الدكتور علي القرهداغي مؤسّس علم “فقه الميزان”

فقه الميزان هو الفقه الموزون دون إفراط أو تفريط ولا زيادة ولا تنقيص، وحاله في ذلك حال علم أصول الفقه الّذي كان موجوداً بمبادئه، فجاء الإمام الشافعي فأبرزه وجمع مبادئه وأصوله وضوابطه وتطبيقاته، فجعله علماً عظيماً.

وفقه المیزان یضع الحلول للکثیر من القضایا؛ سواء ما کان منها من أصول الدین، أو قضایا التغییر بکلّ صوره وأسالیبه وآلیّاته، حیث یضع لکلّ ما ذُکر الضوابط الدقیقة لیؤطّرها في إطار القَبول والرّشد، کما أنّه یمثّل عاملًا مهمًّا في ضبط التّصوّر والاستنباطِ، وامتلاك القدرة علی فهم الواقع. والفقیهُ الّذي لا یمتلك هذا المعیار الدقیق لا یُدْرِك حقائق الأشیاء، ولا یستطیع النفوذَ إلی دقائقها وأغوارها، ومن هنا تبرز حاجة الفقیه إلی هذا النّوع من الفقه الّذي یُکسبه نظرةً أوسع وأرحب للأحکام الّتي یقتضيها الواقع المتجدِّد.

وقد مارس العلماءُ والأئمة المجتهدون هذا النوعَ من العلم في استنباطهم وفتاویهم، غیر أنّه لم یُدوّن بعد علمًا مستقلًا بذاته؛ لأجل هذا كان من الضـرورة بمكان أنْ يجد هذا النّوع من الفقه طريقه إلى النّور.

ویُعدّ کتاب (فقه المیزان) الباب الواسع من أبواب الفقه، والّذي حاز قصب السبق إلى تدوينه العلّامة الشيخ الجليل الأستاذ الدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقد انشغل به نحوًا من ربع قرن، فكان مشـروعًا مبارکًا وجهدًا كريمًا، یضع رؤیة متوازنة للأشیاء حتّی لا یقع الخلط والتّصادم، وحتّی تتمكّن العقلیّة المسلمة من امتلاك أبجدیات فقه الواقع الّذي یُمکّنها من القدرة علی تنزیل الأحکام وتطبیقها، كما أنّه يهدف إلى ترشيد الجيل الصّاعد من أهل النّظر والاجتهاد، ويُسهم في ضبط الفوضى الفكرية والاجتهادية، وذلك من خلال بيان المقاييس الّتي توزن بها الأمورُ، وتُؤطّر بها المصطلحات، وتُجلّى بها المفاهيم.

يعد كتاب (فقه الميزان) لفضيلة الدكتور علي القرداغي مرجعاً فريداً، كما يعدّ إضافة نوعية في قاموس الأمة في التعريف بمعاني القرآن الكريم والسنة النبوية على ضوء المقاصد والأصول والواقع. وكما يعدُّ الكتاب قيمة علميّة منهجيّة يمكن الاستناد إليها، والبناء على نتائجه، والتوسّع في رصد مكنوناته المادية والمعنوية، وهو ما يظهرُ أهميته، ويبرز دور الطّلبة والعلماء من أبناء الأمّة في شرقها وغربها.

لقد فتح الشيخ القرداغي بكتاب فقه الميزان نظرات جديدة لفهم النص القرآني والسيرة النبوية المباركة والممارسات الشـرعية والاجتهادية للخلفاء الراشدين ومن تبعهم؛ مستنيراً برسوخ الفقه ومنطق العلم واستدلالاته المحكمة والموثوقة والأدلّة الثابتة.

قواعد فقه الميزان وفق نظرية الشيخ علي القره داغي

هذه مجموعة من القواعد في فقه الميزان، الّتي وضعها فضيلة الشيخ الدكتور علي القره داغي ضمن مشـروعه المبارك في أماكن مختلفة من كتبه، المشروع الفقهي الّذي يهدف إلى تقديم منهجية متوازنة لفهم الإسلام وتطبيقه، من خلال استخدام موازين دقيقة مستنبطة من القرآن والسنة، لتصحيح الخلل الفكري والاجتهادي في الأمة، ويؤكِّد التوازن بين الدِّين والدُّنيا، والعقل والنقل، لبناء مجتمع متوازن وسعيد، ويشمل جوانب عقدية ومنهجية واقتصادية.

 1- إنّ من أهم ثوابت الإسلام: أنّ الوحدة فريضة شرعية، وضرورة واقعية، وأنّ أداء فريضة الوحدة هي إقامة الدين نفسه، قال الله تعالى: )شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ(. (الشورى: 13). فالإسلام دين التوحيد في العبودية، والربوبية لله تعالى، وكذلك فهو دين توحيد الأمة على الثوابت لتكون خير أمّة أخرجت للناس.

 2 – إعادة الثقة داخل الأمة بدينها وشعوبها المسلمة: أنّها مثل الجسد الواحد. وبيان مصالح الوحدة ومنافعها الشاملة، وبيان مخاطر الفرقة، ليس على المستوى الديني فقط، بل على مستوى وجود الأمة وهويتها وقوتها العسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، وضرورة دراستها من الروضة إلى الجامعة.

 3 – إن طاعة أعداء الإسلام ستترتب عليها الفرقة بلا شك، قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(. (آل عمران: 100).. وإنّ أعداء الإسلام لا يريدون أنْ يبقى الإسلام على استقامته وصحته، بل يريدون تغييره إلى دين محرّف معوج، قال الله تعالى: )قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ((آل عمران: 99).

 4 – بقاء الأمة يقظةً بحيث لا تسمح بالاختراقات. قال الله تعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((آل عمران: 104)، وعلينا جميعاً أنْ نهتمَّ بالمبادرات الّتي تعيد للأمّة ثقتها بدينها من خلال التربية والتزكية، وتقوية العقيدة وترسيخ الأخلاق.

 5 – وجود قوة عسكرية للحفاظ على حدود البلاد، قال تعالى: )وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ((الحجرات: 9). حيث أمر الله تعالى هنا الفئة الثالثة بتحقيق الصلح العادل.

 6 – تقبيح الفُرقة وذمها، حتى سمّاها الله تعالى “كفراً”، فقال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ((آل عمران: 100). وقال النبي r في حجة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). وقال الله تعالى: )مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ((الروم: 31 – 32).

 7 – إعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الشعوب والأقوام المسلمة؛ بأنْ تكون ثقة الشعب المسلم بالشعب الآخر قوية. ومع الأسف الشّديد، فإنّ ما فعلته بعض الأحزاب والحكومات العربية والإسلامية بالشعوب الأخرى، أو بدولة مسلمة أخرى، كان أشدّ ممّا فعلته الحكومات المستعمرة.

 8 – يجب علينا، وعلى المخلصين من الحكّام والمسؤولين والمربين، ووسائل الإعلام، العمل الجاد والمخلص، لإعادة الثقة والمحبة والوئام بين جميع شعوب الأمة الإسلامية، من خلال خطة استراتيجية ومرحلية تقوم على الأهداف الواضحة والمشاريع الناجحة، والبرامج المؤثرة، والموارد المالية والبشـرية الكافية. وكلّنا أمل في الوصول إلى هدفنا الأعظم؛ وهو وحدة الأمّة الإسلاميّة، ولو بتدرّج معقول.

 9 – إنّ ما قد نملك السيطرة عليه هو كيفية التهيّؤ للأزمات والتعامل معها، فكوننا أفراداً نملك القدرة على إعادة تعريف النجاح، ليس باعتباره لا امتلاكاً، بَلْ قدرةً على الصّمود والبقاء والازدهار في قلب العاصفة. نملك أنْ نقول “لا بأس” و”الحمد لله” حين نفقد وظيفة، أو يفشل مشـروع، أو تنهار خطّة؛ فالسقوط ليس فشلًا بَلْ فرصة لإعادة التوازن، وربّما إعادة التوجّه نحو فرصٍ أفضل، وفضاءاتٍ أوسع.

 10 – الميزان يمثل أهم معيار لفهم الشـريعة فهماً صحيحاً وعميقاً، ومن أهمِّ أسباب رفع الخلاف وتقليله بين علماء الأمّة وأبنائها. ويعدّ فقه الميزان معياراً مهماً لفهم القرآن والسُنة، كما أنّ فقه الميزان يطلق على عدة معانٍ، والمقصود في فقه الميزان معرفة الموازين الّتي توزن بها أبواب الإسلام؛ عقيدة وشريعة ومنهج حياة، والتعامل مع كلِّ بابٍ حسب ميزانه الخاص به، ومعرفة أوزان التصـرّفات والأحكام الشـرعيّة، ووزنها من خلال كفتي الميزان، للوصول إلى فقه موزون وفكر موزون.

 11 – الميزان المعنوي هو الّذي تُوزن به القيم والأخلاق والآداب، بَلْ يُفهم من الآيات أنّ هذا الكون قائم على موازين دقيقة، وأي خلل يؤدِّي إل تدمير الكون وقيام الساعة، فالأرض والسّماوات والكواكب والشموس كلّها قائمة على وزن خاص بها، وكلّ المخلوقات لها ميزان خاص بها مُراعى، لذلك أصبح الكون موزوناً ومتزناً، قال الله تعالى: )وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ(. (الحجر: 19).

 12 – فقه الأولويات جزء من منظومة فقه الميزان، ويساعد على استيعابه، كما أنّ فقه الميزان مختلف عن فقه المقاصد، من حيث إنّه يبحث عن وضع المعايير والموازين لكل موضوع وباب، ولكنّه لا يستغني عن فقه المقاصد، حيث يحتاج إلى مراتب المصالح والمفاسد حتّى يضع لها معاييرها، ويبين لكل واحد منها وزنها المطلوب بين قائمة الأوزان الشرعيّة.

 13 – فقه الميزان داخل في (الحكمة)، ومنسجم معها؛ لأنّ الحكمة وضع الشـيء في محله المناسب، وفي الوقت المناسب. لذلـك فالميزان هو الحكمة المنزلة، وكلاهما توفيق رباني يضعه الله في قلوب أنبيائه وعباده الربانيين، لكن فقه الميزان منضبط من خلال معايير ثابتة.

 14 – فقه الميزان مفتاح المفاتيح لفهم الشـريعة، ويعدّ من علوم الأصول وليس من علوم الفروع، فهو معيار لضبط الفهم والاجتهاد والاستنباط، وهو مكمّل لعلم أصول الفقه ومقاصد الشـريعة؛ لأنّه ميزان دقيق للفهم والاستنباط العميق، والاجتهاد المنضبط في جميع القضايا الأساسيّة.

 15 – فقه الميزان يحتاج إلى علم راسخٍ بعلوم اللغة وأصول الفقه والتفسير والحديث وعلوم القرآن والسنة ونحوها، ويحتاج إلى فطرة سليمة وعقل مستنير وبصيرة نافذة وقريحة قوية، وتدبر دون تعجب، ومعايشة مع النصوص دون تسـريح. ومَنْ يُتْقِن هذا الفِقْه يحتاج – كذلك – إلى امتلاكِ القدرةِ على التجديد أو تقبّله، فليس كلّ عالِمٍ يملكُ ميزاناً يزن الأقوال دون النّظرِ إلى وزنِ قائلِها.

 16 – إنّ فقه الميزان إذا أُتقن يرفع الخلاف في الثوابت، ويقلّل الخلاف في المسائل الاجتهاديّة، لوجود ميزان يرجع إليه، وفهم مشترك نابع منه. كما أنّ المجتهد إذا أراد أنْ يكون اجتهاده عميقاً ودقيقاً؛ يحتاج إلى فقه الموازين الخاصّة في أبواب الشّـريعة والحياة. والمفتي إذا لم يكن مجتهداً؛ لا يستطيع تقييم أقوال الفقهاء ووزنها بدقّة، ولا وضع معيار دقيق لها إلّا بالاستعانة بفقه الميزان، وفي غيابِ هذا الفِقْه، لا يكفي أنْ يُطبَّق ميزان العبادات على العادات أو العكس، ويطبّق ميزان السِّياسة على غيرها، أو ميزان الشّاهد على الغائب. كيلا يقعَ الخلل الكبير والخطأ في الاجتهاد أو الفتوى.

 17 – فقه الميزان يحمي النّاس من الوقوع في اللبس والخلط والارتياب، فمثلاً: حينما يقرأ أحدهم قول الله تعالى: )يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ( (البقرة: 276). فلا يمكن أنْ يستوعب نقصان الرِّبا وزيادة الزّكاة، وهو نقصان مادي ظاهر، إلّا إذا فهم أنّ هذا حسب ميزان الله تعالى، وليس حسب ميزان الدنيا والمادة. ولا يمكن أنْ يفهم الحديث: (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)، إلّا إذا فهم أنّ الموازين عند الله غير موازين النّاس. وحتى إذا قرأ الآيات عن خمر الجنة، بأنّها لا تؤدي إلى الإسكار والضّرر لما استطاع أنْ يستوعب ذلك، إلّا إذا علم أنّ ميزان الآخرة غير الدنيا.

 18 – إنّ التعرّف على الموازين المبثوثة في القرآن الكريم في فقه الميزان لا يَستغني عنها أحد، فالمجتهد يعتمد عليها لدقّة اجتهاده، والمفتي لدقة فتواه، والباحث لدقة بحثه، والعامي في سبيل القناعة والفهم والبينات، حيث شمل فقه الميزان جميع أبواب العقيدة والشـّريعة. فالعدالة من الموزونات المادية لا تتحقق إلّا من خلال ميزان دقيق، فكذلك الأمور المعنوية والتكليفية لا بُدَّ من ربطها بميزان معنوي. فالميزان موجود في الكتاب والسنة، واستعمله الرسول الكريم r، وصحبه الكرام y.. وقد بيّن الشيخ القرداغي ذلك في كتابه فقه الميزان، واستدلّ بقوله تعالى: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( (الحديد: 25).

 19 – علّل الله تعالى إنزال الميزان مع الكتاب لتحقيق العدل الشامل للمادة والمعنى، وإنّ العدل لا يتحقّق بالميزان المادي فقط، بَلْ يتحقق بهما معاً المادي والمعنوي. فالميزان المعنوي هو الّذي نعرف به الحق من الباطل، والخير من الشـر، والهدى من الضلال، والكفر من الإيمان، والمفاسد والمصالح وحقوق العباد وحقوق الله، والأوامر والنواهي ومراد الله في ذلك.

 20 – فقه الميزان هو الفقه الموزون دون إفراط أو تفريط ولا زيادة ولا تنقيص، وحاله في ذلك حال علم أصول الفقه الّذي كان موجوداً بمبادئه، فجاء الإمام الشافعي فأبرزه وجمع مبادئه وأصوله وضوابطه وتطبيقاته، فجعله علماً عظيماً. ثمّ جاء من بعده فطوّره. وهذا الحال في علم مقاصد الشّـريعة حيث الأدلّة موجودة في الكتاب والسنة واجتهادات المجتهدين، ثمّ جاء الإمام الشاطبي، فجعله علماً مستقلاً. وهكذا فقه الميزان يبحث للوصول إلى اجتهادٍ موزون، وفقه موزون، وتصوّر موزون، وحكم موزون، وتعامل موزون وهكذا.

 21 – يعرف مراتب الأعمال حسب معرفة الأوزان؛ لأنّ الأوزان والرتب المعنوية غير متناهية، والموازنة داخل النصوص تحتاج إلى إدراك عميق في علم أصول الفقه، ومقاصد الشّـريعة، واللّغة العربيّة، والسياق واللحاق، ورعاية قواعد الترجيح والتوفيق.

 22 – الإسلام كله قائم على الفهم الثنائي، وليس المنهج الأحادي للأشياء، وفقه الميزان يهدف للوصول إلى دين موزون، وفكر موزون، وحضارة موزونة، وهناك أمثلة في باب العقيدة والشـّريعة والدنيا والآخرة والعبادات والشعائر التعبديّة والمعاملات الماليّة، وفي الحضارة.

 23 – تطبيق فقه الميزان بدقّة، وبصورة كاملة، يترتّب عليه الفقه الموزون القائم على الحق والوسطيّة والاعتدال. فالكون موزون بدقّة متناهية، قال الله تعالى: )وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ( (الحجر: 19). والإنسان موزون في خلقه ومكوناته المادية قال الله تعالى: )لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ( (التين: 4). كما أنّ الشـريعة موزونة في حدِّ ذاتها؛ لأنّها منزلة من الخالق المبدع العظيم، وذلك في قوله تعالى: )أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ( (الملك: 14). ولكنّ الإشكالية في فهمها وتنزيلها الدقيق، لذلك لا بُدّ أنْ يكون فهماً موزوناً وفقهاً متوازناً لتكون تصرّفاتنا الشرعيّة موزونة.

 24 – مشـروعية فقه الميزان، ثابت في الاستقراء الكلي في الشريعة؛ لقوله تعالى: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ( (الحديد: 25). فالميزان المنزل هنا ليس الميزان المادي الّذي توزن به المادّة؛ لأنّ المادي موجود في الأرض ومعروف بالفطرة، ولكن ما تحتاج إليه البشـرية؛ هو الهداية الربانية في كتاب الله ومنهج رسله صلوات الله عليهم، ومن خلال الميزان والموازين الّتي توزن بها الحقوق والواجبات والأحكام والعقائد والشـرائع، أو أنّه ليس محصوراً فيها على الأقل، بل يشمل المادي والمعنوي. والقرآن الكريم قد وضّح أنّ كلَّ شيءٍ يقوم على ميزان خاص، فالأرض والسّماوات لكلّ واحدة منهما ميزانها الخاص الّذي تقوم عليه، قال الله تعالى: )وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(. (الرحمن: 7).

 25 – هناك آياتٌ كثيرة تصلُ إلى نحو ثلاثة وعشرين آية تدلُّ بوضوح على أنّ لكل شيء ميزانه حتّى تستقيم الحياة، ومن المعلوم بأنّ النّاس لا يقوم بينهم العدل بالموازين المادية، في حين أنّ قيام العدل الشامل لا يتحقّق إلّا بإقامة موازين العدل في الحقوق والواجبات، ومعرفة كل عمل وكل تكليف ووزنه بالميزان الصّحيح المناسب له. وقد كان الصحابة الكرام شغوفين بمعرفة الموازين والأوزان؛ لأنّ القرآن الكريم كان يعلمهم هذا الترتيب، فكان الصحابة يسألون عن أفضل الأعمال وأكملها، وعن الإتقان، وعن شـرِّ الأعمال وأسوئها، وعن عمل واحد يدخلهم الجنة، ويسمعون من الرّسول الكريم r إجابات شافية حول الموضوع، بالإضافة إلى التربية العمليّة الّتي كان الرّسول قدوة لهم، يُربِّيهم فيها على فقه الأوزان والموازنات والتوازن.

 26 – حياة الرّسول الكريم r، كانت قائمة على موازين دقيقة في تعاملاته وأنشطته وتعامله مع الناس، وكان يستمد الموازين من كتاب الله – عزّ وجلّ -؛ فقد كان – عليه الصّلاة والسّلام – قرآناً يمشـي بين النّاس، وفيما يتعلّق بالقراءة الشاملة في أوّل سورة وأوّل آية منها عند نزول الأمر عليه r، لتكون دليل على قوّة وزنها وثقلها في نفس النبي r، وتكوين الأمّة، لأنّها بدونها لا تتصوّر. وقدّم الأمر بالعلم والتوحيد، قال تعالى: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(. (محمد: 19)، أي إنّ العلم قبل العمل، فهو شرط لصحّة الإيمان وغيره. ويُفْهَم أنّ ميزان القراءة الشمول المطلق للكتاب والكون والإنسان، وليس خاصاً بالقرآن أو الدِّين فقط، كما يفهم أنّ ميزانه المستقيم القراءة المستظلة بظلال العقيدة والأخلاق: )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(. (العلق: 1).

 27 – إنّ ميزان التجديد يقوم على التخطيط، والاستفادة من تَجارِب الآخرين والمشورة الدائمة، وضرب الأمثال من السيرة النبوية، والتوسُّع توسُّعاً محموداً في تأصيل مفهوم فقه الميزان من خلال السيرة، وتصـرّفات الرّسول الكريم r، وفقه الميزان الخاص بالحرب؛ من حيث السرية والكتمان والتزام الصحابة بذلك. وظهر أيضاً ميزان الوقار لمن له سبق في الإسلام وقوّة، أو مَنْ شارك في بدر الكبرى، حيثُ عفا النبيُّ الكريم r عن حاطب بن بلتعة الّذي خالف رأي النبي r في الحادثة الشهيرة.

 28 – الموازين ليست واحدة، وقد طبّقها الرسول الكريم r، وأعطانا دلالات واضحة في ضـرورة التنظير والتأصيل في ضوئها، حيث يفهم أنّ ميزان الحرب غير ميزان الدعوة والتعامل مع الآخرين؛ فميزان الحرب هو ميزان الشدّة والغلظة والعزّة على المحاربين، والمناورة والأخذ بجميع الوسائل، طالما أنّها لا تقوم على التنازل عن الثوابت، ووضح ذلك من خلال صلح الحديبية بأمثلة متعددة. وميزان السياسة الشـرعية يقوم على النيّة الصّالحة، وتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وعلى المتغيّرات من حيث الزمان والمكان والأشخاص والتجديد والتطوير والإبداع والقدرة والاستطاعة.

 29 – لكلِّ باب من أبواب الشـّريعة ميزانه، فإذا وزنت به أشياء أخرى، أو باباً آخر، يختلّ الميزان. ولذلك عبّر القرآن الكريم عن العدالة المطلقة يوم القيامة بالموازين (جمع كثرة)، لأنّ الله يحاسب المؤمن حسب ميزانه باعتباره مؤمناً، والكافر الظالم المعاند حسب ميزانه باعتباره كافراً ظالماً بلغته الدعوة فعاندها؛ وهو غير الكافر الّذي لم تبلغه الدعوة، فكل واحد حسب ميزانه، وحتى لو ورد لفظ الميزان مفرداً؛ فيراد به جنس الميزان الشامل للجمع والمفرد.

 30 – لكلِّ حكم شرعي وزنه، ولكلِّ فعل مكلّف وزنه، ولكلِّ شخص وزنه، ولكلِّ زمان وزنه، ولكلِّ مكان وزنه.. فوزن سيّئات العلماء الربانيين القدوة أثقل من سيّئات عامّة النّاس، والعبادة في شهر رمضان – مثلاً -، وفي الحرم، أثقل من العبادة في غيرهما، وإذا لم يعط لكلِّ شيء وزنه الخاص اختلّ الميزان، ومن ثَمَّ اختلّ الحكم والنتيجة.

 31 – ميزان العقيدة غير ميزان أحكام الشّـريعة، وميزان الغيب غير ميزان المشاهدة، وميزان العبادات غير ميزان العادات، وميزان الجهاد غير ميزان الدعوة، والصلح والتعايش، وهكذا كلّ شيء ضمن موازين الإسلام.. وكذلك، فإنّ موازين الماديات مختلف، فميزان الرياضيات غير ميزان الجيولوجيا، وميزان الكهرباء غير ميزان الماء.

 32 – وزن الكليّات غير وزن الجزئيّات، ووزن المقاصد غير وزن الوسائل، ووزن الزنا غير وزن النظر، أو الخلوة، ووزن الشـرك بالله غير وزن بقية الكبائر، ووزن الكبائر غير وزن المحرّمات، ووزن المحرّمات المنصوص عليها غير وزن المكروهات، ووزن الفرض غير الواجب، ووزن الواجب غير وزن المستحب.. وهكذا، ففقه الميزان غير فقه الموازنات، وغير فقه الأولويات، وإنْ كانت بينهما عَلاقاتٌ وطيدة، فمعرفته تفتح أبواب التفقّه في الإسلام على مصراعيها، وبدونها يكون الخلط والاضطراب، والظلم والتعسُّف.

 33 – إنّ واجبنا اليوم هو أنْ يتّفق أهل الأديان جميعاً على التصدّي للعنصـريّة والإرهاب مهما كان مصدرهما؛ فالعنصـرية – في حقيقتها – ضد الإنسانيّة، فيجب رفضها ومحاربتها، وأمّا الإرهاب ففي حقيقته لا دين له، وقد شارك في صناعته المخابرات الدوليّة والإقليميّة، كما أنّه ظهر بين منتسبي جميع أصحاب الشـرائع؛ حيث رأينا الإرهاب من الصرب وهم مسيحيون أرثوذكس، وممّن ينتسبون إلى الكاثوليك في أفريقيا الوسطى، وكذلك الاعتداءات الّتي حدثت في معظم بلاد أوروبا، وممّن ينتسبون إلى البوذية والهندوسية في ميانمار والهند، وممّن يدّعون الانتساب إلى الإسلام من الجماعات المتطرِّفة.

 34 – واجب العلماء أنْ يُبيِّنوا للنّاس أنّ الإرهابَ لا دين له، ولا يجوز تحميل أيّ دين مسؤوليته أو اتّهامه به. وقيادات المنظمات الإرهابيّة مخترقة من المخابرات الدولية والإقليمية، والشّباب هم الوقود والضحية، ولذلك يجب علينا أنْ ننقذهم من هؤلاء الإرهابيين، وأنْ تسعى القيادات الدينيّة لجميع الأديان لتحقيق مزيد من التعاون والتنسيق لكشف مخاطر الإرهاب، وبعده عن الدِّين، وبيان حقائق الدِّين، وأنّ قتل الأبرياء لا يجيزه أي دين، ولا ضمير ولا قانون.

 35 – أثبتت التّجارِب فشل علاج الفكر المتطرّف بالقوّة وحدها، وفشل علاجه بفكر متطرّف آخر، فلا يمكن أنْ يعالج الفكر الديني المتطرّف بفكر علماني متطرّف.. ومن جانب آخر، فإنّه لا بُدَّ أنْ يعلمَ الجميعُ أنّ هناك صحوةً إسلاميّةً كُبرى في العالم الإسلامي، فلا يمكن كبتها والقضاء عليها، وإنّما يجب علينا جميعاً ترشيدها، ودعم الجماعات المعتدلة لتملأ هذا الفراغ، وإلّا ستزداد المنطقة اشتعالاً.

المصادر والمراجع:

  1. الأَزْمةُ المَاليّةُ العَالميّة دِراسَةُ أسْبابِها، وآثارِها، ومُستَقْبَلُ الرأسماليّة بَعْدَها – علاجها من منظور الاقتصاد الإسلامي ـ وكيفية الاستفادة منها في عالمنا الإسلامي، أ.د على القره داغي، ط. دار البشائر الإسلامية 2009.
  2. الاقتصاد الإسلامي وفق فقه الميزان، حوار مع أ.د. علي القره داغي. أجراه: عمر توفيق. https://alqaradaghi.com/
  3. بحث الأسواق المالية في ميزان الفقه الإسلامي، أ.د. علي محيي الدين القره داغي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ع 7, ج 1، سنة 1992.
  4. الحقوق المالية مع تطبيقاتها المعاصرة – ومدى جواز الاعتياض عنها – دراسة فقهية مقارنة، أ.د. علي محيي الدين القره داغي، دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع / بيروت، 2011.
  5. فقه الميزان الإنسانية والتوازن المفقود، د. علي محيي الدين القره داغي، https://www.aljazeera.net/blogs/2023/1/30
  6. فقه الميزان دعوة لبناء المجتمع والحفاظ على الإنسان، علاء الدين ال رشي، https://alqaradaghi.com/
  7. فقه الميزان معياراً لفهم القرآن والسنة، ورفعاً لمواطن الخلل والفرقة، أ.د. علي محيي الدين القره داغي، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
  8. فقه الميزان مفتاح المفاتيح لفهم العلوم الإسلامية والإنسانية، د. علي محمد الصلابي. https://iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=8991
  9. الوجيز في فقه الميزان، كتاب تعليمي تدريبي معياراً لفهم القرآن والسنة ورفعاً لمواطن الخلل والفرقة، أ.د. علي محيي الدين القره داغي، المكتبة الهاشمية.

العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى