرة عام 1625م. وحصلت على الحقوق المدينة في 2 فبراير/ شباط عام 1653م، ممّا جعلها رسميًا مدينة معترف بها.. في عام 1664م، استولت القوات الإنكليزيّة على نيو أمستردام، وأعادوا تسميتها إلى “نيويورك”، تيمنًا بـ دوق يورك (الّذي أصبح لاحقًا الملك جيمس الثاني في إنكلترا، وجيمس السابع في اسكتلندا).. بعد الحرب الأنكلو-هولندية الثانية (1665–1667م)، اتفقت إنكلترا وجمهورية هولندا المتحدة، على الإبقاء على الوضع القائم في معاهدة (بريدا)، حيث: احتفظت إنكلترا بجزيرة مانهاتن، وتخلّت هولندا عن مطالبتها بنيو أمستردام وبقيّة المستعمرة.. في المقابل، تخلّت إنكلترا رسميًا عن سورينام في أمريكا الجنوبية، وجزيرة رون في جزر الهند الشـرقية، لصالح الهولنديين، ما أكّد سيطرة هولندا على جزر التوابل ذات القيمة العالية. (الموقع الّذي كانت تشغله نيو أمستردام يُعرف اليوم باسم مانهاتن السفلى).

وفي السِّياق نفسه، أحضـر الهولنديون القادمون إلى العالم الجديد معهم ممارساتهم في ترك الأحذية أمام القديس نيكولاس لملء الهدايا، وجلبوا أيضا الاسم، والّتي تحوّلت في وقت لاحق إلى سانتا كلوز .

يقول مؤلّفو موقع مركز القديس نيكولاس: “في يناير/ كانون الثاني عام 1809م، انضمّ (واشنطن إيرفينغ Washington Irving) (أبريل/ نيسان 1783 – 28 نوفمبر/ تشـرين الأوّل 1859م) إلى المجتمع، ونشـر في عام 1809م الرواية السّاخرة “تاريخ نيكربكر في نيويورك “، وهي رواية ساخرة شهيرة، تُعدّ من أوائل الأعمال الأدبية الأمريكية الكوميدية.. تقدّم الرواية تاريخاً خيالياً وهزلياً لنيويورك خلال فترة الحكم الهولندي، مستخدمة أسلوباً يتهكّم على المؤرخين والسياسيين، وأسهمت في تشكيل أساطير المدينة، بما في ذلك شخصية “سانت نيكولاس” (بابا نويل).

وتجدر الإشارة إلى أنّ (واشنطن إيرفنغ) كاتب مقالات وكاتب سير ومؤرخ ودبلوماسي أمريكي، برز في النصف الأوّل من القرن التاسع عشـر.. من أشهر مؤلّفاته التاريخية: سيرة النبي محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، سير جورج واشنطن، وأوليفر غولدسميث.. عالج عدّة فترات من القرن الخامس عشر في إسبانيا، الّتي تتناول مواضيع؛ مثل: الأندلس، وقصـر الحمراء، وسقوط غرناطة، كريستوفر كولومبس.. كما عمل (إيرفينغ) سفيرًا للولايات المتحدة الأمريكية في (إسبانيا)، بين عامي 1842 و1846م.

وبخصوص شخصية (نيكولاس)، فلم يكن هذا هو الأسقف القديس، بَلْ كان متعجرفًا هولنديًا ذو أنبوب من الطين.. هذه الرحلات المبهجة من الخيال؛ هي مصدر أساطير نيويورك سانت نيكولاس: لأنّ أوّل سفينة مهاجرة هولندية كان لها رمز للقديس نيكولاس. إنّ القديس نيكولاس داي لوحظ في المستعمرة؛ وتمَّ تخصيص أوّل كنيسة له؛ وأنّ القديس نيكولاس ينزل من المداخن لتقديم الهدايا.. وعدّ عمل (واشنطن ايرفينغ) أوّل عمل بارز للخيال في العالم الجديد”.

بعد حوالي 15 سنة، تمَّ إدخال شخصيّة سانتا كما نعرفها اليوم.. جاء ذلك في شكل قصيدة سـرديّة كتبها رجل يُدْعى (كليمنت سي. مور)، بعنوان: (ليلة احتفال ما قبل الميلاد).

ووفقًا لموقع History.com : “بدأت المتاجر بالإعلان عن التسوّق في عيد الميلاد في عام 1820م، وبحلول الأربعينيّات من القرن التاسع عشـر، كانت الصحف تنشئ أقسامًا منفصلة للإعلانات عن العطلات، والتي غالبًا ما تظهر صورًا لسانتا كلوز الشهيرة حديثًا.. في عام 1841م زار آلاف الأطفال متجر فيلادلفيا لرؤية أنموذج سانتا كلوز بالحجم الطبيعي، كانت مسألة وقت فقط قبلَ أنْ تبدأ المتاجر في جذب الأطفال، وأولياء أمورهم، مع إغراء إلقاء نظرة على بابا نويل (وهو حيّ)”.

الجذور التاريخيّة لمار نيقولاوس:

 في سنة 303م أثار القيصـر الروماني (دقلديانوس) (284 – 305م)، الاضطهاد على المسيحيّة، فسامهم صنوف العذاب، وأمر بإغلاق كنائسهم، وإبادة كتبهم المقدّسة، فسجن عدداً كبيراً منهم، ونفى آخرين، وكان نصيب رُعاة الكنيسة من هذا الاضطهاد وافراً جدّاً.. ومن بين هؤلاء الرُّعاة الصّالحين كان (مار نيقولاوس) الّذي زجّه جنود قيصـر في غياهب السجون، وأذاقوه مرّ الآلام، وهو يتحمّل كل ذلك بصبر جميل حباً بالمسيح الفادي.. ومكث مار نيقولاوس مسجوناً حتّى انتصـر قسطنطين الملك على أعدائه، وفتح أبواب السجون، فخرج المعترفون ظافرين، وعاد مار نيقولاوس إلى أبرشيته ليرعى الشّعب الّذي ائتمنه على رعايته.

وحدث في عهده جوع شديد، وكانت سفن الإمبراطورية البيزنطية تنقل الحنطة من الإسكندرية إلى شواطئ آسيا الصغرى، فالتمس مار نيقولاوس قبطان إحدى هذه السفن ليهبه مائة برميل كبير من الحنطة بغية إعانة أبناء أبرشيته، وحالما وافق القبطان على ذلك، شاهد الحاضـرون ملائكة تفرّغ الغلّة في الميناء، وممّا زاد من دهشتهم أنّ حمولة السّفينة لم تنقص أبداً، على الرّغم من إنزال الكميّة المطلوبة من الغلّة إلى أرض الميناء، فمجّدوا اللّـه الّذي أنعم على القديس مار نيقولاوس بعمل المعجزات!

وفي السّادس من شهر كانون الأوّل من عام 341م، توفّي القديس مار نيقولاوس، وله من العمر ثمانون سنة، وقضـى منها أكثر من أربعين سنة في خدمة الأسقفية في (ميرا)، ودُفن جسده بإكرام كبير في أحد مرتفعات مدينة ميرا.. وكما اجترح عجائب في حياته، كذلك اجترحت على ضـريحه عجائب عديدة! فصار ضريحه مزاراً يتبرّك به المؤمنون القادمون من أماكن شتّى، كما تشفّع به المسيحيُّون في الشـرق، كذلك تشفع به المسيحيُّون في الغرب، إذ نقلوا ضـريحه الطّاهر عام 1087م من مدينة (ميرا)، عاصمة إقليم ليكيا، في جنوب تركيا، إلى مدينة (باري)، في إقليم إيوليا في إيطاليا، وتحتفل الكنيسة بذكراه في السَّادِس من كانون الأوّل، الّذي يصادف العاشِر من شهر كيهك في التقويم القبطيّ.

واتّخذ كشخص وهمي يوزّع الهدايا في عيد الميلاد المقدس، وسمّي (سانتا كلوز) أو (بابا نويل).. واسم سانتا كلوز جاء من اسمه بالإنكليزيّة (سانت نيكولاس Saint Nicholas)، وقد حوّر هذا الاسم إلى (سانت كلوزSaint Claus)، واسمه السـرياني (مار زوخي)؛ ويعني: الفاضل المنتصر والظافر والنقي الطّاهر.

إنّ معرفة نشوء شخصيّة سانتا كلوز تتطلّب جولة حول العالَم، كتلك الّتي يقوم بها في عشيّة عيد الميلاد.. أي طفل يمكن أنْ يخبرك أنّ سانتا كلوز قادم من القطب الشمالي، ولكن رحلته التاريخيّة هي أطول وأكثر روعة من كونها مناسبة سنويّة تحدث في ليلةٍ واحدة حول العالم.

نشأت الفكرة الأميركيّة العصـريّة عن سانتا كلوز في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتطوّرت في جميع أنحاء أوروبا الشمالية، وأخيرًا اتخذت شكلها الحالي المألوف على ضفاف العالَم الجديد.. فمن هو سانتا، وكيف وصل إلى هنا؟

لوهلةٍ من الزمن ستعتقد أنّ هذا الوجه يعود إلى القديس نيكولاس؟ إلّا أنّ اللّوحات الّتي يظهر فيها القديس نيكولاس (وهو أسقف يوناني تعزّزت شهرته ليصبح من كبار القديسين)، سلف سانتا الأصلي، تختلف اختلافًا كبيرًا عن هيئة سانتا كلوز؛ إذ لم يبدُ كرجل يمتلك خدودًا متورّدة، أو عجوز ملتحٍ، كما هو سائد في كل مكان اليوم! واحدة من وجهات النظر الأكثر إلحاحًا لدينا هي أنّ صورة القديس نيكولاس الحقيقيّة تم إنشاؤها ليس من قبل الفنانين القدماء، ولكن باستخدام الطبِّ الشّـرعي الحديث، الّذي أعاد بناء وجهه.

تحتفظ مدينة (باري) الإيطالية ببقايا رفاة الأسقف اليوناني، الّذي عاش في القرنين الثالث والرابع الميلاديين.. عندما تمّ إصلاح مرقده في كنيسة (سان نيكولا)، في عام 1950م، تمّ توثيق جمجمة القديس والعظام بواسطة صور الأشعة السينيّة، والآلاف من القياسات التفصيليّة.. فقد استخدمت (كارولين ويلكنسون) (Caroline Wilkinson)، وهي عالمة في الأنثروبولوجيا الوجهية (علم الإنسان الخاص بالوجه) في (جامعة مانشستر)، في بريطانيا، هذه البيانات والمحاكاة الحديثة للبرامج لإعادة بناء حديثة لوجه الرّجل الميت منذ فترة طويلة. وأعطت (ويلكنسون) وجهًا إنسانيًا لاسم سانتا الأصلي، مع أنفٍ مكسور، جرّاء اضطهاد المسيحيين من قبل الإمبراطور الروماني دقلديانوس (المتوفى سنة 305م).

خضع الكثير من عملها بالضـّرورة للتأويل، كان لا بُدَّ من تخمين حجم وشكل عضلات الوجه الّتي كانت تغطي جمجمة نيكولاس، وشكل تلك الجمجمة نفسها أُعيد بناؤه من البيانات ثنائية الأبعاد، وأضاف التقنيّون التفاصيل الّتي كانت تستند إلى أفضل التخمينات، بما في ذلك البشـرة الداكنة الأكثر شيوعًا بين اليونانيين في منطقة البحر الأبيض المتوسط، والعيون البنيّة، والشّعر الرمادي لرجل يبلغ من العمر 60 عامًا.. وصـرّحت (ويلكنسون)، في تصـريح لها على قناة (BBC) الثانية، بعنوان (الوجه الحقيقي لسانتا)؛ قائلةً: “نحن ملزمون أنْ نفقد بعض التفاصيل الّتي سنحصل عليها من خلال العمل الفوتوغرافي، ولكنّنا نعتقد أنّ هذا هو أقرب ما سنصل إليه”.

 ولكن كيف تحوّل القديس نيكولاس إلى سانتا كلوز؟ كيف أصبح القديس نيكولاس اليوناني – الّذي عاش في تركيا الحالية – شخصية اسكندنافية – جرمانية، تقطن في القطب الشمالي، وتجلب هدايا عيد الميلاد؟ وكما هو معروف، كان القديس يوناني الأصل، وُلد بعد عام 280م، وأصبح فيما بعد أسقفًا لمدينة ميرا، وهي بلدة يونانية صغيرة تقع في منطقة كَبدُوكيا القديمة المطلّة على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط في تركيا الحديثة.. لم يكن نيكولاس ضخم البنية، ولا معروفًا بالمرح، ولكنّه اشتهر بكونه متّقدًا، وسخيًّا، ومدافعًا عن مذهب الكنيسة خلال (الاضطهاد الرهيب) لمسيحيي مصـر، عندما أحرقوا الأناجيل، وأجبروا الكهنة على التخلّي عن المسيحية أو مواجهة الإعدام.

تحدّى نيكولاس هذه الممارسات، وأمضـى سنوات في السِّجن قبلَ أنْ يعترفَ الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير (306 – 337م) بالمسيحية كدين معترف به، بناءً على مرسوم ميلان عام 313م. واستمرّت شهرة نيكولاس بعد وفاته بفترة طويلة (في 6 كانون الأول/ ديسمبر من عام غير معروف في منتصف القرن الرابع)؛ لأنّه كان مرتبطًا بالعديد من المعجزات!! ولا يزال التقديس له حتى يومنا هذا مستقلًا عن شخصية سانتا كلوز.

ويقول القديس (ميثوديوس Methodius) إنّه بسبب تعاليم القديس نيكولاوس كان كرسيّ ميرا هو الوحيد الّذي لم يتأثّر ببدعة التوحيد الّتي أرساها الكاهن (أريوس) (256 – 336م).. وحين كان القديس (نيكولاس) حاضـرًا مجمع نيقية (= عام325م)، تَحَمَّس ضدَّ (أريوس)، ولطمه على وجهه، فقرّر الآباء على أثر ذلك أنْ يعزلوه من رتبته، وقرّروا حبسه، إلّا أنّ السيِّد المسيح، والسيِّدة العذراء، ظهرا له في السجن، وأعاداه إلى حريته ورتبته؟!

ويذكر أحد الكتاب المسيحيين أنّ الكف موجود بدير كيكوس بجبال تودورس بقبرص. ويستطرد بالقول في حكاية خرافيّة، بأنّه ورد في سيرة القديس عن لطمه لأريوس الآتي:

“وعندما رأى القديس نيقولاوس أنّ آريوس بفلسفته سيُسكت رؤساء الكهنة، وبسبب غيرته الإلهيّة تحرّكت مشاعره، فقام من مكانه، ولطم آريوس لطمة على وجهه حرّكت كل جسمه، فاعترض آريوس قائلاً أمام الملك: “أيُّها الملك العادل، أَمِنَ العدل أنْ يضـرب الواحد الآخر أمام عرشكم الملوكي، إذا كان له قول فليتكلّم كباقي الآباء، وإذا كان جاهلاً فليسكت كما سكت الّذين قبله، لماذا يضـربني أمام عرشكم؟” حزن الملك كثيراً لمّا سمع هذا الكلام، فقال لرؤساء الكهنة: “يا رؤساء الكهنة القديسون، القانون يأمر بقطع يد كلّ من يضـرب أحداً أمام الملك، وأمّا أنا فأترك هذا الأمر لما تأمره محبّتكم”، فأجاب رؤساء الكهنة؛ قائلين: “إنّ الّذي صار نعترف بأنّهُ عملٌ خاطئ، لكن نرجو من حضـرتكم بألّا تقطع يده، بل ليخرج من المجمع، ويبقى في السجن حتّى نهاية المجمع، وتتمّ المحاكمة فيما بعد”.. وبينما كان القديس مسجوناً، ظهر له الربّ يسوع المسيح، ووالدة الإله؛ قائلين: “لماذا أنت سجين؟”؛ قال: “لمحبّتكم”، فأعطاه السيِّد المسيح إنجيلاً، وأعطته العذراء الأموفوريون (ملابس يرتديها الكهنة والأساقفة)، فبدأ يقرأ الإنجيل، وهو لابس الأموفوريون. وعند الصباح أتى بعض معارفه، وأعطوه خبزاً ليأكل، فوجدوا وجهه يشعُّ نوراً، وهو يقرأ بالإنجيل لابساً لباس المطران الأموفوريون، وكان محلولاً من جميع القيود.. فسَمِعَ الملك هذا الخبر، فأمر بالعفو عنه، واعتذر للقديس نيقولاس، وهذا ما فعله باقي الآباء الآخرين.. وعندما انتهى المجمع، عاد كلٌّ إلى رعيّته، وعاد القديس نيقولاوس إلى ميرا”.

كان القدِّيس يأخذ مواقف حاسمة ضِدَّهم (أي ضِدّ الموحّدين المسيحيين)، وضدّ الوثنيين.. ومن ضمن معابدهم الّتي دمّرها كان معبد (أرطاميس)، وهو المعبدُ الرئيس في المنطقة.. وخرجت الأرواح الشـريرة هربًا من أمام وجه القدِّيس!

ومن القصص الخرافيّة الأخرى، الّتي تُرْوَى عن اهتمام القدِّيس بشعبه، أنّ حاكِمَ القسطنطينيّة (يوستاثيوس كيمينيانوس Eustathius) أخذ رشوة ليحكم على ثلاثة رجال أبرياء بالقتل، وفي وقت تنفيذ الحكم حضـر القدِّيس نيقولاوس إلى المكان، وبمعجزة شلَّ يد السيّاف، وأطلق سراح الرِّجال.. ثمَّ التفت إلى يوستاثيوس، وحرَّكه للاعتراف بجريمته وتوبته، وكان ثلاثة من ضباط الإمبراطور حاضـرين هذا الحدث، وكانوا في طريقهم إلى مهمّةٍ رسميّة في مقاطعة فريجية Phrygia، وحين عادوا إلى القسطنطينيّة حكم عليهم الإمبراطور قسطنطين بالموت؛ بسبب وشاية كاذبة من أحد الحاقدين.

تذكَّر الضباط ما سبق أنْ شاهدوه في (ميرا) من قوّة حب وعدالة أسقفها، فصلّوا إلى الله لكي ينجوا من الموت بشفاعة هذا الأسقف. في تلك الليلة ظهر القديس نيقولاوس للإمبراطور قسطنطين وهدّده إنْ لم يطلق سـراح الأبرياء الثلاثة، وفي الصّباح أرسل واستدعاهم للتحقيق معهم، وحين سَمِعَ أنّهم تشفعوا بالقدِّيس نيكولاوس الّذي ظهر له، أطلق سـراحهم في الحال، وأرسلهم برسالة إليه طالبًا منه ألّا يهدّده، بَلْ يُصَلِّي من أجل سلام العالَم.. ظلّتْ هذه القصة لمدةٍ طويلة من أشهر معجزات القدِّيس نيكولاوس.

ارتفع نيكولاس إلى مكانة بارزة بين القديسين؛ لأنّه كان راعيًا للعديد من الفئات، بدءًا من البحارة والأمّة كافّة.. وفي عام 1200م، أوضح المؤرخ (جيري بولر) (Gerry Bowler)، من جامعة (مانيتوبا) الأمريكية، مؤلّف كتاب (سانتا كلوز: السيرة الذاتية Santa Claus: A Biography)، أنّه أصبح عرّابًا للأطفال، وجالبًا للهدايا بسبب اثنتين من القصص المهمّة من حياته.. وعلى الرّغم من أنّ البعض قد يصفه بــ”الأمريكي” نظراً لتركيزه على تطوُّر سانتا كلوز في الثقافة الأميركيّة، فإنّ (جيري بولر) أستاذ باحث في التاريخ، حاصل على الدكتوراه، ويُدرّس في جامعة (مانيتوبا) في كندا، وليس أمريكيّاً بالمقام الأوّل.

في كتابه، يقوم يتتبّع تطوّر الشخصيّة التاريخيّة والاجتماعية لنيكولاس من أصولها، وحتى في صورتها الحديثة في الثقافة الشعبيّة، وكيف تطوّرت فكرة سانتا كلوز في أمريكا وأوروبا عبر الزّمن.. ويبحث في الأدب والفن والإعلام المتعلِّق بهذه الشخصيّة.. ويقول بهذا الصدد: “كان يُحْتفَل به في الهواء الطّلق [= يقصد عيد ساتورن]، مصحوبًا بشـرب الكحول، والفوضى تعمُّ الأجواء”، وأضاف أيضًا: ’’هذا ما أصبح عليه الاحتفال في إنكلترا كذلك، ولم تكن هناك شخصيّة خياليّة معيّنة تجلب الهدايا”.

في الحكاية الأولى، يتمّ إنقاذ ثلاث فتيات صغيرات من حياة البغاء، عندما يسلّم الأسقف نيكولاس سـرًا ثلاث حقائب ذهبية لآبائهن المثقلين بالديون، والّتي يمكن استخدامها لمهرهن.

وقال (بولر): “القصة الأخرى ليست معروفة جيدًا الآن، ولكن كانت معروفة بشكل كبير في العصور الوسطى: دخل نيكولاس نزلًا كان حارسه قد قتل ثلاثة صبية للتو، وأخفى أشلاءهم الممزّقة في براميل القبو، لم يكن الأسقف يستشعر الجريمة فحسب، بل أعاد الضحايا أيضًا”.. هذه واحدة من الأشياء الّتي جعلته قديسًا للأطفال”.

وعلى مدى مئات السنين، حوالي 1200 إلى 1500، أصبح القديس نيكولاس جالب الهدايا الأسمى، وتمحورت الاحتفالات حول يومه (السّادس من ديسمبر/ كانون الأوّل). تبنّى القديس الصارم بعضًا من مفاهيم الآلهة الأوروبية في السابق، مثل زحل الروماني (ساترودن)، وأودين النوردي الأسكندنافي، الّذي ظهر كرجل ذي لحية بيضاء، يمتلك قوى سحرية (كالتحليق)، كما أكّد أهميّة استقامة الأطفال عن طريق تلاوة صلواتهم، وممارسة السلوك السوي.

ولكن بعد حركة الإصلاح الديني الّتي عمّت أوروبا في القرن الخامس عشـر بقيادة الراهب (مارتن لوثر)، سقط بعض القديسين (مثل نيكولاس) في صالح القوى المسيطرة في أنحاء شمال أوروبا؛ وقال بولر: “كان ذلك مشكلة، فأنت لا تزال تحبّ أطفالك، ولكن الآن من الذي سيحضـر لهم الهدايا”؟

وقال (بولر) إنّه في كثير من الحالات، تمثّل هذا العمل في شخص الطفل المسيح، وتمّ نقل التاريخ إلى عيد الميلاد بدلًا من 6 ديسمبر/ كانون الأوّل”، ولكن قدرة حمل الرضيع محدودة جدًا، كما أنّه ليس مخيفًا جدًا”، وأضاف: “وهكذا كان الطفل المسيح في كثير من الأحيان يُوهبُ مساعدًا مخيفًا للقيام بجرّ الهدايا وتهديد الأطفال، إذ إنّ هذه الأعمال لا تتناسب مع الطفل اليسوع”.

القديس نيكولاس في أميركا:

 في (هولندا) رفض الأطفال والأُسـَر – ببساطة – التخلّي عن فكرة القديس نيكولاس جالب الهدايا، فجلبوا شخصية (سينتركلا Sinterklaas) معهم إلى مستعمرات العالم الجديد (= أمريكا الشمالية، حيث انتشـرت الأساطير الجرمانية الشقية، والمخيفة، الّتي تجلب الهدايا).

ولكن في أوائل عهد أميركا لم يكن عيد الميلاد عطلة مستحدثة، وأُلغيت العطلة في مدينة (نيو إنكلاند)، وفي أماكن أخرى أصبح الاحتفال وثنيًا نوعًا ما، كالاحتفال بساتورن الّذي احتلّ مكانته في التقويم سابقًا. ثمّ، خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشـر، تغيّر كل ذلك بفضل مجموعة من الشعراء والكتّاب الّذين سعوا إلى جعل عيد الميلاد احتفالًا للأسـرة – من خلال إعادة صياغة شخصيّة القديس نيكولاس وإحيائها -. وفي عام 1821م ذهبت قصيدة مجهولة بعنوان (صديق الأطفال) “The Children’s Friend” أبعد من ذلك بكثير؛ وقامت بتشكيل شخصية سانتا الحديثة، وربطها مع عيد الميلاد. يقول بولر: “هنا شهدنا ظهور سانتا كلوز”، وأضاف: “لقد أخذوا شخصية القديس نيكولاس السحرية، جالبة الهدايا، وقاموا بتجريده من أيّ خصائص دينيّة، وألبسوا سانتا هذا فراءً مشابهًا للشخصيّات الجرمانية الشعثاء الّتي تقدّم الهدايا”.

هذه الشخصية جلبت الهدايا للفتيات والفتيان الطيبين، لكنّه كان يحمل عصـى التأديب أيضًا.. حيث أشارت القصيدة إلى “توجيه يد الوالدين لاستخدامها عند انحراف الأبناء عن سمات الفضيلة”. وتمّ سحب عربة سانتا الصغيرة من قبل حيوان رنّة مفرد، ولكن كل من السائق وفريق العمل خضعوا للتجديد في السنوات اللاحقة.

وفي عام 1822م كتب (كليمنت كلارك مور Clement Clarke Moore) قصيدة بعنوان (زيارة من القديس نيكولاس( (A Visit From St. Nicholas)، والمعروفة أيضًا باسم (ليلة قبل عيد الميلاد “The Night Before Christmas” )، لأطفاله الستة، مع عدم وجود نية لإضافة ظاهرة سانتا كلوز العائم.. تمّ نشـرُ القصة مجهولة الكاتب في العام التالي، وحتى يومنا هذا لا زال سانتا المرح البدين، يقود عربة تجرّها ثمانية من حيوانات الرنة.

يقول بولر: “لقد انتشـرت هذه الصورة بسـرعة هائلة”، ولكنّها كانت مشابهة لقصة القصيدة، وفسحت المجال للكثير من الخيال.. وشهد القرن التاسع عشـر ظهورًا لشخصيّة سانتا في ملابس ملوّنة، وأحجام مختلفة مصغّرة وضخمة، ومجموعة متنوعة من أشكال مختلفة.. وقال بولر أيضًا: “لديّ صورة رائعة له يبدو فيها مثل جورج واشنطن تمامًا، وراكبًا عصا المكنسة”.

وأضاف أنه حتّى أواخر القرن التاسع عشـر، أصبحت صورة سانتا موحّدة كشخص بالغ كامل الحجم، يرتدي رداءً أحمر بحافات مزيّنة بالفراء الأبيض، يقوم بالمغامرات من القطب الشمالي في زلّاجة تحرّكها حيوانات الرنة، ويراقب تصـرّفات الأطفال.

إنّ شخصية سانتا المرحة والبدينة، ذات الوجه العجوز، تم إنشاؤها – إلى حدّ كبير – من قبل الأمريكي (توماس ناست( (Thomas Nast)، رسام الكاريكاتير السياسي الكبير في الحقبة الّتي شهدت العديد من الأحداث. وأضاف بولر: “مع ذلك؛ فإنّ (ناست) جعله بنصف الحجم الّذي كان عليه”، وقال أيضًا: “وفيما أعتقده عنه فهو غير لائق نوعًا ما، بما يشبه ملابس داخليّة طويلة تُعْرَف بأطقم جونز”.

وما إنّ أسست أميركا الشمالية، شهدت شخصية سانتا كلوز تراجعًا عكسيًا في أوروبا، باستبدال المراسيم المخيفة، وإعطاء الهدايا، واعتماد الأسماء المحلية؛ مثل: Père Noël) فرنسا)، أو Father Christmas) بريطانيا العظمى). قال بولر: “ما حدث هو ترويض هذه الحكايات الجرمانية، الّتي تبلورت في وقت متأخر من العصور الوسطى”. وانتشـر هذا التقليد في أمريكا بعد ذلك بفعل البروتستانت الهولنديين، إلّا أنّهم حَوّلوا صورة القديس إلى صورة ساحر أسموه سانتا كلوز Santa Claus.

لا يؤمن جميع المسيحيين بـسانتا كلوز:

على الرّغم من جلاء فكرة سانتا بلا شك، إلّا أنّها أثارت جدلًا واسعًا. ففي الاتحاد السوفيتي، تعارض سانتا كلوز مع سياسة الزعيم السوفيتي الشيوعي جوزيف ستالين (1979 – 1953م)، قبل الثورة الروسية عام1917م. كان (الجدّ فروست – ديد موروز) – شخصية روسية خرافية – المفضّل لعيد الميلاد، الّذي اعتمد صفات مقاربة لسانتا، مثل سينتركلاس الهولندية (وهي شخصية تاريخية وفلكلورية ومن تقاليد عيد الميلاد في هولندا وبلجيكا، والّتي تحضـر الهدايا للأطفال في عشية القديس نقولا)، وقال بولر: “عندما تمّ تشكيل الاتحاد السوفياتي، ألغى الشيوعيُّون الاحتفال بمراسيم عيد الميلاد وإعطاء الهدايا”.

وأضاف المؤرخ بولر: “ثمّ في الثلاثينيّات من القرن العشرين، عندما كان الزعيم السوفيتي ستالين بحاجة إلى تعزيز الدعم، سمح بإعادة ظهور (الجد فروست) ليس كجالب للهدايا في عشيّة عيد الميلاد، بَلْ في رأس السنة الجديدة”. وكانت محاولات استبدال مراسيم عيد الميلاد في الاتحاد السوفيتي غير موفّقة في نهاية المطاف، وكذلك المحاولات السوفيتية لنشـر نسخة علمانية من الجدّ فروست، بمعطف أزرق، لتجنّب الالتباس مع سانتا، في جميع أنحاء أوروبا. واستطرد بولر: “في كلِّ مكان ذهبوا فيه بعد الحرب العالميّة الثانية، حاول السوفييت أنْ يستبدلوا تقاليد جلب الهدايا في أماكن؛ مثل: بولندا أو بلغاريا”. وأضاف: “لكن السكّان المحليين رفضوا التجديد، حتّى انهار الاتحاد السوفياتي عام 1989م، وعادوا إلى تقاليدهم”.

ولا تزال شخصية سانتا مسيّسة حول العالم. يقول بولر بأنّ القوّات الأميركية نشرت نسخة من الرّجل الظريف فى جميع أنحاء العالم فى السنوات الّتي تلت الحرب العالمية الثانية مباشـرة، وتلّقت ترحيبًا في العموم، كرمزٍ للكرم الأميركي فى إعادة إعمار الأراضي الّتي مزّقتها الحرب.

وفي الوقتِ الحاضر، فإنّ شعوباً في كثير من الدُّول لديها نسختها الخاصة بها، إمّا لأنّها تمثِّل فكرة تسويقيّة على حِساب المسيح، أو لكونها مجرّد فكرة دخيلة. ويضيف بولر؛ قائلًا: “في أماكن؛ مثل: جمهورية التشيك، وهولندا، والنمسا، وأميركا اللاتينية، تُبدي الشعوب معارضة قوية جدًّا للحركات المناهضة لسانتا؛ لأنّها تحاول الحِفاظ على تقاليد جلب الهدايا الخاصّة بعيد الميلاد، وحمايتها من تأثير سانتا أميركا الشمالية”.

يبدو أنّ مثل هذه الجهود من غير المرجح أنْ توقف الاهتمام المتزايد بسانتا كلوز، ولكن مساعديه يمكن أنْ يختطفوا له بعض اللحظات في جدول أعماله المزدحم عشية عيد الميلاد.

ثالثاً: حقبة العولمة والتسليع:

 “أنا مسيحيّ الثقافة” كان هذا ما قاله العالم البريطاني (ريتشارد دوكينز)، زعيم الملحدين الأشهر، في عام 2007م، حين اتهمه عضو حزب المحافظين البريطاني (مارك بريشـر) بأنه يروّج لرهاب المسيحية (= المسيحوفوبيا)، وأنّه يسعى للتقليل من قَدْر الكريسماس. فيردّ عليه؛ قائلاً: “ليس لديَّ شيء ضدّ التقاليد المسيحيّة؛ فبريطانيا بلد مسيحي تاريخياً، وأنا مسيحيّ الثقاقة. لذا، فأنا أحبّ أنْ أنشد ترانيم عيد الميلاد كالجميع، لستُ من أولئك الّذين يردّدون تخليص بلدنا من إرثه المسيحي، أنا أُدرك جيِّداً الأثر الثقافي المسيحي لبلدنا، صحيح أن الكريسماس مناسبة دينية، لكن غير المؤمنين، أو أصحاب الديانات الأخرى، يمكنهم المشاركة فيه كذلك”.

ما كلّ هذا الجدل الّذي يحفّ بالأعياد؟ لماذا يحتلّ هذا الموضوع هذه الأهمية في القرن الحادي والعشـرين العلماني العولمي، الّذي يفترض فيه أنّه ودّع الأديان منذ أمد بعيد؟! وما الرابط بين الثقافة المسيحية من جهة، والكريسماس من جهة أخرى؟

كريسماس الدين:

كريسمس كلمة تعني – حرفياً – ميلاد المسيح، إلّا أنّه ليس من السّهل اعتباره عيداً مسيحياً خالصاً. فكما يخبرنا (هانزهيلربراند)؛ أستاذ التاريخ والدِّين في (جامعة ديوك Duke University)، وهي أقدم جامعة أمريكية تقع في مدينة (دورهام) بولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية. أسّسها أعضاء من طوائف الميثودية: “فالقرنان المسيحيان الأوّلان كان يسودهما رفض قاطع للاحتفال بميلاد المسيح، أو أيّ واحد من النّاس، في الحقيقة فعند الكنيسة المبكرة الميلاد الحقيقي هو الدخول في الملكوت إثر قول السيد المسيح إنّكم لن تدخلوا ملكوت السماوات حتّى تولدوا مرّتين، فضلاً عن الخِلاف في يوم ميلاد السيد المسيح نفسه. وقد استمرّت على هذا الموقف بعض طوائف المسيحية حتى اليوم: كشهود يهوه، والصاحبيين، وأعضاء كنيسة المسيح. وفي الحقيقة فنصف العقائد المسيحيّة لا تحتفل بعيد الميلاد”.

وفي السياق الزمني نفسه، كان الوثنيُّون في شمال أوروبا، في القرون المسيحية الأولى، يحتفلون بعيد الشمس في الخامس والعشـرين من ديسمبر/ كانون الأوّل، بينما كان فلاحو جنوب أوروبا يحتفلون بعيد زحل إله الزراعة عندهم. وفي الحقيقة لم يعرف احتفال رسمي بميلاد المسيح إلّا في القرن الرابع الميلادي، حين تبنّاه الإمبراطور البيزنطي (قسطنطين)، بعد تحوّل الإمبرطورية من الوثنية إلى المسيحية، واعتبر يوم العيد الوثني نفسه هو يوم الاحتفال بميلاد المسيح. ولم يعرف العالم احتفالاً عامّاً وشاملاً بميلاد المسيح إلّا بحلول القرن التاسع الميلادي. لكن هل كانت هذه التقاليد الّتي نعرفها اليوم عن الكريسماس حاضـرة في هذه الاحتفالات القديمة، يخبرنا (هانز) أيضاً، فإنّه فيما يبدو فإنّ شجرة عيد الميلاد الشّهيرة والشموع لم تظهر إلّا في القرن السابع عشـر، وعلى الرّغم من حضور الهدايا في مناسبات الميلاد في القرن الخامس عشر، إلّا أنّها لم تُصْبِح تقليداً يجعل من توزيع الهدايا على الأقربين واجباً ملاصقاً للاحتفال إلّا في نهاية القرن الثامن عشـر الميلادي. طبعاً كانتِ الاحتفالاتُ حتّى هذا التاريخ تحدث تحت رعاية الكنيسة، ولم يظهر الاحتفال العَلماني البعيد عن المضمون الديني لميلاد المسيح – أي الاحتفال خارج الكنيسة – إلّا في القرن التاسع عشـر الميلادي. وفي هذا التاريخ بدأ يظهر سانت كلوز، الّذي هو نسخة عن القديس نيكولاس، المتوفّى في القرن الرّابع الميلادي، لتستمرّ عمليّة العَلْمنة هذه لتخليص العيد من مضامينه الدينيّة شيئاً فشيئاً، لتتحوّل إلى مناسبة ثفافيّة علمانيّة بالأساس؛ لقد تحوّل العيد من الدِّين المسيحي إلى الثقافة المسيحيّة، تلك الّتي يحدثنا عنها عرّاب الملحدين (ريتشارد دوكينز)، وتحوّل من احتفال بميلاد (المخلّص)، إلى بحث عن الخلاص، ليس في الكنيسة، بَلْ في السُّوق الّذي يجوبه سانت كلوز لا بوصفه قديساً، بَلْ بوصفه ملك الهدايا وبائع السلع.

دين الكريسماس:

 قال (فيشينزوديلوكا)، حاكم مقاطعة (كامبيانا) في إيطاليا، في 16/10/2020م: (إنّها مجرّد أمركة حمقاء)، ردّاً على بعض الدعوات بالسّماح بالتجمّع في ظلِّ ظروف الوباء للاحتفال بالهالووين؛ قائلاً: “هذا الهلوين محض هراء، مجرّد خبل أمريكي تمّ استيراده إلى بلادنا هو الآخر، ما الّذي يحدث إذن عندما تطال الأمركة الحمقاء العيد الديني”.

والهالووين أو هالووين، وبالإنكليزية (Halloween)‏: هو احتفال يقام في دول كثيرة ليلة 31 أكتوبر/ تشـرين الأوّل من كلِّ عام، وذلك عشية العيد المسيحي الغربي (عيد جميع القديسين)، ولكنّهما عيدان مختلفان. مع أنّ كلمة هالووين ( (Halloweenمشتقة من (Hallowe’en) “عشية القديسين”Hallows Even ، أي (Hallows Evening)، الّتي تفتح به الأيّام الثلاثة للسنة الطقسية للمسيحية الغربية، المكرّسة لاستذكار الموتى، بما فيهم القديسون (Hallows) ، والشهداء، وكل المرحومين المؤمنين. وهذا فعلاً أصل الاحتفال، إلّا أنّ الهالويين كما يحتفل به الآن في دول كثيرة حول العالم، متأثّر بالنسخة الأميركية، وذلك بفضل هيمنة الثقافة الأميركية على الإعلام في عصـر العولمة، وهي نسخة بعيدة كل البعد عن الجذور الدينية.. ويعدّ الهالويين مناسبة ثقافية يُحتفل بها حول العالم، خاصّة في الولايات المتحدة، وكندا، وأيرلندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا.

وفي هذا السِّياق، يحدث أنْ يتحوّل إلى دين الكريسماس، كان هذا عنوان الورقة الّتي قدّمها الدكتور (كريستوفر ديكاي) أستاذ التاريخ بجامعة (كنت)، الّتي يقول فيها: “إنّ الكريسماس تحوّل من عيد ديني أو قومي يحتفل فيه بقيم ثقافيّة خاصة، إلى عيد للاستهلاك، يحتفل فيه المستهلكون بالشـراء والشـراء فقط، تظهره الأفلام كموسم للشـراء، وتعرض المتاجر خصومات جبارة، ويبدأ الناس في الاستعداد. ممّا عده أفولاً للحسّ الديني المباشر، والدّليل على ذلك من خلال الأرقام والبيانات، فجميع الشركات في السُّوق الأمريكية تنفق على متطلبات عيد الميلاد بمقدار تريليون دولار؛ ينفق البيت الأمريكي في المتوسط 1536 دولاراً، بينما يقضـي الأمريكي في المتوسط 15 ساعة في التسوّق، ليقضي 15 ساعة في الاحتفال، أي إنّه يحتفل بمقدار ما يتسوّق، ويتسوّق بمقدار ما يحتفل.

ويصـرّح أنّ 22% من الأمريكيين، و17% من البريطانيين، و14% من الأستراليين، و10% من الأوروبيين، اضطرّوا إلى الاستدانة من أجل شـراء مستلزمات الكريسماس، بينما اضطر 14% من الأمريكيين إلى بيع بعض ممتلكاتهم لتمويل الإنفاق على الكريسماس. بينما يرى 40% من الأوروبيين أنّهم مجبرون على الشـراء في الكريسماس، بينما هم لا يرغبون في ذلك؛ إنّه التسليع (Commodification)، الأداة الأولية في العولمة، تحوّلُ نشاطاً كان مقدساً إلى سلعةٍ تباع وتشترى بالمال. بَلْ إنّ (جيني بارتونيك)، و(بوراد دو)، الباحثتين بجامعة بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، قد عبّرتا عن مظاهر نزعة شـراء التقديس في الكريسماس؛ والّتي تؤدّي إلى تحوّل الكريسماس إلى عيد ليس لميلاد الّذي افتدى العالم على الصليب، بَلْ إلى عمليّة شـراءThe sacralization of Christmas Commerce ، أو كما وصفته الباحثة في جامعة (كلاسكو) البريطانية (كارين وينيل)؛ بقولها: “الكريسماس للاستهلاك وحسب”.

لقد تمّ الأمر بعَلمنة الكريسماس، ثمّ بِعَولمته وتسليعه، ليُصْبِح في النهاية خادماً لرأس المال، ومغذّياً لثقافة الاستهلاك، سواءً أكانت هذه التغذية باسم المسيح، أو باسم لمّ شمل العائلة، لم يعد الفرق كبيراً.

ستحتفل رغم أنفك:

إنّ الّذين تمتلىء جيوبهم، وتنتفخ كروشهم، بعد كلِّ احتفالات الكريسماس في أوروبا وأمريكا، على حساب الّذين يستدينون ليشتروا منهم، يردّون هذه النقود الّتي في جيبك أيّها القابع في إحدى دول العالم الإسلامي والعربي أيضاً، ولا يحبّون أنْ يقف في طريقهم شيء، حتّى لو كان هذا الشيء ثقافتك الخاصّة أو دينك أو هوّيتك. وهنا يأتي الإغراق الثقافي (Cultural dumbing)، الّذي يعني إشباع السوق والمشهد الثقافي الّذي ينتمي لمكان آخر، فما أنْ يقترب شهر ديسمبر/ كانون الأوّل حتّى تعمّك الإعلانات من كلِّ مكان: خصومات الكريسماس، اشترِ بمناسبة الكريسماس، وغيرها.

لم يعرف العالم العربي، ولا العالم الإسلامي، الكريسماس كعيدٍ ثقافي إلّا من قريب وقريبٍ جداً. قبل ذلك كان الاحتفال مقصوراً على الطوائف الدينية المسيحية الّتي تعيش في هذه البلاد. وكان الاحتفال احتفالاً دينياً خالصاً داخل دور عبادتهم، يشبه الاحتفال بما كانت تحتفل به الدولة الرومانية البيزنطية.

التحوّل الّذي حدث هو تحوّل بدخول العولمة (Globalization)، كما يلحظ الباحث (كيفن روبنس) أستاذ علم الاجتماع في جامعة لندن، بورقة قدّمها تحت عنوان (التقاليد والترجمة: الثقافة المحلية في سياقها العولمي): “إنّ دخول السوق العالمية في مكان ما، يصحبه تحوّل في الثقافة والهوية وأساليب الحياة في هذا المكان؛ يجبرك الاختراق الثقافي على الاحتفال بعيدٍ لا تعرفه، وليس له تاريخ ثقافي يخصّك”. وليس هذا فحسب، بَلْ يجبرك أنْ تحتفل، وبالطّريقة نفسها، بأنْ تقدّس الاستهلاك، وتنظمّ لدين الكريسماس. وإذا كنت تنضمّ لدين الكريسماس، كيف يستقيم أنْ تكون منطوياً تحت لواء دينٍ آخر؟

ولماذا لا نحتفل معهم؟

 كان نيكولاس قد حضـر (مجمع نيقية) سنة 325م، كما بيّنا آنفاً، وهو أوّل مجمع اجتمع فيه العلماء المسيحيون وأساقفتهم لمناقشة عقيدة النصارى في المسيح – عليه السّلام -، وكان من هؤلاء القساوسة والأساقفة قسٌّ يُدْعى (آريوس)، وكان موحّدًا لله، يشهد ألّا إله إلّا الله، وأنّ عيسى رسول الله، وقام آريوس بشـرح عقيدة التوحيد، ودحض الشبهات حول تأليه المسيح، فقام القديس نيكولاس (بابا نويل) بلطمه على وجهه وسبّه. ولم يكتفِ بهذا، وإنّما قام بممارسة إرهابه ضد الموحّدين، فقام بهدم الكنائس الموحّدة (الّتي تؤمن أنّ عيسـى رسول الله) في المقاطعة الّتي كان هو أسقفًا عليها، وإحراقها، مدّعيًا أنّه يقوم بنزع الأرواح الشريرة منها.

ولإخفاء هذه الحقيقة المروّعة عن المسيحيين، قامت الكنيسة لاحقًا بتلفيق قصة مزوّرة عن قدِّيسها المزيّف، لخداع المسيحيين منذ نعومة أظافرهم، لكي ينشأوا على حبّ هذا الأسقف الّذي حرّف دين المسيح – عليه السلام -؛ فقامت الكنيسة بسـرقة أسطورة موجودة في التراث الإسكندنافي، لرجل عندهم اسمه (أودين) جعلوه إلهًا، كان يطير بمركبته في الشتاء ليوزّع الهدايا يوم 25 من ديسمبر/ كانون الأوّل، فسـرقت الكنيسة عربته الطائرة، وهداياه، وألصقوها بقدِّيسهم المزيّف نيكولاس؛ الّذي حرّف عقيدة المسيح، وحرق الموحّدين.

وأمّا الرّاهب آريوس – الّذي لطمه نيكولاس في مجمع نيقية -؛ فقد كان على رأس طائفة من المسيحيين يؤمنون بلا إله إلّا الله، وأنّ عيسـى رسول الله، وقد قال بعض أهل العلم كالإمام الطحاوي، والإمام ابن حزم، وطائفة من العلماء إنّهم هم المقصودون بقول النبي ﷺ – كما في صحيح البخاري ومسلم – أنّه صلّى الله عليه وسلّم، أرسل إلى هرقل ملك الروم: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ]. صحيح البخاري (7)، صحيح مسلم (1773).

يقول ابن حجر العسقلاني في شـرحه لمعنى الأريسيين: “وَذكرَ ابن حَزْمٍ أَنَّ أَتْبَاعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرِيسٍ كَانُوا أَهْلَ مَمْلَكَةِ هِرَقْلَ، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَرِيسِيِّينَ كَانُوا قَلِيلًا، وَمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ رَأْيَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ التَّثْلِيثَ. وَمَا أَظُنُّ قَوْلَ ابن حَزْمٍ إِلَّا عَنْ أَصْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يُجَازِفُ فِي النَّقْلِ” (فتح الباري في شـرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ج8، ص221).

ولعلّه هو المعنيّ أيضًا بقول عروة بن الزبير – رضي الله عنهما -: “صَنَعَتِ النَّصَارَى الْإِنْجِيلَ، وَأَدْخَلَتْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَبَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ عَلَى الْحَقِّ وَالدِّينِ”.

 ولذلك، فعندما قدم رسول الله محمّد بن عبدالله ﷺ إلى يثرب (المدينة المنورة)، فوجدهم يلعبون في يومين، فسأل عنهما؛ فقالوا: “يومان كنّا نلعب بهما في الجاهلية؛ فقال: (إنّ الله قد أبدلكم خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى).

لذا، يعتبر الإسلام أنّ الأعياد من جملة الشعائر والمناسك، فلا يحتفل المسلمون بعيد الكريسماس؛ لأنّ هناك حضوراً دينيّاً يخالف ما يعتقده المسلمون؛ فالمحتفلون المسيحيون يعتقدون أنّ لله ولداً جاء في مثل هذا اليوم، [سبحانه وتعالى عمّا يقولون علواً كبيراً]، فيما يؤمن المسلمون بأنّ الله واحدٌ أحدٌ صمدٌ لا شـريك له. هذا الإرث الثقافي الّذي لم يستطع عرّاب الإلحاد البريطاني (ريتشارد دوكينز) الفكاك منه، نظراً لجذوره المسيحية؛ هو الّذي يجعل الإسلام صارماً في التعامل مع هذا الموروث الديني الوثني – المسيحي والثقافي الغريب عن مجتمعنا.

العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى