قراءة في كتاب (​بين مطرقة “البعث” وسندان “الجغرافيا”… قراءة في ملحمة النزوح الكوردي (1975 – 1991))

الاستهلال: حين يكتبُ الدمُ التاريخَ..

 ​ليست رسالة الباحث صباح محي الدين أمين مجرّد جهد أكاديمي لنيل درجة علمية من جامعة المنصورة العريقة، بَلْ هي “وثيقة إدانة” تاريخية، استطاع فيها الباحث أنْ يُحوّل الأرقام الجافّة والجداول الصّامتة إلى صـرخات إنسانيّة مسموعة.. في هذه الدِّراسة، يتوقّف الزّمن عند جبال كوردستان، ليحكي قصّة شعبٍ لم يكتفِ القدر بامتحانه بجغرافيا وعرة، بَلْ سلّط عليه أنظمةً سياسية انتهجت “هندسة البؤس” وسيلةً للحكم، و”النزوح الجماعي” سلاحاً للإبادة.

كان الكورد يخسـرون ديارهم مرّتين: مرةً حين يُهجَّرون منها بالقوّة، ومرّةً حين تُمحى ذاكرتهم عنها بالتزوير.. والرِّسالة الّتي بين أيدينا اليوم هي شاهد علمي رصين على هذه الجريمة المزدوجة.

ليس ثمّة في الدِّراسات التاريخية العربية كثيرٌ ممّا يجمع بين دقّة الإحصاء ومأساة الإنسان، بين صـرامة المنهج وعمق الجرح الإنساني، غير أنّ هذه الرِّسالة الّتي بین ٲیدینا تحقّق هذا الجمع النادر بأسلوب يستوقف كلّ مشتغل بالتاريخ المعاصـر، أو مهتمّ بقضايا حقوق الإنسان.

إنّها رسالة تحكي عن ملايين البشـر الّذين خسروا بيوتهم وأرضهم وذاكرتهم الجماعيّة في فترة لم تتجاوز ستة عشـر عاماً من أشدّ سنوات التّاريخ العراقي الحديث اضطراباً؛ وهيفي الوقت نفسه – وثيقة علميّة صارمة، تُخضع هذه المأساة لمنهج تحليلي مقارنٍ وإحصائي متكامل، ممّا يجعلها مرجعاً لا غنى عنه لكلِّ باحثٍ أو صانع قرار أو مثقّف يريد أنْ يفهمَ ما حدث في كوردستان العراق.

الريادة البحثية: ماذا يُضيف هذا العمل؟

تكتسب الرِّسالة أهميّتها من زوايا ثلاث لا يمكن إغفالها؛ أولاها أنّها تسدّ فراغاً حقيقياً في المكتبة التاريخيّة العربيّة؛ إذ ظلّ موضوع النزوح الكوردي المنظّم على مدى عقود حبيس الأرشيفات الأجنبية، أو الدِّراسات الغربيّة، في حين اكتفت الكتابة العربيّة – في معظمها – بالإشارات العابرة. الثانية أنّ الباحث لا يقتصر على توثيق الأحداث، بَلْ يُحكم عليها منهجياً

وإحصائياً، مستثمراً الجداول والخرائط وشهادات الأحياء في بناء صورة تاريخيّة متكاملة يصعب الطّعن فيها. والثالثة أنّ الرسالة تمتد إلى المصادر غير المنشورة، فتستعين بوثائق وزارة الخارجية الأمريكيّة (FRUS)، ووثائق وكالة المخابرات المركزيّة (CIA)، ومقابلات مباشرة مع ناجين في كوردستان العراق وإيران، ممّا يمنحها قيمة أرشيفيّة استثنائيّة.

هندسة البحث: رحلة في دهاليز القهر

​ يتنقل الباحث عبر أربعة فصول محكمة البناء، يمثّل كلّ منها حقبةً كاملة من مراحل النزوح الكوردي، بوصفها موجات متتالية، وليست أحداثاً عشوائية متفرّقة.

يأخذنا الباحث في رحلة تراجيدية تبدأ من عتبة 1975، حيث كانت “اتفاقية الجزائر” المشؤومة بمثابة الخنجر الغادر في خاصـرة الحلم الكوردي.

يبدأ الفصل الأوّل بتأسيس نظريّ وتاريخي رصين، إذ يُعرّف مفهوم النزوح الجماعي، ويُميّزه عن الهجرة الطوعيّة والترحيل القسـري. ثمّ يتتبّع جذور المسألة الكوردية في العراق قبل وصول البعث إلى السُّلطة. وهنا يُثبت الباحِث أنّ النزوحَ لم يكن وليد الحاضـر

فحسب، بَلْ كانت له موجات سبقت، ويضـرب مثلاً بما جرى حين استولى الرّوس على مدينة (رواندوز) عام ١٩١٦، ممّا دفع آلاف الكورد إلى النزوح نحو الحدود الإيرانيّة في ظروف بالغة القسوة.

ويبرز الفصل الثاني كيف تحوّلت الدبلوماسيّة الدوليّة (بين بغداد وطهران) إلى صفقات “مقايضة بشريّة”، كان ضحيتها عشرات الآلاف من الكورد الّذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا غطاء سياسي، مطاردين بين صخور الجبال.

وفي هذا الفصل يُقرّب القارئ من اللّحظة المحوريّة: اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥.. كان الاتفاق تقاسماً للسلطة على حساب الكورد؛ وافق العراق على تقسيم شط العرب مع إيران، مقابل أنْ تُوقف طهران دعمها للبارزانيين.. وحين انقطع الدّعم فجأةً، انهار الصـرح الكوردي المسلّح، وتدفق عشرات الآلاف نحو الجبال وعبر الحدود.. يصف الباحث بأسلوب

مؤثر مشاهد هذا النزوح الأوّل: الصخور الّتي تتدحرج على المارّة، والأطفال الّذين يتيهون بين الجبال، والماشية الجائعة الّتي تعترض طريق الفارِّين.

​ومع اندلاع الحرب العراقيّة الإيرانيّة (1980 – 1988)، ينتقل الباحث في الفصل الثالث إلى منطقة أشدّ قتامة، ويتناول أكثر فصول الرِّسالة إيلاماً؛ حيثُ يرصد فترة سنوات الحرب العراقيّة الإيرانيّة (١٩٨٠ – ١٩٨٨)، حين حوّل نظام صدام حسين كوردستان إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات، وتحوّلت كوردستان إلى “مختبر للموت”، وسـرادق للعزاء الطّويل.. هنا، لا يتحدّث الباحث عن الحرب التقليديّة، بل عن “حرب الهُويّة”؛ من خلال سياسات التعريب القسـري.. يُفصّل الباحث سياسات التعريب الٳجباري في كركوك وخانقين وسنجار، ويرصد عمليات التبعيث الّتي كانت تُلزم الكورد بالانتماء إلى حزب البعث، أو مواجهة العواقب الوخیمة، ثمّ ينتقل إلى ما هو أشدّ وطأةً:

ٲلا وهي عمليّات “الأنفال” الثمانية السيئة الصيت، بين عامَيْ ١٩٨٧ و١٩٨٨، الّتي استهدفت آلاف القری وأرياف كوردستان بالحصار والقصف الجويّ والسِّلاح الكيميائي.ويروي الباحث كيفَ أنّ الأمر العسكري رقم ٣٠٨٧ شكّل الإطار القانوني لما لا يعدو كونه إبادةً جماعية منظمة.. وصولاً إلى قمة الفاجعة في حلبجة وبهدينان، حيث اختلط عبق التفاح (رائحة السلاح الكيماوي) بأنفاس الضّحايا الأخيرة.

ويختتم الفصل الرابع بالموجة الثالثة والأعنف في مارس ١٩٩١، حين انتفض الكورد إثر هزيمة صدام في حرب الخليج الثانية، ثمّ سحق الجيش العراقي تلك الانتفاضة بقسوة لا هوادة فيها، فهرب نحو مليوني كوردي في أسابيع قليلة نحو إيران وتركيا، في واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ المنطقة.

الانبعاث من رماد النزوح:

 و​يصلُ الاستعراض ذروته في الفصل الرابع، الّذي يحلّل “النزوح المليوني الثالث” عقب انتفاضة آذار 1991.. يقدِّم الباحث هنا تحليلاً عبقرياً لمفارقة أخلاقية كبرى: كيف تحوّل انتصار الكورد في تحرير مدنهم (رانية، السليمانية، كركوك) إلى مأساة نزوح نحو مليوني إنسان؟

 مقدّمة المأساة: من تحرير وهمي إلى قمع مدمِّر:

بعد حرب الخليج الثانية وهزيمة النظام العراقي، انطلقت انتفاضة شعبية تاريخية في مارس 1991م، نجحت خلال أيّام قلائل في تحرير حوالي 85% من مساحة كوردستان، بما فيها مدن كبرى مثل السليمانية (7 مارس)، وأربيل (11 مارس)، وحتّى مدينة كركوك الغنية بالنفط (20 مارس).. لقد كانت لحظةً من الأمل النادر، حيث شعر شعب طالما عانى بأنّه أخيراً يمسك بزمام مصيره.

ولكن هذا الأمل تحوّل إلى سـراب سـريعاً.. فبعد انسحابه من الكويت، وجه النظام العراقي، الّذي كان يرتعش من هزيمته أمام التحالف الدوليّ، كلّ آلة حربه القمعيّة نحو أبناء شعبه في كوردستان. وشنّ هجوماً مضاداً وحشيّاً أواخر مارس 1991م، بأسلحة ثقيلة وطائرات حربيّة، مدعوماً بإجازة ضمنية من المجتمع الدولي الّذي خشـي من تفكّك العراق وتنامي النفوذ الإيراني.. يقول مسعود البارزاني واصفاً هذا التناقض الأخلاقي: “الولايات المتحدة سمحت لصدام باستعمال الطائرات المروحيّة، وأعطته الضّوء الأخضـر لإبادة المدنيين العراقيين”.

 قلب المأساة: النزوح المليوني وموت على قارعة الطريق

هنا بدأت أكبر موجة نزوح في تاريخ الشّعب الكوردي، والأكبر في العالم بعد الحرب العالميّة الثانية.. أمام زحف الدبّابات، وعمليّات الإعدام الميدانيّة، تحوّل سكان مدن بأكملها إلى تيّار بشري هارب نحو المجهول.

* الأعداد المرعبة: تشير التقديرات إلى أنّ ما بين مليون إلى مليونين ونصف إنسان كوردي – يشكّلون نحو نصف سكان الإقليم آنذاك – اضطروا لترك مدنهم وقراهم.

* الطريق إلى الجحيم: اتّجهت جموع النازحين نحو الحدود التركيّة والإيرانيّة سيراً على الأقدام، أو في سيّاراتٍ مكتظّة.. واجهوا ثلوجاً بلغ ارتفاعها 60 سم، ودرجات حرارة تصل إلى 15 تحت الصفر.. لم يكن البرد والجوع وحدهما القاتلين، بَلْ أيضاً قصف القوّات العراقيّة للمدنيين الهاربين.

* الموت الجماعي: يشهد الأطبّاء والمراقبون الدوليُّون أنّ ما بين 400 إلى 1000 شخص كانوا يموتون يوميّاً في المخيمات، وعلى الطرقات، معظمهم من الأطفال الرضّع الّذين حرموا من الحليب، والمسنين والمرضى الّذين لم يحتملوا مشقّة الرّحلة.. لقد كانت مجزرة بطيئة في وضح النهار.

* الرفض على الحدود: واجه النازحون الّذين وصلوا إلى تركيا رفضاً أوّلياً وطلقات ناريّة من الجنود الأتراك، الّذين أغلقوا الحدود خوفاً من تداعيات أزمة كورديّة داخل أراضيهم.. لقد حوصـر النازحون بين نارين: نار الجيش العراقي من الخلف، ونار الرّفض والموت جوعاً وبرداً في الأمام.

التناقضات الدولية: خطاب إنساني ومصالح باردة

لقد كشفت المأساة عن وجهين متناقضين للسياسة الدولية: الوجه الإعلامي الإنساني، والوجه الواقعي القائم على المصلحة.

* صدمة الضمير العالمي: نقلت شاشات التلفاز، خاصة سي إن إن، الصُّور المروّعة للمآسي إلى كلِّ بيت، ممّا أثار عاصفة إعلامية أجبرت القادة الغربيين على التحرّك. قال الوزير الأمريكي جيمس بيكر، بعد زيارة الحدود: “ينبغي علينا أنْ نحشد العالم.. وإلّا فإنّ هذا سيُصْبِح تدميراً منظّماً لشعبٍ بأسـره”.

* القرار الدولي (688): تحت هذا الضّغط، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 688 في 5 أبريل 1991م، الّذي أدان القمع، وطالب بالوصول الإنساني.. وكانت أوّل مرّة يُذكر فيها الكورد باسمهم في وثيقة دوليّة منذ معاهدة سيفر (1920)، وهو اعتراف رمزي بالهُويّة والمأساة.

* التناقض الصّارخ: ولكن ما إنْ تمّ إنشاء “المنطقة الآمنة” شمال خط العرض 36 بقيادة أمريكيّة وبريطانيّة وفرنسيّة لحماية الكورد، حتى بدأ الوجه الآخر يظهر. فالدُّول الّتي أنقذت الكورد من الإبادة، رفضت دعم استقلالهم، أو حتى ضمّ كركوك إلى إقليمهم، خوفاً من تفكّك العراق، وتغيّر موازين القوى.. لقد استخدمت “الورقة الكورديّة” كأداة ضغط على النظام العراقي، لا كقضية إنسانيّة تستحقُّ الحلَّ العادِل.

* الصمت العربي المطبق: فيما كان الضّمير العالمي يهتزّ، ساد صمتٌ عربي مطبق، بَلْ ووصل الأمر إلى اتّهام بعض الأنظمة العربيّة للكورد بنوايا الانفصال، متناسية الجرائم الّتي ارتكبها النظام في حقّهم.

 نتائج كارثية وأسس لمستقبل مجهول:

خلّفت المأساة نتائج عميقة، رسمت مصير الإقليم لعقود:

1. تأسيس كيان كوردي (أمر واقع): أدّى فرض “المنطقة الآمنة”، وانسحاب الإدارة العراقية من محافظات السليمانية وأربيل ودهوك في أكتوبر 1991م، إلى فراغ سياسي ملأته الجبهة الكوردستانيّة.. في مايو 1992م، أجريت أوّل انتخابات برلمانية كورديّة، وشكّلت أوّلحكومة لإقليم كوردستان بقيادة فؤاد معصوم.. لقد ولد كيان سياسي كوردي من رحم المعاناة، معتمداً على نفسه تحت حصار اقتصادي مزدوج (دولي وعراقي).

2. حصار اقتصادي ومعاناة يومية: فرضت بغداد حصاراً اقتصادياً خانقاً، وسحبت إدارتها وموظفيها، وقطعت الرّواتب.. عاش أكثر من 3 ملايين كوردي على حدّ الكفاف، معتمدين على المساعدات الدوليّة، وعائدات التهريب عبر الحدود.. يقول أحد النّازحين: “كنت أفضِّل الجوع من أجل الحُريّة، على العيش تحت سلطة البعث”، مجسّداً ثمن الحُريّة الباهظ.

3. علاقات إقليمية معقّدة: وجد الكورد أنفسهم في قلب لعبة إقليميّة:

 – تركيا: ساعدت في الأزمة الإنسانيّة، لكنّها عارضت إقامة دولة كورديّة، وشنّت هجمات عسكريّة داخل العراق ضدَّ حزب العمال الكوردستاني.

 – إيران: فتحت حدودها، واستقبلت حوالي 1.3 مليون لاجئ، أكبر عدد من اللاجئين في العالم آنذاك، بدوافع إنسانيّة وسياسية لضـرب النِّظام العراقي.

4. تركة نفسيّة واجتماعيّة ثقيلة: تحمّلتِ النساءُ العبءَ الأكبر، وهُنَّ يَحْمِلْنَ أطفالَهُنَّ، ويمشين لأيام.. أصيب الكثيرون بأمراض نفسيّة، وتفكّكت عائلات، وضاع جيلٌ كامل بين مخيّمات اللجوء وذكريّات الهروب.

خاتمة: ملحمة صمود بين جبال من الخذلان:

لم تكن موجة النزوح الكوردي الثالثة عام 1991م مجرّدَ حدثٍ تاريخيّ، بَلْ كانت ملحمة إنسانيّة كشفت عن أعمق تناقضات السياسة الدوليّة، وأقسى مآسي الشعوب المنسيّة.. لقد تحوّل الشعب الكوردي من ضحيّةٍ لحربٍ كيماوية صامتة، في الثمانينيّات، إلى ضحيّةٍ لحربٍ علنيّة على الملأ، في التسعينيّات، لكن هذه المرّة، وفي قلب الكارثة، بدأ ينسج خيوط كيانه السياسي الخاص.. لقد أدرك الكورد، كما يقول المثل الّذي تحوّل إلى حقيقة مريرة: أنْ “ليس لدينا أصدقاء سوى الجبال”، ولكن في عام 1991م، أدركوا أيضاً أنّ لديهم قوّة الإرادة الّتي فرضت أمراً واقعاً جديداً، وضع اللبنة الأولى لحلم لم يتحقّق بعد، تحت سقف من الخذلان الدولي والترقب الإقليمي الدائم.. لقد كتبوا فصلهم الأكثر مأساوية وتراجيدية بدمائهم على منحدرات الجبال الباردة، ليُصْبِحوا أنموذجاً صارخاً لثمن الحُريّة في عالم تسوده المصالح الباردة.

بناءً على الحقائق التاريخية المروّعة، الّتي سـردها الفصل الرابع من الدِّراسة، أعدتُ صياغة الملخص ليكون “وثيقة إدانة” تعتمد على لغة تراجيديّة صادِمة، تمزج بين الأرقام القاسية والبلاغة المؤثرة:

المحطة الأولى: “كوردستان.. جغرافيا القهر والمقاومة”

​ليست هذه الدِّراسة مجرّد سـردٍ تاريخيّ، بَلْ هي توثيق لزلزال إنساني ضـرب الجبال الكورديّة.. إنّنا نتحدث عن “الموجة الثالثة” من النزوح، تلك الّتي ولدت من رحم الاجتياح العراقي للكويت (1990-1991م)، لتكون الفصل الأكثر دموية وتراجيدية في تاريخ شعبٍ أُريدَ له أنْ يظلّ بلا وطن، فاستحال وجوده صـرخة أبديّة في وجه الظلم.

المحطة الثانية: “أرقام الصّدمة.. الموت في بهدينان”:

​في الوقت الّذي كان العالم يراقب نهاية الحرب العراقيّة الإيرانيّة عام 1988م، كانت آلة القتل تلتفت لصدور الكورد.. الإحصائيّة الصّادِمة هنا؛ هي مقتل (3000 مواطن كوردي) في لحظة واحدة في “بهدينان”، لم يقتلوا بالرّصاص، بَلْ سُحقت رئاتهم بالسِّلاح الكيماوي، وهم في طريقهم للفرار.. هذا الرقم ليس مجرّد إحصاء، بَلْ هو “3000 حلم” أُجهض تحت سحب الغاز السام، وسط صمتٍ دوليّ مُخْزٍ.

المحطة الثالثة: “تراجيديا الصّمت.. معرض السِّلاح فوق الجثث”:

​أحدُ أكثر التناقضات – الّتي تكشفها الدِّراسة – إثارة للاشمئزاز، هو أنّه في ربيع 1989م، وبينما كانت دماء الكورد لم تجفّ بعد، أقامت بغداد معرضاً دولياً للسِّلاح! شاركت فيه

القوى العظمى لتبيع أدوات الموت للنِّظام العراقي.. إنّها “ساديّة السِّياسة” الّتي غضّت الطّرف عن إبادة شعب، مقابل “عقود إعادة الإعمار”.. هنا نصدم القارئ بحقيقة أنّ دَمَنا كان أرخصَ من عقود الشّـركات!

المحطة الرابعة: “هندسة الإبادة.. محو القرى الكوردية”:

​تكشفُ الدِّراسة عن استراتيجية عسكريّة يندى لها الجبين: (إفراغ القرى من أهلها حتى يموت المقاتلون، “كما يموت السّمك حين يجفّ حوله الماء”).. لقد حوّل النِّظام كوردستان إلى ثكنة عسكرية كبرى، حيث نشـر (200 ألف جندي) فوقَ قِمَم الجبال، بمعدل موقع عسكري كل (200 متر)! تخيّل حجم الرُّعب الّذي يعيشه شعبٌ يراقب فوّهات البنادق من شـرفات منازله في كلِّ لحظة.

المحطة الخامسة: “الموقف الأخلاقي.. الكورد وغزو الكويت”:

​هنا يبرز التناقض البطولي؛ فبينما كان صدام حسين يغزو الكويت في 2 أغسطس 1990م، بذريعة “العروبة”، كان الكورد – وهم الضحايا المضطهدون- أوّل من أدان الغزو.. لقد رفضت الجبهة الكوردستانيّة مكافآت صدام، واختار الكورد الوقوف مع “الحقّ الكويتي”.. والمفارقة التاريخية الكبرى أنّ الجنود الكورد في الكويت كانوا يعاملون الكويتيين “بروح أخوّية”؛ لأنّهم الوحيدون الّذين ذاقوا مرارة ما يفعله “علي حسن المجيد”.

المحطة السادسة: “انفجار المكبوت.. رانية مهد الثورة”:

​في 5 مارس 1991م، انفجرت (رانية) لتعلن بداية الانتفاضة.. المشهد التراجيدي يتحوّل هنا إلى مشهد عظمة؛ ففي لحظات انهار الفيلقان الأوّل والخامس، واستسلم ما بين (100 إلى 150 ألف جندي) عراقي.. الكورد لم يمارسوا الانتقام العشوائي، بَلْ خيّروا الأسـرى بين العودة لأهلهم، أو البقاء في كوردستان، في سموّ أخلاقي يتجاوز جراح الأنفال.

المحطة السابعة: “كركوك.. الانتصار الّذي عمّده الدّم”:

​في 21 مارس 1991م، وفي يوم “نوروز”، تحقّق الحلم المستحيل بتحرير كركوك.. لكن الثمن كان باهظاً: (3000 مقاتل كوردي) سقطوا في معارك ضارية لاستعادة مدينة النفط والروح.. وقبل التحرير، قام النظام باعتقال (30 ألف كوردي) كرهائن ودروع بشـريّة.. إنّها أرقام تزلزل الضّمير، وتحوّل الفرح بالتحرير إلى مأتم وطني مهيب.

المحطة الثامنة: “التناقض الدولي.. طعنة الحلفاء”:

​أخطر ما يواجهه القارئ في هذه الدِّراسة هو “الخُذْلان”.. فبينما كان الكورد يسيطرون على 85% من أراضيهم، وقف الحلفاء (أمريكا وأعوانها) يتفرّجون! لم يسمحوا بحسم المعركة، خوفاً من “تقسيم العراق”، أو “طموحات الشيعة”.. لقد ضحّوا بدمائنا من أجل “توازن القوى”، وتركوا طائرات صدام تعود لتفتك بالمنتفضين.

المحطة التاسعة: “الهجوم المضاد.. رعب عزّت الدوري والمجيد”:

​تصف الدِّراسة مشهداً تراجيدياً في نهاية مارس 1991؛ عندما اجتمع عزّت الدوري وعلي حسن المجيد في “معسكر خالد” لإعادة تنظيم الموت.. استخدموا الأسلحة الثقيلة والطائرات ضدَّ مدنيين عزل وبطولات فرديّة، ممّا حوّل مدن كوردستان المحرّرة إلى ساحاتٍ للدّمار والنزوح المليوني الثالث، حيثُ سحق “الحديد” روح “البيشمركة” العزلاء.

المحطة العاشرة: “الخلاصة.. كيانٌ وُلد من رحم الفجيعة”:

​على الرّغمِ من القمع والخذلان، فرضت الانتفاضة “سياسة الأمر الواقع”. لقد تحوّلت القضيّة الكورديّة من قضيّةٍ محليّة إلى “قضيّةٍ دوليّة معقّدة”.. إنّ الدستور الفيدرالي، والكيان الكورديّ الحالي، لم يأتيا من ورق المفاوضات، بَلْ من دماء الـ(3000) في كركوك، وصمود الجوعى في الجبال، وأنين الضّحايا في أقبية المخابرات.. إنّها رسالة مفادها: “الحُريّة تُنْتزَع بمرارة، ولا تُوهب في قصُور السِّياسيين”.

​يكشف الباحث بجرأة عن “وحشیّة السِّياسة الدوليّة”؛ حيث وقف العالم يتفرّج على طائرات النظام؛ وهي تسحق المدنيين العُزّل، في وقتٍ كانت فيه القوى العظمى تتحدّث عن حقوق الإنسان من خلف الميكروفونات.

ويخلص الباحث إلى نتيجة جوهريّة: إنّ هذا النزوح المليوني الأليم هو الّذي “دوّل” القضية الكورديّة، وأجبر مجلس الأمن على إصدار القرار (688)، الّذي وضع الحجر الأساس لكيان كوردستان الحالي.

المنهج: حين تتكلم الأرقام:

يُعَدُّ التنويع المنهجي من أبرز ما يميّز هذه الرِّسالة.. فالباحِثُ لا يُوظّف منهجاً واحِداً، بَلْ يُمسك بأربعة مناهج في آنٍ واحِد: الوصفي الّذي يرسم مسار النزوح وخطوطه، والتحليلي الّذي يُفسّر أبعاده ودوافعه، والمقارن الّذي يضع الموجات الثلاث جنباً إلى جنب لاستخلاص الأنماط المتكرّرة، والإحصائي الّذي يُحوّل المأساة إلى جداول وأرقام يمكن التحقّق منها والبناء عليها.

وهذا الإحصاء ليس ترفاً أكاديمياً بَلْ ضـرورة؛ فأمام إنكار النِّظام السّابق وتشكيكه، كانت الأرقام سِلاحاً في يد الحقيقة.. حين يُثْبِت الباحِث أنّ نسبة الكورد في لواء الموصل تراوحت بين ٣٧٪ و٦٥٪ قبل عمليّات التعريب، وأنّ نحو مليوني ونصف المليون كوردي نزحوا في موجة ١٩٩١ وحدها، فإنّه يبني جداراً من الوقائع الدّامغة.

القيمة المنهجية:

لغة الأرقام الّتي لا تكذب: ​ما يُميّز هذا العمل؛ هو “الأمانة العلميّة” في الرّصد. لم يكتفِ الباحِث بالرِّواية الشفهيّة، بَلِ استنطق الوثائق الدوليّة (الخارجيّة الأمريكيّة، وكالة المخابرات المركزيّة)، وقارنها بشهادات الأحياء الّذين عاينوا الموت في “معسكرات البقاء”.

الإحصاء الصّادم: يضعنا الباحث أمام حقيقة أنّ ما بين 2 إلى 3 ملايين كوردي ذاقوا مرارة النزوح، وهو رقم يتجاوز سكّان دولٍ بأكملها.

وراء الأرقام: الوجوه والأسماء:

ما يجعل هذه الرِّسالة أكثر من دراسة أكاديميّة جافّة، هو أنّ الباحِثَ لم ينسَ خلفَ الإحصاءات والوثائق أنّه يكتب عن بشـر.. فيستشهد بشهادة الحاج عبدالله شنو الّذي مكث في معسكر (بيوه) مع نحو ثلاثين نازحاً، ويروي قصّة كوالة جلال رزويلا، الّتي لا يزال كثير من أقاربها في إيران جرّاء عمليّات الأنفال.. ويروي الباحِثُ مشهداً بالغ الوجع، حين كانتِ الطّائراتُ العراقيّة تُلقي قنابل الغاز على (حلبجة)، فيحمل النّاس موتاهم وجرحاهم ويفرّون إلى إيران، بينما يُردي المسؤولون العراقيون الجرحى بالرّصاص بدلاً من علاجهم.

الأنفال في الفهم الديني سورة قرآنية نزلت في غزوة بدر ضد الكافرين، لكن نظام البعث وظّفها ضد شعب مسلم – هو الشعب الكوردي – في توظيف مقلوب للدِّين أُريدَ به تبرير الإبادة.

هذه الشهادات المباشـرة الّتي جمعها الباحِثُ في مقابلاتٍ ميدانيّة في كوردستان العراق وإيران، تمنح النصَّ حياةً تعجز عنها الوثائق الرسميّة وحدها، وتُذكّر القارئ بأنّ هذا ليس تاريخاً نائماً في الماضي، بَلْ ذاكرة حيّة في ضمائر أُناسٍ لا يزالون أحياء.

العمق التحليلي: استطاع الباحِثُ تفكيك “الخِطاب الدعائي” للنِّظام السّابق، كاشفاً كيفَ تمّ توظيف الدِّين (تسمية الأنفال)، لتبرير إبادةِ شعبٍ مسلم على يد سُلْطةٍ تدَّعي القوميّة.

الأبعاد الدوليّة: خيوط متشابكة:

من أبرز ما تُجليه الرِّسالة هو تعقيد المشهد الإقليمي والدولي المحيط بالقضيّة الكورديّة؛ فإيران كانت داعمةً للحركة البارزانيّة، ثمّ تخلّت عنها وَفْق مصالحها في اتفاقيّة الجزائر، ثمّ عادت لتفتح حدودها للنّازحين إبّان الحرب مع العراق وبعد انتفاضة ١٩٩١.. أمّا تركيا، فقد أغلقت في البداية حدودها أمام موجة ١٩٩١، ثمّ رضخت تحت الضّغط الدولي، فقبلت النازحين، ووضعت عليهم قيوداً مشدّدة، قبلَ أنْ تستثمر الموقف لتعود إلى السّاحة السياسيّة الإقليميّة بوصفها وسيطاً.

أمّا مجلس الأمن الدولي، فقد أصدر قراره الشهير رقم ٦٨٨ في الخامس من أبريل ١٩٩١، وهو أوّل قرار دولي يذكر الكورد بالاسم بعد (معاهدة سيفر)، ويُدين القمع الواقع على المدنيين العراقيين، بمن فيهم الكورد. وقد رصد الباحث نصّ القرار وتداعياته بدقّة، مُبيّناً كيف أفضـى إلى إنشاء منطقة الحظر الجوي شمال خط العرض ٣٦، وأسهم في انسحاب القوّات العراقيّة من المناطق الكورديّة، ممّا مهّد لأولى الانتخابات الكورديّة عام ١٩٩٢.

خلاصة النتائج: ما يقوله التاريخ:

تنتهي الرِّسالة بجُمْلةٍ من الاستنتاجات الّتي يُرسّخها الباحِثُ بالحُجّة والدّليل: إنّ ما تعرّض له الكورد لم يكن نزوحاً طوعيّاً، بَلْ كان مزيجاً من التّهجير القسـريّ والتّعريب والتّبعيث، وعمليات الأنفال، وإسقاط الجنسيّة، والقصف الكيميائي، وتدمير القرى، وإنّ هذه السِّياسات كانت مبرمجةً ومنهجية، وليست انفعالية عشوائية.. كما يُثبت أنّ الموجاتِ الثّلاث لم تكن منفصلة، بَلْ تراكمت بشكلٍ تصاعدي، وأنّ التدخل الدّولي جاء دائماً متأخّراً، ومشـروطاً بحساباتِ المصالح لا الضّمير.

والأهمّ أنّ الباحِثَ يُظهر كيفَ أنّ النزوح لم يكن سلبياً كليّاً من منظور الكورد؛ إذ أسهمت (الدياسبورا) الكوردية في تكثيف الضّغط الدولي، كما أنّ موجة ١٩٩١ كانتِ المحطّة الّتي فتحت البابَ أمامَ الحُكْم الذاتي الكورديّ الفعلي، والانتخابات الديمقراطيّة، لأوّل مرّة في تاريخ كوردستان العراق.

لا يخلو عملٌ علمي من جوانب يمكن استكمالها أو مساءلتها، وهذه الرِّسالة ليست استثناءً. فبينما أحكم الباحِثُ قبضته على الوثائق العربيّة والإنجليزيّة، يظلّ الدّخول إلى الأرشيفات العراقيّة السـريّة أمراً شبه مستحيل في ظلِّ ظروف البلاد، وهو ما اعترف به الباحِث بأمانة.

خاتمة الاستعراض: لماذا يجب أنْ تقرأ هذا الكتاب؟

“النزوح الكوردي في العراق” ليسَ مجرّدَ رسالةِ ماجستير تُؤدِّي وظيفتها الأكاديميّة ثمّ تنام في رفوف المكتبات.. إنّه شهادة علمية تُوثّق لما قد تتّسع له الذّاكِرة الجماعيّة، وتُحوّله إلى سجلٍ قابلٍ للاستشهاد به أمامَ محاكِم التاريخ والضّمير.. إنْ كُنْتَ تبحث في مآلات العنف السياسي، أو تدرس ظاهرة النزوح القسري المعاصـرة، أو تريد أنْ تفهمَ الجذور العميقة للأزمة الكورديّة في العراق والمنطقة؛ فهذا العمل هو المكان الّذي تبدأ منه.

وللقارئ غير المتخصِّص فائدة لا تقلّ أهمية: إنّ فهم ما جرى لكوردستان العراق بين ١٩٧٥ و١٩٩١ هو مفتاح جوهري لفهم عراق اليوم وكوردستانه المستقل فعليّاً. وهو مفتاح لفهم سؤال أعمق: كيفَ يصمدُ شعبٌ في مواجهةِ آلةِ الدّولة، حين تتحوّل تلك الآلة إلى أداةٍ للإبادة؟

الأمل الوحيد في مواجهة فاجعة بهذا الحجم هو ألّا تُنْسـى. والرِّسالة الّتي بين يديك تُؤدِّي هذه الوظيفة الإنسانيّة، قبلَ أنْ تكون أكاديميّة.

​إنّنا أمامَ دِراسةٍ تعيدُ الاعتبارَ للضحيّة، وتمنح التاريخ “ذاكرةً مضادَّة” للنِّسيان.

 “النزوح الكوردي في العراق” لصباح محي الدين أمين؛ هو مرجع لا غنى عنه لكلِّ باحثٍ في التّاريخ المعاصـر، ولكلِّ سياسيّ يريدُ فهمَ جذور المسألة الكورديّة، بعيداً عن السطحيَّة.

​إنَّها رسالةٌ تُخْبِرنا أنَّ الجبالَ – الّتي كانتِ الصَّديقَ الوحيدَ للكورد – لم تكنْ مجرّد مخبأٍ، بَلْ كانت شاهدةً على ولادة شعبٍ من رحم الفجيعة، وصمود هُويّةٍ رفضتْ أنْ تُذْبَح على مقصلةِ التَّرحيل.

ويُنْصح – بشدَّة – باقتناء هذه الدِّراسة وقراءتها؛ فهي ليسَتْ مُجرَّد تاريخٍ للنزوح، بَلْ هي “فلسفة الصمود” الكورديّ في أنقى صُورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى