الإيمان من مولانا إلى الإنسان المعاصر

في عالمٍ سريعٍ متقلّب، يمسك فيه الإنسان هاتفه أكثر ممّا يمسك قلبه، يعود سؤال قديم في ثوب جديد: كيف نؤمن اليوم؟ وكيف يمكن أنْ يبقى الإيمان حيًّا في زمن العلم والعولمة والشكّ؟

القرآن يفتتح حديثه عن المتّقين بآية عجيبة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ…﴾؛ وكأنّ أوّل شـرط لدخول هذا الطريق هو أن نثق بما لا نراه؛ هنا بالذات يلتقي الإنسان المعاصر بمولانا جلال الدين الرومي، العارف الّذي جعل من الحُبِّ مدرسةً للإيمان، ومن الشِّعْرِ طريقًا إلى الله.. في هذا المقال أودُّ أنْ أسـردَ المفاهيم الايمانيّة، كما يراها جلال الدين الرومي، لذا سأكتفي بعرضِ آياتٍ من الذكر الحكيم، ولن أتطرّقَ الى تفسيرها بقَدْرِ ما أنقل مفاهيم مولانا من خلال أشعاره، واستنباط الأفكار منها.

  1. الإيمان – الإيمان بالغيب:

قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ…﴾ (البقرة، ٣).

يرى مولانا أنّ الإيمان هو العبور من سجن الحسّ والعقل الجزئي؛ حيث يقول:

 العقلُ يقول: الجهاتُ السّتّ حدٌّ ولا طريق وراءها،

 والحبُّ يقول: بَلْ هُناكَ طريقٌ، وقد سلكتُه مرارًا.

أي إنّ الإيمان العاشق يثق بالغيب، ولا يحبس نفسه في قفص المحسوسات.. وفي حكاية موسى والرّاعي، يبيّن مولانا أنّ الأصلَ في الإيمان هو صدق الباطن لا صورة الألفاظ والتصوّرات؛ فيقول ما معناه:

«إنّ اختلاف المؤمن والمجوسي واليهودي؛ إنّما هو من منظور النظر والزاوية»؛ أي إنّ جذر الإيمان في نظرة القلب، لا في ظاهر العناوين واللافتات.

يشبّه مولانا الإنسان كثيرًا بالجنين في بطن أمّه؛ لا خبر له عن عالم الخارج، ولكن عنده ثقة وجوديّة به؛ كذلك الإيمان بالغيب: فالقلب يكتسب «اعتقادًا معيشًا» بعالَم أوسع من الحسّ.

  • الاعتماد – اطمئنان القلب بالله:

قوله سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد، ٢٨).

في نظر مولانا، الاعتماد على الله هو سكون القلب في ذكره؛ كالحالة الّتي يصفها في نَيْح الناي: فِراق واضطراب، ولكن في عمق هذا النّحيب يوجد اتّكاءٌ خفيّ على المعشوق؛ فالناي يصرخ، لكنّه لم ينفصل عن «هو».

وفي حكايات المثنوي، عَلاقة المريد بالمرشد، أو العاشِق بالمعشُوق، هي تمثيل لاعتماد العبد على ربّه؛ فالمريد لا يعلم، لكنّه يتّكئ على «قلب المرشد»، كما أنّ السّالِكَ المؤمنَ لا يفهمُ التّفاصيل، لكنّه يسلّم قلبه لـ«حكمة الحقّ الكلّية».

يقول مولانا: حينَ يستقرُّ الذكر في القلب؛ تجتمعُ المخاوف المتناثرة، وينتقل القلب من الاتّكاء على الأسباب إلى الاتّكاء على «مسبّب الأسباب»؛ فالاعتمادُ هو هذا التحوّل في موضع الاتّكاء.

  • التوكّل – تفويض النتيجة بعد أداء الواجب:

 قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق، ٣).

يصـرّح مولانا بأنّ التوكُّلَ ليسَ كسلًا ولا تواكلًا.. في حكاية العربيّ الّذي لم يَعقِل ناقته وقال: «توكّلتُ على الله»، يروي قول النبيّ ﷺ له: «اعقِلْها وتوكّل»؛ أي إنّ التوكّل في منطق مولانا يكون بعد استعمال العقل والأسباب.. في نظره، فانّ التوكّل هو ترك «التدبير النفسي»، لا ترك تدبير الله في العالم، فالسّالِك يعمل، ويسعى، ويخطّط، لكنّه لا يرهن قلبه للنتيجة؛ بَلْ يسلّم القلبَ لرضا الحقّ.

يرى مولانا التوكّل نوعًا من الخفّة؛ فالمتوكّل كطائرٍ يركب ريحَ لطف الله؛ لا هو من دُعاة الكسل، ولا عبدٌ للقلق، فهو في رِحاب العمل، ومع ذلك في «سكينة التفويض».

قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ…﴾ (الزمر، ٥٣).

في أشعار مولانا، لا يُغلَق بابَ الرجوع أبدًا؛ والبيت المشهور المنسوب إليه هو خلاصة نظرته:

 إنْ كسرتَ توبتَكَ مئةَ مرّة، فارجِعْ،

 فبابُنا هذا ليس بابَ يأسٍ وقنُوط.

فالأملُ شِرْيانُ الحياة في الإيمان، حيثُ يرى مولانا أنّ اليأسَ أكبرُ فخاخ الشّيطان؛ ويكرّر أنّ الذنبَ يمكن أنْ يحترق بشعاع واحد من التوبة، أمّا القنوط فيقتل القلبَ، ويغلق طريق الرجوع.. ومن زاويته، فإنّ «أسوأ الكفر»؛ هو اليأسُ من رحمةِ الحقّ.

مولانا يصوّر اللهَ في حكاياته كطبيبٍ رحيم لا يطرد المريض، بَلْ يكتب له في كلّ مرّة وصفةً جديدة للعِلاج؛ فالأمل الإيماني يعني ألّا ترى نفسك مهمَلًا؛ مهما كان ما جرى، فأنتَ ما زلتَ «تحت علاجِه».

  • المحبّة – الحبّ المتبادل بين العبد والربّ:

قوله سبحانه: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة، ٥٤).

يرى مولانا أنّ الإيمان في جوهره دين الحبّ، فيقول:

«مِلّةُ العشقِ منفصلةٌ عن كلّ دين،

فدينُ العاشقين ومِلّتهم هو الله».

أي إنّه في قمّة السّلوك، يرتقي الإيمان من مستوى الخوف والمعاملة إلى مستوى الحبّ الّذي لا شرط له.. فالحبُّ في (المثنوي)، و(ديوان شمس)؛ هو «البرهان»، وهو «الطريق»، وهو «النتيجة» في آنٍ واحد؛ العقل يتتلمذ بين يدي الحبّ؛ والإيمان الكامل هو حين يحبّ القلبُ اللهَ، لا حين يخشاه فقط، أو يطلب حاجاته منه. ومولانا يرى الحبَّ نارًا تحرق الأصنام الباطنة (عبادة النفس، عبادة الشّهرة، عبادة المال)؛ فالإيمان العاشق يعني أنْ «يُزال كلّ ما سوى الله من مركز القلب»

  • الخضوع – تواضع القلب والجسد:

قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ…﴾ (الأنفال، ٢).

يفرّق مولانا بين «سجدة الجسد»، و«سجدة القلب»؛ فيرى أنّ كثيرين يضعون جباههم على التُّراب، لكنّ الخاضع حقًّا؛ هو من ينحني قلبه لا عنقه فقط، فالخضوع هو انكسار الكِبر، لا مجرّد انحناء البدن.. ففي حكايات فرعون وموسى، أو إبليس وآدم، يبيّن مولانا أنّ الفارقَ الجوهريَّ، هو الكِبر مقابل التواضع؛ فإبليس عنده عبادة كثيرة، لكن لا روح للخشوع في باطنه؛ أمّا آدم فعنده زلّة، لكنّه يسجد سجدة الاعتراف والتوبة. فمولانا يعدّ الانكسارَ القلبيَّ رأسَ مال السّالِك؛ ويُكرِّر أنّ «الكنوز في خراب القلب»، والخضوع هو هذا بالذات: أنْ يُفرَغ القلبُ من دعوى العظمة، ليُعمَر بحضور الله.

  • التسليم – تفويض الكيان كلّه لله:

قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ…﴾ (لقمان، ٢٢).

في منطق مولانا، التسليم هو تسليم تدبير الحياة الكلّي لله؛ كمَيْتٍ بين يدي الغسّال:

«كُنْ مَيْتًا لأُحيِيَكَ من جديد»؛ أي إنّه ما لم تُسقِطْ نفسَك من يدك، لن تُنفَخ فيك صورةٌ جديدة من الحياة.. والبيت الآخر المشهور في معناه: «كان القلمُ يسـرع في الكتابة، فلمّا دخل إلى وادي العشق، شقّ نفسَه وتوقّف».. هو تصوير لهذا التسليم: فالقلم، أي عقلُكَ الجزئي، حين يبلغ وادي العشق، يكفّ عن كتابة السيناريو وحده، ويسلّم لله؛ فالتسليم عند مولانا ليس سلبيةً ولا تعطيلًا للإرادة؛ بَلْ هو مقترنٌ بالإحسان، وبذل الجهد؛ فالعبد يبذل وُسعه، ولكن اتّجاه هذا البذل هو تسليمُ الإرادة لله؛ فلا يعود هو «مركز العالم»، بَلْ يرى نفسَهُ جزءًا من تدبيره سبحانه.

لقد كشف مولانا في «ديوان شمس» حقيقة الإيمان في أبياتٍ خالدة، يقول فيها:

 أنا مصوِّرٌ نقّاش، في كلِّ لحظةٍ أصنعُ صنمًا،

 ثمّ أذيبُ جميعَ تلك الأصنام بين يديك،

 أُثيرُ مئةَ صورةٍ وأمزجها بالرّوح،

 فإذا رأيتُ صورتَك ألقيتُها في النار.

هذه الأبيات ليست وصفًا لفنّان وحسب، بَلْ هي وصفٌ لكامل نفسِ الإنسان، فالإنسانُ، في نسبته إلى الله والحقّ، كائنٌ لا يكفّ عن صناعة الصُّور، ولا يكفّ عن قلبها. الإيمان ليسَ صُورةً جاهزة، ولا قضيّةً منطقيّة، بَلْ هو عمليّةُ رسمٍ للصُّورِ وإحراقٍ لها، والإنسانُ هو صانعُ الأصنام وهادمُها في آنٍ واحد؛ هو خالقُ الصُّوَر ومُذيبُها معًا. ومن هنا يقومُ منظورُ هذا المقال على أساسٍ بسيطٍ وعميقٍ في الوقت نفسه:

الإيمان ليس شيئًا جامدًا، بَلْ تيّارٌ جارٍ.

الإيمان ليس ثباتًا ساكنًا، بَلْ حركةٌ دائبة.

الإيمان لا يُنالُ مرّةً واحدة، بَلْ يُستحصَل في كلِّ لحظةٍ من جديد.

ولأنّ الإنسان في حركته أمامَ الحقيقة متحوِّلٌ دائمًا، فإنّ تديُّنه أيضًا ليس واحدًا ولا مستويًا. ولفهم التديّن فهمًا أدقّ، ينبغي أنْ نقسّمه إلى أربعة أنماطٍ أساسيّة:

تديُّنٌ عامّي، وتديُّنٌ مصلحي، وتديُّنٌ معرفي، وتديُّنٌ تجريبي.

وفيما يأتي نحاول أنْ نفهمَ هذه الأنماط الأربعة في ضوءِ صُورة مولانا نفسها؛ أي «صناعة الصُّور وإحراقها»، لنُبيّن أنّ كلّ واحدٍ من هذه الأنماط هو في الحقيقة نوعٌ خاصٌّ من النِّسبة بين الإنسان والصُّور والحقيقة.

أوّلاً:- الإيمان بوصفه تيّارًا:

إذا فهمنا الإيمان بوصفه «تيّارًا»؛ لم نعد نستطيع اختزاله في بضع جُمَلٍ أو عبارات عقَديّة، فالأمر بالإيمان لا يعني مجرّد التلفّظ بمعتقدات، بَلْ يعني الدّخول في مسارٍ دائِم من التحوّل: أنْ تبنيَ في نفسِك قِيَماً جديدة، وأنْ تتخلّى عمّا لا ينسجم معها؛ أنْ تُوسِّع فهمَك، وأن تراجع أفكارك القديمة؛ أنْ تتعلّقَ بما يسمُو بك، وأنْ تنفصل عمّا يشدّك إلى الوراء. وفي هذا الأفق، يكون الإنسان دائمًا في ثلاث عَلاقاتٍ أساسيّة:

  1. علاقته بالعالم:- فنحنُ لكي نجعلَ العالمَ مفهومًا، لا نزال نصنع له صُورًا؛ عن الخير والشرّ، والمصير، والعدل، والألم، والموت. هذه الصُّور تمنحنا سَكينةً ما، لكنّها تظلّ ناقصة دائمًا.
  2. علاقته بنفسه:- نحنُ نعرِّف «أنفسنا» من خلال الأدوار والهويّات: مؤمن، عالم، عارف، مناضل، موظّف، أب، أُمّ… كلُّ واحدةٍ من هذه ليسَتْ إلّا صُورةً من أنفسنا، لا الحقيقةَ الكاملة لنا.
  3. علاقته مع الله:- صورةُ الله في أذهاننا أيضًا ليست ثابتة؛ أحيانًا إلهٌ مراقِبٌ حاكِم، وأحيانًا إلهٌ قريبٌ رحيم، وأحيانًا إلهٌ بعيدٌ فلسفيّ، وأحيانًا إلهٌ يفرّ من كلِّ صورةٍ وتعريف.

الإيمان في هذا المنظور؛ هو تعلّمُ فنِّ العيش بين هذه العَلاقات الثّلاث؛ أي قبولُ أنّ أيَّ صُورةٍ عن العالَم أو النفس أو الله؛ ليسَتْ نهائيّةً مطلقة، والاستعدادُ لأنْ نلقي في النّار – في كلِّ لحظة – الصُّورةَ الّتي صنعناها، إذا قصَّرت عن أنْ تُواجِه الحقيقة.

ثانياً:- التديّن العامّي: الإيمان بوصفه عادةً:

ما نسمّيه هنا «التديّن العامّي»، هو في الحقيقة ذلك النّمط من التديّن الّذي يكون فيه الإيمان «ميراثًا» أكثر ممّا هو «اختيار». في هذا المستوى من التديّن، يتلقّى الإنسان الدِّين كما يتلقّى لغته الأمّ، من غير أنْ يسأل لماذا هذا الدِّين لا دينٌ آخر؟ ولماذا هذا المذهب لا غيره؟ فالعبادات، والأدعية، والطقوس، والشعائر، تحضـر في الغالب في صُورةِ عادةٍ جماعيّة أكثر من كونها وعيًا شخصيًّا، والصّلاة موجودة، والصّوم موجود، والزِّيارة موجودة، والمجالس والهيئات قائمة؛ لكن في كثيرٍ من الأحيان لا يقفُ خلفَ هذه الممارسات سؤالٌ عميق. الدِّين هنا جزءٌ من «نمط الحياة»، لا مشروعٌ لتغييرها من الجذر.

في التديّن العامّي: يكون لله غالبًا وجهٌ بسيطٌ مألوف؛ كائنٌ يراقب ويُثيب ويُعاقب، يجب أنْ نُرضيه لكيلا ينزل البلاء، ولكي تمضـي الأمور بسلاسة، والأصنام تتجلّى في صورة التقاليد، والعصبيّات المذهبيّة، والقوميّة، والشخصيّات المقدَّسة؛ لكنّ الفرد غالبًا لا يلتفت إلى أنّ هذه الأشياء تحوّلت إلى أصنام.

هنا تتّضح صورة مولانا، فالصوّاغُ الرسّام، في مستوى التديُّن العامّي، يصنعُ صورًا كثيرة، ولكنّه لم يكتسب بعدُ جرأةَ إذابتها.. إنّ الشكَّ والسُّؤالَ في هذا الأفق يُنظَر إليهما في العادة بوصفهما خطرًا، لا بوصفهما بدايةَ الطريق.

ثالثاً:- التديّن المصلحي: الإيمان بوصفه رأسمالًا:

في التديُّن المصلحي يبتعد الإنسان عن مستوى العادة الصـِرف، لكن لا بالضّرورة في اتّجاه الحقيقة، بل في اتّجاه الوظيفة والمنفعة، هنا يتحوّل الدِّين إلى رأسمال:

  • رأسمالٍ أخلاقيّ لكسب ثقة الآخرين؛
  • ورأسمالٍ اجتماعيّ للحضور في الجماعة والانتماء؛
  • ورأسمالٍ سياسيّ للهيمنة أو التأثير؛
  • ورأسمالٍ نفسيّ لتخفيف القلق والخوف من المستقبل.

في هذا الأفق، ليس السؤال الرّئيس: «هل هذا الاعتقاد صادقٌ أم لا؟»، بَلْ: «هل ينفعني هذا الاعتقاد أم لا؟»، الإيمان يُصْبِح شَكْلًا أرقّ من أشكالِ المعاملة: أنْ أُؤدّي ما عليّ من واجبات، وأنتظر في المقابل من الله والدِّين أنْ يوفّرا لي النُّصـرة، والأمن، والرّفاه، والجاه، وسائر المنافع!

في مثل هذا التديّن: لم تَعُد الأصنامُ حَكْرًا على التقاليد والقوميّة؛ بَلْ يمكن أنْ تتحوّل «المصلحة»، و«السُّمعة»، و«حفظ النظام»، و«الوحدة الظاهريّة»، و«المصالح الفئويّة» كلُّها إلى أصنام؛ وقد يُحطِّم الإنسان بعض الصُّور القديمة، لكن لا بدافع الحبّ للحقيقة، بَلْ لبناء صورٍ أكثر نفعًا وفعاليّة.

من منظور مولانا، هذا هو الموضع الذي يحرق فيه الصوّاغُ كلَّ مرّةٍ صنمًا، ولكن ليس بين يدي «أنت» (أي الحقيقة)، بَلْ بين يدي المصلحة؛ فتُقدَّم الأصنامُ قربانًا لأصنامٍ أكبر، لا للحقيقة الّتي لا صُورةَ لها.

رابعاً:- التديّن المعرفي: الإيمان بوصفه فَهْمًا:

الخطوة الثالثة هي التديّن المعرفي؛ حيث لا يكتفي الإنسان بـ«امتلاك دين»، بل يريد أن يفهم هذا الدين، ففي هذا الأفق يصبح الإيمان قضيّةً فكريّة:

  • ما الله؟ وما علاقته بالعالَم؟
  • كيفَ يقعُ الوحي؟
  • كيفَ يَنْبغي قِراءة النصوص المقدّسة؟
  • أيُّ القراءات للدِّين أكثر إنسانيّةً ومعقوليّةً؟

العقل، والفلسفة، وعلم الكلام، والتفسير، والعلوم الإنسانيّة، والتَّجْرِبة التاريخيّة، كلُّها تُستَخدَم لصناعة صُورٍ أدقّ وأكثر اتّساقًا عن الدِّين. وفي التديُّن المعرفي، لم يَعُد التطرّفُ الخام للتديُّن العامّي مقبولًا؛ كما تفقدُ النزعةُ المعامليّة في التديّن المصلحي قيمتَها.

هنا يبدأ الإنسان في نقد الصُّور، يُعيد النظر في الصُّور الطفوليّة عن الله؛ ويضع القراءاتِ العنيفة أو التمييزيّة للنصوص الدينيّة تحت السؤال؛ ويميّز بين الدِّين كتَجْرِبةٍ حيّةٍ والدِّين في التّاريخ.

رسّامُ مولانا في هذا المستوى لا يزال يصنعُ الصُّور، ولكن الصُّور تنشأ من قلب التأمّل والاستدلال؛ وإذابةُ الأصنام تَتِمُّ عبر النقدِ العقليّ، والدراسة التاريخيّة والفلسفيّة، ومع ذلك تبقى هناك خطورة، وهي أنْ يُسْجَن الإنسانُ في «صُورةِ المعرفة» نفسها؛ فيحلَّ «العِلم» محلَّ «الإيمان الحيّ»، وتتحوّل المعرفة من جِسْـرٍ للتَّجْرِبة الحقّة، إلى صنمٍ جديد: صنم النظريّات والمنظومات الفكريّة.

خامساً:- التديّن التجريبي: الإيمان بوصفه ذَوْقًا:

في التديُّن التجريبيّ يتجاوز الإنسانُ مرحلةَ «المعرفة» إلى مرحلة «الذَّوق»، هنا تلتقي هذه الرؤيةُ التديّنيّة اتّصالًا عميقًا بالعِرْفان والسّلوك الباطنيّ.. المتديّنُ التجريبي يقول:

  • قد علمتُ أنّ لله وجودًا؛
  • وتأمّلتُ في كيفَ يرتبطُ العالَمُ به؛
  • ولكن ما لم «أَذُقْه»، لن تسكنني هذه المعارف.

في هذا الأفق، فإنّ العبادةَ ليسَتْ مجرّد «أداءِ واجب»، بَلْ هي تمرينٌ على الحضُور؛ والقرآن والدُّعاء ليسا فقط «نصًّا مكتوبًا»، بَلْ مجالًا للكلام والاستماع بين الإنسان وربّه؛ والذِّكر ليسَ تكرارًا آليًّا للألفاظ، بَلْ تذكيرٌ دائمٌ بحضورٍ هو دائمًا موجود، وإنْ كُنّا نحنُ الغافلين عنه.

هنا تُصبِح الصُّور أقصـرَ عمرًا، فكلُّ صورةٍ تُنْشئها عن الله سرعان ما تكتشفُ أنّها لا تكفي؛ وكلُّ تعريفٍ تُعطيه للإيمان يضيق عليك غدًا؛ وكلُّ فهمٍ للقرآن والسنّة تبلغه، يحتاج – في ضوء التَّجارِب الجديدة – إلى قراءةٍ من جديد.. وهذا هو بالضّبط الموضع الّذي يقول فيه مولانا:

 فإذا رأيتُ صورتَك، ألقيتُها في النّار

في التديُّن التجريبي، تتحوّل الحقيقة إلى «أنت»؛ لا تعود مفهومًا مجرّدًا، بَلْ مخاطَبًا حيًّا؛ ويدرك الإنسان أنّ كلَّ الصُّور، مهما دقّت وعمقت، ناقِصةٌ بإزاء الحقيقة نفسها؛ ويغدو الإيمان، بدل أنْ يكونَ «شيئًا نملكه»، حالًا يَقدُم ويذهب، يشتدّ ويخفت، وعلى الإنسان أنْ يهيِّئ نفسه لقبوله بالمجاهدة والمراقبة.

إنّ نارَ الحقيقة – في هذا المقام – لا تحرق الأصنام فحسب، بَلْ تُحوّل صانع الأصنام نفسه؛ فلا يعود الإنسان قادرًا على أنْ يعامل نفسَه والعالَم والنّاس كما كان من قبل.

سادساً:- العبور بين الأنماط: الإنسان المتحوِّل:

المهمّ أنْ نُدْرِكَ أنّ هذه الأنماط الأربعة من التديُّن ليسَتْ طبقاتٍ اجتماعيّةً منفصلةً تمام الانفصال، فالإنسانُ، في مسار حياتِه، بَلْ في يومٍ واحدٍ أحيانًا، قد يتنقّل بين هذه المستويات الأربعة:

  • ففي سلوكه اليوميّ يكون عاميًّا؛
  • وفي مواقفه الاجتماعيّة والاقتصاديّة؛ قد يعمل بعقليّة المصلحة؛
  • وفي قراءته وتفكّره يتحرّك في أفق التديُّن المعرفي؛
  • وفي لحظاتٍ خاصّةٍ من الدُّعاء أو الصّلاة أو الوحدة أو الألم يقترب من أفقِ التَّجْرِبة.

إنّ هذا التقسيمَ موجَّهٌ قبل كلِّ شيءٍ إلى وعينا بأنفسنا، لا إلى الحُكْمِ على الآخرين، لكي نرى في أيّ أفقٍ نقفُ الآن، وكيف نصنع صُورَنا، وأيّ الأصنام لم نجرؤ بعدُ على إذابته.

فإذا فهمنا الإيمان بوصفه «تيّارًا»، فلن يكون التديُّن مشـروعًا منتهيًا مكتملًا، بَلْ طريقًا مفتوحًا دائمًا، وقد نكون الآن في المستوى العامّي، لكنّ باب التعلّم والتَّجْرِبةِ أوسعُ من أنْ يُغلَق؛ وقد نكون عالقين في حسابات المصلحة، لكنّ الصدق مع النفس يمكن أنْ يدفعنا إلى أسئلةٍ أعمق؛ وقد نغرق في المعرفة النظريّة، لكنّ الفقر الروحيَّ والظمأَ الداخليَّ يدعواننا إلى تذوّق الحقيقة.

سابعاً:- الخلاصة: من الصُّورة إلى ما لا صُورة له:

يروي مولانا في الأبياتِ القليلة مصيرَ إيمان الإنسان، فنحن مُضطرّون إلى صناعة الصُّور؛ ومُضطرّون إلى التعلّق بتلك الصُّور؛ ومُضطرّون إلى الألم، حين نكتشف أنّ هذه الصُّور لم تَسَعِ الحقيقةَ في داخلها.

إنّ الإيمانَ، في أعمق معانيه، هو فنُّ العيش داخل هذا الألم؛ ألمُ البناء والهدم، ألمُ العِلم والجهل، ألمُ الامتلاك من غيرِ تملُّكٍ قلبيّ.. والتديُّن العامّي، والمصلحي، والمعرفي، والتجريبي، هي أربعُ صورٍ لهذا العيش، ولا يمكن إلغاءُ واحدٍ منها ببساطة؛ فحتى العارفُ الكبير له أيّامٌ ينزلق فيها إلى العادة، أو يقع فيها أسيرَ المصلحة، أو يُحبَس في فهمه هو.

المهمّ هو اتّجاه الحركة، هل نزدادُ كلَّ يومٍ قدرًا يسيرًا من شجاعة إذابة أصنامنا؟ هل نجرؤ على أنْ نضعَ أنفسنا أمام الحقيقة الّتي لا صُورة لها، بدل التمسّك بصُور الدِّين وحدها؟، هَلْ يكون الدِّين لنا مِيراثًا ورأسمالًا فحسب، أم طريقًا لتذوّق الحقيقة، والعيش في حضرة «أنت»؟

 إذا كان جوابنا عن هذه الأسئلة يميل – ولو قليلًا – نحو الحقيقة، جاز أنْ نقول إنّنا قد دخلنا في تيّار الإيمان؛ ذلك التيّار الّذي لخّصه مولانا في بيتٍ واحد:

 أنا مصوِّرٌ نقّاش، في كلِّ لحظةٍ أصنعُ صنمًا،

 ثمّ أذيبُ جميعَ تلك الأصنام بين يديك.

 تلك مُقدِّماتُ التجرِبةِ الدينيّة؛ لماذا لا وجودَ لطريقٍ مُختصَر؟

 لا تحصلُ تَجْرِبةٌ دينيّةٌ أصيلةٌ من غيرِ مُقدِّمات؛ فلا وجودَ لطريقٍ مختصَـر.. إنّ أهلَ السّلوكِ والحكمة، عبرَ التاريخ، قد دلّوا على هذا الطّريق: التفكّر، المراقبة، الذِّكر، الصِّدق، تهذيبُ النيّة، الصّمت، الحضور، الصّبر، وتخفيفُ القلبِ من العلائق.

 إنّ جميعَ التجاربِ الدينيّة الكُبْرى – من تَجاربِ الأنبياء إلى مكاشفاتِ العارفين – إنّما ظهرت في ظلِّ هذه المقدّماتِ نفسِها، ولم تستطع أيُّ حضارةٍ أو تقنيّةٍ حديثةٍ أنْ تُغني عنها أو تحلَّ محلَّها؛ لأنّ التَّجْرِبةَ الدينيّة هي مواجهةٌ مع الأمرِ اللاصوريّ، وهذا الأمرُ اللاصوريّ لا ينكشفُ إلّا في قلبٍ خفيفِ الأحمال.. وهذا ما يعبّر عنه مولانا بقوله:

زان پیش که آیینهٔ دل صاف کنی

نقشِ دو عالم ز دل پاک کنی

أي: قبلَ أنْ تجلوَ مرآةَ القَلْبِ، امحُ من القَلْبِ نقشَ العالمَين

 ومن هنا يمكن أنْ يُقالَ: إنّ الإيمانَ ليسَ امتلاكاً بَلْ حركة؛ الإيمان ليسَ نقشاً بَلْ فعلَ النَّقش؛ الإيمان ليسَ صُورةً بَلْ عبوراً من الصُّور.. فالإنسانُ مُصوِّرٌ نقّاش: في كلِّ لحظةٍ يصنعُ صنماً، وفي كلِّ لحظةٍ يذيبه في نارِ الحقيقة، لعلّهُ يوماً ما يُبصِرُ اللاصُورة..

لماذا الإيمان اليوم أصعبُ وأثمنُ؟

 في العالَم العلمانيّ اليَوْم، الإيمانُ الموروث لم يَعُد كافياً، والإيمانُ الاجتماعي لم يَعُد كافياً، والإيمانُ التَّقليدي لم يَعُد كافياً.. في هذا العالم، لا الفلسفة تُسند الإيمان، ولا التقاليدُ اللاهوتيّةُ المُنغلقة.

 إنّ إيمانَ اليوم لا يبقى حيّاً إلّا بشـيءٍ واحد، وهو تَجْرِبةٍ دينيّةٍ مُتجدِّدةٍ مرّةً بعد مرّة، وصياغةِ كلامٍ جديدٍ مُستَنِدٍ إليها.

 يقول مولانا:

تارةً يجيئك كأنّهُ وردةٌ، وتارةً خفيّ، وتارةً ذئبٌ؛

وأنتَ في غفلتِك تظنُّ وجهَه كمالاً من الأوّل.

أي إنّ طريق الإيمان؛ هو السَّير في الذهاب والإياب بينَ النُّور والظِّلّ.

 إنّ إيمانَ اليوم يحتاج إلى لُغةٍ جديدة، ويحتاج إلى تَجْرِبةٍ جديدة، ويحتاج إلى لقاءٍ جديد.. ولكن هاهُنا بالذّات تُظْهِرُ صعوبةُ الإيمان شرفَهُ الجديد؛ لقد كان إيمانُ الأمسِ يقومُ على أكتاف القبيلة والمدينة والعادات، فإنْ لم تُفكِّر أنتَ، فكّرَتِ الجماعةُ عنك، أمّا إيمانُ اليوم، فهو اختيارٌ واعٍ لإنسانٍ يعرف خبرَ تهاوي اليقينات، وقد ذاق طعمَ الشكّ، وواجه العلمَ والفلسفةَ والنِّسبيّة، ومع ذلك كلِّه، يُقرِّر مرّةً أُخرى أنْ يقفَ «في جهة المعنى» لا في جهة العَدَم.

 أنْ تُؤْمِنَ اليوم يعني أنْ تقبلَ حركةَ النُّور والظِّلّ في أعماقك، من غيرِ أنْ تَفِرَّ من الأسئلة؛ لا أنْ تُغمِض عينيك عنِ الظّلام، بَلْ أنْ تعبُرَه راجياً لقاءَ نُورٍ أعمق.

 من أجل ذلك، إنْ أُوتِيتَ إيمانَ اليوم، كان أندرَ، وأشدَّ شخصيّةً، وأكثرَ تحمّلاً للمسؤوليّة.. وربّما لذلك بالذّات، يكون في ميزانِ الحقيقة أثقلَ وزناً من كثيرٍ من صُورِ إيمانِ الأمسِ الموروثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى