تأمّلات في فلسفة الحياة
(1)
الوعي أرجح وزناً مع الحب
للطَّيرِ سِرٌّ يُغْري بالحَسَد، إذ تتحاشى التّفكير في الشّجر والجذور، تمضي خفافاً، قنوعة، وتعود سعيدة تغنّي أنشودة الحياة.. والحال أنّ أيّ حياة مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إنْ رويت بصدق.
في الواقع تُصْبِح كلّ الأفعال المتحقّقة مرفوضةً تخلو من كلّ ما يريح الروح، لهذا لا بُدَّ أنْ يحلم المرء بمدينة نائية، طيّبة، فاضلة، يعلّق عليها كل ما حرم منه من إنسانيّةٍ وعدالة، ينشد فيها الخلاص من تضخّم «أنا» الحضارة.. ينشد روحيّة إنسانيّة، مدينة فاضلة، جمهوريّة مثالية، تنتهي عند بوابتها رحلة الشّقاء.. لكن (وايتهيد) يتنبّه إلى أنّ الإنسان سينتهي، وتنتهي أحلامه، إذا بلغ الحقيقة، وتحقّق الحلم؛ فيجعل الطّريق إلى الحقيقة أجمل بكثير من بلوغها.. فالحياة رحلة البحث عن الأمل المفقود، وبدونها لم يكن بإمكاننا العيش.. فالحضارة ولدت من هذا الحلم؛ أخذت أحياناً شكل المدينة الفاضلة «الفارابي»، وأحياناً الجمهوريّة المثالية «أفلاطون».. وأحياناً تأخذ شكل ذلك المرتفع العالي الّذي يرتفع أكثر فأكثر كلّما ظنّ المتسلّق على سفوحه أنه اقترب من الوصول.. إنّها الحكاية الطّريفة عن العجوز وزجاجة الخلّ والجنّي؛ فالعجوز كانت تئنّ طوال الوقت من ضيق الزجاجة، وحين سمعها الجنّي حقّق حلمها في الإقامة في بيت كبير وهادئ.. لكنّها عادت إلى الشّكوى مرّةً أخرى، لكن من العزلة والهدوء هذه المرّة.. فأخذها إلى المدينة الصّاخبة، ومع ذلك لم تكفّ عن الشكوى.. فأعادها الجنّي أخيراً إلى زجاجة الخل.. فكلنا يقيم – بشكل أو بآخر – في زجاجات قد تكون مليئة بالخلِّ أو الزيت أو الماء أو العطر أو أيّ سائل آخر.. وكلّنا نحلم بواقع، بهدف، لكن سـرعان ما نشكو من الوصول، ونبدأ بالحلم من جديد.. ورُبّما تأخذنا الأحلام إلى المدينة المحرّمة من جديد.. فهل نجد في القراءة بحثاً موازياً عن الحقيقة؟ أم أنّنا نبحث عن محطّات جديدة نتزوّد بها بقليل من الزّاد والماء والرّاحة لنواصل السّير؟!
(2)
القبض على اللحظة الهاربة
في مدينة الفارابي الفاضلة، وقريباً من محطّة اللّغة، التقى المعنى بالمفهوم، قائلاً له بتودّد: قبل تزييف الحقيقة، كنّا أنا وأنت واحداً، نغنّي أغنية الوجود على ساحل القدر، ونستعين في صياغة لحنها العالي على إحساسنا بوهج الروح.. كنتُ في عتمتي أقدّرُ قيمة ما عندك من محمولات النُّور.. كِلانا يا صديقي نعاني أزمة القلق الوجوديّ الّذي هو ضريبة خروجنا عن نسقِ الدَّلالة، وتحمّل قسوة الزمن ولحظاته الهاربة من حياتنا، وتحويل صداها الباقي إلى نغمة تصاغ في الذاكرة، تكتبها بذوق رفيع يصلُ إلى ذروة المشاعر والإحساس بمُتعة الحياة، تلك الّتي ضاقت مساحة وجودنا فيها مع تسارع إيقاع الزمن، وعدم توازننا في أمواجه المذهلة.. حسناً، من الممكن ألَّا نعود إلَّا ونحنُ قلمٌ جفَّ حبره عن الكتابة بعد أنْ خطّ أولى الكلمات.. لذا، فالكتابة تشبهنا تماماً؛ نقطر فيها من أرواحنا تفاصيل الوجوه، تسلبنا الكثير من الأقنعة الّتي لبسناها أمام مرآة الحياة بكلّ تخفٍّ وغموض.. وأنا الآن أفعل الشـيء نفسه حينما كنت طفلاً.. كأنّ السنين توقّفت.. كلّ شيء كما كان.. كنتُ أمدُّ يدي في المساء لألتقط نجمة الثريا، الّتي كنت أراها قريبة منِّي.. كنت أعدّ النجوم، ولا أحصـي منها إلّا عشـراً.. أستنشق بعمق رائحة جدّتي الّتي تنام بجانبي، وأستانس بسماع قلبها يغنّي.. في الصّباح الباكر أنهض مُسْـرِعاً لأرى حدود كوني الّذي لا يتجاوز البيت والفناء، وبعضاً من أشجار التين والعنب والتّمر.. عندها أعود إلى أمّي واقفاً متأمّلاً فيها، لاستردّ حماسي ويقيني وإيماني بالآتي، وأسمع من جديد جرس الحياة.
(3)
ونحن في هواها نخالف الإعراب
نجترّ نفس السنين، وعلى أوتار الحنين ننشـر همومنا عند باب الزّمن.. خلعنا الحقائق، وانتعلنا الأوهام.. نهضتنا مبنيّة للمجهول، وأفكارنا ممنوعة من الصّـرف.. نعيش حضارتنا المكسورة بضمِّ جراحها، وها نحنُ في هواها نخالف الإعراب.
ننام فوق التراث، ونلتحف الأحلام.. تعطّلت سفننا فوق صخور الواقع، وصِـرْنا نستجدي قوارب النّجاة من الغرب، الّذي غابت شمسنا في آفاقه البعيدة.. رسبت همومنا في امتحان العقل، وقسمتنا لا تحتملها رياضيّات الرّوح.. سقطت قيمنا في قاع المحيط العالمي المظلم، وصـِرْنا لا نرى حتّى النهار.
وليسَ يصحُّ في الأذهانِ شيء إذا احتاج النَّهارُ إلى دليل
خرجنا عن مسطور الكتاب العظيم، ومدلوله الوجداني الرحيم؛ ذلك النصّ الّذي يبلغ الأرواح، ويخاطب العقول، ويُقرأ عبر صفحات القلوب.. يصطاد الحقيقة في الماء، أو في الصّحراء، أو في النّظر إلى السماء..
تلك هي الحقيقة الحسابيّة الّتي لا تقبل التعويض.
(4)
عصر فوضى الفكر الكونية
حين أتت السبع العجاف على سنابل حقل الروح، تسلّل غول الجدب الضّمير..
من موسيقى الأسئلة الموؤدة، والأمل المصلوب، تنتفض الحقيقة.. هكذا تبدو الإنسانيّة حين يفخر طينها بنار الحروب.. نشدّ وثاق الحروف، ونبحث عن الحاء، وعلى شاطئ الليل تبكي الألف حزن الضياع.. فلأبجديتنا المشتّتة أحاول أنْ أرسم لغة واحدة، فتخونني الكلمات.. أضـرم الجمر بأهداب الحروف.. أجمع ما تناثر بذات المشجب الّذي فرّقنا يوماً ورحل.. قصائدنا ما تزال مخضّبة بالتمرّد، تفرض الجزية على الكلمات، تردّد أغاني الموت لتنتفي الحياة.. فمنذ باديتنا الأولى أدمنّا الرحيل، لنترجم ما في الرّمل من أحزان، ونعقر للأمنيات الشجون.. نجفّف أحزاننا الماضية في شتاء دامع عند ساحل اللِّقاء.. فاستوقفنا الدّهر طويلاً، ثمّ قال: حدّثوني عن نشأتكم الأولى؟ لكنّنا قبل أنْ نجيب، شكا الدهر مرارة الانتظار.
فذرونا نغنّي، أعيادنا حبر كتابة، وحروفنا قوس ربابة تعشق هذا الوجود.
(5)
يوتوبيا الوجود وصيرورة العالم
ترتبط الأشياء والأشخاص بشبكة خفيّة من القوانين والأنظمة المعقّدة «سقوط ورقة التوت مثلاً»، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه [فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون].. فالعالم الّذي نعيش فيه يتحدّث لنا بلغة الصّمت، وينكشف لنا، لكن بلعبة التخفّي.. كما أنّ مبدأ ترابط الموجودات لا يتحقّق إلّا وفق قاعدة لا ضـرر ولا ضـرار، بينما مبدأ ترابط البشريّة الإنسانيّة يخضع لقاعدة الرّحمة: (ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء)؛ الرّحمة حتّى في القول «الكلام»، خاصّة أنّ الكلمات الّتي تصدر منّا لا تختفي، بَلْ تظلّ في الفضاء اللانهائي، وستعود إلينا يوماً ما لنسعد أو نحزن؛ فالكلمة الطيّبة صدقة، والجزاء من جنس العمل، فمعاناة إنسانٍ واحد تُؤذينا جميعاً، وسعادة إنسانٍ آخر تجعلنا ننعم بالسَّعادة.
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون