حاجي قادر كويي العالم والأديب والمفكر الإصلاحي (القسم الثاني)

إن البحث والكتابة حول الفكر والنتاج الفكري والأدبي لأي شخص، والوصول إلى حقيقة شخصيته، ونوعية تفكيره، وعمق نتاجاته الفكرية والأدبية وأهميتها، ومستوى تأثيره على عصـره وما تلاه؛ يتطلّب منّا أولاً دراسة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية لذلك العصـر.

يجب أن نكتسب قدر الإمكان الخبرة والمعرفة في هذا الصدد، ونقرأ بدقة وموضوعية الأحداث المؤثرة في ذلك العصـر؛ لأنه من البديهي أن جميع البشر بشكل عام؛ سواء كانوا أشخاصاً عاديين، أم قادة ومفكرين، هم أبناء بيئتهم وعصـرهم، وقد صاغتهم أحداث ذلك التاريخ، بحلوها ومرها، وبما حملته من لحظات صعبة وقاسية.

إنّ الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية، وكذلك تلك الأحداث والمتغيرات التي وقعت، تترك جميعها بصمات على تكوين شخصية الإنسان وكيفية تفكيره، ويكون لها دور في تنشئته، وصياغة شخصيته الفكرية، ومستوى تفكيره، وفي تربية الذوق والسليقة الاجتماعية، وفهم التعامل مع المشكلات والمواضيع، والمشاعر والأحاسيس والحالة النفسية. وهذه حقيقة بديهية، تتجلّى – بشكل أكبر – لدى الشعراء والمفكرين أكثر من أي شخص آخر، حيث يبرز ذلك التأثير في علاقتهم بالواقع.

 فهم فضلاً عن التعبير – عبر أشعارهم وكتاباتهم – عن قراءاتهم وآرائهم بخصوص تلك الأحداث والتغيرات والعوامل الكامنة وراء وقوعها، يغوصون أكثر من غيرهم في الأحداث وتحليلها والتعامل مع تداعياتها، بل وأحياناً ما يكونون هم أنفسهم من عوامل صنع تلك الأحداث، أو من الشخصيات الفاعلة فيها.

ومن منطلق قناعتنا التامة بهذه الحقيقة، سنخصص المقطع الأول – ولو بإيجاز – حول فكر حاجي قادر كويي ورؤيته الشاملة، لبعض جوانب الأوضاع السياسية والاجتماعية والحضارية، وكذلك التحولات والأحداث المهمّة لتلك البيئة والعصـر الذي عاش فيه حاجي قادر.

عاش حاجي قادر ما بين بداية القرن التاسع عشـر (١٨١٦)، حتى نهاية ذلك القرن (١٨٩٧)، وكان عصـراً مشبعاً بالأحداث والتغيرات على المستويين الإقليمي والعالمي، وهذا من الناحية الزمنية.. وأمّا من حيث المكان والجغرافية، فقد عاش حاجي قادر في بيئتين مختلفتين تماماً عن بعضهما البعض: (كويسنجق) و(إسطنبول)، هذا بالإضافة إلى تلك السنوات الـ 5 أو الـ 6 الّتي قضاها في الدراسة في شـرق كوردستان، والتي كانت – بحدّ ذاتها – بيئة خاصة، نظراً لهيمنة السياسات الإيرانية، وتفوّق الثقافة الفارسية والمذهب الشيعي.

لكن من الواضح أنّ حاجي قادر كويي، وبحكم كونه لم يكن مجرد مثقف ومتعلّم عادي فحسب، بل كان مفكراً ومصلحاً بارزاً ومتميزاً، وكما يظهر من أشعاره؛ فإنه على الرغم من أن الهمّ الكوردي كان يمثّل أولوية قصوى لديه، إلّا أن تفكيره وآراءه قد تجاوزت مستوى هموم النطاق المحلي؛ لذلك لا ينبغي الاكتفاء بالنظر إلى الظروف والأحداث المحلية فقط، بل يجب أن نعرف ما الذي جرى وحدث في ذلك العصـر على مستوى العالم والأمة الإسلامية بشكل خاص، والعالم بشكل عام، وما هي التغيرات التي طرأت.

فعلى المستويات العالمية والمحلية والإقليمية، كانت تلك الفترة من التاريخ حقبة مهمة وزاخرة بالأحداث المؤثرة، وكان لبعض تلك الأحداث آثار طويلة الأمد، بل إن تأثيرها لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا.

ومن الناحية الجغرافية، فمن الواضح أنّ حاجي قادر قد قضـى الجزء الأخير من حياته في (إسطنبول)، وهي مدينة عالمية، وبحكم كونها عاصمة الخلافة العثمانية آنذاك، كانت مركز القرار السياسي لمساحة واسعة من العالم في ذلك الوقت، ومركزاً مؤثراً في التحوّلات والتغيرات في حينها.

كويسنجق: أتمّ حاجي قادر مرحلة طفولته ودراسته الأولية لمنهج الحجرة أو الكتاتيب وجزءاً من مرحلة شبابه في مدينة (كوينسجق)، ولاحقاً – وبعد رحلة طويلة – أتمّ خلالها دراسته الشرعية، عاد مرة أخرى إلى مدينته، وأمضـى فيها سنوات أخر، قبل أنْ يقرّر الهجرة منها نحو (إسطنبول)، تاركاً إيّاها إلى الأبد.

تقع مدينة (كويسنجق) في موقع جغرافي استراتيجي، حيث كانت تقع على الطريق التجاري الرابط بين إيران والعراق والشام، وكانت نقطة التقاء حدود إمارتي بابان وسوران، وفي بعض الأحايين كانت النزاعات والحروب بين هاتين الإمارتين يتمّ حسمها في مدينة كويسنجق.. كما أن مدينة كويسنجق، كنموذج للمدن والمناطق الكوردستانية الأخرى، كانت تضمّ تناقضات طبقية واجتماعية واقتصادية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، كانت المدينة في ذلك العصـر مهداً للعديد من الشعراء والمثقفين البارزين والمتميّزين، مثل (الملا عبد الله الجلي زادة)، و(كيفي جوانرويي)، و(أمين آغا – أختر حويزي).. كما كانت مركزاً علمياً وأدبياً، ومركزاً متقداً للنشاطات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية.. وعلى الرغم من أنّ حاجي قادر كان (كرمانجاً) (بمعنى من عامة الناس)، إلّا أنه؛ كما يقول الباحث (ئاراس إيلنجاغي): “كان في ذروة تألّقه، إذ أنّه نشأ وترعرع في مدينة ذات مكانة ثقافية وحضارية ومركز أدبي وعلمي بارز، فاكتسب الخبرة والمعلومات حول الأحداث والظروف، ووضع أساس فكره وتفكيره”.

إسطنبول: كانت إسطنبول في ذلك الوقت؛ من أكبر مدن العالم وعاصمة الدولة العثمانية التي حكمت جزءاً كبيراً من العالم لقرون عدّة. كانت نقطة التقاء الثقافات المتعددة والتنوير المختلف، وملتقى الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.

كانت إسطنبول مسرحاً للصـراع السياسي بين سلطة الدولة العثمانية، الّتي بدأت تضعف، ودول الغرب المسيحية الصّاعدة والقوية. وقد اتخذ بعض خصوم الأمة الإسلامية، سـراً وعلانية، من تلك المدينة مقرّاً لمؤامراتهم ودسائسهم، وكثّفوا نشاطاتهم وجهودهم لمنع عودة قوّة الأمة الإسلاميّة، بَلْ كانوا يريدون القضاء عليها نهائياً، وإحباط أيّ برنامج أو مشـروع يهدف إلى نهضة الخلافة العثمانية وازدهارها من جديد.

لقد كانت إسطنبول مكاناً للحركات والنشاطات المتنوعة باتجاهات مختلفة، ولكل منها أهداف وغايات محدّدة. وفي الوقت ذاته؛ أصبحت مركزاً لعدة تيارات فكرية وأدبية وسياسية، من ضمنها ذلك التيار الإصلاحي الذي كان يقوده (جمال الدين الأفغاني). كانت الحركة الأدبية والفكرية والإعلامية محتدمة فيها، كما ظهرت فيها المظاهر والظواهر الفكرية والاجتماعية والثقافية للحداثة الغربية شيئاً فشيئاً.

أمّا البيئة الاجتماعية الّتي نشأ فيها حاجي قادر، سواء في الوقت الذي عاش فيه في مدينة كويسنجق، أو عندما أتمّ دراسته في منطقة (بالكايتي) و(شـرق كوردستان – إيران)، أو في الوقت الذي عاش فيه في إسطنبول؛ فقد كان على الدوام يجاور طبقة النخبة وعلماء الدين والمتعلمين والمشاهير في عصـره.. ففي كويسنجق كان يرتاد الكتاتيب (المدارس الدينية) كمدرسة الجليزادة، ويرافق الشعراء مثل (كيفي) و(الشيخ رضا الطالباني) و(أمين آغا أختر).

وخلال مسيرة دراسته كان يرتاد الكتاتيب؛ مثل كـتّاب (الشيخ عثمان)، و(عين آدم)، والجامع الأحمر في (صابلاغ)، و(لاجان) و(شنو)، في شـرق كوردستان – إيران، حيث كان كبار المشايخ والعلماء المشهورين يدرّسون هناك، وكانت دائماً تعجّ بالطلاب الأذكياء والفقهاء النابهين.

وبعد ذلك، عندما ذهب حاجي قادر كويي إلى إسطنبول؛ صاحَبَ النخبةَ المثقفة والسياسية والخلفاء والمثقفين والرساليين؛ أمثال (عائلة بدرخان)، و(مشايخ نهري)، بل ولم يكن بعيداً عن الطبقة المتنفذة والحاكمة.. فثمة بعض الأحداث أظهرت أنّ حاجي قادر كان محل تقدير واحترام لدى السلطان العثماني نفسه. وعن هذا ينقل الأستاذ مسعود محمد عن والده، أنّ إبراهيم أفندي حيدري – الّذي كان يكنّى بشيخ الإسلام في ذلك العصـر بإسطنبول- قد تحدّث بإسهاب عن حاجي قادر، وروى الكثير من القصص والنوادر عنه، وهذا يدلّ على مدى إلمام حاجي قادر بالواقع المعاش في إسطنبول، لدرجة أنّه لولا ذلك لما نسب إليه ذلك الوصف الدقيق والمفصّل لتلك الحقبة ورجالاتها.

لقد ذكر إبراهيم أفندي أنّ حاجي قادر كان رجلاً يحظى بالاحترام لدى كبار رجالات إسطنبول في ذلك الوقت، ومن جهة أخرى كان يتم التعامل معه من قبل أصحاب السلطة في الدولة كرجل عظيم ومرموق.

بصـرف النظر عن هذه الإشاراتِ القصيرة إلى البيئة الاجتماعيّة الّتي نشأ فيها حاجي قادر، لا يمكن ألّا نتحدثَ عن الوضع السياسي والفكري، وبعض الأحداث المهمّة في ذلك العصـر ولو بإيجاز، والّتي أعتقد أنّها كانت ذات أثر كبير في صياغة رؤية حاجي الشاملة، ونظرته تجاه القضايا والأحداث؛ ومنها:

أوّلا:ً أحد أكثر الأحداث إيلاماً ومرارة الّتي رآها حاجي قادر بأم عينيه وعاش تفاصيلها؛ كانت عملية تفكيك الإمارات الكوردية (سوران، بابان، أردلان …)، والقضاء عليها، وكذلك فشل الثورات الكوردية.. فمنذ بدايات تأسيس الدولة العثمانية، كان للكورد وكوردستان دورٌ مؤثر في الإدارة وحماية الحدود، لا سيّما دور الجغرافية السياسية لكوردستان وأهميتها منذ بدايات القرن الـ 16. فبعد نشوب الصِّـراعات بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، انحاز الكورد إلى جانب الدولة العثمانية؛ نظراً لأنّ غالبيتهم من السنة وعلى مذهب الإمام الشافعي. لذلك قام الأمراء الكورد بمساندة العثمانيين ضدّ الدولة الصفوية الشيعية؛ في مقابل الحفاظ على استقلالهم الداخلي الّذي ورثوه كتركة.

وقد قدر السلطان سليم الأول ذلك الدعم الكوردي واعتبر ذلك الموقف قيماً للغاية واحترمهم، وطلب من المؤرخ الكوردي المعروف (إدريس البدليسـي) تنظيم المناطق الكوردية المحرّرة، ولم يتدخل في شؤون الزعماء العشائريين، وبعد تقسيم كوردستان إلى خمسة عشر سنجقاً، أبقاهم جميعاً في مناصبهم.

وبعد عام 1514م، عملت الدولة العثمانية – بشكل أكبر – على الاستفادة من قدرات الكورد ومهاراتهم، خاصّة في المجال العسكري، وأوكلت إليهم مهمّة حماية الحدود بين الفرس وأرمينيا وجورجيا. وفي مقابل حماية الحدود، وعدم التمرّد ضدّ السلطة العثمانية، أعفت الكورد من جميع أنواع الضـرائب، وحدّدت لكل أمير من أمرائهم حدوداً معينة، ونظمتهم ضمن نظام التيمار والإمارات، واعترفت الدولة رسمياً بشـرعية تلك الإمارات الوراثية.

ومع بداية القرن الـ 19، وصل عدد الإمارات الكوردية شبه المستقلة إلى 15 إمارة رئيسة، وكانت كلّ إمارة تدار من قبل عائلة معروفة ومعترف بها من قبل الدولة العثمانية.

وكانت تلك الإمارات تمارس سلطتها باستقلال، وتدير مجتمعها القبلي الكوردي الّذي كان مرتبطاً ببعضه البعض من خلال العَلاقات الزراعية والرعوية، والانتماء ورابطة الدم والقرابة، ممّا وفّر لهم نوعاً من الوحدة والتماسك.

وخلال القرن الـ 19، حافظت الإمارات الكوردية على ذلك الاستقلال داخل الدولة العثمانية، ولكن بعد وصول السلطان محمود الثاني (1808- 1839) إلى الحكم، وتضاعف قوة الدولة العثمانية، اتبع السلطان المذكور سياسة تعزيز الحكم المركزي، فانتصـر على (علي باشا)، وأعاد طرابلس ليبيا والموصل وبغداد إلى سلطته المباشرة، وفي خضم تلك السياسة بدأ من خلالها بحل الإمارات المستقلة، ومن ضمنها الإمارات الكوردية.

لقد كانت السلطنة العثمانية دائماً إمّا في حالة حرب أو في منافسة سياسية مع الدولة الصفوية من الشـرق ومع روسيا من الشمال، وكذلك كان الحال مع القوى العظمى الأوروبية الأخرى. وفي أوقات ضعفها وهزائمها، كان الكورد في أغلب الأحيان يصبحون كبش فداء؛ إذ كانوا الحلقة الأضعف في المعادلات السياسية، ولذلك كانوا في الغالب يصبحون موضوعاً للمساومة، والميزان الذي يتمّ به ضبط المعادلات.

إمارة سوران، تأسّست على يد شخص يدعى (كولوس) في منطقتي هاوديان ورواندز، حيث بلغت هذه الإمارة ذروة مجدها، واتسع نطاق نفوذها بشكل كبير في عهد الأمير محمد (الباشا الأعور)، لكنها وقعت هي الأخرى ضحية للمعادلات السياسية بين الدولتين القاجارية والعثمانية، وصمت القوى العظمى مثل بريطانيا، التي لم تكن مصالحها تقتضـي وجود أي سلطة كوردية مستقلة. ففي عام 1835م، نفي الأمير محمد إلى إسطنبول، وهناك تم التخلص منه لاحقاً عن طريق مؤامرة بعد حل إمارة سوران، وفي عام 1847، ألحقت رواندز بمدينة الموصل كقضاء.

 إمارة بوتان، الّتي اشتقّ اسمها من قبيلة (بوتان)، كان من أشهر أمرائها الأمير (بدرخان باشا)، وأصبحت هي الأخرى واحدة من ضحايا معاهدة (أرضروم) نتيجة خلافات داخلية، وتمّ حلها على يد السلطات العثمانية في عام 1847.

 إمارة بهدينان، التي تأسّست عام 1262م على يد (الشيخ شمس الدين) في منطقة العمادية، توسع نفوذها لاحقاً ليشمل دهوك وعقرة وصولاً إلى زاخو. وتمّ حلها هي أيضاً بموجب معاهدة أرضروم الثانية في عام 1848م.

 إمارة بابان، فقد تأسّست في الأصل عام 1649م في منطقة (بشدر) على يد فقي أحمد الداراشماني، وأصبحت هذه الإمارة الكوردية قويّة جداً بعد عام 1680م، وبسطت نفوذها على منطقة واسعة، وعلى الرغم من وجود نزاعات بين الإخوة الأمراء، إلّا أنّ معاهدة أرضروم بين السلطنة العثمانية والدولة القاجارية قضت عليها كذلك في نهاية المطاف، وتم حلها في عام 1851م.

إمارة أردلان، كانت في الواقع حكومة مستقلّة، شملت جزءاً كبيراً من كوردستان.. كان المركز الإداري لحكومتها غالباً في هورامان ومدينة سنه – سنندج، واستمرّ حكمها نحو 700 عام، وانتهت عام 1867م.

وكذلك الثورات الكوردية، مثل تلك الثورة الّتي قادها عز الدين شير، القريب المقرب لبدرخان باشا أمير بوتان، والّذي تمكن في عام 1853، من حشد عدد كبير من الموالين حوله، والسيطرة على منطقة واسعة ممتدّة بين (بحيرة وان)، وصولا إلى مشارف بغداد وتحريرها، لكنها منيت بالفشل، وجرى قمعها بعد نحو عامين.

إنّ فشل انتفاضة الشّيخ عبيد الله النهري في عام ١٨٨٠م، ونفيه إلى مكة، ومن ثَمّ وفاته بعد عام من ذلك، كانت أحداثاً عاشها حاجي قادر بنفسه؛ إذ مرّت هذه الأحداث المأساوية أمام ناظريه.. ولم يقتصـر الأمر على ذلك فحسب، بل كما يقول محمّد حمه باقي: كان حاجي قادر هو نفسه المحرّك لتلك الثورة.

ومن المؤكّد أنّ هذه الأحداث تركت أثراً بالغاً جداً في حاجي قادر كويي، كونه كان هو نفسه من النّاحية الفكريّة أحد المحرّكين لتلك الثورة، فقد كانت أشعاره بمثابة محفّز للجماهير، وعاملاً لجمعهم حول الثورة، وفي الوقت نفسه أصبحت جوهر خطاب الثورة.

وننوّه الى أنّه في قسم (الدولة الكوردية من منظور حاجي قادر كويي)، سنقوم بإجراء ربط ومقارنة بين خطاب حاجي قادر وخطاب الشيخ عبيد الله النهري في انتفاضة 1880م.

ولا جرمَ أنّ تلك الأحداث تركت أثراً سلبياً كبيراً في نفسيّة كل كوردي، حيث خيّم اليأس بظلاله على قلوب الكثيرين، وقد انعكس ذلك على حاجي قادر في قصيدته (كوردي من كويسنجق)، وذلك حين يلتقي حاجي بشخصٍ من أهالي كويسنجق يعيش في إسطنبول، فينشأ بينهما حوار يبوحان فيه بآلامهما لبعضهما البعض، وقد صاغ حاجي قادر تلك الآلام في هذه القصيدة.

ثانياً: عاش حاجي قادر – كما أسلفنا – في القرن الـ 19، وهو القرن الّذي شهد بروز الحركات القومية، ومحاولات الشعوب الرازحة تحت حكم الدولة العثمانية والقوى العظمى الأخرى في ذلك العصـر لتأسيس دولها القومية، وذلك بدوافع قوميّة، ونمو الفكر والنضال القومي في آسيا وأفريقيا ضدّ المستعمرين.

وبالرّغم من أنّ بداية انطلاق المسألة القومية تعدّ مسألة شائكة ومعقّدة، إلّا أنّ هناك آراء ووجهات نظر متباينة وكثيرة حول تعريف مفهوم القومية، كذلك جرى طرح عدّة وجهات نظر بخصوص تاريخ بداية ظهورها. المهمّ بالنسبة لنا هو أنّ القومية – بصفتها مسألة طبيعية، وتمسّك الإنسان بأرضه ووطنه، واستعداده للتضحية في سبيل شعبه وسعادة أمته – قضية فطريّة طبيعيّة، وهي موجودة منذ بداية حياة الإنسان على وجه الأرض.

 فالقومية بوصفها فلسفة وقضية اجتماعية تتبلور حول موضوع التجمع والهوية السياسية الخاصة، والمحفّز لتشكيل وبناء الدولة والكيان السياسي، فهي بلا شك ظاهرة حديثة. ينسب البعض بدايات ظهورها إلى (جان دارك) في حرب الـ 100 عام، ولاحقاً مرّت أوروبا بعدّة مراحل من التحوّل والتطوّر في الفكر القومي، وصولاً إلى الثورة الفرنسية التي كانت ممارسة عملية لإرادة ورغبة قومية.

لقد تركت الثورة الفرنسية من الناحية الفكرية بَصْمتَها وتأثيرها، وتجاوزت الحدود الجغرافية لفرنسا بَلْ وحتى أوروبا، وبعد ذلك انتشـرت وتطوّرت الأيديولوجية القومية كأيديولوجية حديثة في العالم قاطبة.

أمّا في هذا الجزء المسمّى اليوم بـ(العالم الإسلامي)؛ فلم يكن هو الآخر بمنأى عن هذه الظاهرة، فبعد أنْ ضعفت الخلافة الإسلامية تماماً، عملت الدول الأوروبية أيضاً، بهدف تقويض دولة الخلافة العثمانية أكثر فأكثر؛ على إثارة تلك الأيديولوجية القومية، وحاولت تحريض حركات انفصالية بين الشعوب الخاضعة لسلطتها، ومن بينهم الكورد.

وفي ذلك العصـر الّذي عاش فيه حاجي قادر كويي، أصبحت تلك الأفكار والروح القومية مادة ومحفزاً لعدّة ثورات، مثل ثورة الشيخ عبيد الله نهري في عام 1880، حيث كان حاجي قادر نفسه أحد أبرز المحرّكين لتلك الثورة، وعمل على تحشيد وإثارة الجماهير، كما أسلفنا الذكر.

ثالثاً: قبيل توجّه حاجي قادر كويي إلى (إسطنبول)، ونتيجة للتأخّر والضعف السياسي والاجتماعي والصناعي والعلمي؛ كان العالم الإسلامي عموماً، وحدود نفوذ الدولة العثمانية خصوصاً – الّتي كانت حينها تمثّل الخلافة الإسلامية – يعاني من الظلم والاستبداد وغياب العدالة، والتمييز ضدّ القوميات غير التركية داخل الدولة العثمانية، فمن جهة كان تقدّم أوروبا وازدهارها، لا سيّما من الناحية السياسية والعلمية والصناعية، يقابله – من جهة أخرى- في العالم الإسلامي، ظهور تيار فكري للنهضة والإصلاح، ضمّ عشـرات العلماء والمفكّرين من أمثال عبد الرّحمن الكواكبي، ورفاعة رافع الطهطاوي، وخير الدين التونسـي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده؛ هؤلاء جميعاً، وخاصة جمال الدين الأفغاني – الذي كان نشطاً وجريئاً في تلك الفترة التي عاش فيها حاجي قادر في إسطنبول -؛ كان رّواداً للإصلاح والنهضة في إطار الدولة العثمانية، ولعدّة سنوات؛ تزامنت مع إقامة حاجي قادر في إسطنبول، وكان معظم هؤلاء يدعمون وحدة الأمّة الإسلامية، وكان جوهر خلافهم مع الدولة العثمانية يتمحور حول قضايا غياب العدالة، والجمود السياسي، والتخلّف العلمي والصناعي؛ لا كمشكلة قومية، أو دعوات للانفصال، أو قضايا الاعتراف أو الشرعية.

وفيما يبدو، كان هناك أوجه تقارب ونقاط التقاء واضحة بين دعوات النهضة ومشاريع الإصلاح الّتي تبنّاها أولئك الروّاد مع المشـروع الفكري والإصلاحي الّذي طرحه حاجي قادر كويي.

رابعاً: كان أحد الركائز الأساسية لفكر جمال الدين الأفغاني؛ هو الدعوة إلى توحيد العالم الإسلامي ووحدته، وتخليصه من الصِّـراعات والانقسامات والخلافات الداخلية، التي كانت بمثابة عوامل ضعف وفقدان لتلك المكانة، والتأثير الذي كان منتظراً من الأمة الإسلامية.

بلا شك، لم يكن الأفغاني يرغب في جمع المسلمين كلهم في دولة مركزية واحدة؛ لأنّ هذا المطلب كان في ذلك العصـر أمراً مستحيلاً وغير قابل للتنفيذ، بَلْ كان يهدف فقط إلى التعاون والتآزر، وبناء شعور مشترك ودعم متبادل، وتوحيد الأهداف في إطار (جامعة إسلامية) مبنية على تعاليم القرآن الكريم.

وعطفاً على ذلك، فإنّ الحركة الفكرية الإصلاحية الّتي قادها الأفغاني، كانت تتجه بشكلٍ عام نحو وحدة المسلمين واجتماعهم ضمن إطار مشـروع باسم (الجامعة الإسلامية)؛ لأنّهم كانوا قد فقدوا الأمل – إلى حدّ كبير – في إصلاح مؤسسات الخلافة العثمانية والنهوض بها؛ فكانت تلك الجامعة الإسلامية تعدُّ جزءاً من إصلاحات ذلك التيار، وبديلاً – أيضاً – للخلافة العثمانية في حال انهيارها، وهو الأمر الّذي كان متوقّعاً حينها، حيث باتت تلقّب بـ(الرّجل المريض).

خامساً: الصـِّراع بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية؛ من الواضح أنّ كوردستان كانت تقع بين إمبراطوريتين كبيرتين في ذلك العصـر، بمذهبين مختلفين، وهيمنة قوميتين مختلفتين؛ فالإمبراطورية الصفوية في إيران – شـرق كوردستان – كانت تتبع المذهب الشيعي، ومن الناحية القومية كانوا فرساً.. أمّا الإمبراطورية العثمانية في تركيا – غرب كوردستان – فكانت تتبع المذهب السني، مثل أغلبية الكورد، ومن الناحية القومية كان الأتراك هم المهيمنون فيها.. وكان لهاتين الإمبراطوريتين عداء وتنافس سياسي ومذهبي تاريخي عميق، وبناءً على ذلك، عندما وقعت كوردستان تحت السلطة الصفوية، وقف الصفويون ضد الكورد، وقاموا باحتلال أراضيهم.

ولهذا السبب أيضاً عندما أراد العثمانيون – إبّان حكم السلطان سليم الأول – توسيع دولتهم، شـرعوا في محاربة الصفويين، والسيطرة على مناطق شمال كوردستان.. كان الكورد يحملون ضغينة تجاه الصفويين، ولذلك انحازوا للعثمانيين، وأصبحوا جزءاً من الدولة العثمانية.

وعندما تمكّن العثمانيون من الانتصار على الصفويين في معركة (جالديران)، كان للكورد بكل تأكيد يد في ذلك النصـر المؤزّر.

لقد كان شاه الصفويين، والسلطان العثماني، في أغلب الأوقات، يوسّعان نفوذهما على حساب الكورد، وفي ذلك العصـر الّذي عاش فيه حاجي قادر كويي، وبسبب ميل الكورد إلى العثمانيين، نتيجة الظلم الكبير الّذي ألحقه الصفويون بالكورد، ازدادت حدّة منافستهما.

ولا شكّ، فإنّ الصِّـراع بين هاتين القوتين العظميين، في ذلك الوقت، لم يقتصـر على البعد السياسي فحسب، بَلِ اكتسب صبغة مذهبية وطائفية أيضاً، وفي معظم تلك الصِّـراعات، كانت الدولة الصفوية تنسّق مع أوروبا؛ حيث كانت أوروبا المسيحية تدعم الصفويين – بشكلٍ من الأشكال – من أجل إضعاف الخلافة العثمانية أكثر؛ لأنّ الأخيرة كانت تمثل خطراً أكبر على الدول الأوروبية؛ أوّلاً: لأنّ حدودها كانت ملاصقة لجغرافية الدّولة العثمانية، فكلُّ توسُّعٍ في الحدود الجغرافيّة للعثمانيين؛ كان بمثابة تقويض لمساحة نفوذها. ثانياً: كان العثمانيون يمثّلون بشكلٍ أكبر السياسة والحضارة والثقافة الدينية الإسلامية، الّتي كان بينها وبين أوروبا المسيحية عداء وصـراع تاريخي عميق؛ سياسياً ودينياً وثقافياً. علاوة على ذلك فإنّ الأناضول – وهي الأرض التي أسّست عليها الدولة العثمانية – قد انتزعت من تحت يد الإمبراطورية الرومانية، الّتي تعدّ أوروبا وريثتها.

سادساً: في ذلك العصـر الّذي عاش فيه حاجي قادر كويي، وفي ظلِّ السلطنة العثمانية، وتشـرذم العالم الإسلامي، وابتعاده عن روح الإسلام، وغياب العدالة، والظلم الاجتماعي الّذي كان يمارس، لم يكن المسلمون متخلفين في الجانبين الاجتماعي والسياسي فحسب، بَلْ كانوا متخلفين في ميادين الحياة كافّة، حيث كانت الفجوة الحضارية بينهم وبين أوروبا المسيحية آخذة بالاتساع، إذ كانت أوروبا – في ظل الثورة الصناعية – تخطو خطوات كبيرة، وكان علماؤها منشغلين بالابتكارات، والورش والمصانع تعمل ليلاً ونهاراً لصناعة وتطوير تلك الأدوات والآلات الّتي تخدم حياة الإنسان وتحقّق رفاهيته؛ وكان المهندسون والشركات منهمكين بتوسيع البلاد والمدن، وبناء القصور والمباني الشاهقة، وربط المدن بعضها ببعض عبر خطوط السكك الحديدية؛ وكان مستوى معيشة الأفراد في تحسّن مستمر، ودخل الدول في تزايد.

وقد بدأت بعض الدول الأوروبية بالبحث عن مصادر الطاقة والمعادن وأيّ مصادر طبيعية أخرى، ولهذا الغرض أيضاً، بدأت بمحاولة احتلال دول أخرى، خاصّة الدول الإسلامية.

لقد تأثر حاجي قادر كويي كثيراً بهذه الأوضاع، كغيره من المفكّرين في العالم الإسلامي، وهو ما يظهر بوضوح في أشعاره وقصائده، إذ كان يحثّ فيها على العمل الجاد لحيازة ناصية العلم والتقدّم الصناعي، كما وجّه انتقادات للسلطنة العثمانية لتخلّفها عن ركب الحضارة، والانشغال بالملذات والتفاهات، كما لم تغب عن أشعاره الدعوة إلى إيقاظ همّة الشعب الكوردي، إذ حثّه على السعي في طلب العلوم والفنون لمواكب متطلبات العصـر وتلبية احتياجاته. وكلّ ذلك بأسلوب شعري رصين وسلس، مثل قصيدة (عسـى ألّا يسيئوا الظنّ بي)، وكذلك قصيدة (تعال انظر لتعرف أيّها الشاب الكويي).

 سابعاً: شهد القرن الـ 19 صـراعاً بين روسيا والغرب، بقيادة بريطانيا من جهة، والحروب والصِّـراعات بين روسيا والسلطنة العثمانية، من جهة أخرى. وكانت شعوب المنطقة تستخدم كوقود لهذا الصِّـراع، خاصّة في النصف الثاني من ذلك القرن؛ حيث كانت الدولة العثمانية تسير نحو الضعف والوهن، وتتقلّص سلطتها عاماً بعد آخر، وكانت الأقاليم والإمارات البعيدة عن المركز تنفصل عنها بدعم من الخصوم الأقوياء وتحصل على استقلالها.

في ذلك الوقت، كانت المنافسة بين روسيا وبريطانيا تشتدّ للحصول على أكبر نصيب ممكن من تركة الدولة العثمانية، التي كان يتوقع سقوطها، وكان الجميع يحاول من جانبه تقويضها. فعلى سبيل المثال، في عام 1853، طالبت روسيا بالوصاية على المكوّن الأرثوذكسـي في كامل نفوذ السلطنة العثمانية، ولكن من جانبهما دخلت بريطانيا وفرنسا على الخط لوضع حدّ لأطماع روسيا، بالتحالف مع العثمانيين، وبعد 3 سنوات من الحرب، تلقّت روسيا ضـربة قاصمة، فاضطرّت لتوقيع معاهدة باريس، لكنّها عادت مرة أخرى وقررت الانتقام، حيث تحالفت مع صـربيا والبوسنة والهرسك وبلغاريا، وفي النهاية توصلوا إلى معاهدة (سان ستيفانو)، الّتي تنازلت فيها السلطنة العثمانية عن جزء كبير من أراضيها، ولاحقاً تغيّر ذلك التحالف إلى معاهدة برلين، ولكن إمبراطورية النمسا والمجر، وكذلك بريطانيا العظمى، عارضت نفوذ روسيا في تلك المساحات الشاسعة الّتي حصلت عليها من نفوذ العثمانيين، وعندها رضيت روسيا دون أيّ مقاومة، واستسلمت لمعاهدة برلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى