رأي العلامة ناصر سبحاني في إمامة الصلاة وشرط العدالة للإمام (الحلقة 28)

أثير موضوع إمامة الفاسق من قبل الفقهاء قديماً، إلّا أنه لم يحسم من قبل الجمهور، والعلامة سبحاني من العلماء المحقّقين المعاصـرين الذين انتقدوا رأي جمهور العلماء الذين جوّزوا إمامة من سمّوه (المؤمن الفاسق)، وكذلك انتقد قولهم بـ”أنّ لفظة الإمامة الّتي وردت في الآية (124) من سورة البقرة لا تشتمل على إمامة الصلاة، بَلْ هي مختصّة بالإمامة العظمى، الّتي هي عهد من الله سبحانه لا ينال الظالمين”. قال – رحمه الله – في تفسيره لقوله تعالى: [وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ](البقرة/ ١٢٤): “تبيّن هذه الآية أنّ إمامة الناس مكانةٌ لا يبلغها أي إنسان، إلّا بجعلٍ من الله وعهد، فمن لم ينله جعلُ الله وعهده، لم يتبوأ تلك المكانة. وتبيّن كذلك أنّ من ائتمر حق الائتمار جُعلَ إماماً بعهدٍ من الله، ومن ظلم، أبى عهدُ الله أنْ يناله”.

 وحول الكلمات الّتي ابتلي بها إبراهيم – عليه السلام – وأتمهن؛ قال الشهيد ناصـر: “هي أوامرٌ ونواهٍ يتمكّن من معرفتها بالوقوف عند آيات سورة البقرة الّتي وردت فيها الآية، ومع ذلك قد جاءت مبيّنة بياناً شافياً في سورة الفرقان في وصف عباد الرحمن. في قوله تعالى: [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا] إلى نهاية السورة”.

“أمّا كلمة (الظلم) الواردة في الآية، فيختلفُ تفسيرها تماماً عمّا ذهب إليهِ الّـذين أوّلوا الكلمة، إذ يرى: “أنّ الظلم درجات… وإذا أريد أنْ يُعْرَف المراد من لفظة الظلم المستعملة في كلام، وجبَ أنْ يعرف الموضع الّذي قد ترك أنْ يوضع الشـيء المذكور في الكلام فيه… وإذ تبيّن ذلك؛ فنقول: إنّ الموضع في آية الإمامة إتمام الكلمات المبتلى بها، وإنّ المراد بالظالمين في هذا المقام غير المتمّين، فمن لم يكن من المتمّين كلمات الابتلاء، لم ينله عهد الإمامة من الله، ومن لم يجعله الله إماماً، لم يكن لأحدٍ أنْ يرضى به إماماً”([1]).

 ثمّ يستنتج من ذلك أنّ جمهور العلماء قد وقعوا في خطأ – بعد وطأة الواقع الّذي مرّ على عهد الخلافة الرّاشدة – لمّا فصلوا إمامة الصلاة عن أصلها، واستثنوها دون مقتضٍ؛ فيقول: “إنّ من العجب العجاب، بَلْ من المحزن المبكي، ما ذهب إليه جمهور علماء أهل السنة، من استثناءِ إمامةِ الصلاة وفصلها عن أصلها من غير ما مقتضٍ، بعد جعلهم لفظة الإمامة كأنها لا تدلّ إلّا على ما يكون دائراً بين ما قد اصطلحوا على تسميته بالإمامة العظمى وبين إمامة الصّلاة. ثمّ ما اقترفه المتأخّرون من القول بصحة تقلّد المستولي بقهرٍ، والفاسقِ، والجاهل الواجب رئاسة السلطة التنفيذيّة”.

 وفي إشارة إلى بعض الأسباب والمبرّرات؛ يقول: “إنّها وطأة الواقع من بعد عهد الخلافة الرّاشدة، ثقلت على قلوب علمائنا – غفر الله لنا ولهم – حتى جعلتهم – إلّا الإمـام مالكاً رحمه الله، ومن يسمّون العترة([2]) – يقبلون إمامة من يسمّونه الفاسق في الصلاة. ولعمر الحق لكان علماء أهل السنة أولى باشتراط العدالة في إمامة الصّلاة من الشيعة، لولا أنْ كانوا قد أصبحوا جزءاً من الواقع، فلم يجدوا بدّاً من تبريره، بخلاف الشيعة إذ كانوا على الهامش، فلم يمنعهم مانع من اشتراط العدالة”([3]).

 هذا، وينبغي هنا أنْ أوضّح أنّ الفقهاء قد وضعوا شـروطاً لإمامة الصّلاة، بعضها ممّا اتفق عليه، وبعضها ممّا اختلف فيه، فالمتفق عليه من الشـروط؛ هي: الإسلام، والبلوغ، ورضى المؤمنين عن الإمام، وفي كلّ منها تفصيل لا يسعه المقام. أمّا المختلف فيها، فأهمّها: العدالة، حيث اختلفوا في إمامة الفاسق؛ فقال الإمام مالك([4])، والإمام أحمد في أحد قوليه، وكذلك جعفر بن مبشـر، وجعفر بن حرب([5]): لا تصحّ. وقال أبو حنيفة([6])، والشافعي([7])، وأحمد في قولٍ له: تصحّ إمامة صلاة الفاسق. إلّا أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية صـرّح بأنّ جميع الأئمة متفقون على كراهة الصّلاة خلف الفاسق، لكن اختلفوا في صحتها. وهناك من العلماء من فصّل الكلام عن الفسق، ففرّقوا بين الفسق الاعتقادي والفسق السلوكي، فخفّفوا في الثاني، وشدّدوا في الأوّل([8]).

 والغريبُ أنّ أشهر الرِّوايات الّتي استدلّ بها على جواز الصّلاة خلف الفاسق، روايةٌ ضعيفة عوّلوا عليها؛ نصها: (صلّوا خلف كلّ برّ وفاجر)، وفسّـروا الفاجر بالفاسق، والحديث أخرجه الدارقطني (في السنن، 2/57)، بينما نقل عنه قوله: ليس فيها – أي في الصلاة خلف الفاسق – شيء يثبت. وكذلك أخرجه البيهقي؛ وقال: “في هذا الباب أحاديث، كلّها ضعيفة غاية الضعف”([9]). والغريب من ذلك أمران: أوّلهما: أنّ معظم الفقهاء اشترطوا أنْ تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم، إلى درجة أنْ قالوا: “لو صلّى حنفي خلف شافعي سال منه دم ولم يتوضأ بعده، أو صلّى شافعي خلف حنفي لمس بشرة امرأة، فصلاة المأموم باطلة. وهذا باتفاق الحنفية والشافعية”([10]). ولقد سمّى سبحاني هذا نكبة؛ فقال: “وإنّه لنكبة أيّ نكبة أصابت المسلمين، إذ بلغ بعلمائهم الأمر أنْ يقولوا بصحّة إمامة من يسمّونه الفاسق، وهم يحكمون ببطلان صلاة متّبع للشافعي خلف أتقى الأتقياء من علماء الحنيفة مثلاً؛ لأنّه ما راعى ما تجب مراعاته عند الشافعي([11]).

والأمر الثاني: أنّهم استدلّوا بتلك الرواية الضعيفة حول الصّلاة خلف الفاجر، وما ورد أنّ ابن عمر صلّى خلف الحجاج بن يوسف، وقد اعتبروه فاسقاً، أو أنّ الحسن والحسين صليا وراء مروان بن الحكم على الرّغم من فسقه. ولكن لم يعتنوا بتلك الآيات الّتي وردت في سورتي البقرة والفرقان، ولم ينتبهوا إلى أحاديث أخرى، أقوى ممّا ذكر سنداً ومتناً؛ كقوله – صلوات الله وبركاته عليه -: (اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنّهم وفدكم فيما بينكم وبين ربّكم)، (الشوكاني، نيل الأوطار، ص: 597). وقوله – فيما رواه الحاكم -: (إنْ سـرّكم أنْ تقبل صلاتكم، فليؤمّكم خياركم، فإنّهم وفدكم فيما بينكم وبين ربّكم). بَلْ لقد قال الشوكاني: “قد ثبت تواتراً أنّه قد أخبر بأنّه يكون على الأمّة أمراء يميتون الصّلاة ميتة الأبدان، ويصلّونها لغير وقتها. فقالوا: يا رسول الله، بماذا تأمرنا؟ فقال: صلّوا الصّلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلةً. ولا شكّ – كما يقول الشوكاني – أنّ من أمات الصّلاة، وفعلها في غير وقتها، غيرُ عدلٍ”. (انظر: الشوكاني، نيل الأوطار، ص: 597).

 وحول مقولة: (من صحّت صلاته لنفسه، فصلاته لغيره صحيحة)، قال سبحاني: “وهذه القاعدة إثباتها دونه خرط القتاد، فإنّه إنْ أريد بالصحّة الصحة عند الله، فإنّ صلاة من يسمّونه الفاسق ليست صحيحة، فإنّ الذي يسمّى الفاسق لا يعدّ – كما هو بيّن – من المتقين، قال تعالى: [إنما يتقبّل اللهُ من المتقين] (المائدة/ ٢٧). وإنْ أريد بها الصحّة عند العلماء، فإنّ ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع. ثم كيف يقول العلماء بصحّة عملٍ ليس يتقبّله الله سبحانه؟!”

 ويختتم كلامه حول إمامة الفاسق بقول غريب لم يسبق أنْ قاله أحد. يقول: “إنّ القول بصحّة إمامة من يسمّى الفاسق – إن هذا القول لأئمتنا، وهم يشترطون العدالة فيما يسمّونه الإمامة العظمى – من أظهر مظاهر مبدأ فصل الدين عن السياسة، الأمر الّذي ما كانوا ليقولوا به، هم ولا غيرهم من المؤمنين، وهم يعلمون، ولكن ثقل الواقع أذهلهم، فقالوا بما لا يقول به إلّا القائلون بذلك المبدأ، غفر الله لنا ولهم أجمعين”([12]).

 وبناءً عل تصوّراته هذه، كان يتجنّب كثيراً من أنْ يتقدم لإمامة الصّلاة، لا سيّما في حضور أهل العلم، وأكّد لي أحد الدعاة المشهورين([13]) أنّه كان مع مجموعة من الدعاة معه في إحدى الليالي، فألحّ عليه أنْ يؤمّهم في صلاة العشاء، فأبى وقال لهم: “ليس لي أهلية الإمامة كاملة”.. فلمّا ألحّوا عليه؛ قال لهم: “سوف أعاتبكم يوم القيامة إن حوسبت على ذلك؛ لأنّ صفات عباد الرّحمن لم تتحقّق فـيّ كاملة، حتّى أُصْبِحَ إمام المتّقين فأؤمّكم في الصّلاة..”!


المصادر والحواشي:

[1] ناصـر سبحاني، أحكام شـرعیة وجملة فتاوی، ص: 25-26.

[2] یقول علما‌ء الشیعە: “لا تجوز الصلاة جماعةً خلف غیر العادل، بل حتی مجهول الحال، ومن صلّی خلفهما فعلیه إعادة الصلاة”، انظر: موقع دراسات العترة. www.agitra.org.

[3] ناصر سبحاني، أحكام شـرعیة وجملة فتاوی، ص: 25، 26، 28.

[4] ورد في المدوّنة – أكبر مصادر المالكیة- : “كان مالك یقول: إذا علمت أن الإمام من أهل اڵأهوا‌ء، فلا تصلّ خلفه، ولا تصلّ خلف أحد من أهل الأهوا‌ء” (سحنون التنوخي المالكي (ت 240ه)، المدوّنة في فروع المالكیة، بیروت، بیت اڵلأفكار الدولیة، ص: 55.

[5] جعفر بن مبشـر الثقفي (ت234هـ/848م) وجعفر بن حرب الهمداني (ت:236هـ/850م)، عالمان معتزلیان، كانا مضـرب المثل في العلم والعمل، فیقال: علم الجعفرین، وزهد الجعفرین. وردت ترجمتها في تاریخ بغداد للخطیب البغدادي (ت:463هـ/1069م). وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار (ت: 415هـ/ 1025م). وسیر أعلام النبلا‌ء للذهبي، في الطبقة الثانیة عشرة.

[6] لتفاصیل رأي الأحناف انظر: عبد الرحمن الجزیري، الفقه علی المذاهب الأربعة، 1/253 254.

[7] ورد في البیان (شـرح المهذب): “قوم نفسّقهم، ولا نكفّرهم، وهم الذین یسبّون السلف ویكفّرونهم، وكذلك من یشـرب الخمر، ویزني، ویأخذ الأموال غصباً، فتكره الصلاة خلفهم، وإن صلّی خلفهم صحّت الصلاة.” العمراني، أبو الحسن، یحیی بن سالم، البیان في مذهب الإمام الشافعي، 2/ 397.

[8] انظر: ابن تیمیة، مجموع الفتاوی، 23/357، والشوكاني، نیل اڵاوطار، ص: 598.

[9] انظر: البیهقي، السنن الكبری، 4/19، وكذلك: العمراني، البیان، 2/397، والشوكاني، نیل الأوطار، ص: 597.

[10] عبد الرحمن الجزیري، الفقه علی المذاهب الأربعة، 1/245.

[11] ناصـر سبحاني، أحكام شـرعیة، ص: 37-38.

[12] ناصر سبحاني، أحكام شـرعیة، ص: 42.

[13] هو الأستاذ برهان محمد أمین، الداعية ومفسـّر القرآ‌ن، في لقاء خاص معه عام (2007م). وأكّد لي الأستاذ حسن شمیراني يوم (2/3/2026م) أن ذلك قد تكرّر معه، لما التقی هو والأستاذ صلاح الدین محمد بالأستاذ ناصـر في منزله في مدینە (سنندج)، فلم یقبل أن یؤمّهم، إلا بعد إلحاح شدید من الضیفین..

العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى